أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد الشديدي - عفية .. والله عفية














المزيد.....

عفية .. والله عفية


سعد الشديدي

الحوار المتمدن-العدد: 1588 - 2006 / 6 / 21 - 10:59
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


جلسات محاكمة الطاغية صدام حسين اظهرت انه هوَ هوَ, لم يتغير.
ما زال ينظر الى من يحيطون به ذات النظرة الأستعلائية المستبدّة ويعتبرهم احجاراً ينفخ فيها من روحه لتصبح " بشراً سوياً". واجهزة كومبيوتر يبرمجها كما يشاء لينفث فيها ما يشاء من الشعارات والخطب ترددها وراءه دون ان تعرف لها معنى. المهم ان تنضم الى جوقة المرتلين بحمده ومجده وتسبح في ملكوته المحاط برجال الأمن والمخبرين وجنود الأجهزة الخاصة, الواقفين على اتمّ الأستعداد للإنقضاض ككلاب مسعورة على من كان يكفر بالنِعم التي اسبغها القائد الضرورة على شعبه, بل على العالم اجمع.
وانه مازال ينظر الى نفسه نظرته التي اودت به وبشعبٍ بأسره, بل بأمةٍ كاملة الى مهاوي الحضيض. انه الآله غير المعلن. المعصوم الذي لا يخطأ. حكيم الزمان وديدبان الجبال والوديان. العارف بالحكمة والسياسة والقوانين والأدارة والهندسة والطب والأدب والتكنلوجيا والأنثريولوجيا والآيديولوجيا وكل ما ينتهي باللوجيا. يوزع شهاداته المشفــّرةِ من عليائه, الذي كان لا يغادره إلا بسياراته المصفحة خوفاً من الناقمين عليه وعلى اتباعه. وشهاداته غالباً ما كانت من الأصفر الرنانّ الذي أستبدله بعد ان هبطت قيمة الدينار العراقي وأصبح من الأخضر الفتـّان، عُملة اعدائه. ثمّ استعان بعد ان نفذ هذا وذاك بكوبونات النفط.
من تقاليد القائد الضرورة انه كان يستعمل بعض الكلمات التي يفهمها حرسه الخاص و يحددّ بموجبها قيمة "الأكرامية" التي تصل الى ايادي اتباعه وجلاوزته. ومنها كلمة عفية. وهي من الكلمات العامية العراقية التي تدلّ على الأستحسان. يقولها الأب لأولاده الصغار والمعلم لتلاميذه اذا ما ارادوا تشجيعهم. هي اذن كلمة لها قيمة معنوية لا تتعداها. ولكن دكتاتور بغداد السابق وسفاحها المطلق على مرّ العصور استعملها اثناء فترة حكمه بشكل جديد. فكان اذا قابلَ وفداً من خدمه وكلابه وتبادلَ معهم احاديثه, التي كانت تأخذ وقت التلفزيون العراقي كله من لحظه ابتدائه الى اقفاله, واراد تكريمهم استعمل كلمة عفية تلك. فاذا قالها مرة واحدة يعطى الف دولار امريكي للشخص الذي وجهت له عفية الرئيس. واذا قالها مرتين يصبح المبلغ مضاعفاً وان قالها ثلاثاً تكون الهبة ثلاثة آلاف دولار وهكذا. ومع مرور الزمن اصبحت هذه "العفية" شعاراً لأتباعه من القتلة والأنتهازيين والأفاقين عسكريين ومدنيين. ونغمة يطربون على صوتها ويحلمون بسماعها منه مراتٍ ومرات ليزيد المكتوب لهم على حساب الجثث التي مشوا عليها محطمين ما تبقى من عظامها والأكواخ التي ينام ساكنوها يطوون على الجوع.
من الملفت للنظر ان الديكتاتور الملطخة يداه بدمائنا قال تلك الكلمة السحرية في جلسة محاكمة يوم امس. وتحديداً عندما طالبَ ممثّل الأدعاء العام بانزال عقوبة الأعدام برأس النظام الساقط جزاءاً لما اقترف بحق سكان المدينة المسالمة المستلقية على ضفاف نهر الدجيل والتي تسمّت بأسمه. ولهذا السبب تبدو" عفية" الدكتاتورغريبة كل الغرابة وخارجة عن سياقها المألوف. فإن كان ارادها للسخرية فسفاح العراق الواقف خلف القضبان ليس في موقع يؤهله أن يسخر من احد. وهو يعي ذلك جيداً. وان كانت للأستحسان فيقيناً ان الرجل اصيب بجنونٍ جديد يضاف الى قائمة جنونه المتعدد الأبعاد والألوان والأشكال. فليس هناك من عاقل يطلق عبارات الأستحسان والتشجيع لمن يطالب بإعدامه.
الكلمة اذن لها معنى آخر لا يعرفه إلا الديكتاتور وأتباعه الذين يقتلون المئات من العراقيين كل يوم. واخشى ان تكون تهديداً مبطناً لطاقم المحكمة التي اقتربت جلساتها من النهاية واحساس القتلة بأقتراب حبل المشنقة من رقابهم.
هل كانت كلمة " عفية" التي قالها صدام حسين شيفرة بينه وبين اتباعه الذين فقدوا مراكزهم وثرواتهم ويحلمون بعودة النظام الساقط الى سابق عهده ليعودوا هم متنعمين بخيرات العراق التي حرمونا منها لعقود عديدة؟ وهل اصبحت "عفية" صدام تساوي مليون دولار بعد ان كانت الفاً من الدولارات سابقاً؟
ولكن مليون من الدولارات لمن؟ هل لأولئك الذين سيقومون بأغتيال احد اعضاء طاقم المحكمة الذي كفرت بألوهية صدام حسين؟ من يدري؟
كل الأحتمالات واردة في عراق اليوم. ولكنّ شيئاً واحد نعرفه جميعاً هو ان العراقيين الذين كانوا يشاهدون مجريات جلسة المحاكمة يوم امس هتفوا ومن قلوبهم لممثل الأدعاء العام ولطاقم المحكمة من العراقيين الشرفاء: عفية والله عفية. قالوها حباً وكرامة لهم لا خوفاً ولا انتظاراً لمكرمة ما سوى اداء واجبهم في تطبيق العدالة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,521,901,502
- كشف الغُمّة في تبيان غباء قادة الأمة
- رسالة عراقية الى الغرباء
- قصائد تشبه الموت
- الحرب الطائفية وحدود جهنم
- قفوا معنا لنكون معكم
- وطنٌ بلونِ ألسماء
- المشهد السياسي العراقي واحداث سامراء
- الشيعة الى السلطة.. والعراق الى الجحيم؟
- العراق ومقدمات الحرب الأهلية
- سامراء.. الرهان.. والتداعيات
- الأنتخابات التشريعية العراقية: فضيحة أم كارثة؟
- هوامش على ملحمة جلجامش
- تعلّم كيف تبني عراقك الجديد.. في 3 ايام.. بدون معلّم
- الرئيس الطالباني: صلاحيات أوسع أم دور سياسي أكبر؟
- اينانا في سجن النساء
- انهم يفّجرون حتى قبور الموتى
- رسائل الموبايل
- هل العراق الجديد.. جديد حقاً؟
- نبوءةُ عُرسٍ اسوَد
- سانتا لوسيا والشعر الأسود الفاحم


المزيد.....




- الحرس الثوري الإيراني: سنرد أي تهديد.. ولن نسمح بجر الحرب إل ...
- احتفالات في طوكيو بالذكرى الثمانين لـ “باتمان”
- شاهد: حيتان الأوكاس في زيارة نادرة إلى لسان بيوجت ساوند البح ...
- شاهد: هنا دفن بن علي.. جثمان الرئيس التونسي المخلوع يوارى ال ...
- الشرطة الفرنسية تعتقل أكثر من 100 متظاهر خلال احتجاجات الستر ...
- شاهد: ساكوراجيما أكثر البراكين نشاطا في العالم يدخل حالة من ...
- المدن الكبرى التي لا مكان فيها للأطفال
- سوريا تعلن إسقاط طائرة مسيرة -تحمل قنابل عنقودية-
- إيران تحذر: مستعدون لتدمير أي معتد على أراضينا
- شاهد: هنا دفن بن علي.. جثمان الرئيس التونسي المخلوع يوارى ال ...


المزيد.....

- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثامنة: القطاع ... / غازي الصوراني
- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا
- حول دور البروليتاريا المنحدرة من الريف في ثقافة المدن. -3- ا ... / فلاح علوان
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الرابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- إيران والخليج ..تحديات وعقبات / سامح عسكر
- رواية " المعتزِل الرهباني " / السعيد عبدالغني
- الردة في الإسلام / حسن خليل غريب
- انواع الشخصيات السردية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الغاء الهوية المحلية في الرواية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الابعاد الفلسفية في قصة حي بن يقظان / د. جعفر جمعة زبون علي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد الشديدي - عفية .. والله عفية