أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - وليد حكمت - امتاع السامعين بقصص الكادحين1















المزيد.....

امتاع السامعين بقصص الكادحين1


وليد حكمت
الحوار المتمدن-العدد: 1657 - 2006 / 8 / 29 - 10:07
المحور: كتابات ساخرة
    



يا سادة يا كرام .... غريب حال مدينتنا معان مدينة( كل من إيدو الو) هذه العبارة التي سمعتها منذ صغري وترسخت في الذاكرة لأنها لأصدق وصف يمكن أن اصف به واقع مدينتي بمختلف مناحيه... أول مرة سمعت هذه العبارة كانت في مسلسل تلفزيوني وبالذات من الفنان دريد لحام في أحد أدواره الذي عبر به قائلا ( هذه حارة كل من أيده الو) أي الحارة التي يأكل القوي فيها الضعيف ويأخذ ما يشاء متى شاء كيف شاء كل بحسب طاقته ونفوذه وجبروته....

في مدينة معان المهمشة تنشط البرجوازية الصغيرة والمتنفذون وزعماء العشائر المتكرشون من دماء الكادحين والبيروقراطيون المحترمون وسماسرة الأراضي النصابين وبعض القيادات الشعبية المدجنة وبعض الفعاليات الحزبية والثقافية المرتزقة والمتسلقة الى دنياها المذمومة بدينها ومبادئها ولا ننسى فئة تجار المخدرات وغاسلي الأموال من المبجلين والمحترمين لدى السلطات المحلية في هذه المدينة .... هذه الفئات هي الفئات المستغلة_ بكسر الغين_ تلك الفئات التي استولت على مجمل الثروات في منطقة معان من أراض وخامات ومقالع ومحاجر ومناصب وامتيازات واعفاءات واعطيات وهبات ووظائف مميزة ورواتب مجزية بمسميات وهمية تلك الفئات هي التي خلفت التخلف المزمن والفقر والمرض والظلم والقهر الاجتماعي والتلوث البيئي وتخريب التراث والترهل الذي عشش وفرخ في الدوائر والمؤسسات تلك الفئات هي التي تساوم على أبناء البلد وتتشدق بالصالح العام والوطنية والولاء مقابل الحفاظ على تلك الامتيازات والخيرات اما الكادحون بمختلف شرائحهم فلا ينالهم الا الشقاء والالم والفقر المدقع والاغتراب عن انفسهم واوطانهم والعقوبات الجماعية والقمع في حال تململهم ورفضهم لتلك الحالة المتردية.

في مجلس أبو سامي أمارس اسقاطاتي كل ليلة حيث نجتمع ومجموعة من المهمشين الكادحين ممن لفظتهم القوى الرجعية البرجوازية في معان وجعلتهم أجسادا واهية بلا آمال أو أحلام أو طموحات... في ذلك المجلس نتداول آخر الأخبار والمستجدات على الساحة المحلية والوطنية ... حيث يقوم أبو سامي الرجل الكهل بإشعال النار في تنور صغير أمام منزله الترابي العتيق الذي نسميه في معان بيت ابو قنطرة وهو من بقايا البيوت الترابية التي شيدت في سالف الزمان, وفي ذاك المكان نجتمع كل ليلة فيصنع لنا الشاي على تلك النار الموقدة ونحتسي أحيانا القهوة ونتناول النرجيلة التي تطفئ بفقاعاتها غيض قلوبنا وتهدئ من روع أمزجتنا القلقة ونتبادل حينها النكات والطرائف ونمارس النقد الاجتماعي بطريقة عفوية عامية ساخرة .

في هذا المجلس المهيب حيث نجلس على مقعد ترابي مستطيل نسميه بالعامية عتبة أو مصطبة تأتينا أخبار البلد أخبار وشذرات متنوعة حول آخر الأحداث والتطورات في المدينة أخبار علية القوم و اللصوص والمشاجرات والمناكفات وشكاوى غلاء المعيشة والولائم التي يعقدها المتنفذون للمتنفذين أمثالهم وقرارات الحاكم الإداري التي لا تسمن ولا تغني من جوع ونتابع قضايا التخلف البيئي والثقافي والاجتماعي بكافة تفاصيلها وأوجاعها ومؤثراتها يتخللها ضحكات بين الحين والآخر نداوي بها آلامنا ولو للحظة.

أبو سامي الذي يرتكز على عصاه هو الذي يدير الجلسة فيبدو كرجل طاعن في السن عركته الأيام والحوادث وقد بدت تجاعيد وجهه تتراءى بوضوح امام وهج النار المضطرب وصوته الأجش الذي يحكي قصة الألم والقهر لإنسان معان.

أحيانا يتحول الحديث بسرعة إلى مجال آخر حيث ينشد الحضور ويشاركون فيه ثم نعود للموضوع الرئيس وهو الشكوى والتذمر من وضع البلد الذي يسير بالمعكوس ... يقاطعنا ابو سامي ( والله يا جماعة الدنيا بآخر وقتها والله يستر من الأيام الجاية )... الله اكبر البلد كلها ظلم في ظلم ....

البلد يتحكم في مصيره مجموعة من المتنفذين أصحاب المصالح الشخصية انتهازيون حتى النخاع أكلوا الأخضر واليابس ولم يخلفوا وراءهم إلا الفقر والظلم والمرض والأسى والتلوث البيئي والمعاناة النفسية لباقي البشر.

كان حديث الليلة عن بعض الشطار الكادحين الذين يغامرون بحياتهم من اجل الحصول على ما يسد رمقهم في زمن البطالة والجوع والأسعار الفاحشة....يقوم هؤلاء الشطار بتفكيك بعض القطع الحديدية لسكة الحديد المهجورة وهي من بقايا مخلفات العصر العثماني يأتون عليها ويقومون بتقطيع تلك القضبان الحديدية بصبر ومشقة من اجل بيعها في سوق الخردوات بثمن زهيد كي يحصلوا على المال ليسدوا به رمقهم ويستمروا في العيش ككائنات حية تصارع البقاء.... أتذكر جيدا عندما قرأت الأرشيف الحكومي في معان في فترة العشرينيات من القرن الماضي فلاحظت أن كادحي ذاك الزمن لجؤوا إلى تلك الطريقة كي يكسبوا عيشهم معرضين أنفسهم للمخاطر والسجن والملاحقة من قبل قوات الدرك... لكن وكما يقال مكره أخاك لا بطل .... عندما يتم القبض على أحد أولاء الكادحين من الشطار أو اللصوص يحول الى المحكمة ليحاكم ويسجن بضع سنوات ولا يتم الاعتراف به كعضو في المجتمع بعد إطلاق سراحه ويمنع من العمل في كافة القطاعات الحكومية ويمنع من الحصول على رخصة سواقة ويمنع ...الخ.

هؤلاء الشطار لا يبالون بالمجتمع والسلطات التي تلفظهم إلى غير رجعة ويبادلونها هم باللفظ ايضا بل يعاودون الكرة مرة أخرى وقد يحترفون السرقة في مجالات أخرى كسرقة كوابل الكهرباء وغيرها من القطع والمواد التي يمكن بيعها في الأسواق وقد يحترفون الجريمة في مرحلة متقدمة.
منذ سنوات ازدادت وتيرة السرقات وتصاعدت في معان حتى بلغت مستوى عال تجاوز الحد الأعلى ... تلك الظاهرة وما يتبعها من تداعيات وآثار ونتائج تعجز الدولة والسلطات المحلية عن متابعتها واستقصاء مرتكبيها وملاحقتهم ذلك أن الفقر المدقع الذي يعيشه غالبية سكان البلد والتهميش المزمن الذي تعانيه البلد وما يتبعه من تخلف ثقافي واقتصادي واجتماعي وصحي اكبر من أن تعالجه العقوبة بالسجن..

الغريب في الأمر أن الفساد المالي الذي يعد بمئات الملايين في هذا الوطن الغالي والذي شمل اغلب قطاعات الدولة منذ دهر ليس بالقصير لا تتم محاسبة مرتكبيه وملاحقتهم ... إنما تتم ملاحقة ومعاقبة من يسعون لسد حاجاتهم الأساسية التي تبقيهم على قيد الحياة ككائنات بشرية فقط.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,844,907,163
- القضاء العشائري في مدينة معان أداة لنهب أموال الكادحين فيها
- مؤسسة سكة حديد العقبة في معان.... بين مطرقة الإدارة المترهلة ...
- تدمير البنية التراثية المعمارية في مدينة معان مؤشر لتخلف الب ...
- الواقع الاقتصادي والاجتماعي لمدينة معان في الحقبة الماضية
- قضية الأرض في معان الى أين تسير؟؟؟؟


المزيد.....




- برلماني -بامي- يهدد بالاستقالة بسبب معاشات البرلمانيين
- شرطيون مغاربة في باريس للتعرف على هويات قاصرين
- منشد الفاتحة المصري على ألحان الموسيقى يرد على منتقديه
- الشعر في الاحتجاجات العراقية يسجّل وقائع الفقر والعنف
- رحيل احمد مطلوب... الشاعر والعاشق ورئيس المجمع العلمي العراق ...
- الإمبراطورية العثمانية... ستة قرون في أقاليم تجاوزت 3 قارات ...
- صدور رواية -طلب صداقة- للكاتب محمد عبد الحكم
- تسعة ممثلين رفضوا أدوارا مهمة في أفلام بارزة
- صدر حديثًا ترجمة كتاب بعنوان -لاثاريللو دى تورمس-
- قريبا في الأسواق… أعمال فنية جديدة لتركي آل الشيخ مع فنانة م ...


المزيد.....

- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم
- التكوين المغترب الفاشل / فري دوم ايزابل
- رواية ساخرة عن التأقبط في مصر بعنوان - البابا / الصحفي الراحل في جريدة البديل اليسارية المصرية/ محمد ربيع
- رواية ساخرة عن التأسلم بعنوان - ناس أسمهان عزيز السريين / الصحفي الراحل في جريدة البديل اليسارية المصرية/ محمد ربيع
- هكذا كلمني القصيد / دحمور منصور بن الونشريس الحسني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - وليد حكمت - امتاع السامعين بقصص الكادحين1