أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - قاسم حسين صالح - قراءة في كتاب (الفساد في العراق)- د فجر جودة النعيمي














المزيد.....

قراءة في كتاب (الفساد في العراق)- د فجر جودة النعيمي


قاسم حسين صالح
(Qassim Hussein Salih)


الحوار المتمدن-العدد: 6628 - 2020 / 7 / 26 - 20:50
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


قراءة في كتاب
(الفساد في العراق)
الدكتور فجر جودة النعيمي(*)

يزعمون ان وزيرا نام ليلة واحدة في فندق بستة الاف دولار، انا لا اعرف هذا الوزير ولا أدري شيئا عن أصله ولا فصله ولم يسبق لي ان التقيته الا مرة واحدة في الطائرة المتوجهة الى لندن. كان يجلس في الصف الاول كعادة أصحاب النفوذ في بلاد البعران، منتفخا مثل طاووس شفي لتوه من عاهة مستديمة، وحوله ثلاثة حرّاس كل واحد منهم بألف عين وألف اذن وألف لسان. لماذا ثلاثة حراس هذه المرّة؟ .في العادة يتقدمه ثلاثة عن يمينه وثلاثة عن شماله وضعفيهم خلفه، لابد ان يكون اختيار ثلاثة من جيشه الباسل لحكمة يخفيها.
ستة الاف دولار في ليلة واحدة كانت كافية لإطعام ستين عائلة متعففة لمدة شهرين. هذه ليست مزحة ولا حكاية من حكايات الف ليلة وليلة ولا قصة من قصص الخيال العلمي، ليلة واحدة على وسادة من نبات بحري نادر وقطيفة موشاة بالذهب الخالص، وعطر مسك من بطون غزلان الصحراء العربية وحساء بط بري جيء به من الاهوار، معجون بعرق الجياع في بلادي، وربما كانت هناك راقصة اسبانية تتلوى على دعاء معالي الوزير قبل ان ينهي صلاة العشاء والنوافل واثناء البسبسة على وقع هسهسة حبات المسبحة التي تلصف في الجناح المضاء بمصابيح خافتة من اجل ان لا يتعكر مزاج "المعالي" ويفقد قدرته على التفاوض في الليل.
عاش الوزير
مات الوزير
مثل هذا الصعلوك الذي خرج من مجرى البول مرتين، ونسي خلقه في زحمة الصراع على طريقة الديوك البرّية مع المناوئين، هناك ألف صعلوك وألف خائن وألف محتال صاروا وزراء ونواب للشعب الذي أُشرب الافيون مع اللبن. قصور في بيروت وعمان ولندن ودبي ونيويورك وامستردام وبرلين وحتى في جزر القمر وجزر البطيخ، ملايين الدولارات في بنوك سويسرا وماليزيا ولبنان والصين ورومانيا وعربستان وطهرانستان وكندا ستان، أسواق ومولات وفنادق في كل اصقاع الأرض. منتجعات خاصة ودور عرض أزياء ومنتديات ليلية وراقصات شرقية، محلات لصناعة الذهب وصناعة الخزف وصناعة الكذب.
دخلوا عالم التجارة فكان الميدان الوحيد الذي يناسب مهاراتهم وشهاداتهم الجامعية والقابهم العلمية حتى برعوا فيه. تاجروا بجلودنا واعراضنا وشوارعنا ومدخرات أولادنا، باعونا للأغراب بفلس ونصف، باعوا حتى الأشجار والانهار والامطار. لم يبق شيء تحت الأرض ولا فوق الأرض الا غرزوا فيه خراطيمهم وامتصوه كما يفعل البعوض. هؤلاء الفاسدون من السياسيين السماسرة قلبوا موازين الحياة واغتالوا منظومة القيم، هدموا مدارسنا واحرقوا مزارعنا وزرعوا فيها الملح الذي صار ينهشها نهشا، واغلقوا مصانعنا حتى صرنا نستورد الماء من الكويت، (والكويت رغم كل حبي لها لا اعرف فيها نهرا ولا سهلا ولا جبلا وسماؤها لا تمطر الا مرة واحدة كل كذا سنة). اما الفجل والشلغم والطابوق فمن ايران ،والرز من الهند، واللبن والموز من الصومال، والفاكهة من الأردن وسوريا، والسيارات من كوريا، والاحذية والملابس ولعب الأطفال من الصين وتركيا وجزر القمر..ولولا هذه الدول لأصبحنا مثل متسولين على الأبواب مع أننا الدولة الأغنى في العالم.
سماسرة السياسة من الفاسدين تحولوا الى دويلات تشبه دويلات الاندلس قبل سقوط غرناطة، لكل منهم غرفة يحتمي بها وسرير محشو بالدنانير، ومزاليج أبواب لا تصمد حتى امام الريح ولكنها منيعة على الشعب الذي تركوه يتجادل ويتقاتل نيابة عن عمر وعلي.
هل كان الدكتور قام حسين صالح منصفا عندما اتهم لصوصنا الاشاوس بأنهم خلقوا لنا نظاما هو الأفشل والأفسد في التاريخ؟. الاحداث والأرقام والتواريخ التي عرضها في كتابه المثير للجدل هذا، التحليلات والتفسيرات التي ساقها لنا كانت كافية لان تنتزع قلوبنا وعقولنا وتتركنا مثل عابر سبيل تائه في ملكوت الله.
الخراب الذي تحدث عنه الكتاب في تحليلاته السوسيو- سايكولوجية المعمقة (وهو الخامس والثلاثون للكاتب) يذكّرنا بتحليلات دوركهايم عن الاغتراب والانتحار قبل قرن ونصف من الان.
على طريقة فولتير وروسو وهيوم كان د. قاسم حسين صالح يقرع لنا أجراس الخطر، يكتب عن رغيف خبز الفقراء الذين يبحثون عنه في المزابل والنفايات والبسطيات، وكان يبكينا ويبكي لنا ويبكي معنا من اجل شارع الرشيد الذي لم يبق منه سوى الاعمدة. يذكرنا بالشوارع والحدائق والمشافي التي كان يرتادها الناس ويحكون عن ازهارها ورذاذ امطارها وزرازيرها التي كانت تأتينا للمؤنة والدفء ثم استبدلتنا ورضيت ان تتعايش مع الزمهرير احتجاجا على جدبنا وقحطنا وبخلنا.
الكشف الذي احدثه عن عورات بلادنا السياسية، لم يحرك فينا ساكنا، واجراس الإنذار التي أطلقها لم توقظنا، لأننا تعودنا على الاجراس والمنبهات والانذارات، وصرنا مثل الطرشان-العميان في الاساطير الهندية.
مازلت متفائلا، فهذا البلد دخلت في عينيه عواصف ترابية على طول التاريخ وعرضه ولكنه ظل مبصرا، ظل مبصرا مثل نسر جريح تمالئت عليه النسور والغربان، اتعبوه وانهكوه واستلبوا كل قواه وكل عزائمه ولكنه سيبقى مثل طائر العنقاء يدس نفسه في الرماد ليتجدد كلما أصابه الوهن، ثم ينهض مرة أخرى كما لم ينهض من قبل. قدره ان يكون قامة بين القامات وليس حجرا على الطريق.
الكتاب صادر عن دار الكتب العلمية ويقع في( 223 )صفحة تتضمن( 42 )موضوعا تتنوع بين التوثيق بالارقام لحجم ما سرق من العراق خلال( 2003 - 2018 )من مصادر عالمية وشهادات لمسؤولين سياسيين وقضاة واعضاء في لجان النزاهة،واخرى تحليلات سيكولوجية لشخصيات قادة متهمة بالفساد، وثالثة ساخرة تقارن بين لصوص بغداد في هذا الزمان والعياريين زمن هارون الرشيد تثبت ان "لصوص ايام زمان كانوا اصحاب قيم فيما لصوص هذا الزمان بلا ضمير"..وأخرى تنقلك الى شارع الرشيد ترى فيها المؤلف راكبا (ستوته!) بعد ان صار خرابا.
انا شخصيا لا انصح بقراءة هذا الكتاب لأنه يوجع مثل وخز على أطراف الأصابع، يوجع مثل سياط جلاد فقد الإحساس بوخز الضمير، ويوجع مثل آلام المسيح ومثل حجم مأساة الحسين.

(*)أستاذ علم الاجتماع – لندن

*



#قاسم_حسين_صالح (هاشتاغ)       Qassim_Hussein_Salih#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحاكم والذمّة وساسة الشيعة - مكاشفة صريحة (2)
- الحاكم والذمّة وساسة الشيعة-مكاشفة صريحة(1)
- العراقيون و..حسبنا الله ونعم الوكيل
- مصطلح (الجائحة) ليس صحيحا.قضية للمداولة
- لهذا السبب..يكرهون عبد الكريم قاسم
- ع علي الوردي..تعريف لشباب وثبة تشرين و..آخرين
- الطغاة زائلون والعلماء خالدون- علي الوردي انموذجا
- كتب مظهر عارف
- أحزاب الأسلام السياسي و ..الفاشية
- السياسيون في العراق..لماذا فشلوا؟ تحليل سيكوبولتك (2)
- السياسيون في العراق..لماذا فشلوا؟ دراسة علمية (1)
- الحاكم وسيكولوجيا اتخاذ القرارات في زمن الأزمات - العبادي وا ...
- من يحكم العراق..الكاظمي أم المالكي؟
- وزارة الثقافة..هل ستكون بمستوى التحديات؟(3)
- وزارة الثقافة..هل ستكون بمستوى التحديات؟ (2)
- وزارة الثقافة..هل ستكون بحجم التحديات (1)
- تداعيات قرار..يحتاج رأيكم
- مصطفى الكاظمي..هل بدأت المواجهة؟ مؤشرات سيكولوجية
- المثلية الجنسية بين الدين والعلم (2)
- المثلية الجنسية من منظوري الدين والعلم (1)


المزيد.....




- فيديو لرجل محاصر داخل سيارة مشتعلة.. شاهد كيف أنقذته قطعة صغ ...
- تصريحات بايدن المثيرة للجدل حول -أكلة لحوم البشر- تواجه انتق ...
- السعودية.. مقطع فيديو لشخص -يسيء للذات الإلهية- يثير غضبا وا ...
- الصين تحث الولايات المتحدة على وقف -التواطؤ العسكري- مع تايو ...
- بارجة حربية تابعة للتحالف الأمريكي تسقط صاروخا أطلقه الحوثيو ...
- شاهد.. طلاب جامعة كولومبيا يستقبلون رئيس مجلس النواب الأمريك ...
- دونيتسك.. فريق RT يرافق مروحيات قتالية
- مواجهات بين قوات التحالف الأميركي والحوثيين في البحر الأحمر ...
- قصف جوي استهدف شاحنة للمحروقات قرب بعلبك في شرق لبنان
- مسؤول بارز في -حماس-: مستعدون لإلقاء السلاح بحال إنشاء دولة ...


المزيد.....

- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي
- آليات توجيه الرأي العام / زهير الخويلدي
- قراءة في كتاب إعادة التكوين لجورج چرچ بالإشتراك مع إدوار ريج ... / محمد الأزرقي
- فريديريك لوردون مع ثوماس بيكيتي وكتابه -رأس المال والآيديولو ... / طلال الربيعي
- دستور العراق / محمد سلمان حسن


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - قاسم حسين صالح - قراءة في كتاب (الفساد في العراق)- د فجر جودة النعيمي