أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج حداد - ويبقى السؤال: من سلّم الجولان بدون قتال، وهادن الاحتلال، ولماذا؟















المزيد.....



ويبقى السؤال: من سلّم الجولان بدون قتال، وهادن الاحتلال، ولماذا؟


جورج حداد

الحوار المتمدن-العدد: 1592 - 2006 / 6 / 25 - 09:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


اطلعت باهتمام على مقالة الصديق العزيز "ابو ناصر" د. محمد الاحمد، المنشورة في "الحوار المتمدن" بتاريخ 21/6/2006، والتي يرد فيها على مقالة (او مقالات) الاستاذ جريس الهامس، التي تدور حول موضوع الخيانة التي ارتكبت في اليوم المشؤوم، 5 حزيران 1967، والمتمثلة في تسليم مرتفعات الجولان بدون قتال فعلي.
كنت اتابع باهتمام مقالات الاستاذ الهامس، الذي اعرف انه مناضل شيوعي قديم مؤيد للخط الماوي ومعارض للخط السوفياتي الانتهازي (ما بعد الستاليني)، ولم اكن اتعجب ان جماعة النظام السوري لم يكونوا ـ ولا زالوا الى الان لا ـ يجرؤون على الرد على مثل هذه المقالات، التي تتهم النظام ورموزه بالخيانة؛ في حين انهم يشمرون عن السواعد، ويشحذون الألسنة ويكشرون عن الانياب على مدار الساعة، للنهش في كل تيارات وفصائل واشكال والوان ما يسمى المعارضة "الدمقراطية" السورية، كي يتهمونها ـ عن حق او بغير حق ـ بالارتباط باميركا وبـ"استيراد" الدمقراطية لفتح الطريق للنفوذ الاجنبي، وبالطائفية (الاخوان المسلمين)، وحتى بالفساد (مسيو خدام). ولكن جماعة النظام وابواقه يتجنبون دوما الخوض في المسألة الوطنية السورية، ولا سيما موضوع هزيمة حزيران وتسليم الجولان.
وهذا ما دفعني لان ارسل رسالة الكترونية مقتضبة الى الصديق "ابو ناصر" اطلب منه الرد الموضوعي على جريس الهامس، لما اكنه له من احترام كواحد من بقايا البعثيين الشرفاء، الذين كنا نعرفهم في الخمسينات والستينات، والذين اصبحوا "مساطر" او "تحفا" بشرية تاريخية، لا اكثر. واذكر من هؤلاء الشهيد "الاخضر العربي" (امين السعد) ـ رحمه الله، الذي استشهد في القواعد الفدائية في العرقوب بجنوب لبنان في مطلع السبعينات. وقد كان لي شرف التعرف اليه قبل استشهاده بفترة وجيزة، حيث كان اخي مقاتلا معه في تنظيم "الصاعقة" (السوري!). وقد اخبرني اخي ان "الاخضر" قال له، وهو يعلق على ترك بعض الحزبيين القواعد الفدائية في الجبال والذهاب الى المدينة لاستلام "مراكز" نضالية مريحة: "انا لن اترك القواعد الا محمولا!". وهو قد نال امنيته. فهل من عجب اذا قلنا ان امثال هذا "البعثي" قد اصبحوا "تحفا نادرة" او مستحيلة الوجود. وارجو ان اكون مخطئا.
ولم يخيب الاخ "ابو ناصر" املي في فروسيته، فتنطح فعلا للرد على الاستاذ الهامس. ولكن رده لم يكن سوى ردا تبريريا وشكليا، اما في الجوهر فهو ناور ولف ودار حول الموضوع، موضوع تسليم الجولان، ولم يدخل فيه، ولم يناقشه لا من قريب ولا من بعيد. وفي ذلك فهو اكد ـ من حيث يريد او لا يريد ـ "التزامه" ببعثيته "النظامية"، التي تتجنب البحث في هذا الموضوع، وتتركه ليموت بفعل مرور الزمن، على طريقة لواء اسكندرون.
وحتى لا "اظلم"، معاذ الله، "ابو ناصر"، اقول: إنه لا يختلف في هذا الموقف التغافلي عن مواقف القسم الاساسي من اوساط المعارضة السورية ذاتها، التي ـ مع إحناء الرأس لكل تضحياتها لاجل الحريات الدمقراطية ـ لم تكلف نفسها عناء حمل لواء النضال الشعبي السياسي والمسلح لاجل تحرير الجولان (ودعنا من لواء الاسكندرون!!)، وهي ايضا لا تطالب النظام بـ"كشف حساب" عن تسليم الجولان. وهي في ذلك تتواطأ تماما مع النظام، والاهم ان هذا التواطؤ (بالسكوت الفعلي عن تسليم الجولان واستمرار احتلاله) هو "رسالة ضمنية" لاميركا ولاسرائيل، مفادها ان "جماعة المعارضة" مستعدون للاخذ والرد والمساومة، في حال نجحت "الدمقراطية" في سوريا، وجاءت الى السلطة هكذا معارضة، مخصيّـة وطنيا ومشبوهة. حتى ما يسمى اعلان او بيان بيروت دمشق ـ دمشق بيروت، الذي ثار ما ثار حوله مؤخرا من غبار، لم يأت على ذكر الجولان الا في صيغة رفع العتب "حق سوريا بالمطالبة بعودة الجولان" (والله، كلكم ذوق!). وبالتقاء خدام وامثاله، مع اطراف المعارضة الاخرى، نرى كيف ان المسافة بين جماعة النظام وجماعة المعارضة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر الغضنفر رفعت الاسد (ما غيرو)، اخذت تضيق اكثر فأكثر، لتتحول لعبة "النظام والمعارضة" الى عملية صراع على السلطة ومغانمها، على الطريقة العراقية ذاتها، والى مهزلة ـ مأساة تاريخية جديدة ضحيتها الشعب السوري و"الامة العربية الواحدة" باسرها ـ ولا ننسى ـ صاحبة "الرسالة الخالدة"، التي حينما يكون مثل هؤلاء "الحراس" حراسها، فلا نتعجب ان تتكالب على هذه الامة الضحية، وكما نرى مؤخرا، اعجب "الحالات البشرية"، من "حرس الثورة" في عربستان ايران، الى "جحوش" الطالباني والبارزاني في كردستان في العراق، مرورا بأيتام بشير الجميل في لبنان، وصولا الى عملاء السي آي ايه والموساد و"الاسلاميين!" المزيفين في موريتانيا والصومال.
XXX
ولكن في معرض رده الشكلي والتبريري، فإن "ابو ناصر" يورد بعض النقاط ذات المنطلقات الوطنية والتقدمية، التي يتلطى خلفها النظام الدكتاتوري السوري منذ كارثة 5 حزيران الى اليوم. وهو ما يجب الرد عليه. ومن هذه النقاط:
1 ـ ان النظام السوري هو نظام وطني، بدليل ما قام به من انجازات وطنية، ولا سيما في منع تقسيم لبنان، ودعم المقاومة الوطنية والاسلامية اللبنانية والفلسطينية، وما تعرض ويتعرض له من ضغوط اميركية.
وهذا الرأي هو استمرار و"تطوير" للشعار الذي رفعه النظامان السوري والمصري وحلفاؤهما (الشيوعيون الرسميون وغيرهم) غداة هزيمة حزيران 1967، وهو ان الهدف الرئيسي للعدوان انما كان اسقاط الانظمة الوطنية والتقدمية، وبالاخص الناصري في مصر والبعثي في سوريا، وان العدوان فشل في تحقيق هذا الهدف. اي انه كان علينا ان "نشكر الله" على احتلال الجولان والقدس والضفة وغزة وسيناء، طالما اننا "كسبنا" الاهم وهو ان النظامين الدكتاتوريين ـ الفاسدين، الناصري والبعثي، بقيا رازحين فوق صدور المصريين والسوريين وكل العرب. وفي هذا الحساب يطلع انور السادات وطنيا جدا لانه "استرد سيناء" بطريقته!. ونسمح لأنفسنا هنا بسؤال "تاريخي": اما كان الافضل، في حينه، ان يسقط النظام الناصري (وهو بالنتيجة قد سقط) في مصر، والنظام البعثي (وهو بالنتيجة سيسقط) في سوريا، وتبقى سيناء ويبقى الجولان؟! قد يقول قائل : إن النظام البديل المفترض في سوريا كان سيكون دكتاتوريا وفاسدا. ولكن مثل هذا القول يتضمن نفيه ذاته بذاته، لأنه على فرض انه كان سيكون دكتاتوريا وفاسدا، فهل كان سيكون اكثر دكتاتورية وفسادا من نظام الاسد؟!
ونأتي الى اليوم: لا شك ان سوريا، كبلد وليس فقط كنظام، تتعرض لضغوطات مستمرة من اجل تطبيق المخططات الاميركية و"الحلول" الاميركية ـ الصهيونية للنزاع المصيري العربي ـ الاسرائيلي. ولكن هذا لا يبرر ولا ينفي ابدا تسليم الجولان بدون قتال. بل على العكس تماما: ان الامبريالية الاميركية والصهيونية العالمية واسرائيل، التي سبق وتنازل لها النظام الاسدي عن مرتفعات الجولان، تطمع في المزيد من التنازلات من هذا النظام بالذات، خاصة وانه نظام سبق له ومارس هذا "العهر" بالوطنية والقومية، فلماذا لا يستمر في ممارسة "العهر". والمخرج الذي يضعه الاميركيون امام النظام الدكتاتوري السوري واضح: المزيد من التنازلات، مقابل الاحتفاظ بالنظام. ولا بأس في هذه الحالة من اجراء بعض عمليات الرتوش وعمليات التجميل في وجه النظام، او في صدره، او في مؤخرته، او في وجهه وصدره ومؤخرته معا. وهل يستطيع احد، مثلا، ان يؤكد ان المسيو خدام، وهو من هو، وقبله "الفارس المغوار" رفعت الاسد، ليس "مرسال خير" للنظام عند المعارضة واميركا واسرائيل، او "مرسال خير" لاميركا واسرائيل عند النظام والمعارضة السوريين؟
وفي هذه النقطة بالذات نقول اخيرا لا اخر: ان الامبريالية الاميركية لا تكتفي بأي تنازل، من قبل اي مفرّط بالقضية الوطنية، واي "خدمات" يقدمها، حتى من عملائها التقليديين انفسهم. وامثلة بشير الجميل، وانور السادات، وياسر عرفات، مع الاختلاف الكلي بين كل منهم والاخر، هي معبرة جدا. فبعد ان عـُصر كل من هؤلاء السياسيين المحترفين، واستنفد حتى النهاية، رفع الغطاء الامني عنه، وجرى تسهيل تصفيته الجسدية، كي يكون عبرة لكل من تسول له نفسه ابداء "الممانعة" امام الامبريالية بعد "الانبطاح" امامها.
والنظام الذي تنازل لاميركا واسرائيل عن الجولان ليس من المتوقع ان ترحمه اميركا واسرائيل، بل هما ستضغطان عليه حتى النهاية كي "يكمل مشوار" الخيانة الوطنية والقومية، الذي بدأ في اليوم المشؤوم 5 حزيران 1967. وفي هذا الصدد يصح تماما القول المعروف: ان إغضاب الامبريالية هو اسهل بكثير من ارضائها.
ويكفي ان نرد على الاطروحة ـ النكتة حول "وطنية" النظام السوري بالقول:
اولا ـ لو كان هذا النظام وطنيا، فلماذا سلم الجولان بدون قتال؟ ولماذا سكت على احتلال الجولان كل هذا الوقت؟
ثانيا ـ كفى تمنينا للقوى الوطنية اللبنانية. عيب! والف عيب! والواقع ان النظام السوري لم يدخل الى لبنان لانقاذه من التقسيم. بل هو دخل بتفويض اميركي وبموافقة اسرائيلية، لمنع هزيمة الانعزاليين على يد الحركة الوطنية اللبنانية، وللهيمنة على لبنان وتدجينه لمصلحة "الشركة المساهمة" المؤلفة من اميركا واسرائيل والدكتاتورية السورية وزبانيتهم اللبنانيين، المضللين وغير المضللين. وكانت اولى انجازاته اغتيال كمال جنبلاط وتحطيم الحركة الوطنية اللبنانية، ومن ثم التواطؤ في مؤامرة "تغييب" الامام موسى الصدر، التي لا يمكن لأي عاقل او ابله ان يصدق انها حدثت بغير رضا الدكتاتورية السورية، التي كانت تمسك بأتفه التوافه في لبنان، وحتى بشباك التذاكر في الحمام العسكري على الروشة ببيروت. والا فلماذا لم يقم اي تحقيق جدي في هذه الجريمة النكراء، طوال السنين التي سيطرت فيها على لبنان الدكتاتورية السورية ذات العلاقة الوثيقة مع ايران الخمينية ومع ليبيا القذافية.
ثالثا ـ ان كل الانظمة العربية المأفونة كانت تدعم المقاومة الفلسطينية، (واللبنانية!)، بهدف تدجينها وفرض مصالح تلك الانظمة عليها. والنظام السوري لا يشذ عن هذه القاعدة، بل هو كان اكثر الانظمة العربية مصلحة في "ارضاء" و"استرضاء" المقاومة، على الاقل من اجل شراء سكوتها عن احتلال الجولان. وعلينا الاعتراف انه قد توصل فعلا الى هذه النتيجة. وهذه علامة سيئة لكل فصائل المقاومة الفلسطينية واللبنانية التي تسكت فعليا عن احتلال الجولان. اي انها بطريقة ما تستخدم دماء الشهداء وهيبتها ونفوذها الجماهيري، كمقاومة، من اجل تمسيح عار النظام الذي سلم الجولان.
رابعا ـ ان النظام السوري، الذي نشأ في اطار حزب البعث، هو فعليا نظام "طائفي" اكثر بكثير مما هو نظام دكتاتوري "بعثي". ومن اهم اهداف الدعم الدكتاتوري السوري للمقاومة انما كان ولا يزال ـ ومن ضمن الخطة الامبريالية/الصهيونية الستراتيجية بعيدة المدى ـ هو اسلمة المقاومة وتطييفها، كجزء اساسي من خطة تمزيق المجتمع العربي وتحويله الى كانتونات طائفية ومذهبية متناحرة، الامر الذي لا يمكن بدونه ان تستطيع اسرائيل والامبريالية الاميركية السيطرة على البلاد والشعوب العربية. وبدلا من ان تكون الحالة الشعبية الاسلامية احدى حوافز ومقومات المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي والاميركي، تصبح المقاومة، على العكس، هي احد مظاهر ومغذيات "الحالة التنظيمية الاسلامية!"، الطائفية والمذهبية التي تمعن تمزيقا في المجتمع العربي. وهنا ايضا علينا الاعتراف ان النظام السوري حقق "نجاحا باهرا" على هذا الصعيد.
XXX
2 ـ يطرح "ابو ناصر" موضوعة حساسة جدا، وقد اصبحت الان "تاريخية" فعليا وحرفيا، هي موقف قيادة الاتحاد السوفياتي السابق من القضية القومية العربية، ولا سيما مسألة "وجود" اسرائيل، وما كان ينتج عن هذا الموقف، من ان القيادة السوفياتية، في مساعداتها الاقتصادية ولا سيما العسكرية للنظامين الناصري والبعثي في مصر وسوريا، وغيرهما، كانت تضع سقفا سياسيا، ولم تكن تميل لان يحقق العرب اي نصر على اسرائيل قد يهدد "وجودها". ومن هنا ما قد ذكره بعض الاعلاميين، ومنهم على ما اذكر ربما حافظ "اسرار الآلهة" محمد حسنين هيكل، بأن السفير السوفياتي طلب مقابلة مستعجلة مع عبدالناصر بعد منتصف الليل، عشية حرب حزيران 1967، كي يطلب منه، باسم القيادة السوفياتية، ان لا تكون مصر بادئة بالهجوم على اسرائيل. وطبعا اخذ عبدالناصر بالنصيحة السوفياتية. ولكن اسرائيل اخذت زمام المبادرة وهاجمت الجبهات العربية على حين غرة وفتكت شر فتكة بالطيران المصري خصوصا.
والواقع ان القيادة السوفياتية لم تكن يوما من الايام جمعية خيرية ولا جمعية "امر بالمعروف ونهي عن المنكر"، بل كانت تمارس سياستها الخارجية، بما فيها المساعدات العسكرية، من ضمن مصالحها كنظام دكتاتوري ستاليني، تحول الى نظام بيروقراطي فاسد، كان يتجلبب بالاشتراكية، فيخدع شعبه وشعوب العالم الاخرى، تماما كما كان النظامان الناصري والبعثي يتجلببان بالعروبة والاشتراكية العربية. ولتلك القيادة السوفياتية تاريخ من المآسي والمخازي في علاقاتها بحركة التحرير لمختلف الشعوب الكبيرة والصغيرة. ومن المفيد جدا ان نعرض هنا لبعض هذه التجارب المريرة، لاخذ العبر اللازمة لايامنا الراهنة، ولتحديد المسؤوليات عن الهزائم التي حلت بالكثير من حركات التحرير، بما في ذلك مسؤوليات قيادات تلك الحركات، التي لا يمكن باية حال اعفاؤها من المسؤولية وتعليقها فقط على شماعة الانحراف السوفياتي:
أ ـ في اواسط العشرينات من القرن الماضي، حينما بدأ يتكشف انحراف نظام الكيومينتانغ، بقيادة تشان كاي تشيك، في الصين، واتجاهه لتحويل الصين الكبرى الى موطئ قدم للاستعمار الغربي، ظهر في الحزب الشيوعي الصيني تيار ثوري بقيادة ماو تسي تونغ يدعو الى بداية الكفاح المسلح ضد الكيومنتانغ. ولكن القيادة الانتهازية للحزب الشيوعي الصيني حينذاك، ومعها الكومنترن (الاممية الشيوعية) المدعوم من ستالين والموالي له، رفضت هذا الخط الثوري الذي كان يخالف الخط الستاليني الداعي الى "التحالف" مع حكم الكيومنتانغ في الصين. طبعا ان ستالين، الدكتاتور المغرور ولكن الاعمى تاريخيا، كان يريد تجنب اي معركة كبرى مع الامبريالية، قد يجره اليها قيام الثورة في الصين، وذلك حفاظا على نظامه الدكتاتوري، باسم الحفاظ على الاشتراكية التي هي منه ومن دكتاتوريته براء. وانجرت القيادة الانتهازية للحزب الشيوعي الصيني الى الموقف الستاليني، واطاعت الاوامر او "النصائح" السوفياتية، وتم طرد ماو تسي تونغ وكتلته من الحزب الشيوعي الصيني في 1927. ولكن كتلة ماو تسي تونغ، التي كانت تستمع لا الى الاوامر الخارجية التي تستجيب للانتهازية والخيانة، بل الى نبض الجماهير الشعبية الصينية وقضيتها الوطنية والاجتماعية والانسانية العادلة، لم تتراجع، ولم تبحث عن اي تبرير للتراجع والخضوع لمشيئة ستالين، بل باشرت الكفاح المسلح والثورة على نظام الكيومنتانغ العميل. وفي 1931 اصبحت غالبية الحزب الشيوعي الصيني الى جانب الثورة، واعيد ماو تسي تونغ الى قيادة الحزب، وتم طرد القيادة المتخاذلة العميلة لستالين. وقد رأينا لاحقا ان الصين، وفيتنام، وكوريا، وكوبا، اي البلدان الاشتراكية التي لم تكن قياداتها تاريخيا من عملاء ستالين والقيادة البيروقراطية السوفياتية، رفضت ايضا ـ في عهد البريسترويكا الخيانية ـ ان تأخذ بنصيحة الكرملين بدفن الاشتراكية على يد اوليائها انفسهم. وينطبق ذلك على يوغوسلافيا والبانيا ورومانيا ايضا، حيث لم يسقط فيها النظام السابق "الاشتراكي"، الا بقوة السلاح، بالحرب الخارجية التي شنها "الحلف المقدس" بين قوات الاطلسي وعصابات المافيا و"الاسلاميين!" المزيفين، الذين شكلوا معسكرا واحدا معاديا للاشتراكية، وبالمذابح والمؤامرات الداخلية التي شاركت فيها فلول الكاجي بي والسي آي ايه والموساد جنبا الى جنب.
ب ـ في نهاية الحرب العالمية الثانية عقد في 1945 كونفرانس قمة المنتصرين في يالطا في القرم، ومن ثم في بوتسدام في المانيا، والذي جمع ستالين وتشرشل، وروزفلت اولا ثم ترومان ثانيا من الجانب الاميركي. ونتج عن هذا اللقاء ما يسمى "اتفاقات يالطا"، السرية، التي تنص على تقاسم النفوذ الدولي، فأعطي الاتحاد السوفياتي اوروبا الشرقية كمدى حيوي له، وبالمقابل وافق ستالين ان تكون بقية ارجاء العالم منطقة نفوذ للدول الامبريالية الغربية. وبذلك خطا ستالين خطوته "النوعية" الاخيرة على طريق خيانة مبدأ الاممية والتضامن الاممي في مواجهة الرأسمالية والامبريالية والفاشية والصهيونية، وطعن شعوب العالم باسره في ظهرها، بما فيها الشعوب السوفياتية ذاتها، التي كانت مصلحتها الاساسية تكمن في التحالف مع الشعوب المناضلة وليس في "تقاسم النفوذ الدولي" مع الامبريالية العالمية. وبهذه الخيانة دفع ستالين ثمنا غاليا جدا لما سمي "قروض الحرب" التي قدمها الغرب للاتحاد السوفياتي اثناء الكفاح ضد الهتلرية. واخذت القيادة السوفياتية، مقابل حصولها على اوروبا الشرقية كـ"منطقة نفوذ" سوفياتي، تلعب دورا ازدواجيا حيال جميع الحركات التقدمية والتحررية في كافة ارجاء العالم: فمن جهة كانت تتاجر بالشعارات الاشتراكية والتحررية، وتقدم مضطرة المساعدات للحركات التقدمية والوطنية؛ ومن جهة ثانية كانت تتآمر على تلك الحركات وتستخدم نفوذها لديها، خصوصا عبر المساعدات، لحرفها عن الطريق التحرري الصحيح، ولتنفيذ الاتفاقات السرية مع الدول الامبريالية، القائمة على اتفاقات يالطا اولا واخيرا. وفيما يلي بعض المجريات الدرامية التي جرت على هذا الصعيد:
اولا ـ يذكر الاخ "ابو ناصر" ان ما كان يأتي من القيادة السوفياتية لم يكن في اطار دعم حرب تحرير على الطريقة الفيتنامية. وفي هذا نصف الحقيقة فقط. اما النص الاخر، بل النصف الاول، هو ان القيادة السوفياتية، منذ عهد "ستالين العظيم!" لم تكن تريد، بعد تحرر الفيتنام من المستعمرين اليابانيين، قيام ثورة تحررية بقيادة الشيوعيين الفيتناميين الابطال ضد الاستعمار الفرنسي، الذي عاد الى فيتنام بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وهزيمة قوات الهيروهيتو الفاشية. وكان رأي القيادة الستالينية ان يجد الشيوعيون الفيتناميون صيغة تفاهم مع المستعمرين الفرنسيين، لاقامة "حكم دمقراطي" يشارك فيه الشيوعيون، وبوجود الاحتلال الفرنسي (تماما كالصيغة التي تطبق اليوم في العراق، والتي تؤيدها القيادة الانتهازية للحزب الشيوعي العراقي، التي تخون تاريخ الحزب وشهداءه وجماهيره وشعبه، وتخون اولا واخيرا مبادئ الشيوعية التي تدعي الانتماء اليها). ومعلوم انه في ذلك الوقت كانت تقوم في فرنسا حكومة الجبهة الشعبية، التي كان يشارك فيها الشيوعيون الفرنسيون. وكان رأي القيادة الستالينية المنحرفة ان تحرير فيتنام هو مسألة ثانوية، متفرعة عن انتصار الثورة الاشتراكية في فرنسا، وحينذاك يصبح تحرير فيتنام واستقلالها او توحيدها مع "فرنسا الاشتراكية!" مسألة تحصيل حاصل. والشيء ذاته كان رأي القيادة السوفياتية حول تحرير الجزائر. اي: اولا، انتصار الثورة الاشتراكية في فرنسا!! وعمليا ـ تاريخيا، كان ذلك يعني وضع العربة امام الحصان. ولكن القيادة السوفياتية كانت تطرح، وتفرض، هذا الطرح المقلوب، ليس عن قناعة به بحد ذاته، فالطرح هو للتضليل فقط، بل من اجل تحقيق اتفاقات يالطا التي تنص على احتفاظ الدول الاستعمارية بمستعمراتها السابقة. وقد وجدنا ان القيادة الشيوعية الانتهازية الجزائرية قد امتثلت للرأي السوفياتي، ولم تحرك ساكنا ضد الاستعمار الفرنسي للجزائر، بل انه حتى حينما قامت الثورة الجزائرية بقيادة بن بله ورفاقه في 1954، فإن الشيوعيين الانتهازيين الجزائريين ظلوا حتى سنة 1956 يتهمون الثورة الجزائرية بالارهاب (كم هو "شيوعي" اليوم جورج بوش، بطل "محاربة الارهاب"؟!). وبعد هذا التاريخ، وخصوصا بعد حرب السويس واعتقال احمد بن بله ورفاقه والتعاطف الجزائري والعربي والدولي الذي حازته الثورة الجزائرية، بدأ الشيوعيون الجزائريون يسيرون ـ ولا فضل ـ في "ذنب الخيل". اما القيادة الشيوعية الفيتنامية، بزعامة هو شي منه، فكانت قيادة شيوعية حقيقية، ولهذا كانت قيادة وطنية ايضا. وقد اخذ هو شي منه بنصيحة السوفيات بمفاوضة الجبهة الشعبية الحاكمة في فرنسا، فسافر الى فرنسا ليفاوض ولكن ليس على التفاهم على "تنظيم استعمار" الفيتنام، كما اراد ستالين، بل للتفاوض على تنفيذ وعود "فرنسا الحرة" بمنح المستعمرات الاستقلال فيما اذا قاتلت ضد دول المحور. وبهذا الموقف الوطني والشيوعي الحقيقي، كسب هو شي منه احترام ودعم الرأي العام الشيوعي والتقدمي والانساني الفرنسي ذاته، الى جانب ثقة شعبه وثقة جميع الشعوب المناضلة؛ وكسب الخط الستاليني الممالئ للاستعمار باسم الاشتراكية، الخزي والعار. وقد اعلن هو شي منه الثورة على الاستعمار الفرنسي، ضد رغبة القيادة السوفياتية في البداية. ولكن هذه القيادة المنحرفة، عادت فايدت الثورة مضطرة، بعد ان شقت طريقها وحازت ثقة الشعوب السوفياتية والحزب الشيوعي السوفياتي، رغما عن تلك القيادة.
ثانيا ـ خلال الحرب العالمية الثانية، تضعضعت اوضاع الاستعمار البريطاني ونظام الشاه العميل في ايران، ودخلت بعض القوات السوفياتية وخاصة المخابرات الى اذربيجان الايرانية، لحماية "المؤخرة" السوفياتية. وانسحبت قوات الشاه والقوات البريطانية من اذربيجان وكردستان ايران. وفي هذه الظروف اعلنت"جمهورية اذربيجان الدمقراطية الشعبية" في اذربيجان الايرانية، بقيادة الشيوعيين الاذربيجانيين التابعين للقيادة العسكرية وللمخابرات السوفياتية. واعلنت ايضا "جمهورية مهاباد" الكردية بقيادة الوطنيين الاكراد، وعلى رأسهم قاضي محمد الذي اعلن رئيسا لجمهورية مهاباد. وعملا "بروح" ونص اتفاقات يالطا، طلب الانكليز من ستالين التدخل لتقويض جمهورية اذربيجان وجمهورية مهاباد في ايران. وبموجب طلب المخابرات السوفياتية، انسحب الشيوعيون الاذربيجانيون الايرانيون الى داخل الاراضي السوفياتية تاركين شعبهم كي يعود ويرزح من جديد تحت جزمة الاحتلال الانكليزي وسياط الشاه. وبذلك اثبتوا انهم عملاء مخابرات لا مناضلين شيوعيين ووطنيين. اما القيادة الكردية، الوطنية وغير الشيوعية، فإنها رفضت الانسحاب، وفضلت الموت والشهادة دفاعا عن قضية شعبها، وقد علق قاضي محمد ورفاقه على المشانق، رحمهم الله، مسجلين موقفا وطنيا وانسانيا شجاعا في رفض مخططات "تقاسم النفوذ" العالمي، الاستعمارية ـ الستالينية، وشكل استشهاد هؤلاء الابطال لطخة عار في جبين ستالين ـ خائن الشعوب، الذي كانت الدعاية الشيوعية الرسمية تسميه "ابا الشعوب".
ثالثا ـ حينما اجتاحت قوات الفاشية شبه جزيرة البلقان، تهافتت الانظمة الملكية الرجعية الموالية للمعسكر "الدمقراطي"، وفر الملوك تاركين شعوبهم تحت جزمة الغزاة، وكان منهم جورج الثاني ملك اليونان، الذي التجأ لحماية الانكليز في مصر. وقد بدأت المقاومة الشعبية المسلحة ضد الفاشية، بقيادة الشيوعيين اليونانيين، الذين قدموا عشرات الوف الشهداء، وتمكنوا من تحرير اليونان، واحرزوا النصر في الانتخابات الدمقراطية في 1946. ولكن بما ان اليونان تقع، بموجب اتفاقات يالطا، ضمن منطقة النفوذ الغربية، فقد تواطأت القيادة السوفياتية مع بريطانيا لعزل الشيوعيين اليونانيين، واسقاط الحكم الشعبي الدمقراطي، واعادة الملكية، وظل "الانصار" اليونانيون، بقيادة الجنرال الشيوعي الشهير "ماركوس"، يقاومون القوات الحكومية والتدخل البريطاني حتى 1952، حينما انسحبت اخر قوات "الانصار" عبر تركيا ولجأت الى بلغاريا والاتحاد السوفياتي. ومات القائد ماركوس، منبوذا من القيادة السوفياتية، وهو يعمل، مقابل لقمة عيشه، كعامل بسيط في احد معامل الاحذية في الاتحاد السوفياتي.
رابعا ـ من اخطر، بل انه اخطر ما اسفرت عنه "اتفاقات يالطا" هو موافقة القيادة السوفياتية على المخطط الصهيوني لفلسطين. فمن المعلوم انه بعد انتصار الثورة الاشتراكية الروسية سنة 1917، فإن السلطة السوفياتية الجديدة بقيادة لينين هي التي فضحت اتفاقية سايكس ـ بيكو، وملحقها الرئيسي "وعد بلفور". ولاختبار وامتصاص رغبة اليهود "السوفيات" في "الاستقلال كشعب"، اعلنت السلطة السوفياتية عن تأسيس منطقة بيروبيدجان السوفياتية ذات الحكم الذاتي، المخصصة لمن يشاء من اليهود "السوفيات". وظلت السلطة السوفياتية، والكومنترن، حتى الحرب العالمية الثانية، تعارضان الهجرة اليهودية الى فلسطين العربية. ومن ضمن هذا السياق نشأ في الكومنترن ما يسمى "تعريب الاحزاب الشيوعية العربية" لتسليم القيادات الى كوادر عربية وتقليص دور الكوادر الشيوعية اليهودية الاجنبية في تلك الاحزاب. وكانت الادبيات الشيوعية الاوروبية (ومنها البلغارية) تشبـّه العصابات المسلحة الصهيونية بالنازية.
ولكن بعد اتفاقات يالطا تغير الاتجاه 180 درجة. فوافق ستالين "العظيم جدا!"، وعلى الضد من كل مبادئ الشيوعية والاشتراكية العلمية وأبسط المبادئ والقيم الانسانية، على الاغتصاب الصهيوني لفلسطين العربية وتأسيس ما يسمى "الوطن القومي اليهودي" (=اسرائيل). ومن هنا جاءت موافقة المندوب السوفياتي في الامم المتحدة على قرار تقسيم فلسطين في 1947. وفرضت الموافقة على التقسيم على الاحزاب الشيوعية العربية، بمن فيها الحزب الشيوعي الفلسطيني. والمندوب الشيوعي الوحيد الذي عارض التقسيم في الامم المتحدة هو المندوب اليوغوسلافي، الذي طرح ـ بدلا من التقسيم ـ مشروع اقامة دولة فلسطينية عربية ـ يهودية دمقراطية موحدة. وكان هذا الموقف "الشيوعي" اليوغوسلافي المتميز، لان تيتو كان على خلاف مع ستالين، ولم يكن يأتمر بأوامره. وكان جزاء تيتو، حتى من قبل الستالينيين العرب الاقزام ان اتهموه بأنه، حرفيا، "كلب الامبريالية العالمية". وهكذا هو بالضبط المنطق المقلوب: الستالينيون ـ كلاب الامبريالية والصهيونية: هم "الاشتراكيون الحقيقيون". وغير الموافقين على تقسيم فلسطين هم، في نظر الستالينيين، كلاب الامبريالية. ولكن ستالين المكيافيلي كان يدرك تماما صهيونية "المشروع الاسرائيلي"، الا انه كان يعتقد انه، مع موافقته على تقسيم فلسطين واقامة اسرائيل الصهيونية، يمكن ان "يلغم" اسرائيل بالشيوعيين اليهود، حيث ان التيار الشيوعي كان قويا وواسعا جدا بين اليهود الشيوعيين الاوروبيين، الذين لم يكن ستالين يثق بهم كثيرا. فكان يريد، عبر الاعتراف باسرائيل، اولا، دفع فاتورة ارضاء للامبريالية والصهيونية مقابل "قروض الحرب"، ثانيا، التخلص من اكبر عدد ممكن من اليهود في اوروبا الشرقية لتسهيل سيطرته عليها، وثالثا، الأمل الوهمي بتحويل اسرائيل في النهاية الى دولة "اشتراكية" بواسطة الشيوعيين اليهود القادمين من اوروبا الشرقية بقرارات حزبية، كأنما المسألة هي مسألة سياسية ـ ميكانيكية. وهكذا فإن ستالين اوعز الى الاحزاب الشيوعية في اوروبا الشرقية بارسال "يهودها" الى اسرائيل. ومن المخازي المؤلمة على هذا الصعيد ان الوف الشيوعيين اليهود الذين كانوا مقاتلين في صفوف المقاومة ضد النازية ارسلوا الى فلسطين كي ينضموا فورا للقتال في صفوف العصابات الصهيونية. بل ان تشيكوسلوفاكيا "الشيوعية"، وطبعا بأوامر من ستالين، ارسلت السلاح الى اسرائيل في حرب 48ـ1949، وكان اول طيران اسرائيلي قصف المواقع العربية بعد الهدنة الاولى في تلك الحرب مشكلا من الطائرات "الشيوعية" التشيكية. ولكن التجربة التاريخية اثبتت ليس فقط انتهازية، بل وفشل الخطة الستالينية بتحويل اسرائيل الى "قاعدة شيوعية"، اذ انه لا يمكن ان يوافق "شيوعي" على الصهيونية وجرائمها ويسير في ركابها ويقاتل في صفوفها ولمصلحتها، ويبقى "شيوعيا". وكان مثال هؤلاء الشيوعيين اليهود المتصهينين، كمثال الراهبة التي تعمل عاهرة كي "تكسب" العاهرات الى العفة. وكانت النتيجة ان انقلب السحر على الساحر، فبدلا من تقوية "الشيوعية" بين يهود اسرائيل، تم تقوية "الصهيونية" بين يهود الاتحاد السوفياتي. وحينما قامت غولدا مائير، كأول وزير خارجية اسرائيلي، بزيارة موسكو في 1952، استقبلها اليهود استقبالا خاصا عبروا فيه عن تميزهم عن الاتحاد السوفياتي و"الشيوعية" عامة، مما لم يرق لستالين، فافتعل على الاثر ما سمي "مؤامرة الاطباء اليهود" التي هدف من ورائها، عبثا، الى تقليص النفوذ الصهيوني بين اليهود السوفيات، ولكن حسبما يقال "بعد ان وقع الفاس في الراس".
نكتفي بهذا القدر من عرض حالة الانحراف القيادي السوفياتي، كي نتساءل ونسأل الاخ العزيز "ابو ناصر":
ـ هل ان القيادة البعثية، (والناصرية!)، كانت غافلة او متغافلة عن حقيقة وطبيعة القيادة السوفياتية التي كانت تتعامل معها؛ وكانت جاهلة او متجاهلة لـ"حدود سقفها" في التعامل مع القضية العربية؟!
ـ وعلى افتراض انها كانت غافلة او جاهلة (وهذا ليس من شيم اي قيادة وخصوصا من طراز "قيادة الى الابد" كما كانت تتبجح قيادة حافظ الاسد)، واذا كان من المؤكد ان السفير السوفياتي قد ايقظ عبدالناصر بعد منتصف الليل كي يبلغه رغبة القيادة السوفياتية في عدم المبادرة الى الهجوم على اسرائيل، فاننا نطلب من الاخ "ابو ناصر"، وكي يبرئ ذمته كبعثي قديم، او بعثي بالغلط، ان يستفسر لنا بالطريقة التي يراها مناسبة: هل كان يوجد طلب سوفياتي ما بتسليم الجولان الى اسرائيل؟ او طلب بعدم مقاومة اسرائيل لدى اقتحامها الخطوط الحصينة في الجولان؟ او طلب بعدم "مقاومة" احتلال الجولان كل هذه السنوات، في حين يتبجح هذا النظام ذاته بدعم "المقاومة" الفلسطينية واللبنانية حتى لاجل تحرير بقعة صغيرة مثل مزارع شبعا؟!
ـ وعلى افتراض وجود مثل هذا الطلب، فهل كان يجدر بالقيادة الدكتاتورية السورية تنفيذه، اذا كانت حقا قيادة وطنية؟!
ـ وفي اسوأ الاحتمالات: اذا كانت هناك تعهدات سرية للقيادة الدكتاتورية السورية كانت تلزمها بتنفيذ "طلبات" القيادة السوفياتية السابقة، فإن هذه القيادة اصبحت في ذمة التاريخ منذ اكثر من 15 سنة.
ـ فأي "رغبات" او "طلبات" اخرى، غير سوفياتية، ينفذ النظام الدكتاتوري السوري في عدم مقاومة احتلال الجولان، بعد "غياب" القيادة السوفياتية؟!
XXX
في رأينا المتواضع: لا يوجد اي حجة او ذريعة يمكن ان تبرر جريمة تسليم الجولان، والسكوت العملي عن احتلاله في الوقت الراهن. فالارض العربية هي ارض مقدسة، مروية بدماء ودموع مئات مئات الاجيال، والوف الوف الشهداء. وتسليم اي شبر من هذه الارض هو خيانة تاريخية لكل الامة العربية، ماضيا وحاضرا ومستقبلا. واستمرار الاحتلال بدون مقاومة يشيع مناخ التخاذل والفساد والتفكك في اوصال المجتمع العربي بأسره، من المحيط الى الخليج.
ـ فكيف جرى تسليم الجولان؟ ومن المسؤول عن هذه الخيانة الافتك من الجريمة بحق الامة العربية بأسرها؟ ومن المسؤول عن استمرار تعبئة قوات النظام السوري، وعلى حساب المجتمع السوري والعربي باسره، كي تمنع بالقوة اي مقاومة ضد احتلال الجولان؟
ذلك هو السؤال الجوهري الذي تهرب الاخ "ابو ناصر" من الاجابة عليه، والذي ينبغي على جميع الوطنيين السوريين، وليس فقط البعثيين الشرفاء (اذا كان مثل هؤلاء لا يزالون موجودين) الاجابة عليه!





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,653,736,757
- المسيحية: الديانة القومية الاولى للعرب
- أول أيار والدور الاممي الخاص للطبقة العاملة العربية
- الارمن ضحية العنصرية التركية والتآمر الغربي على مسيحيي الشرق
- بكركي محاورا تاريخيا
- المأزق الوجودي لاسرائيل!
- بعد تجربة الاحتلال الاسرائيلي والهيمنة السورية: القوى الوطني ...
- الأكراد شعبنا الثاني
- الصفقة الاميركية السورية الجديدة: اعادة انتاج -سايكس بيكو- ...
- الانقلاب الكياني في التركيبة اللبنانية
- من هم المرتدون الذين سيحاكمون لينين؟ كريم مروة واصحابه نموذج ...
- النظام الدولي المختل والدور التاريخي العتيد للمثلث الشرقي ال ...
- رد الى صديق كردي
- المحكمة الدولية ضرورة وطنية لبنانية وضمانة اولا لحزب الله
- المخاطر الحقيقية للوصاية على لبنان والمسؤولية الوطنية الاساس ...
- حزب الله: الهدف الاخير للخطة -الشيطانية- لتدمير لبنان
- ؛؛الوفاق الوطني؛؛ اللبناني ... الى أين؟؟
- ماذا يراد من لبنان الجديد في الشرق الاوسط الكبير الاميرك ...
- -الفأر الميت- للمعارضة السورية
- العالم العربي والاسلامي ودعوة ديميتروف لاقامة الجبهة الموحدة ...
- هل تنجح خطة فرض تركيا وصيا اميركيا على البلاد العربية انطلاق ...


المزيد.....




- رئيس وزراء قطر الأسبق يحذر من قرب إعلان -صفقة القرن- ويدعو ل ...
- موقع مغربي يعلق على عدم تهنئة الرباط للرئيس الجزائري المنتخب ...
- صحف عربية: هل كان دهاء جونسون وراء فوزه بانتخابات بريطانيا ؟ ...
- وفاة متظاهر نجفي متأثراً بجراح أصيب بها خلال اشتباكات الشهر ...
- القضاء الاعلى يبدي تحفظه على اشراك قضاة في مجلس مفوضية الانت ...
- متهور يستلقي تحت عجلات القطار وسط حالة من الذعر... فيديو
- قطر وتركيا يفتتحان قاعدة عمليات عسكرية مشتركة في الدوحة
- العراق... العمليات المشتركة تنفي عودة -داعش- إلى حوران
- الدول الكبرى تقاوم نداءات لاتخاذ إجراء قوي للحد من الاحتباس ...
- تقارير: إيفانكا ترامب تمتنع عن مقابلة الصحفيين في قطر


المزيد.....

- حوار الحضارات في العلاقات العربية الصينية الخلفيات والأبعاد / مدهون ميمون
- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله
- البرنامج السياسي للحزب / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- الشيخ الشعراوي و عدويّة / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- مستقبلك مع الجيناتك - ج 1 / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- صعود الدولة وأفولها التاريخي / عبد السلام أديب
- الثقافة في مواجهة الموت / شاهر أحمد نصر
- عرج الجوى / آرام كرابيت
- تأثير إعلام الفصائل على قيم المواطنة لدى الشباب الفلسطيني (د ... / هشام رمضان عبد الرحمن الجعب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج حداد - ويبقى السؤال: من سلّم الجولان بدون قتال، وهادن الاحتلال، ولماذا؟