أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامح عسكر - الحضارة المصرية بين الأمومة وبطريركية الأبوية















المزيد.....


الحضارة المصرية بين الأمومة وبطريركية الأبوية


سامح عسكر

الحوار المتمدن-العدد: 6472 - 2020 / 1 / 25 - 01:13
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


عبد العزيز جمال الدين:
* الحضارة المصرية مالت للأمومية في البداية لكنها لم تتحول إلي الذكورية بقسوة.. والدليل شجرة الدر

محمد محي خطاب:
* حتشبسوت و"سوبك نفرو" وملكات الأسرة الـ 12 .. شهادات خالدة على تميز المرأة المصرية

سامي حرك:
* "حابي" الذي يرمز للنيل .. إله بثديين حمل صفات أنثوية وذكورية في دلالة على المساواة بين الجنسين

أحمد شوقي:
سر تاريخي وراء تسمية مصر بـ "أم الدنيا" واالمصريين بـ "ابناء النور"

المقال لرشا رفعت شاهين

المتابع للمرأة وتطورها الإجتماعي التاريخي وخط سير الحضارات القديمة، قد يتعجب من الموقع الشديد التميز الذي تمتعت به المرأة المصرية،بينما عانت السومرية والبابلية والأشورية والرومانية وغيرهن من نساء الحضارات والمناطق المختلفة حول العالم وعلي مدار التاريخ من إعتبارهن سلع أو ملكية خاصة للأب والزوج وذكورالعائلة، كما لم يكن لها الحق في الميراث وفي الموافقة أو رفض الزواج وفي التعلم أو العمل أو السفر.

وكذلك كان من حق الزوج بيعها في السوق أو قتلها أو الحاق الأذي بها وبتر أجزاء من جسمها أو رهنها إذا تعسر مالياً، فضلاً عن أنه لم يكن من حق النساء في الحضارات القديمة إختيار ملابسهن، وكان يتم فرض غطاء الرأس والوجه عليهن،بل قد تتعرض للجلد والتعذيب والقتل من تخالف تلك الأعراف. ولم يكن يُسمح للجواري بالتغطي كالحرائر ومن كانت تخالف ذلك كانت تُدفن حية أو تُعذّب بأبشع صنوف العذاب.

وللغرابة، وعكس المنطق، فقد شجع فلاسفة وحكماء تلك الشعوب علي تحقير المرأة ونبذها واعتبارها مثل البهائم خُلقت لتمتع الذكر وللإنجاب والخدمة.. من حمورابي وسرجون إلي أفلاطون وأرسطو وسقراط وجالينوس وغيرهم ممن يُفترض أنهم جاءوا للإرتقاء بالوعي البشري ونشر النور والعدالة في العالم!

مكانة مرموقة

وبينما انحطت مكانة النساء بالحضارات القديمة حول العالم، ارتقت وإزدهرت بشكل ملحوظ مكانة المرأة المصرية وحث حكماء مصر القدماء الزوج علي (طاعة زوجته) .. نعم طاعتها .. وعللوا ذلك بأنها ربة بيته والمتحكمة في أمواله، وأمروه في برديات ونقوش جدارية خالدة بتوفير أفضل الطعام لإشباع جوعها وشراء أحسن العطور والزينة والملابس لتدليلها ونيل رضاها،بل ومنعوه من أن يتزوج عليها وأعطوها الحق في تطليق نفسها.

كما كانت المصرية مساوية في ميراثها للذكر، وكانت تتزين بما تحب وتختار من أزياء دون أن يتحرش بها أحد أو يتهمها بالفجور ويتهم رجال بيتها بالدياثة.

ولم ينحرف الوضع قليلاً سوي أيام الإحتلال الهكسوسي الذي حاول تحقير المرأة المصرية، ولأول مرة في تاريخها كان يتم التحرش بها في الشوارع والأسواق حتي تم طرد هؤلاء الرعاع وإعادتهم إلي أماكنهم الجدبة من جديد علي يد الملكة العظيمة إياح حتب وابنها أحمس.

بين الآلهة

ولم يختلف الوضع البشري الظالم للنساء بالحضارات القديمة عن الوضع بين الآلهة حول العالم،فالإلهات الإناث جري تحقيرهن كذلك وتدنيس طهارتهن وجعلهن أدني مرتبة من الآلهة الذكور، وكُتبت الملاحم والقصص التي تؤكد انتصار الآلهة الذكور وقهرهم للإلهات الإناث.
أما في مصر، فظل التميز وظلت المساواة تطال الجنسين سواء كانوا آلهة رجال أم نساء حتي أنه كان هناك إلهة (خنثي) تجمع مابين صفات الذكورة والأنوثة لتكون أكثر كمالاً.

وقد تأثرت الشعوب القديمة بمعتقداتها وقدست آلهة وإلهات فاسدين وملوك فاسدين، مغتصبين، محتلين، قتلة وجبارين.. بينما كانت الآلهة المصرية منذ البدء ترمز للخير والحق.

وبينما انقلبت الشعوب علي آلهتها الإناث التي كانت تتفوق علي الذكور، تمتعت الإلهة المصرية منذ البداية بالعدالة في توزيع الأدوار دون طغيان عنصر علي آخر وربما كان ذلك من اهم أسباب إستمرار إحترام الأنثي عموماً في الثقافة المصرية..
ولمعرفة بعض أسرار هذا التميز الحضاري، ناقشنا عدداً من الباحثين.

المساواة حاضرة

في البداية يقول الكاتب والباحثعبد العزيز جمال الدين: نعم كانت المساواة حاضرة دائما بين جميع الآلهة والإلهات في مصر القديمة، أما في زماننا فقد حاول البعض منع الست أم كلثوم من قراءة القرآن لأن صوتها حسب تفسيراتهم عورة .

في البداية، فسر باحثو المصريات التاريخ بشكل منحاز للأبوية وذلك لأنهم كانوا من رجال الدين المسيحي أو جاءوا من مجتمعات ذكورية ولم يعط كثيرون منهم للمرأة حقها من البحث العلمي النزيه والمحايد الغير مرتبط بالمعتقد الديني أو خاضع للتأثير الإجتماعي للمجتمعات التي قدموا منها،ثم اختلف الأمر في العصور الأحدث وأصبح هناك سيدات باحثات في المصريات حاصلات علي أعلي الدرجات العلمية ومنهن من تخصصت في دراسة تاريخ الملكات المصريات القديمات،كليوباترا كانت مصرية وأنا مع الدراسات التي تدعم وطنيتها ودفاعها عن مصر رغم تعارض الكثير من الأبحاث واختلافها حول تاريخها وشخصها.

ويستطرد جمال الدين: قد تكون الحضارة المصرية مالت للأمومية في البداية لكنها لم تتحول إلي الذكورية بقسوة، فشجرة الدر مثلاً حكمت مصر في وقت لم يكن أحد ليجرؤ علي تولي سيدة مثل هذا المنصب في كل العالم الإسلامي وجاء الإنقلاب عليها لأهداف سياسية بحتة،وحتي وقت متأخر كانت المصرية القديمة رأس الدولة ورأس المعبد إذا كان معبداً لإلهة أنثي،كليوباترا كانت تتقلد منصب ديني عالي وتضع رمز إيزيس علي رأسها.

حتشبسوت أيضاً لم تُحارَب لأنها أنثي، بل لأنهم أرادوا ملكاً صغيراً يستطيعون السيطرة عليه كما إن آثارها معمارياً أرقي من أثار حفيدها توت عنخ آمون. ونفرتيتي كانت تشارك أخناتون عقيدته وحكمه ولكن التاريخ أهمل ذكر دورها رغم أن سلطة ملك مصر كانت رمزية وقد كان يتم تصويره يقود جيشه وليس شعبه لأن سلطة حكمه كانت إقليمية ووقت الحروب كانوا يرسلون للملك المركزي جنوداً، إذا فالمسألة كانت تنظيمية إجتماعية مرتبطة بتلك الفترة.

رحم الأم

يشير الباحث محمد محي خطاب إلى أنه في البدء وحسب نظرية الخلق المصرية، كان (نن) هو المياه الأزلية، و(أون)أو عين شمس أو هليوبوليس، هي التي تمحورت نحو ( 90%) من نظريات الخلق المصرية حولها بحسب الفكر الديني القديم، وكانت مركزاً لعبادة (رع).. وتحكي النظرية أن (نن)كان هو العدم والظلام واللاشيء واللانهاية وكل الأشياء المطلقة،وكان نن يحيط بها مثل رحم الأم،ثم برز من نن التل الأزلي (آجبي) وربما أشتُقت منه كلمة إيجيبت!.

برز (آتوم) من العدم، وهو من المفترض أنه الخالق..يقول آتوم:" أنا أرقد في تلك المياه واهناً ساكناً ..دعونا نجمع أجزاء هذا الجسد كي يتشكل ويأتي إلي الوجود لنقضي علي هذا الوهن العظيم".

ثم خلق آتوم(شو) و(تفنوت) ذكر وأنثي واستمني الخالق آتوم بيده ليأتي (جب)السماء و(نوت)الأرض ..أربعة آلهة: اثنان من الذكور،واثنان من الإناث،ويتوالي تزاوج الآلهة حتي نصل لـ (حورس) إبن إيزة، وهو وريث جب أي أنه (ملك الأرض)وكل ملوك مصر كانوا ورثة جب وكانوا يشبهون أنفسهم بحورس.

نظرية الأشمونيين (منف)

مكانها المنيا- كما يقول محمد خطاب - وهي أحدث من نظرية عين شمس وفيها تم خلق الكون بواسطة ثمانية آلهة: أربعة حيات من الإناث، وأربعة ذكورمن الضفادع وهم:

*"نن" و "نونت"(المياه اللانهائية).
* "حح" و"ححت" (الأبدية ).
* "كك" و"ككت" (الظلام).
* "أمون" و"أمونت" ( الخفاء).
وقد حكموا فترة ثم برز (رع) من زهرة اللوتس لإنارة الكون.

ونظرية الأشمونيين تكمل نظرية عين شمس، فـ "آتوم" و"خبري" (الصبح)، و"رع" (الظهر أو الشمس)هم نفس الشئ، أما الخالق هنا فهو " بتاح"، وحل محل "آتوم"،ونجد دلالات قوية وأثرية علي تقديس الالهات الإناث منذ فجر الحضارة فمثلا (صلاية)الملك مينا (نارمر)والتي يُطحن الكحل ويوضع داخلها، نجد أعلاها بقرة مقرّنة من الجانبين وهي (حتحور)،وفي العصور المبكرة كان إسمها (بات)مؤنث (با)أي الروح.

معضلة حتشبسوت سياسية أم عقائدية

بناء علي المعتقد المصري القديم، فإن الملك لابد أن يكون ذكراً حتي يخصب الأرض ويأتي الفيضان ..والملك هو ملك الأرض فقط وحتشبسوت كانت تعرف ذلك وأنها خالفت المعمول به، ولكنها تحايلت علي الأمر وكتبت نصوص علي جدران معابدها تدعي انها ابنة (آمون) حتي نالت رضا الشعب وكسرت شوكة الكهنة.

وهناك ملكات كثيرات قبلها مثل (سوبك نفرو) ومعناها جمالات التمساح أو جميلة سوبك وملكات الأسرة الثانية عشر وذلك قبل دخول الهكسوس وإنحدار دور المرأة المصرية ..ففي الدولة القديمة كان يحمل الألقاب الكهنوتية الرجال والنساء، فمثلا لقب الكاهن (وعب)كان يقابله (وعبت)، وبعد ذلك اختفي لقب وعبت تدريجياً، ولم تعد النساء تمنح ألقاب كهنوتية حتي الأميرات اللاتي حُزن ألقاباً مثل: محبوبة أمون أو المقربة من أمون وكانت تمنحهن السلطة والحصانة تم حرمانهن منها . ولم يرد (أمنحتب الثاني) أي دور أنثوي في الحكم بعد حتشبسوت، ولم يعط أي فرصة لتدوين أي القاب أو أسماء نسائية في عصره؟!.

رجل له ثدي

أما سامي حرَك، صاحب كتاب (الأعياد)والباحث في علوم الإيجبتولوجي فيقول:موضوع التمييز بين الذكر والأنثي لم يهم المصري القديم وهناك آلهة كانت تحمل صفات أنثوية وذكورية مثل(حابي)، وهو يرمز لنهر النيل وقد صوروه في العصور البطلمية علي هيئة رجل له ثديين، وهو مثل (نن) له صفات مختلطة .. وربة النسيج كانت (نيت)وأول مخترع لآلات النسيج كانت المرأة المصرية وكانت تحتكر كذلك العزف علي الآلات الموسيقية هي والذكور بشرط أن يكونوا من العميان.

كذلك، يُنسب الملك لأمه وكانت لابد أن تحمل دماءً نقية، وهي المسئولة عن التوريث الملكي، وكان (حور) يُنسب لـ (إيزة) وليس لأبيه (أوزير) ، وقد بدأ نسب الولد لأبيه وليس لأمه في عهد اليونانيين لأن ثقافتهم ذكورية مثل الهكسوس، وبدأ عهد الإنحطاط عموماً،وحتي الأن يُنسب الميت في مصر للأم وهذا ليس له علاقة بالدين بل هي عادات موروثة.

ويتابع حرك: أتي الهكسوس وجاءت معهم عاداتهم الهمجية، وهم أول من أدخل الرق والعبودية إلي مصر.. وكلمة (عبد) أو (رق) لم تعرفها مصر قبلهم وحتي الأسرة السادسة، وبعد طردهم أمر (أمنحتب) بن (أحمس) بكتابة نص يعتبر أول نص لتحرير العبيد في التاريخ حيث كُتِب فيه:" لن يباع الإنسان أو يشتري كما كان الهمج يفعلون".

حرية كاملة

ومن جانبه، يقول أحمد شوقي.. الكاتب المتخصص في المصريات: حضارتنا المصرية القديمة لم تكن أبدا حضارة عنصرية تفضلجنس على جنس أو شخص على آخر ولا تميز أحد على الآخر حتى لو كان الملك، فكل إنسان علىأرض مصر هو حر ما لم يضر أحداً، وهذه الحرية كانت تشمل جميع جوانب الحياة الفكرية والاجتماعية والعقائدية شريطة ألا تضر أحداً غيرك، وبالتالي لن يضرك أحد.

و بناءاً على ذلك، لم يكن هناك تفريق بين الذكر والأنثى في جميع المحافل والأنشطة والأفكار، بلإن فكرة الذكر والأنثى تعتبر عندهم فكرةعنصرية في حد ذاتها، وكان الكل منصهراً في الحياة والمجتمع وكل يؤدي دوره المنوط به حسب قدراته، وكان ذلك نابعاً من العقيدة الإيمانية المصريةالتي كانت هي عقيدة الإنسانية بكل معنى الكلمة.

ويضيف شوقي: دعونا نعرف كيف كان مفهوم الذكر والأنثى في العقيدة المصرية وذلك هو المرجع والأساسالذي بنيت عليه إنسانية تلك الحضارة، فمن يُعرفوا بـ (النترو) في حضارتنا المصرية درج الناسعلى تسميتهم خطئاً بالآلهة، وذلك خطأ شائع مبني على الترجمات الخاطئة للغة في البدايات سواءبحسن أو بسوء نية، وعلى ذلك أخذ الناس بالمظاهر فكانت (النترو) المصورة على هيئة أنثى هي إلهةأنثى، و (النترو ) المصورة على هيئة ذكر هي إله ذكر، وهذا ما وصم الحضارة المصرية بتعددالألهة والعنصرية في تفضيل الذكور على الإناث حيث يبدو واضحاً من التصنيف أن كل (النترو) الفاعلة في جميع المذاهب العقائدية في مصر هي نترو مذكرة مثل: أتوم، وبتاح، وأوزير، وآمون، وتحوت.. في حين تعمد الجميع إخفاء دور (النترو) الأنثى مثل: إيزيس، وسخمت، وحتحور وموت.. أوعلى أقل تقدير تهميشه بجانب أهمية دور (النترو) الذكر، وجعلوها في جميع الأحوال مجرد الوعاء الحامل لنطفة الذكر ليخرج منها المولود الجديد.

المعنى الحقيقي لـ (النترو)

ولكي تتضح لنا الأمور، لابد ان نعرف أولاً المعنى الحقيقي لـ (النترو) ، هل هم آلهة بالفعل أم غير ذلك؟.

في الحقيقة، أنه حين نبحث عن الترجمة الحقيقية لكلمة (نتر)، نجد أنها تترجم بكلمتي: قدرة إلهية، أو تجليإلهي.. وهذا يظهر بقوة في مضمون معاني نصوص الأهرامات والبرديات وكتب العالم الآخرحتى على جدران المعابد فـ (النترو) ليسوا أشخاصاً بعينهم أو كائنات حية عاشت في السماء أو الأرضكما هو متعارف عليه، بل هم القدرات الإلهية المتجلية للخالق في كونه والتي يستطيع كل إنسان أن يكتسبها حتى يصل لدرجة الوصل الإلهي بروح الإله.

ويظهر ذلك جلياً في العقائد المصرية الأربعة الرئيسية في مدن: أون، و منف، والأشمونين، وطيبة..فكل العقائد تبدأ من كيان واحد أسمه (نون) له من الصفات مثل: التردد، والخفاء، والظلامية، واللانهائية..ولكنه دائما له بداية. وعلى ذلك، يتحدث قدماء المصريين دائماً على ما هو قبل البداية و هو مايسمى بـ (نبر تشر) أو رب الأرباب أو سيد السادة الذي انبثق منه كل (النترو) وكل شيء حتى (نون) ذاته، وهو خفي محتجب مطلق لا يتغير ولا يتبدل، وليس له بداية ولا نهاية.. كل (نتر) من (النترو) هوتجليات الخالق المطلق (نبر تشر).

إذاً- والكلام ما زال لأحمد شوقي-، فكل النترو سواء ليس هناك تفضيل لأحد منهم على الآخر ، فقط طبيعة قدرة الإله المتجلية فيههي التي تحدد وظيفة قدرته وتجليها في الكون، وعلى ذلك نجد أن القدرات الألهية في الكون نتقسم لقسمين:

قسم ينطلق بقدراته في الكون بكل طاقته ويتوسع و يتمدد فيه وينتشر لبناء هذا الكون وتحقيقالقدرة فيه، وقسم آخر يحتوي القدرة بداخله ويتحكم في أدائها وجنوحها وتطرفها حتى يحافظعلى النظام من الانهيار ويضمن بقاء النظام الكوني متماسكاً مترابطاً في حيزه وداخل كيانهالمناسب لقدراته دون حدوث أي خلل او فوضى.

ونرى ذلك في عقيدة مدينة (أون)أو ما يسمىبعقيدة (التاسوع)، فإنه عندما ظهر (أتوم) على هيئة تل البن بن الأزلي كتمثيل لقدرة الإله على خلقالنظام الكامل من الفوضى، انبثق منه إثنان من (النترو) فقط يمثلان طبيعة النظام الأساسي لخلق الكون وهما: (النتر شو)، و(النترة تفنوت).
(شو) انبثق من (أتوم) بأن عطس الأخير، أما (تفنوت) فانبثقت من (أتوم) أيضاً بأن تفل أو بصق، ومن فعليأتوم: العطس والبصق، نجد أن (شو) تنطبق عليه من طريقة خلقه صفات: الإنطلاق، والتوسع، والتمدد..و (تفنوت) هي التي تحتوي القدرة داخلها وتحافظ عليها .. فعل العطس فعل انطلاقي، وفعل البصقفعل احتوائي محدد المكان و الهيئة .. وعليه، فكل قدرة إلهيه تتجلى في الكون بأن تحتوي أي شيءداخلها أصبحت مثل (تفنوت)، وكل قدرة إلهية تتجلى في الكون بأن تسعى للانتشار والتمدد و الحركة الدائمة في كل الاتجاهات أصبحت مثل (شو).

إذاً، فتفنوت هي كل ما يحتوي القدرة و شو هو كل ما يتحرك و ينتشر و يبني داخل حدود الكيانالذي يحتويه و أصبحت كل قدرة تحتوي قدرات داخلها مثل رحم الأم الذي يحتوي داخلها جنينهاالذي يتحرك مرارا و تكرارا في كل الاتجاهات في انتظار مولده و الخروج للحياة.
ونجد ذلك في جميع العقائد المصرية، فـ (سخمت) تحتوي (بتاح) داخلها ليولد (نفرتم)، و(نوت) تحتوي (جب)داخلها ليولد (ست)، و(أوزير) و (أيست) و (نب حت) و(موت) تحتضن (أمون) داخلها ليولد (خنسو)، و حتى(إيزيس) نفسها تجلت قدرتها العظيمة عندما احتوت (أوزير) داخلها لتخرج بذرته منه إليها ليولد(حورس).

ذلك يعني أن كل (نتر) أنثى هو في الحقيقة يعبر عن القدرة على احتواء بذرة الحياة، وكل (نتر) ذكرهو في الحقيقة يعبر عن تكوين و تشكيل بذرة الحياة تلك. وعليه، تم تشبيه (النترات) برحم الأمو(النترو) بالبذرة بداخل ذلك الرحم ، وأصبح كل (نتر) يحتوي الحياة يمثل بالأنثى، وكل (نتر ) مخلق لهايمثل بالذكر، والأصل - كما قلنا - كلها قدرات آلهيه تتجلى في الكون لتحقيق قدرة الإله، ولا يوجد فيهاأي تمييز في النوع.

لذلك - كما يقول أحمد شوقي- : يستطيع أي إنسان مهما كان نوعه أن تتجلى فيه قدرة (النترو) مهما كانت صفته ذكراً كان أمأنثى فيمكن مثلاً أن تتجلى قدرة (النترة إيست ) في الرجل عندما يحاول أن يحافظ على أبنائه وبيتهمن الانهيار بأن يربيهم ويعلمهم الحياة بأصولها وحكمتها، كما يمكن أن تتجلى قدرة (النتر بتاح)مثلاً في الفتاة التي تستطيع أن تنحت عملاً فنياً أو تصنعه من مواد الأرض عموما.. ذلك لا يعني أنذلك الأب أصبح أنثى، ولا تلك الفتاة أصبحت ذكراً، ولكن الحقيقة أن التعريفات التي التبست علىالناس هي ما جعلتهم يميزون (بتاح) بالذكر، و(إيست) بالأنثى.

ومما سبق، لا يوجد أي تمييز أو تفضيل لذكر أو أنثى في مصر القديمة لأن ذلك التصنيف لم يكنمعترفاً به من الأساس كما شرحنا سابقاً، و نجد على مر حضارتنا العظيمة ظهور بعض الملكاتوالأمهات والزوجات اللاتي قمن بجهود وأعمال عظيمة مثلهم مثل الملوك الرجال مثل:الملكة حتشبسوت، والملكة نفرتيتي، والملكة الأم إياح حتب، والملكة الأم تي، و غيرهن كثيرات،في حين نجد أنه في فترات الاضمحلال والاحتلال يتم تجنيب الأنثى وتهميش دورها في الحياة وينتج عن ذلك تعطيل دورها في احتواء الحياة والإنسانية بالبلاد، فينشأ بذلك أجيال من القتلة والمجرمين و عديمي الأخلاق، وذلك يؤدي بدوره لانهيار المجتمع بكامله مثلما حدث فيعصر الاضمحلال الأول.

أم الدنيا

ويستطرد أحمد شوقي: أخيراً، نأتي هنا لآخر مبحث في أمر الأمومة و مفهوم الأنثى والذكر عند القدماء، وهو معنىالمصطلح المتعارف عليه بأن مصر هي "أم الدنيا"، فكما قال تحوت في متونه :" مصر صورةللسماء و الكون كله يسكن في معابدها".. ذلك يعني أن مصر هي تجسيد لكل قدرة إلهية تجلت فيالكون لتبني الحياة وتساعد على تعمير الأرض بنشر الإنسانية في ربوعها، لذلك نجد أن مصردائماً هي كيان حاضن ومحتويّ لكل ثقافة أو فكر يأتي إليها من خارجها أو ينبثق من أهلها، وتقومبلادنا بواسطة أهلها وفي داخلها دائماً بهضم تلك الثقافة وصهرها في بوتقة واحدة من خلالمجموعة من النظم والقوانين والأعراف التي ينتج عنها في النهاية فكر جديد يشمل كل ما سبقهمن أفكار، ولكن بصبغة إنسانية نقية يصلح دائماً للتعامل معه داخل مصر وخارجها.

دائماً ما يحدث ذلك، انصهر اليونانيون داخلنا، والرومان بعدهم رغم قوتهم، والفرس تم لفظهم، حتىالعرب الذين بدلوا هيئة المصريين وثقافتهم ولكنهم لم يستطيعوا تغيير كينونتهم وجوهرهم حتىالآن،وإن كان ذلك خفياً في أوقات وجلياً في اوقات أخرى، ولذلك أصبحت مصر هي الحاوية والجامعة بداخلها على كل عوامل تكوين الروح الإنسانية الحقيقية على الأرض، و أصبح أهلها همتلك القدرة الكامنة داخلها على تخليق الإنسانية والنظام الحي من فوضى الأفكار والمعتقدات والصراعات التي تدور في العالم.

تلك هي مصر، تقوم بنفس دور إيزيس.. الأم الأخيرة، وتفنوت.. الأم الأولى، وذلكم هم شعب مصر يقومبدور حور.. الملك الأخير، ورع.. الملك الأول، لذلك أصبحت مصر هي "أم الدنيا"، وأبناؤها هم "أبناءالنور".. ذلك هو لقب مصر دائما بين الأمم وذلك هو لقب أبنائها على مر العصور.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,716,913,852
- أضواء على المذهب الشيعي الإمامي
- الإصلاح السعودي والمصير العثماني
- أضواء على الديانة المصرية القديمة
- شرح الوضع الليبي
- عبدالملك بن مروان..قصة خليفة
- تداعيات مقتل سليماني وخريطة الأزمة
- أوروبا بين التحدي والاستجابة
- التدين ومعادلة ستيفن هوكينج
- ماذا يحدث لشعب الإيجور المسلم في الصين؟
- السادية العراقية والوطنية المزيفة
- خراب الإصلاح في عَمَار الأصولية
- التفاضل العددي في صناعة الآلهة
- معضلة التمييز في نظرية التطور
- الباريدوليا وفلسفة الصورة
- الروح القدس في القرآن
- ترامب وخامنئي..صناعة المستحيل
- حرب اليمن بين الفقه وأدب الحرافيش
- في نظريات الخلق عند المسلمين
- التكفير في أصول التفسير..أزمة الشعراوي
- نسبية المبادئ وإشكاليات الأيدلوجيا


المزيد.....




- نتنياهو: نستعد لبسط السيادة الإسرائيلية على -يهودا والسامرة- ...
- مرصد الإفتاء:36 عمليةإرهابية خلال اسبوع إستهدفت 10 دول وتوق ...
- وقف الداعية المصري عبدالله رشدي عن العمل.. والإفتاء تدافع عن ...
- سيادة الشعب الدينية تهزم مؤامرات الاستكبار
- يهودي مرشح لإسقاط ترامب.. ساندرز يقاطع أبرز مؤتمر أميركي داع ...
- مهرجان بلجيكي يتجاهل المطالبة بإلغائه لاتهامه بـ"معاداة ...
- مهرجان بلجيكي يتجاهل المطالبة بإلغائه لاتهامه بـ"معاداة ...
- الجيش الليبي يرد على السراج: يبدو أن -الإخوان- يسيطرون على ر ...
- محافظ قم الإيرانية: إلغاء الاعتكاف في المساجد والعتبات المقد ...
- الإخوان يديرون رئيس حكومة الوفاق في ليبيا 


المزيد.....

- المنهج التأويلي والفلسفة الهرمينوطيقية بين غادامير وريكور / زهير الخويلدي
- مستقبل الأديان والفكر اللاهوتي / عباس منصور
- للتحميل: التطور - قصة البشر- كتاب مليء بصور الجرافكس / مشرفة التحرير ألِسْ روبِرْتِز Alice Roberts - ترجمة لؤي عشري
- سيناريو سقوط واسقاط الارهاب - سلمياً - بيروسترويكا -2 / صلاح الدين محسن
- العلمانية في شعر أحمد شوقي / صلاح الدين محسن
- ارتعاشات تنويرية - ودعوة لعهد تنويري جديد / صلاح الدين محسن
- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامح عسكر - الحضارة المصرية بين الأمومة وبطريركية الأبوية