أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صبري رسول - اكسر الغياب والنّصّ الومضة في الميزان














المزيد.....

اكسر الغياب والنّصّ الومضة في الميزان


صبري رسول
(Sabri Rasoul )


الحوار المتمدن-العدد: 6570 - 2020 / 5 / 21 - 17:14
المحور: الادب والفن
    


تشهد الساحة الأدبية والسردية ولادة كثيرٍ من النّصوص التي تُصنَّف في باب القصّة القصيرة جداً، وبغيابٍ نقديّ تام، ما يجعل القارئ غير المختصّ لا يميّز بينها. وهذا اللون السّردي له قواعد خاصّة وعناصر تميّزها عن غيرها.
في هذا المقال ستتناول هذه القراءة أحد هذه النّصوص للكاتبة هيفي قجو بعنوان «اكسر الغياب»، لكن قبل ذلك لا بدّ من قراءة النّصّ القصصي أولاً:
اكسر الغياب
هل كان حلماً؟!!
الوردةُ الحمراءُ ــ الحالمةُ على تلكَ الخزانةِ الصغيرةِ بجانبِ السَّرير ــ كانت تشي بأنّكَ كنت هنا؛ لايزال المكانُ يحتفي بنكهتكَ ولايزال حضورُكَ ماكثاً، متخثراً بين أصابعي. في الحقيقةِ لستُ بحالمةٍ، ها أنا أستعيدُ كلَّ تفصيل بيننا: معطفكَ الأسود الذي أُحبُّه كان على ذلك الكرسيّ بجانب طاولةِ الكتابة، كنتُ قد نزعته عنكَ بنفسي، وكذلكَ أَسْتَعيْدُ الرَّقصةَ حين هَمَمْتَ بمراقصتي، جَذَبْتَنِي من أصابعي إلى أعلى كتفكَ ثم رفعتَ رأسي وتعمّدْتَ عدم تقبيلي لكنك لم تقاوم الكرز فذقتَهُ ممزوجاً بنبيذ معتق! اكسر الغياب...عاصفةُ الشوق تجتاحني..
---------------------------------------
ما يميّز هذه القصة أنّ العنوان والجملة المُصاغة كسؤال في البداية يختزلان النّص كلّه، ويغلقانه بمفتاح مُلقَى على باب القارئ.
«اكسر الغياب»، يشير العنوان من خلال الحقل الدلالي أنّ هناك قطيعة طويلة وقعت بين السّاردة، مستخدمة الضمير الأول "أنا" وبين الغائب، الموُجَّه إليه الخطاب والعتاب، استخدام الضمير الثاني "أنت". فالغياب يدلّ على وقع القطيعة، واستخدام فعل الأمر "اكسر" توجيهٌ قويّ ومطالبة بتجاوز «القطيعة» المرّة.
وصيغة «كسْرُ الغياب» تدلّ على أنّ العلاقة كانت سابقاً مفعمة بالحميمية وبالتواصل، مُورّدة، ويؤكّد ذلك الوصف المكثّف لحضوره سابقاً، «لايزال المكانُ يحتفي بنكهتكَ ولايزال حضورُكَ ماكثاً، متخثراً بين أصابعي»، فلم يكن له حضورٌ فقط، بل كان لحضوره نكهةٌ تعوَّد المكان عليها، والاحتفاء بشيء هو التحضير الكامل والاستعداد له، واستنفار مكوّنات المكان بوجوده، ما يدلّ على البهجة التي يُحدِثُها وجوده، من جانبٍ آخر، غيابه ليس سوى اختفاء فيزيائي محضّ، فحضوره مازال قوياً في المكان، حيث اللقاء، ومازال عالقاً بين أصابعها، وكأنّها مازالت تقبضُ على حضوره السابق.
تكسّر بالعبارات الآتية مكنوناتها التي لا تلجأُ إليها النّساء غالباً: «معطفُكَ الأسود الذي أُحبُّه [...] كنتُ قد نزعتُه عنكَ بنفسي، وكذلكَ أَسْتَعيْدُ الرَّقصةَ حين هَمَمْتَ بمراقصتي». أنْ تحبَّ شخصاً يعني أنْ تُحبّ أشياءه، قلمَه، كتبه، رقمه، ألوانه، ومعطفه. استعداد صاحبة المكان لاستقباله، يجعل المكان كلّه في أقصى تأهّبه، فتنزع عنه المعطف، وتطعه على الكرسي هناك. اللحظة الحميمية جعلتها تحفّز ذاكرتها التصويرية على استعادة الرّقصة؛ إنّها البهجة الكبرى. المراقصة الثنائية تذويبٌ لروحين تنتشيان في جسدين يلبيان لنداء الضرورة الذي يفرضه المكان واللحظة الشعورية في الزّمان. كلّ هذه الأسرار تبوح بها بسبب غيابه، والنساء يحتفظنَ بها كأحد أسرار الطبيعة الأنثوية، لكنّها هنا تكثّف بتفصيلها بعد إن فاض بها الشّوق.
وكي تقدّم له الإغراء أكثر، وتدفعه إلى كسر الغياب المؤلم، تذكّره بمتعة القبلة «رفعتَ رأسي وتعمّدْتَ عدم تقبيلي لكنك لم تقاوم الكرز فذقتَهُ ممزوجاً بنبيذ معتق!» الرّقصة التي راهنت على حصان اللهفة، وقرّبت بينهما، جعلته يكسّر قواعد الرّقصة فيرفع رأسها، ثمّ تغريه حبّات الكرز اليانعة، فيغترف من نكهتها كأسه، وكأن مذاق الكرز استمدّ روحه من روح النبيذ المُعتّق.
وفي استخلاص المعنى العام لهذا النّص نجد عمق الأثر الذي تتركه القراءة الأولى له، وهذا قد لا يشعر به المتلقي العادي، والعمق ذاك، يولّده الإيقاعُ القصصي المتدفق بوتيرة متوتّرة، حيث الحديث عن اللحظات الشعورية، والاثنان «عمق الأثر والإيقاع القصصي» يخلقان معاً الدهشة الناتجة عن الدعوة القوية باستخدام فعل الأمر «اكسر». فالعتبة النّصية والخاتمة تمتزجان معاً ليكون الأمر طريفاً، فسبب الدعوة يتوضّح من الختام والسبب «عاصفةُ الشوق تجتاحني»؛ وعند النّظر إلى أركان (ق. ق. ج) التي حدّدها النَّاقد أحمد الحسين، نجد أنّها «الطرافة، الإدهاش، عمق الأثر، الإيقاع القصصي».
في هذا النّص نلاحظ كثافة اللغة، حيث تثقل الجمل بالمعاني الكثيرة، بإيحائية، فنلاحظ أنّ هذه العبارة «جَذَبْتَنِي من أصابعي إلى أعلى كتفكَ ثم رفعتَ رأسي وتعمّدْتَ عدم تقبيلي لكنك لم تقاوم الكرز...» تأخذُ من لغة الشّعر جانبه الموحي، وكثافته الدلالية المشعة، وفق تعبير الناقد العراقي صالح هويدي في كتابه الأخير «السَّرد الوامض»، فتجمع بين اللغتين الشعر والنثر، وهذا ما دعاه إلى أن يطلق على لغة هذا اللون الكتابي بـ«لغتها الخاصة».
فكلّ جملة تُكتَب، تحمل معنىً ما، بل «يجب ألا تكتب كلمة واحدة لا تخدم غرض الكاتب» حسب تعبير إدغار آلان بو. لكن في هذا السّياق يمكن تسجيل الملاحظة التالية على عبارة «لكنك لم تقاوم الكرز»، فهو قاوَم ذلك، لكنه لم ينجح، أو كانت مقاومته ضعيفة، وكان يمكن الاستعاضة عنها بـ«لكنّك فقدتَ المقاومة».
هنا تظهر المفارقة بين القصة القصيرة جداً وبين القصة القصيرة، التي قد تقبل مساحتها السردية التطويل والوصف والحوارات. أما (ق. ق. ج) فذات آليات جمالية مختلفة، لقصر مساحة السّرد، وبسببها يُصبحُ مركزُها المغامرة على حبل اللغة، «أتَعيْدُ الرَّقصةَ حين هَمَمْتَ بمراقصتي، جَذَبْتَنِي من أصابعي إلى أعلى كتفكَ» بهاتين الجملتين يفهم المتلقي حيثيات الحدث القصصي.
لو تمكّنَ بعضُ الكتاب الكُرد كتابة «النّصّ الومضة» باللغة الكردية مع مراعاة كثافة اللغة والدّهشة وعمق الأثر لكان ذلك قفزة نوعية في عالَم السّرد.
-------------------------------
الحلقة الأولى: قصة شمس عنتر
الحلقة الثانية: قصة رشاد شرف
الحلقة الثالثة: قصة هيفي قجو




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,824,486,732
- البيت الذي أكلته العاصفة في ميزان (ق. ق. ج)
- قصّة «انتظار» شمس عنتر في الميزان
- عندما تغيب معايير النّقد... (كلستان المرعي وعصمت الدّوسكي)
- صُوَرٌ في العتمة
- امرأة غامضة حتى الضّجر(ج2)
- امرأة غامضة حتى الضّجر(ج1)
- -وزنة حامد- سردٌ متعثّر ولغة محكية
- استنطاق المسكوت عنه ((ترمي بشرر))
- سوريا والعيش المشترك
- ذهنية الكردي
- أصبحْتُ نمْلةً
- هدية إيفا
- «وطأة اليقين» لهوشنك أوسي والتّشكيك بالتّاريخ
- لماذا يكتب الكرديّ باللُّغة العربيَّة؟
- وتغفو امرأة ج2
- وتغفو امرأة (ج1)
- الصّورة النمطية تؤطّرها محاذير مقدّسة
- الومضة الشعرية مع الرّيح والمطر والخراف في نارنج(1)
- الضّوء والصّمت (E)
- الضّوء والصّمت (D)


المزيد.....




- الحكومة في طور تنزيل مشروع التغطية الصحية والتقاعد للعمال ال ...
- قراءة في كتاب -زمن الخيول البيضاء- لإبراهيم نصر الله 
- افتتاح مهرجان الكتب -الساحة الحمراء- في موسكو
- كاريكاتير -القدس- لليوم الأربعاء
- ما هي أكثر الأفلام إثارة للمشاعر إلى درجة البكاء؟
- ضربة موجعة للجزائر والانفصاليين.. اسبانيا تمنع أعلام البوليس ...
- فنانة ماكياج تحول ملامحها إلى عبدالمجيد عبدالله.. وهكذا رد ع ...
- في زمن وهبي نفتقد إلياس العماري
- لفتيت: الإعلان عن بعض القرارات مؤخرا لا يعني رفع حالة الطوار ...
- الشاعر عودة عمارنة يفوز بجائزة عالمية للشعر في إيطاليا


المزيد.....

- لغز إنجيل برنابا / محمد السالك ولد إبراهيم
- رواية ( الولي الطالح بوتشمعيث) / الحسان عشاق
- سارين - محمد إقبال بلّو / محمد إقبال بلّو
- رواية إحداثيات خطوط الكف / عادل صوما
- لوليتا وليليت/ث... وغوص في بحر الأدب والميثولوجيا / سمير خطيب
- الضوء والإنارة واللون في السينما / جواد بشارة
- أنين الكمنجات / محمد عسران
- الزوبعة / علا شيب الدين
- ديوان غزّال النأي / السعيد عبدالغني
- ديوان / السعيد عبدالغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صبري رسول - اكسر الغياب والنّصّ الومضة في الميزان