أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - دنيا الأمل إسماعيل - فساد المجتمع المدني






















المزيد.....

فساد المجتمع المدني



دنيا الأمل إسماعيل
الحوار المتمدن-العدد: 1645 - 2006 / 8 / 17 - 11:10
المحور: المجتمع المدني
    


إنّ دراسة أي نظام سياسي أياً كان شكله، وأهدافه ووسائله، تفترض وجود مقدمتين متداخلتين، تسبقان الحديث عن النظام السياسي، وهما: الدولة والسلطة؛ إذ لا يمكن الحديث عن نظام سياسي خارج إطار الدولة، وهذه إحدى إشكاليات النظام السياسي الفلسطيني0 وثانياً أنّ وجود الدولة، يفترض وجود سلطة لهذه الدولة، كشرط لازم لتنظيم المجتمع واستمراره ونمائه، هذا في الوقت ذاته الذي تثير فيه ظاهرة السلطة – باعتبارها ناتجاً عن الدولة – قضية الحرية ومدى تحققها من عدمه، ارتباطاً بحجم الانفتاح أو القمع الذي تمارسه هذه السلطة0
من جهة ثانية، فإنّ دراسة النظام السياسي، ليست في حقيقة الأمر سوى دراسة لأشكال ممارسة السلطة السياسية وأهدافها وغاياتها، والفلسفة التي تحكم أو تقف وراء هذه الأشكال أو الغايات
وعليه، فإنّ الحديث عن أي دور لمنظمات المجتمع المدني، في بناء أو إعادة بناء النظام السياسي، يفترض أساساً قدرة المجتمع المدني على تنظيم نفسه بصورة مستقلة، والوصول إلى الفئات الاجتماعية المختلفة، بغض النظر عن تصنيفاتها الطبقية أو العرقية أو الحزبية أو الجنسوية أو الدينية، بمعنى آخر اعتماد مبدأ المواطنة كمدخل حقيقي وأساس لتحقيق فاعلية ونوعية هذا الدور من خلال عمليتي المشاركة والتفاعل بين منظمات المجتمع المدني والتكوينات و الأنساق الاجتماعية الأخرى في المجتمع، ما يساهم في بلورة أنماط محددة من العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، سواء تمثل هذا التفاعل في أشكال تعاونية أو تنافسية أو صراعية، طبقاً لدرجة التباين بين القوى المختلفة في المجتمع من حيث مصالحها وقدراتها وإمكانياتها ، وهذا يقودنا إلى القول مجدداً بأنّ المجتمع المدني هو مجتمع غير متجانس بالضرورة، لما فيه من تعددية واسعة، وفي أحيان كثيرة يمثل ساحة واسعة للصراع والتنافس بين القوى والجماعات ذات المصالح المتناقضة والرؤى المختلفة0 لذلك حرصت القوى السياسية والحزبية المختلفة في المجتمع الفلسطيني على خلق مجتمعها المدني الخاص بها، بدءاً من تشكيل الأطر النسوية التابعة للأحزاب السياسية، ومروراً بالاتحادات والتنظيمات النقابية التابعة لمنظمة التحرير، وصولاً إلى مرحلة أوسلو وما بعدها، والتي شهدت صعوداً غير مسبوق في عدد ونوعية منظمات المجتمع المدني، وهجرة أقطاب العمل الحزبي إلى أحضان هذه المنظمات، وهي هجرة ذات دلالة جعلت الفصائل والتنظيمات السياسية الفلسطينية تعيد التفكير بأطرها السياسية/ الاجتماعية وتحويلها إلى جمعيات أهلية،تسعى للحصول على التمويل الخارجين من أجل تنفيذ برامجها الاجتماعية، خاصة في ظل شح الموارد المالية لهذه الأحزاب والحركات السياسية، وهو تحول ينبيء فعلياً عن مدى عجز الأحزاب والحركات السياسية، وقصورها عن استيعاب التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدها المجتمع الفلسطيني ومن ثم عجزها عن تلبية حاجات هذا المجتمع 0
في سياق آخر، كانت الحركات الإسلامية قد تنبهت إلى أهمية الدور الاجتماعي، ذو المضمون السياسي للمنظمات الأهلية والخيرية، ومدى التأثير الذي تلعبه " الحاجة" – أياً كان نوعها –ن المغلفّة بالدين على صناعة اتجاهات سياسية، أنتجت في النهاية نظاماً سياسياً فلسطينياً يتناقض بدرجة أو بأخرى مع مضامين وتوجهات الحركة السياسية الفلسطينية في العقود الماضية0
إنّ تعاكس كلٍ من الاتجاهين السائدين في السياسة الفلسطينية( فتح ن حماس)، انعكس بالمضامين نفسها على الاتجاهات التي حكمت توجهات منظمات المجتمع المدني الفلسطيني، التي هربت من الاشتغال على الموضوع السياسي – بدرجات متفاوتة وذات دلالة- إلى الاكتفاء بالموضوع الاجتماعين كهدف رئيس ووحيد لإطار عمل هذه المنظمات، في ترافق ذي معنى مع فقدان البعد الجماهيري، والانغلاق على مجموعة من البرامج والأنشطة ذات الفعالية المحدودة، على الأقل في المدى المنظور، فضلاً عن الاشكايات الهيكلية والمالية التي يعاني منها كثير من هذه المنظمات، وأهمها الاعتماد على التمويل الخارجي، وفقدان القدرة على الاستمرار والتواصل في حال بروز أية إشكالية صغيرة تخص هذه القضية0 لذا ظل الانشغال بالبحث عن مصادر للتمويل مستأثراً بقسم كبير من اهتمامات وطاقات هذه المنظمات، وتحييد مواقفها من معظم القضايا السياسية، خاصة الداخلية منها، مع وجود استثناءات مميزة0
كان هذا يحدث، في الوقت الذي دأبت فيه المنظمات الأهلية الإسلامية على المزاوجة بين العمل الأهلي/ الخيري/ الميداني والعمل السياسي، بل إنها في أحيانٍ غالبة، ربطت بين إمكانية الحصول على الخدمة التي تقدمها بالتأطير الحزبي، أو في أقل الأحوال تبني مواقفها السياسية0
إنّ استقلالية منظمات المجتمع المدني، مادياً وإدارياً وتنظيمياً بعيداً عن تدخل الدولة، وفي أحيان كثيرة تحت حمايتها، أدى إلى أن تقل درجة اعتماد أفراد المجتمع على الدولة في أمورهم اليومية والحياتية الأخرى، وهذا ما سحب البساط – إلى جانب أسباب أخرى- من تحت أقدام النظام السياسي/الدولة، ومن ثم خفوت تبعية المواطنات والمواطنين للدولة، فيما تصاعد الانتماء للمنظمات الأهلية المحسوبة على الحركات الإسلامية تحديداً، التي استطاعت أن تحقق مبدأ الانتشار الجغرافي، واستخدام المنهج البراجماتي في التعامل مع شرائح المجتمع المختلفة، خاصة الفقيرة والمهمّشة منها، التي تعاني من إحباط وفقدان للأمل والدافعية، مدعمّة ذلك بالقواعد المعلوماتية والبيانية الممنهجة، ما خلق لها قدرة السيطرة على المواطنين/ات وجذبهم إلى دائرتها وخلق قوى وصراعات جديدة على الساحة الفلسطينية، تتعارض مع أيدلوجية النظام السياسي السابق ومع معظم توجهات منظمات المجتمع المدني0 وينبغي هنا الإشارة إلى الدور الكبير الذي لعبه مثقفون وإعلاميون وأكاديميون في إنتاج هذه الأيديولوجيات وتمريرها بأشكال مباشرة وغير مباشرة في غفلة الفعل التي رافقت منظمات المجتمع المدني الديموقراطي والاتجاهات اليسارية والتقدمية0
إنّ الديموقراطية السياسية التي تقوم في جوهرها على أساس التعدد السياسي والفكري وحرية إقامة التنظيمات السياسية والأهلية واحترام مبدأ تدوال السلطة، تبقى رغم كل شيء، الصيغة الأكثر انفتاحاً على مختلف قوى المجتمع، والسماح لها بالتعبير عن مصالحها وآرائها، وعليه يمكن النظر إلى أنّ وفرة منظمات المجتمع المدني في مجتمعنا الفلسطيني، لم تؤدِّ إلى تغييرات نوعية في دمقرطة النظام السياسي، ولم يشفع عديد الورشات والندوات والمؤتمرات والأموال الطائلة التي أنفقت على موضوع المشاركة السياسية والانتخابية تحديداً في تبني اتجاهات خارج الإطار الديني، لدى القاعدة العريضة من المجتمع الفلسطيني، وهذا يعني أنّ خلالاً ما يتواجد في بنية وآلية عمل هذه المنظمات، ومدى ثقة الناس في برامجها وأنشطتها من جهة0 ومن جهة أخرى، علينا أن نعترف أنّ الفئات المستهدفة لهذه المنظمات، مارست نوعاً من الباطنية في العلاقة بينها وبين المنظمات الأهلية، وتحديداً النسوية منها0 وهذا ما لم تخجل من التصريح به الكثير من المترددات والمستفيدات من المؤسسات النسوية من غير ذات التوجهات الإسلامية، ولا يشعرنّ بأي نوعٍ من الغضاضة في ذلك0 ما يجعلنا نتساءل عن مدى الاطمئنان إلى حجم التغيير الذي أحدثته هذه المنظمات في ذهنية وسلوكيات المترددات عليها، بعيداً عن الغرور الشعاراتي والإعلامي الذي ميّز معظم منظماتنا النسوية0

وبعد، هل يمكن الحديث عن أي دور للمجتمع المدني في إعادة بناء النظام، وما شكل ونوعية ذاك الدور وهذا البناء، وأية احتمالات متوقعة لنجاحه أو فشله، وهل تساعد الأزمة التي تولدت عن الانتخابات الثانية (قطع المعونات والتمويل، تكثيف العدوان الإسرائيلي، تخبط حماس، مراجعة فتح لنفسها، سبات الحركات والتنظيمات اليسارية، صعود النفعية بين أفراد المجتمع؛ حالة الفلتان الأمني؛ 000إلخ) في إعادة قراءة دور منظمات المجتمع المدني من منظور نقدي، يهدف إلى تجاوز الأخطاء والثغرات وتدعيم الإنجازات وتطويرها مهما كانت صغيرة، أو بدت للبعض باهظة التكلفة إنسانياً ومادياً0
إنّ ثمة أدوار متعددة لمنظمات المجتمع المدني الفلسطيني، وجميع هذه الأدوار ترتبط بشكل أو بآخر، بدرجة عميقة، أو واهنة بالفعل السياسي الفلسطيني، وربما أبرز وأهم هذه الأدوار جميعاً تلك التي ارتبطت بإحداث تغيرات وتحولات في نمط الفعل السياسي الفلسطيني التقليدي، وخلق معايير اجتماعية وثقافية جديدة من خلال صعود عمليتي المأسسة والمهنية وتكثيف حضور التعليم المدني من خلال البرامج التدريبية والتوعوية والتعليمية، ما خلق نوعاً من المعرفة الجديدة للفئات المستفيدة من هذه البرامج والأنشطة، لكنها في الوقت نفسه ظلت محصورة في إطار ضيق للغاية، يفتقر إلى الاستمرارية والتمدد طبقياً وجغرافياً وزمنياً، لأسباب كثيرة ومعقدة، منها ما هو مرتبط بذهنية وشخصيات القائمين/ات على العمل المدني، ومنها ما ارتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بأجندة الممول، وترافق ذلك مع ظهور تشكيلات اجتماعية جديدة، استطاعت أن تطور نفسها، بغض النظر عن القيم والأخلاقيات القديمة، واستطاعت أن تحصل على وظائف معينة في المجتمع، ذات صلة بمنظمات مجتمع مدني دولية، وكان لدى هذه التشكيلات إمكانية القبول بمعايير وشروط الممول صراحة أو من خلف ستار، ما أدى إلى خلق أشكال متعددة من الصراع والتنافس المحموم بين هذه التشكيلات الاجتماعية/ الاقتصادية/ الثقافية، وهرولتها جميعاً نحو بناء مؤسساتها الخاصة، التي يمكم من خلالها مأسسة هذا الصراع في أشكال عصرية ذات بعد وطني أو نضالي أو ديني0
علينا أن نعترف أن الأدوار المتعددة لمنظمات المجتمع المدني الفلسطيني، بعضها يناقض بعضها أحياناً، وأخرى تتكامل، لكن بشكل سريع وعابر وموسمي، وهي في جميع هذه الأدوار ساهمت في تكريس أنواع جديدة من الفساد الذي أنتج - مثلما هو أيضاً كان نتيجة- الانعزالية والبعد عن الجماهير، وتحويلها إلى أدوات تخدم مصالح القائمين على هذه المنظمات، وهي مصالح ليست بالضرورة مادية، وعلينا هنا أن نتذكر بشيء من الحكمة أن الملك لا يكون ملكاً دون رعية0 وفي هذا السياق لنعيد قراءة حجم ونوعية وآلية توزيع التمويل الخارجي لمنظماتنا المدنية خلال العشر سنوات الماضية، وسنكتشف الكثير من المؤشرات والدلائل على ذلك، منها على سبيل المثال، لا الحصر: الهرمية، التي تتكرّس يوماً بعد آخر بين منظمات المجتمع المدني الفلسطيني، وجود منظمات محددة مفضلة لدى الممول الخارجي دون غيرها، واستئثارها بالنصيب الأكبر من حجم التمويل الخارجي في موضوعات محددة ومكرورة، وذات طابع نخبوي، لا تعكس الاحتياجات الحقيقية للفئات المتنوعة للمجتمع الفلسطيني، في الوقت الذي "أدى فيه التسابق على التمويل إلى إعادة إنتاج انقسامات داخلية مثل مدني/ ريفي، مؤيد/ معارض لأوسلو، متحدثين بالإنجليزية/ بالعربية، تكنوقراطيين مهنيين/ نشطاء مناضلين، وأصبحت هذه الانقسامات أكثر وضوحاً حتى أنها شكّلت العلامات التي تعكس العملية التي أفضت إلى نشوء هذه النخبة الجديدة" 0

فساد المجتمع المدني:
على الرغم من كل السلبيات التي يمكن تتبعها في توجهات وعمل منظمات المجتمع المدني، مثلها مثل الكثير من قطاعات المجتمع الأخرى، غير أنه لا يمكن التغاضي على أنها فاعل مركزي في عملية التنمية، وذات اتصال بالفئات المهمّشة، وتلعب دوراً مهماً في عملية الدمقرطة، حتى لو كانت الديموقراطية سلعة تنافسية قد تقرّبها أو تبعدها عن مصدر التمويل0
ويمثل هذا الدور الأكثر بروزاً في توجهات وبرامج عمل منظمات المجتمع المدني الفلسطيني، مترافقاً مع التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي أفرزتها اتفاقات أوسلو، وقد عبّر عن نفسه في الكثير من المؤتمرات ووورشات العمل وبرامج التثقيف والتوعية التي طالت قطاعات واسعة من المجتمع، جرى تحشيدها بشكل عشوائي، وتحت دعاوي نفعية، وقد كنت شاهدة على العديد من ورشات التثقيف التي حاضرت فيها، والمتعلقة بقانون الانتخاب وحقوق الناخبين، في أماكن جغرافية امتدت من بيت حانون حتى رفح، وفي كل المحافظات تشابه السيناريو حرفياً مع اختلاف الوجوه والأماكن0 إن معظم منظماتنا ليها قوائم مغلقة لا تزيد بقدر ما تنقص، هذه القوائم من النساء تحديداً هي قوائم تحت الطلب، بمعنى أنها جاهزة للحضور لأية ورشة أو محاضرة أو لقاء تنظمه هذه المؤسسة/ المنظمة، مقابل أن يكون لها الحق في الانتفاع من الخدمات البسيطة التي تقدمها هذه المؤسسة/ المنظمة، والتي لا تخرج عادة عن كوبونة غذائية، أو حقيبة مدرسية، أو إعانة مالية صغيرة لا تتجاوز الخمسين دولاراً وتحدث مرة واحدة غالباً لكل مترددة على المؤسسة، في المقابل تستفيد الجمعية من الحضور الإعلامي الباهت الذي ستضمنه تقريرها السنوي، وتحظى بالمكافأة المالية التي لا تتجاوز أيضاً خمسين دولاراً للمحاضرة الواحدة مع الضيافة ( عصير+ بسكويت) في الجانب الآخر يضطر منسق/ـة المشروع للقفز عن الأهداف "النبيلة" المتعلقة بالتوعوية والتثقيف ويقبل بالحدود الدنيا من شروط العمل 0 عدد قليل من الحضور في أحيان كثيرة لا يتجاوز العشرين، ليس مهماً تحديد الفئة أو نوعيتها أو تجانسها) وأذكر هنا أن الكثير من المؤسسات كانت تنفذ ثلاث ورشات في الوقت نفسه في ثلاثة أماكن مختلفة، حتى تنهي مشروعها قبل بدء عملية الانتخابات، ما اضطر منسق مشروعها إلى اختصار زمن المحاضرة الواحدة، والنزول إلى الشارع لحث الناس على حضور الورشة، وكان أحياناً يلوح ببعض الإغراءات الغذائية أو الإعانية لدفعهم إلى المشاركة والحضور هذا نموذج، لكنه ليس وحيداً، بل تكرر في جميع المؤسسات التي حاضرت فيها ومع زملاء وزميلات لي عملوا في مشاريع مشابهة0
إن التمعن في ما وراء هذه المشاهد، وعدم الاقتصار على أخبار وصور هذه الورشات التي تنشر في الصحف أو توثق في أدبيات المنظمات المدنية بشكل جميل وبراق يوحي بالإنجاز، يدعونا أو على الأقل الجريئين /ات منا إلى توصيف الخلل بناء على معطيات الواقع، وليس انطلاقاً من التحليلات النظرية المكيفة، التي أفضت إلى كل هذا الخراب والفساد في مجتمعنا المدني، ولاحقاً في السياسي0
إنّ الخلل الذي رافق بنية النظام السياسي الفلسطيني منذ أوسلو، سواء قديمه أو جديده، لا يعود فقط إلى أسباب سياسية، بل كان لأشكال العلاقة السائدة بين منظمات المجتمع المدني والنظام السياسي دور كبير في تكريس أنماط متعددة من هذا الخلل، بل إنني أجرؤ على القول أن بعض منظمات المجتمع المدني كانت حريصة على وجود دائم لهذا الخلل بطريقة أو بأخرى، بوعي أو دونه، حتى تستطيع البقاء والعمل، لأن وجودها وحراكها الاجتماعي والسياسي مبنّي على هذا الخلل0 كما أنّ عمليتي التوقيت والانتقاء التي مارستها منظمات المجتمع المدني ساهمت تكريس هذا الخلل وتوسيعه ليطال البنى التحيتية للنظام السياسي وهيكلته، ولم ترنو منذ نشوئها حتى الآن أية منظمة أهلية فلسطينية إلى بناء علاقة تكامل مع هذا النظام، بل على العكس منذ ذلك كل المنتظمات طرحت نفسها كنقيض للسلطة الفلسطينية/ النظام السياسي، سواء بالقول أو الفعل، ما طبع العلاقة بينهما بالصدامية والصراع الذي اتخذ أشكالاً ودرجات مختلفة0 في الجانب الموازي، كان النظام السياسي وسلطته يضع هذه المنظمات نتيجة علاقتها بالممولين موضع الشك والريبة، وحاولت مرات عدة تحجيم تمدد هذه المنظمات مرة باللين ومرة بالشدة، عبر القانون أو من خلال تجاوزه، غير أنها لم تنجح في ذلك0 وبقيت العلاقة ترواح نفسها بين التنافس الخفي أو الصراع الواضح، وبين هذا وذاك كانت هناك إمبراطوريات تنشأ وأخرى تزول، فيما السواد الأعظم من الشعب/ المواطنين/ات مشغول بفقره وحاجته ومرضه، دون أن يوفق سوى بتوفير الحد الأدنى من هذه الاحتياجات/ الحاجات، وبعد إهدار الكثير من كرامته الإنسانية مادة المجتمع المدني والسلطة/ النظام السياسي على السواء0
إن نقد المجتمع المدني لأداء السلطة الوطنية/ النظام السياسي، لا يعني براءة منظماته من أوجه كثيرة تتشابه مع أوجه النقد التي توجهها هذه المنظمات للنظام السياسي، فالمطالبة بالديموقراطية وتحقيق العدل والمساواة وتدوال السلطة واتباع إجراءات الشفافية والمكاشفة، هي حاجات لا تفتقر إليها فقط مؤسسات النظام السياسي، بل إنها تمثل حاجة أشد لهذه المنظمات التي تنادي بها وهي في الحقيقة تفتقر إلى تطبيقها داخل هياكلها الإدارية0 إن الطبقية ليست صفة للمجتمع فحسب ن بل إنها أيضاً صفة لكل منظمة من هذه المنظمات على حدة، وبينها وبين بعضها البعض، والفروقات بين الجميع شاسعة وخطيرة0الحكم الرشيد والجيد والصالح لا يمكن تحقيها على يد ناشط/ـة فاسد/ة أو جائر/ةن ولا يمكن بالمطلق تعزيز ثقة الناس بهذه المباديء والمفاهيم، وهم يرون ويلمسون يومياً زيف المروجين/ات لها0 إن تفسير الفجوة الكبيرة بين هذه المنظمات والقاعدة العريضة من الجماهير /المواطنين/ات عليه أن يبدأ من هذه النقطة تحديداً، وحين يتم معالجتها – وهو أمر أصبح مشكوك في تحققه- يمكن بعد ذلك تفكيك " شربكة" المشكلات الأخرى0
إنّ الدور في تعريف علم الاجتماع هو: ما يتوقعه الناس منك، فإذا كان هؤلاء الناس لا يتوقعون من منظمات المجتمع المدني شيئاً، فهل ثمة دور يمكن الحديث عنه هنا0 إنّ منظمة مجتمع مدني في مجتمعنا الفلسطيني لم تفكر مطلقاً في هويتها الاجتماعية، بقدر ما ركزت على هويتها المؤسسية، فانشغلت ببنائها الداخلي، على حساب بناء علاقتها مع المحيط الاجتماعي الذي تتعاطى معه، وتتعايش به ومن خلاله، ما فاقم من توسيع الفجوة والانعزالية والنفعية0
إنّ إحياء الدور الإيجابي لمنظمات المجتمع المدني الفلسطيني، يحتاج أول ما يحتاج إليه الجرأة في نقد الذات وهي تواجه ماضيها وحاضرها في مرآة الناس أو المواطنين والمواطنات أو المستهدفين والمستهدفات أو الشرائح الاجتماعية أو الفئات الفقيرة والمهمشة، بأية لغة /لغات يتحدثون بها0 ثم التأمل جلياً في خطابها وآليات عملها ومناطق صراعها أو تكاملها، وعلاقتها مع بعضها البعض، أو بينها وبين النظام السياسي، بعيداً عن التناحر والتكالب والمصالح والتآمر وإلى آخر القائمة التي نعرفها جميعاً0
ولأن ذلك –كما أرى- لن يحدث، فسيبقى دور المجتمع المدني الفلسطيني مرتبطاً بمصالح القائمين/ات عليه بعيداً عن الشعارات الوطنية أو الدينية، غلاّ ما ندر0






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,624,620,109
- ليل لا يفيق
- أجراه مركز معلومات وإعلام المرأة الفلسطينية استطلاع حول تأثي ...
- حصة المرأة الفلسطينية من التشغيل: المؤشرات والدلالات والمستق ...
- أمي خلف الحدود
- عن حال المرأة والصحافة
- خطة الانفصال/ الانسحاب/ فك الارتباط/ إخلاء المستوطنات تعددت ...
- مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية
- المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان يؤكد استمرار الانتهاكات الإسر ...
- المرأة والانتخابات المحلية في قطاع غزة
- قصائد قصيرة القامة
- في الانتخابات الرئاسية الفلسطينية: التجاوزات لم تؤثر على نزا ...
- المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان يصدر تقريره حول الانتهاكات ال ...
- المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان يعقد ندوة بعنوان: - الانتخابا ...
- ديموقراطية على الحائط
- ساعة حائط،..... ونشرة أخبار، وحياة لاتأتي
- ماما... طيّارة... طخ
- تلّمس أصابع القصيدة
- خارج البيت/خارج العالم
- الحاجة أم عصام: لا نبكي المنازل، ولكن نبكي العمر الذي قضيناه ...
- اغتيال بيت... اغتيال أسرة


المزيد.....




- معتقلون سابقون سيحضرون منتدى حقوق الإنسان
- موريتانيا تخلد يوم الأغذية العالمي بدعم الزراعة الأهلية
- طلبة جامعة ذي قار يتظاهرون للمطالبة برفع المستوى التعليمي وا ...
- منظمة العفو تجد أدلة على تورط القوات الأوكرانية في الإعداما ...
- بالفيديو.. تعذيب الأطفال بدار أيتام المدينة المنورة
- بالفيديو.. والد «طفل التعذيب حتى الموت»: «ضربته قلمين على وش ...
- موريتانيا تخلد يوم الأغذية العالمي بدعم نمط الزراعة الأهلية ...
- ?الأمم المتحدة «قلقة» من ارتفاع عدد حالات الإعدام في العراق ...
- ?اليمن: الأمم المتحدة تسمي خمسة معرقلين للمبادرة الخليجية بي ...
- اطفال سوريون في مخيم للاجئين


المزيد.....

- الدولة والعشيرة في العراق* / شاكر الناصري
- الأقباط ونهاية مرحلة : المطالب الدينية والمطالب المدنية -مجر ... / محمود الزهيري
- مواكب عزاء لحماية الإثم السياسي! / سلام عبود
- اتحاد السنّة والشيعة خطة تصعب مقاومتها! / سلام عبود
- آبار للنفط وأخريات للأحقاد / سلام عبود
- ألغاز السياحة الدينية في زمن المفخخات / سلام عبود
- موسم صيد الطرائد الشيعيّة / سلام عبود
- الطائفيّة أفيون الشعوب الإسلاميّة! (خطر احتكار الحقيقة دينيّ ... / سلام عبود
- بعض ملامح الواقع العراقي على ضوء المنهج الفرويدي وعلم الاجتم ... / سلام عبود
- دور المجتمع المدني في االتحول الديمقراطي / محمد مختار قنديل


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - دنيا الأمل إسماعيل - فساد المجتمع المدني