أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - فاطمة ناعوت - الطبيعةُ تتنفَّس!














المزيد.....

الطبيعةُ تتنفَّس!


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 6571 - 2020 / 5 / 22 - 16:23
المحور: المجتمع المدني
    



(حين نُسلِّمَ الأرضَ إلي الله/ سيكون علينا أن نُعيدَ الكونَ سيرتَه الأولى:/ نزرعُ الغاباتِ التي أحرقناها/ وننفخُ من أرواحِنا في الهياكل العظميّة التي وأدنا الروحَ فيها/ نُعيدُ للطيرِ أمانَه وزقزقتَه/ تلك التي تعلّمَ أن يُسكتَها/ كلمّا مررنا نحن البشرَ جوارَ شجرة/ نُعيدُ الصحراءَ صحراءَ/ والمروجَ فراديسَ/ ثم نلصِقُ التفاحةَ المأكولةَ/ في شجرة الخطيئة الأولى/ كي يحبَّنا الُله/ ندرّبُ أنفسَنا/ أن نسيرَ فوق الرمال/ دون أن تدهسَ أقدامُنا الطُولى/ أسرابَ النمل الطيبة/ … سيقفُ "ابنُ رشد" بين المذبح والمحراب/ ليقول:/ "الحقُّ لا يضادُّ الحقَّ!"/ ثم نقفُ أمامَ اللهِ في صفٍّ طويل/ لنشهدَ/ كيف نحنُ جعلنا الحقَّ/ يُضادُّ الحقّ.)
هذا مقطعٌ من قصيدة قديمة كتبتُها عام 2007، عنوانها "قرطبة"؛ بعد رحلة تأمّل امتدَّت سنواتٍ حول كل ما صنعه الجنسُ البشري ضدَّ الطبيعة من عَسْف وتجبُّر واستقواء. كيف اعتدينا، نحن بني الإنسان، على الأشجار والأنهار والبحار والجبال والغابات والطير والحيوان. كيف استخدمنا عقلنا، جوهرة الترقّي، لنقتل الحياةَ التي لوّن اللهُ تعالى بريشتها لوحةَ الوجود على نحو لا يُبارى في الجمال والاكتمال. كيف لوّثت عوادمُ سياراتِنا وقطاراتِنا وطائراتنا ودخانُ مصانعنا صفحةَ السماء المشرقة وألبستها دثارَ الغبار المعتم. كيف أزهقنا روح البراءة في الأرض، بنيران الحرائق والقنابل ولون الدم. كتبتُ تلك القصيدة وأنا أخشى من انتقام الطبيعة الوشيك. لكنني لم أدرِ يومًا أن أشهدَ بعيني ثأرَها القاسي الفاشي، فقد ظننتُه يأتي بعد برهةٍ من الزمان لا أشهدُها. وكان انتقامُ الطبيعة هادئًا، على قسوته، حاسمًا وحادًّا ونهائيًّا، كما يليق بجبروتها الأنيق. قررتِ الطبيعة أن تتنفَّس بعيدًا عن زفيرنا المشبَّع بالعنف والبغضاء والعنصرية والأنانية. أطلقتْ أصغر جنودِها ليُنفِّذَ المهمة. فنحن البشر أضعفُ وأهزلُ من أن تُرسل لنا الطبيعةُ جنودًا من كبار صفوفها الأولى مثل البراكن والزلازل والأعاصير المدمرة. أرسلت لنا كائنًا ضئيلا لا يُرى بالعين؛ ليحمل رسالتها إلينا: "عودوا إلى دياركم ودعوني ألتقط أنفاسي التي مزقتموها بهوائكم الفاسد حتى ارتفعت درجة حرارة جسدي بمعدلات غير مسبوقة توشك أن تدمرني وتدمركم”. وأجبرنا أصغرُ جنودها، فيروس كورونا، على العودة إلى ديارنا على نحو كونيّ شامل، فخلتْ صفحةُ السماء من الطائرات، وتوقّفت تروسُ المصانع، فخسرتِ البشريةُ مليارات جمعتها خلال رحلتها في قتل الطبيعة.
خلال الحجر المنزلي القسري الذي أرغمتنا الطبيعةُ عليه لكي تتنفس؛ حدث ما يلي من محاولات استعادة الطبيعةُ سحرَها الغائب على أيادينا: التأم ثقبُ أوزونها فوق القارّة القطبية، الذي ثقبته عوادمُنا. تحسّنت جودةُ الهواء في 337 مدينة حول العالم بنسبة 12٪، لمجرد مكوث الإنسان في بيته وكفِّ عدائه الفطري ضد الطبيعة بعوادم السيارات المسؤولة عن انبعاثات الكربون. خرجت قطعان الغزلان تتجوّل في شوارع لندن دون خوف من سخافات البشر. عادت الطيورُ المهاجرة لتحلِّقَ فوق شواطئ "أجوا دولسي" في بيرو. تجوّلت أسرابُ البطِّ في شوارع باريس بكامل الحريّة والأمان، دون خوف من دهس العجلات. وفي مدينة البندقية الإيطالية، شاهد الناسُ أسرابَ الأسماك الملوّنة تسبح بالقرب من سطوح المياه بعدما صارت نقيّة شفافة من جديد، وظهر البجعُ على صفحات البحيرات. في نيودلهي انطلقت جماعاتُ القِرَدة تتجوّلُ في الشوارع الخاوية لأول مرة منذ ملايين السنين. ولأول مرّة منذ دهور أمكن التقاط صور واضحة لجبال الهيملايا من زوايا بعيدة، بعد استحالة ذلك من قبل بسبب دثار العتمة الذي كان لوّث نسيج الهواء بنفايات البشر. استردتِ الطبيعةُ بعضًا من شبابها وصحّتها بعدما غاب الإنسانُ عن المشهد رغم أنفه خوفًا من جائحة كوفيد19، أصغر جندي من الصفوف الخلفية لجيش الطبيعة الشرس الذي لا يُقهر.
لم نحترم صبرَ الطبيعة علينا، ولم نفهم مغزى الرسائل القصيرة التي دأبتْ على إرسالها لنا بين الحين والحين تدعونا للتعقّل والرحمة والنظافة والسلوك القويم معها ومع عائلتها المترامية. منحتنا الطبيعةُ الطعامَ والشرابَ والملبس والحُليّ والديار التي نسكنها، مثلما منحتنا الإلهامَ والفنون والتشكيل والنحت واللون والموسيقى والإيقاع المذهل الذي علّمنا بحورَ الشِّعر ومقامات النغم. منحتنا الأكسجينَ لنملأ رئتينا بالحياة. منحتنا النفطَ لنُكدِّسَ خزائننا بالأموال ونستقوي به بعضنا ضد بعض. منحتنا ضوءَ الشمس وبهجات القمر وتلألؤ النجوم. منحتنا كل جميل خلقه اللهُ العزيزُ الحكيم لكي نتعلَّم ونترقّى ونعلو ونزيدُ الطبيعةَ جمالا والأرض إعمارًا والناسَ حبًّا واللهَ شكرًا وامتنانًا. لكننا لم نتعلم إلا بعد هذا الدرس الصعب، وهو على الله يسير. “الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن.”

***




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,820,555,233
- لا تسخروا من السُّخرية… في السخرية حياةٌ
- -فرج فودة- الذي عاش أكثر من قاتليه
- أخيرًا… وصايا السَّلف الصالح في مناهجنا
- مسلسلات رمضان … في زمن الكورونا
- يُفطرون على دماءِ الصائمين… شكرًا للإرهاب!
- ما لون قبّعتُك … في زمن كورونا؟
- رِهانًا على وعي الأسرة المصرية
- مصرُ العظيمةُ … رمضانُ الكريم
- حين منحني -الأبنودي- منديله لأبكي
- صمتُ السَّعف … صمتُ رمضان
- مِنَصَّةُ الأخلاق … في درس كورونا
- السيسي … فارسُ المهامّ الصعبة
- وأكره اللي يقول: آمين.. يا عزيزي الرئيس مبارك
- ركلةٌ في أسنان البشر
- خُطّة العميل كوڤيد 19
- ابتسامةُ چورچ … ليندا صندوقُ اللآلئ
- الزهرةُ البريّة
- كوميديات أمّي … في عيد الأم (1)
- كوميديات أمّي … في عيد الأم (2)
- في الفواجع … شعبُنا على كأس ماء بارد


المزيد.....




- فتح: إعدام الشهيد «الحلاق» جريمة حرب يتحمل مسؤوليتها نتنياهو ...
- عنصرية الشرطة تفضح العنصرية الاميركية
- تحت ضغوط.. الاحتلال يفتح تحقيقًا في إعدام الشهيد الحلاق
- لجنة دعم الصحفيين توجه مناشدة عاجلة لوقف سياسة التعذيب بحق ا ...
- -تركه ينزف حتى الموت-.. الجيش الإسرائيلي يقتل شابا فلسطينيا ...
- الاضطرابات تحتدم في أمريكا رغم اعتقال شرطي... فيديو
- السودان وبرنامج الأغذية العالمي يوقعان مذكرة تفاهم
- جيش الاحتلال الإسرئيلي يعدم شابا فلسطينيا من ذوي الاحتياجات ...
- أمريكا على أبواب ثورة ضد العنصرية المتصاعدة.. وترامب هو المت ...
- محدث| الاحتلال يعدم شابًا من ذوي الاحتياجات الخاصة بالقدس ال ...


المزيد.....

- فراعنة فى الدنمارك / محيى الدين غريب
- منظمات «المجتمع المدني» المعاصر: بين العلم السياسي و«اللغة ا ... / جوزف عبدالله
- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي
- مقالاتي_الجزء الثاني / ماهر رزوق
- هنا الضاحية / عصام سحمراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - فاطمة ناعوت - الطبيعةُ تتنفَّس!