أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف: الحراك الجماهيري والثوري في العالم العربي، موقف ودور القوى اليسارية والديمقراطية - قاسم المحبشي - في توقع مآلات ثورة الفرصة الأخيرة .. خاب ظنه وصدق حدسي















المزيد.....



في توقع مآلات ثورة الفرصة الأخيرة .. خاب ظنه وصدق حدسي


قاسم المحبشي
كاتب

(Qasem Abed )


الحوار المتمدن-العدد: 6435 - 2019 / 12 / 11 - 20:11
المحور: ملف: الحراك الجماهيري والثوري في العالم العربي، موقف ودور القوى اليسارية والديمقراطية
    


خاب ظنه وصدق حدسي

من حوار سابق مع الأمين العام في توقع مآلات ثورة التغيير اليمنية التي وئدت في مهدها وتزيف الواقع
تمهيد :
نشرت صحيفة “المصدر” يوم الثلاثاء الموافق 7 فبراير 2012م العدد (192) مقالا للدكتور ياسين سعيد نعمان الأمين العالم للحزب الاشتراكي اليمني في الصفحات (8، 9 و10) وهو مقال طويل استهلته بتقديم كاتبه بعده كاتبـا ومفكرا “يعصر روح الفكرة لأي من القضايا الكبيرة... برؤية المفكر العميق الذي يسبر أغوار الفكرة وتجربة السياسي الذي يفضل مشاق السياسة ومرونتها على بدائل العنف وانهيار البلدان” دون الإشارة إلى هويته السياسية وصفته الحزبية الرسمية. ولما كنت من المتابعين لمقابلات ومقالات وتصريحات د. ياسين الذي أكن له عميق الود والتقدير، فإنني أرغب الدخول معه في حوار فكري ونقاش علني في ما تضمنه مقاله الأخير، وذلك للاعتبارات الآتية:

أولاً: أهمية وخطورة القضايا التي تناولها في المقال.

ثانيـا: المكانة والقيمة الإيجابية الواقعية والمتخيلة التي يحظى بها السياسي المثقف د.ياسين نعمان عند شريحة واسعة من النخب المثقفة والرأي العام.
ثالثـا : صلتي بالحقل المعرفي الذي ينتمي إليه هذا المقال، حقل المعرفة السياسية بأنساقها المتعددة، الفلسفة السياسية والفكر السياسي والأنثروبولجيا السياسية والدراسات الثقافية والنقد الثقافي بما تشتمل عليه من دراسات عن الثورة والثورات والتاريخ والعنف... الخ. وتنطلق مقاربتي من أفق منهج النقد العقلاني الذي مؤداه قد أكون أنا على خطأ وقد تكون أنت على صواب، ولكن بالحوار والنقاش سوف تنكشف أوجه الحقيقة المحتملة على الدوام، فما الذي حمله هذا المقال من أشكال دون أن يكن بمقدورنا أن نمر عليه مرور الكرام؟!! كل خطابات د . ياسين تستحق القراءة والنقد والتقييم، غير أن هذا الأخير هو أجدرها بالتأمل والنقد الرصين الذي لا أدعيه هنا. احتوى مقال (إشكاليات من واقع ثورة الفرصة الأخيرة) على جملة من المشكلات والقضايا المتداخلة والمعقدة المنهجية والنظرية والواقعية والفكرية، التاريخية والأيديولوجية، وهو محاولة سحرية للجواب على أسئلة حيوية واستفهامات جوهرية بشأن “المبادرة الخليجية” والاحتجاجات (ثورة الشباب) التي طالبت بإسقاط النظام التقليدي القديم في صنعا، والثورة الجنوبية السلمية والقضية الجنوبية في عدن والجنوب ودور (الأحزاب) المعارضة اليمنية من (الأزمة) وموقف قوى الهيمنة الدولية والإقليمية والمحلية. فضلا عن كلام كثير بشأن (فكرة الثورة) والحرب والزعيم والعنف والسلم والقوى (الثورية) وتاريخ الثورات.... الخ من الكلمات الفضفاضة الجوفاء والإكليشات الجاهزة، الشعب، الوحدة، البلد، الوطن، القوى (التفكيكية) والعملية السياسية، (وخيار الضرورة) و(حالة الانسجام الداخلي لعناصر الثورة) و(هشاشة التلاحم الوطني)، وفكرة (المجلس الوطني) و(قانون الحصانة البرلمانية)، و(تبرير دم الضحايا بدلالاتها العظيمة)! وربما كان أكثر الأشياء إدهاشـا هنا هو القول بوجود الفكرة السحرية الكبرى التي تمتلك قوتها في ذاتها، وبذاتها ومن أجل ذاتها؟! وتأتي محاولتي هذه لتسليط الضوء على المقال بما يثري النقاش ويحفز الاهتمام ويبيح المجال لترسيخ ثقافة الاختلاف والحوار في الرأي الذي يجب أن لا يفسد للود قضية، وذلك في النقاط الآتية:
أولا : من داخل السياق، من خارج الخطاب، هوية الذات المتكلمة بين الموقع والموقف:
ثمة فرق بين أن يتكلم المرء بصفته سياسي ذا هوية سياسية محددة ورسمية محسوسة ملموسة، فيما يشغله من موقع ووظيفة ودور ومكانة قيادية (حزبية) أو تنظيمية في حقل الممارسة السياسية المتعينة الراهنة الفورية المباشرة بما تستلزمه من موقف ورأي واتجاه واعتقاد واضح ومعلن وشفاف لا يحتمل الشك والريب والتأويل والغموض والالتباس، وبين كونه مثقفـا أو مفكرا نظريـا في الشأن العام، أو في الظاهرة السياسية من خارجها، ولا يستطيع المرء أن يجمع بينهما في شخصه في الآن ذاته، يقول دوبريه في كتابه المهم (نقد العقل السياسي): “ليس في وسع المرء أن يتحزب (أي يمارس السياسة) ويفهم في الوقت ذاته الظاهرة السياسية”. والدكتور ياسين سعيد نعمان يظهر هنا بصورة “المفكر العميق” والرائي المنهجي في قضايا الفكر السياسي (الكبرى) كما قدمته الصحيفة أو قدم ذاته دون الإشارة إلى هويته السياسية وصفته (الحزبية) الرسمية أمين عام (الحزب الاشتراكي اليمني) وهو الحزب الذي حكم دولة الجنوب (ج . ي . د . ش) وعاصمتها عدن منذ العام 1967م، حكمـا شموليـا منفردا، ومثلها في التفاوض والتوقيع على اتفاقية (الوحدة) مع سلطة الشمال التقليدية في الجمهورية العربية اليمنية في 22 مايو 1990م وبلغة ومنطق السياسة بعدها علاقات قوى، هو الحزب الذي يفترض ويجب بالضرورة أن يمثل ويعبر وينافس ويصارع ويقاتل عن المصالح الحيوية والإستراتيجية للقوى الاجتماعية والسياسية التي احتكر لذاته مسؤولية سياستها وتمثيلها بلا منازع، وسوقها جبرا لا اختيارا إلى صنعاء الجبلية التقليدية، وتشكل عموم أبناء الجنوب أفرادا وجماعات ذكورا وإناث بلا استثناء، كما أنـه الحزب الذي اعتقد الأيديولوجية (الماركسية اللينينية) بما تمثله من اتجاه فكري ومنهجي مادي تاريخي، وثقافي يساري راديكالي، واجتماعي (طبقي عمالي فلاحي وجموع الشرائح الفقيرة المعدمة)، واقتصادي، ممثل في الملكية العامة ونمط العلاقات الاشتراكية في الإنتاج والتوزيع والاستهلاك.... الخ. وينطبق ذلك على كل مجالات الحياة الأخرى الاجتماعية المدنية والأمنية والحقوقية والفنية والتربوية والأخلاقية التي أضفى عليها الحزب هيمنته الفعلية والرمزية، وجعلها تحمل اسمه ووشمه في جميع الأشكال والعلاقات والأفعال والرموز والقيم والخطابات والممارسات والأقوال والأفعال، وفي جميع الأحوال والظروف التي ساد فيها دولة وشعب الجنوب، وهي الدولة الحداثية الراديكالية في حداثتها المؤسسية والتنظيمية والعلائقية والعلمية والأيديولوجية شكلا ومضمونـا ديكوريـا ونسيجـا، لكن الحزب بفضل سياسته (الحكيمة) قدمها وسلمها لقمة سائغة للقوى التقليدية الشمالية المهيمنة، وليس للأحزاب قيمة في ذاتها ولذاتها، بل إن الحزب هو نتاج إدراك الناس وإرادتهم في وقت معين ولغاية معينة، والسياسة لا تقاس بالأوهام والأمنيات بل بالنتائج المحققة في عالم الممارسة المتعينة، ووفقـا لجدلية الموقع والموقف، فإن موقع المرء يحدد موقفه، فكما أن الموقف يعبر عن الموقع ويبرره ويقويه ويحميه، فكذلك الموقع يحدد شكل المواقف واتجاهه ومعانيه وشفرته وقواه وأيديولوجيته وإستراتيجياته ورهاناته. ولا أعتقد بأن الأخ الدكتور ياسين نعمان يغفل عن هذه الجدلية المتبادلة التأثير، ومن ثم فإن إخفاءه لموقعه السياسي الفعلي وهويته الحزبية الرسمية في هذا المقال، لم يكن شأنـا عرضيـا وسهوا لا إرادي، بل هو خيار إستراتيجي واعٍ وقصدي ينسجم مع إرادة وخطاب المقال، الذي ظهر فيه بهوية المفكر النظري والمثقف العمومي وكأنـه يطل على المشهد من خارج السياق، وهذا أمر يستحيل تبريره.
إذ أنـه موقف هروبي ونكوصي غير مألوف من قبل شخص في موقع ومكانة الدكتور ياسين، وهذه محاولة غير ممكنة لا واقعيـا ولا رمزيـا، إلا في الممارسة الصوفية والثقافة السحرية، والفانتازيا السريالية.
وهذا ما جعل الأخ ياسين يشتبك منذ (العنوان) بجملة من العثرات والمتناقضات والاضطرابات الشديدة فيما قاله وكتبه من كلام يفتقر إلى قوة الاتساق المنطقي والوضوح المنهجي، وهذا ما سوف تكشفه القراءة المتأنية للمقال الذي بدا فيه (أمين عام الاشتراكي) المثقف اليساري المادي جدليـا يهيم في سماء الأفكار ويخبط خبطـا عشوائيـا في كل اتجاه محاولا إخفاء الأرض التي كان يجب الانطلاق منها، أرضه هو وحزبه وتاريخية ارض أهله وشعبه وقوته أرض الفقراء والمسحوقين في الأرض التي جاء منها، وما زال يشغل موقعه ومكانته بفضلها وباسمها ارض الجنوب المهزوم والمنهوب والمقهور والمسحوق، من قبل قوى الهيمنة التقليدية المحلية والإقليمية والدولية التي راح للأسف الشديد يبرر لها فعلها في وأد (الثورة) في مهدها وإعادة تعريفها وتصنيفها (أزمة سياسية) تستوجب (المبادرة الخليجية) لتسويتها كضرورة موضوعية، وقدر محتوم، وتسويغها تسويغـا نظريـا وفكريـا، وكأنـها من المسلمات الطبيعية التي لم تعد قابلة للتساؤل والتشكيك والنقد والتمحيص كشأن تاريخي يمكن فهمه وتفسيره، وهذا ما يسميه عالم الاجتماعي الفرنسي بورديو بـ (مفارقة المعتقد) التي تكرس واقعة أن الوضع القائم كما هو بكل تجلياته وشروط وجوده التي لا تطاق وكأنـها مقبولة وضرورة! و(كما يسميها ياسين خيار الضرورة) وهذا هو العنف الرمزي، ذلك العنف الناعم واللامحسوس واللامرئي من ضحاياه أنفسهم، الذي يمارس في جوهره بالطرق الرمزية الصرفة للاتصال والمعرفة، أو بالجهل والقبول أو بالعاطفة حدا أدنى، بيار بوريدو (الهيمنة الذكورية) ص 16. ومهمة الفكر النقدي هي الكشف عن السمة ( المفارقة في المعتقد) وتفكيك السيرورات المسئولة عن تحويل التاريخ إلى طبيعة وتحويل الاعتباطية السياسية إلى “خيار الضرورة” و(فرصة أخيرة)، ونزع الأقنعة الرمزية عن الحقائق الواقعية. وهذا ما كان منتظرا من مثقف سياسي وقائد حزبي يساري أن يفعله، غير أن الدكتور ياسين فاجأ الجميع وأصاب البعض بخيبة أمل كبيرة، وأنا منهم حينما قام بنشر هذا المقال الطويل في صحيفة “المصدر” التي صادف هواها لتعيد نشره كملحق مجاني في عددها اللاحق وأعادت صحيفة “الوفاق” العدنية نشره في عددها (14) بتاريخ 14 فبراير 2012م. بعده “كلمة للتاريخ” وخلاصة الحقيقة والاحتفاء المبالغ به وكأنـه بمنزلة نجدة من السماء تجاوز قول كل خطيب وجاء بما لم يستطعه الأوائل في وصف المشهد السياسي الماضي والحاضر والقادم، وأجاب بضربة واحدة على جميع الأسئلة والمخاوف الواقعية والمتخيلة، وهو بذلك يشبه قول أو كلمة عرافة دلفى اليونانية التي كانت تقف أثينا سقراط على رؤوس أصابعها لتلقي كلمتها السنوية! وهذا هو ما أفزعني على نحو خاص، بعيدا عن أدنى شعور بالحسد أو الغبطة للأخ العزيز ياسين، بل تساءلت كيف يمكن تسويغ وترويج مقال خطير مثل هذا في حين أنـه يستحق كثيرا من النقد بما حمله من آراء وأحكام وتناقضات ومواقف واتجاهات يستحيل التغاضي عنها أو تبريرها فيما يخص شخصا يعرف نفسه، ويتم تصويره بالمفكر الجهبذ والمثقف العمومي، المعبر عن صوت الضعفاء والمقهورين، ونصير (الثوار والمطالبين بالتغيير)، فضلا عن كونه أمين عام حزب سياسي يعبر عن مصالح وآمال قوى اجتماعية وسياسية واسعة هي أكبر الأطراف المستهدفة بالسحق والإخضاع والتغييب في هذا (الاتفاق غير المقدس) بين أطراف قوى الهيمنة التقليدية في صنعاء والخليج، كيف يمكن تبرير موقف ياسين الذي كنا نظنه رهاننا الأخير في رفض هذه (المبادرة الكارثة) وما تمخض وسيتمخض عنها من نتائج كارثية على المدى القصير والطويل، حينما ظهر لنا بمظهر المدافع الأمين عنها وتبريرها وتسويغها نظريـا وفكريـا وكأنـها من بناة أفكاره ونتاج فعله ومخاض حكمته وقوة تأثيره، في حين أننا نعلم علم اليقين بأنـها أي (المبادرة) من ألفها إلى يائها من صناعة قوى الهيمنة المحلية والخليجية المتحالفة منذ زمن طويل، وأن السيد ياسين وقواه الفعلية أو المفترضة ليس لهم فيها شرواء ولا نقير، فكيف يمكن فهم هذا الموقف الذي ظهر فيه ياسين وكأنه كاتب في بلاط أصحاب الجلالة والسمو لا مثقف حداثي عضوي كما وصفه غرامشي حريص على إظهار الحقيقة والكشف عنها والانحياز إلى صفوف الضعفاء والمقهورين ضد قوى التسلط والهيمنة بجميع أنماطها وأشكالها وأقنعتها وتلاوينها مهما كلفه ذلك من ثمن ومشاق. فالمثقف أو الكاتب كما وصفه الأمريكي سي . رايت ميلز هو ذلك الشخص الذي يقاوم ويتصدى لتمثيليات السلطات والطعن فيها وفي شرعيتها والتشكيك فيما يسمى (بالروايات الرسمية) ومداومة نزع الأقنعة وتحطيم الأشكال النمطية للرؤية والفكر المهيمنة وتقديم صورة بديلة يحاول المثقف فيها أن يكون صادقـا ما وسعه الصدق.. وواجب المثقف أو المفكر الحقيقي هو الانحياز إلى صفوف الضعفاء الذين لا يمثلهم أحد في علاقات القوة والسلطة، والضعفاء هنا سواء أكانوا أفرادا أو جماعات أو ثقافات أو شعوبـا ودولا صغيرة مضطهدة، فما بالك لو كانت مهزومة ومدمرة. بهذا تكون صورة المثقف كما يلح ميلر : “ليس داعية مسالمة ولا داعية اتفاق في الآراء، بل شخص يخاطر بكيانه كله باتخاذ موقفه الحساس وهو موقف الإصرار على رفض “الصيغ السهلة” والأقوال الجاهزة المبتذلة، أو الإكليشات العامة الأيديولوجية أو الأفكار الشائعة وأنصاف الحقائق، بل على المثقف أن يمثل ويلتزم التعبير عن معاناة الأفراد والجماعات من أبناء شعبه والشعوب الأخرى، بصدق وأمانة وتجرد”. ينظر إدوارد سعيد (المثقف والسلطة) ص 89. حرصنا على إيراد هذا النص الطويل نسبيـا لتحديد الفرق بين المثقف الحقيقي والمثقف الزائف، بين المثقف الممتثل المسالم المساير المهادن المبرر المدافع، المنافق والمثقف الملتزم المقاوم الرافض الناقد الكاشف الأمين الصادق الواضح اللا مهادن، الذي لا يخشى في قول الحق لومة لائم.. وما دام الأمر كذلك كيف يمكن لنا تبرير صورة الدكتور ياسين في هذا المقال الخطير، الذي انتدب نفسه للدفاع عن “المبادرة الخليجية” وتسويغها بالحجج الفكرية، إذ كتب يقول : "فالمبادرة الخليجية التي شكلت المرجعية الأساسية للمسار السياسي في صيغتها المستجيبة لخيار التغيير سلميـا بنقل السلطة والتمهيد للتحول الديمقراطي (الجذري)” الهلالين من عندي ويضيف في تبريرها وتصويرها وكأنـها حتمية طبيعية وضرورة لازبة قائلا: "لقد كانت خيار الضرورة في لحظة (تحول حاسمة من حياة اليمن ومشوارها الطويل غير المستقر)..” هكذا يرفع ياسين نعمان، هذه (اللعبة السياسية) الاعتباطية المعبرة عن مصالح قوى وأطراف الهيمنة التقليدية في صنعاء إلى مصاف الأسطورة الطبيعية التي شكلت (لحظة تحول حاسمة من حياة) لم يقل في تاريخ اليمن، بل حياة اليمن وهناك فرق بين التاريخ والحياة، وهذا هو ما يسميه بيار يوريو بـ (مفارقة المعتقد)، إذ إن الكلمات والخطابات التي تنشأ حول ظاهرة ما ليست في نهاية المطاف إلا ممارسات اجتماعية تخفي وراءها رهانات مصالح وإستراتيجيات قوى، وتعبر عن مواقع اجتماعية في صلب علاقات القوى ونزاعات الأهداف والغايات المراد الوصول إليها وتحقيقها من قبل كل طرف من الأطراف، فمن المستفيد الفعلي من هذه المبادرة والحصانة، يا دكتور؟! وأين موقع القوى التي يفترض أنـك أنت من يدافع عنها ويرعى مصالحها؟!
ثانيا : في عتبة المقال واضطراب العنوان الموسوم بـ “إشكاليات من واقع ثورة الفرصة الأخيرة” يوحي هذا العنوان بأننا إزاء مسألة فكرية ونظرية بالغة التجريد المفهومي وعميقة المضمون المعرفي الأكاديمي، وأصيلة الاتساق المنهجي، طالما وقد وصفت ذاتها بـ“إشكاليات”. إذ إن هذه الكلمة، المصطلح (إشكالية) قد استخدمت في حدود ضيقة عند بعض الكـتاب والمفكرين ومنهم المفكر العربي محمد عابد الجابري، بمعنى فرضيات فكرية ووجهات نظر مجردة لا معطيات مادية ووقائع وأحداث تجريبية ومختبرة في عالم الممارسة التاريخية المشخصة، فالكلمة تطلق بحسب الجابري؛ في وصف وتعريف (النظرية التي لم تتوافر إمكانية صياغتها في نسق منهجي ومعرفي متسق ومنسجم ومستقر، فهي نظرية في مرحلة المخاض والتوتر والنزوع نحو النظرية الممكنة المبنية في نسق فكري وإطار معرفي مكتمل المعالم والقسمات) (ينظر محمد عابد الجابري إشكاليات الفكر العربي المعاصر ص 15).
وهذا هو ما يفتقر إليه المقال افتقارا تامـا، فلا (إشكاليات) فيه ولا أفكار، بل مجرد سرد ووصف لوقائع وأحداث ومعطيات ومشكلات متعينة ومشخصة وقعت بالفعل والقوة والإمكان في زمان ومكان وسياق ممارسة وصراع بين فاعلين وأطراف وقوى اجتماعية وسياسية على مرأى من الأعين والأسماع والقلوب والأذهان قبل عام والأعوام القريبة الماضية، فعن أي إشكاليات تتحدث يا أخي؟! هذه ليست (إشكاليات) بل وصف أيديولوجي متحيز للأحداث والمعطيات. والأمر كذلك يغدو قولك (إشكاليات من واقع ثورة) مفارقة منطقية، مثل عبارة (الدائرة المربعة)، فالإشكالية، بما هي فكرة مجردة لا يمكن أن تكون واقعية لا في صنعاء ولا في أي مكان، الإشكالية هي منطقية، والوقائع هي تاريخية، وهناك فرق بين المنطقي والتاريخي، إلا إذا كنت هيجليـا من وراء ماركس، فليست (الكلمات الكبيرة) مفيدة في كل الأحوال، يمكنك استخدام لفظ مشكلات، أو وقائع أو محطات، لتبرير (اتفاقية الصفقة الخليجية) وتسويق العجز والخذلان، في سوق الخزعبلات والأوهام الرائجة هذه الأيام. كما إن القول (من واقع ثورة الفرصة الأخيرة) هو مصادرة عن المطلوب، وحكم جزافي لا يستقيم على ذرة واحدة من الحقيقة، بل هو زيف وتزييف للتاريخ والوعي والحقيقة. إذ إنك بهذه الوثوقية القاطعة أعلنت بأن “الثورة” أصبحت (واقع) حال ومآل أي معطى منجزا ومتحققا ومتجسدا في واقع المجتمع الراهن، مثلها مثل الوقائع الأخرى، الراسخة الوجود والحضور والفعل، مثل: واقع القات، والثأر والقبيلة، والحرب والعنف، والجنبية، والفساد وتدمير دولة الجنوب الحديثة، وغير ذلك من الظواهر والوقائع الراسخة الحضور عندنا، التي لا أحد يشكك في وجودها، وهذه المشكلة ناجمة عن استخدامنا للمفاهيم الحديثة بدون حساسة نقدية. وهذا يتنافى مع أبسط الحقائق المتصلة بالشؤون التاريخية والاجتماعية، التي يستحيل الحكم عليها إلا بعد مرور زمن طويل على صيرورتها ونموها وازدهارها ونضجها واكتمال بنيتها واتضاح معالمها، وهذا هو معنى قول هيجل الشهير (إن بومة ميرفنا لا تطلق جناحيها للريح إلا مع مقدم الأصيل) أي في نهاية النهار، يقصد أن الفكرة والحكمة لا تحضر أو تقول أو تحكم بشيء عن الأحداث الجارية، حتى تتبين معالمها ويتأكد حضورها ويكتمل نضجها، وتترسخ جذورها، وهذا لن يتحقق في مجال الظواهر التاريخية والاجتماعية إلا بعد مرور عقود وقرون من الوقت والخبرة وليس بعد أشهر معدودة من المخاض والإجهاض، وهذا أمر لا يتم حتى على صعيد الظواهر الطبيعية فكثيرا ما يحتار الناس في تسمية أو الحكم على جنس المولود الجديد مسخـا كان أم ذكرا أم أنثى أم جنيـا حتى بعد أعوام على ميلاده. فكيف بظاهرة اجتماعية كبيرة ومعقدة مثل “الثورة” التي ما يزال الجدل والنقاش محتدمـا بشأنها: ماهيتها وأسبابها وعناصرها، ومعناها ومآلاتها «ينظر كتاب، برنتون (الثورة عناصرها، تحليلها، نتائجها».
وقد عبر معظم الفلاسفة والمفكرين عن الصعوبة النظرية والمنهجية التي واجهتهم حينما أرادوا التعرف على (ظاهرة الثورة) وبالنظر إلى ما تراكم من أدب مكتوب في الثورة وسوسيولوجيا الثورات منذ ثلاثة قرون تقريبـا يصعب تعريف ما حصل في واقع مجتمعاتنا العربية الإسلامية عامة وفي بلاد السعيد بجهله وحكمة نخبه السياسية الطبية خاصة - “بالثورة” بألف ولام التعريف الكبيرين، وربما نحتاج إلى مرور وقت طويل قبل أن يستطيع الفكر النقدي قول كلمته وحكمه الأخير في ما جرى ولازال يجري من تحولات وتغييرات وحركات سياسية واجتماعية شعبية واسعة غير مشهودة. لقد ارتبط المفهوم الحديث (للثورة) بالسياق التاريخي لمشروع الحداثة الأوروبية، إذ ما كان لفكرة الثورة أن تتوطد بالحجج المجردة، والتنظيرات المنطقية، بل كان يحكم عليها من خلال الدليل المعاش والوقائع والحقائق التي كانت تنتضد في عالم الممارسة المتعينة في عصر (ثوري بامتياز)، وفي لحظة شهد فيها التاريخ أعظم عملية تحول ثوري من التقليد إلى الحداثة. تقول الفيلسوفة الأمريكية حنه أرندت : (إن ما نسميه ثورة هو بالضبط تلك المرحلة الانتقالية التي أفضت إلى ميلاد مملكة علمانية جديدة، وقد ارتبطت فكرة الثورة منذ البداية بمعاني البدء والجدة والتقدم والعنف، وذلك بعد إرهاصات ميلاد وتبلور الحداثة على مدى قرنين من الزمن)، ينظر حنه أرندت كتاب (في الثورة). جاء مفهوم (ثورة) متسقـا مع الفكرة التي تقول بأن مسار التاريخ بدأ من جديد فجأة، وبأن قصة جديدة تمامـا، قصة لم ترو سابقـا ولم تعرف قط على وشك أن تظهر.هذا الظهور الجديد الحديث للناس هو الذي حتم صياغة كلمة جديدة للتعبير عن التجربة الجديدة أو دفع إلى استخدام كلمة قديمة بعد شحنها بمعنى جديد كليـا، هذه الكلمة هي “ثورة” بعد شحنها بمعنى جديد. وأحيلك هنا إلى بعض المراجع التي قد تساعد في فهم (الفكرة والسياق) روجيس دوبريه، نقد العقل السياسي، حنة أرندت في الثورة، رينيه جيرار، العنف المقدس، تيد روبرت غير، لماذا يتمرد البشر؟ وفي السياق ذاته تأتي عبارة (واقع ثورة الفرصة الأخيرة) لتزيد المشهد ضغثـا على أباله، إذ لا تكتفي بتأكيد الزعم بأن (ثورة وقعت) هنا في صنعاء القديمة، بل هي ثورة واحدة من سلسلة مستمرة من ثورات سابقة لم يتم اقتناص فرصها الكثيرة، وما يميز هذه الأخيرة أنـها تقدم (الفرصة الأخيرة)، التي يجب اقتناصها من قبل (القوى السياسية)، لكي لا تضيع، وهذا هو ما يعتقد الأخ ياسين بأنـه وآخرين قد أجادوا فعله، في ذهابهم إلى الرياض للتوقيع على (المبادرة الثورية) جدا، التي منحت (النظام الذي نادى الشباب بسقوطه) (حصانة) كاملة من أي سؤال أو نقد أو حساب أو عقاب! وكلمة (الفرصة الأخيرة) المستخدمة هنا في غير موقعها، قد رددها العزيز ياسين أكثر من مرة في مناسبات سابقة - على ما أذكر وفي سياق مواعظه الأخلاقية ومناشداته المتكررة لأصحاب الأمر والنهي والسلطة والسلطان، للخروج من “عنق الزجاجة”، وهو بذلك بدأ وكأنـه لا يفهم السياسة التي هي أولا وقبل كل شيء علاقات قوة وصراع وتنافس وقتال بين الناس، ليس فيها لا (مشاريع صغيرة ولا مشاريع كبيرة) و(لا فرصة سابقة ولا أخيرة)، بل هي لعبة قوى ومصالح ورغبات وأهداف وغايات بين جماعات وأطراف وقوى فاعلة ومحددة تتصارع على الدوام من أجل امتلاك الخيرات والمقدرات والفوز بما تستطيع من ممكنات وعناصر القوة والسلطة والنفوذ.
ولما كنا نعرف أن سلطة الكلمات والخطابات لا تكمن في ذاتها بل تأتي من خارجها، من قوة المتكلم وقدرة صاحب الخطاب، فإن قول نعمان بـ (الفرصة الأخيرة) يبدو نافلا وهشـا؛ لأن صاحبه لا يمتلك القوة التي تجيزه وتحقيقه، ومعنى السلطة في منطق السياسة هو من (يقول ويفعل)، فإذا قال معلم لتلميذه المهمل أمنحك الفرصة الأخيرة لكان لقوله معنى، وإذا قال علي محسن الأحمر، أو حميد الأحمر، للدكتور ياسين مثلا أمنحك الفرصة الأخيرة لإثبات ولائك، لكان للكلام وزن، وهذا هو ما فهمه القطري من قول مندوب روسيا في الأمم المتحدة! ياسيد ياسين سعيد نعمان فعلى أي نحو من الأنحاء يمكن لنا فهم معنى (الفرصة الأخيرة) التي منحت فيها قوى الهيمنة التقليدية في المملكة العربية السعودية أرفع جائزة ممكنة غير مسبوقة لأسوأ وأفسد وأشر (نظام حكم) ، أي (الحصانة الثورية) اليمنية البرلمانية، من المساءلة والملاحقة عن الجرائم المرتكبة.لقد كان وضعك في ليلة التوقيع (على المبادرة) في ديوان الملك عبدالله، يثير الشفقة والحسرة، إذ ربما كنت الوحيد من بين شهود الزور الذين طلب منهم التوقيع، الغريب عما يدور، غريب غربة مركبة، غريب الذات والجسد، غريب المصلحة والهوية، غريب الوطن والأرض، وقد كنا نأمل فيك وحدك أن تعتذر عن التوقيع، وألا تخذل قيمك وتاريخك وذاكرتك وهويتك وأهلك وشعبك وضميرك وماضيك ومسقبلك بالتواطؤ المهين والمخزي حينما نهضت بخطى متثاقلة لتقابل ممثلة المؤتمر أمة الرزاق وزيرة الشؤون الاجتماعية للموافقة والتوقيع على هذه .فما الذي يميزك الآن عن بن دغر الموقع باسم النظام، أي باسم صاحب سنحان الأحمر الباهت، وأنت توقع باسم صاحب عمران، حميد الأحمر الأصلي.كان يمكنك أن تحتفظ بموقف “مجبر أخاك لابطل” وتكتفي بصورة التجهم والسخط والتبرم التي ظهرت بها في مشهد التوقيع، التي جعلت كثيرين يتعاطفون معك حينذاك. وقد كان لصمتك وتجهمك بالغ الأثر، أما أن تنذر قلمك وفكرك وتاريخك لتسويق وتبرير هذه (المبادرة) التي ليس لك فيها “لا ناقة ولا جمل”، فهذا لعمرك وضع يعي قوة التمييز والحكم. كتب عبدالكريم الخيواني في مقال (عبدربه والنتيجة المستحيلة) : “أيـها الموقعون على المبادرة، يا دكتور ياسين وأنت الحصيف كيف يمررون كل هذا عليك وتكون غطاء لمثل هكذا تصرفات، وأنت مكان الشكوى من بداية الثورة، كنت ضامنـا للتغيير، فصرت ضامنـا للقوى التقليدية والمستبدين الجدد، يا دكتور حجم خيبتي بك وغيابك عما يحدث بقدر حبي واحترامي لك”.صحيفة “الأولى” العدد “353” الأحد (26 فبراير 2012م ( ص 5). وأنا هنا أقول كان بإمكانك الخلود إلى الصمت والاكتفاء بأضعف الإيمان، الرفض بالقلب، ولكنت حافظت على ما تبقى لك من ود واحترام، أما أن تطلع علينا عند الذي كان بهذا الخطاب الصادم والمحتفى به بشكل مبالغ عند (المصدر) وأصحابها، والمذيل (بكلمة للتاريخ) فهذا لم يكن بالحسبان يا دكتور ياسين سعيد نعمان، إذا كان الكلام من فضة فالصمت من ذهب في بعض الأحيان!
ثالثًا : قراءة سريعة للخطاب (المقال) :
استهل الخطاب بعنوان فرعي رقم (1) (الفكرة الثورية لا يجب أن تنتصر بالعنف)، وهذا تناقض صارخ مع العنوان الذي أكد “واقع ثورة الفرصة الأخيرة”.هل نحن بصدد “الفكرة الثورية، أم واقع ثورة” أليس هناك فرق شاسع بين الفكر والواقع، بين “واقع ثورة” و”فكرة ثورة” وهل يمكن تجريد الفكرة عن سياق تحققها وتجسدها في عالم الممارسة المتعينة المشخصة.ألسنا بإزاء تبسيط وتزييف وهروب من مواجهة الوقائع في منابعها وشروطها وأسبابها الحقيقية الواقعية إلى فلك الأفكار والهذيان الذي يتحدث عن كل شيء ولم يقل شيئـا يمكن الإمساك به والبناء عليه.وهذه الإستراتيجية الهروبية النكوصية المثالية الأخلاقية لا تليق بسياسي ومثقف يساري يفترض أنـه يستلهم المنهج الجدلي التاريخي الذي لا يحكم على الناس مما يقولونه أو يعتقدونه عن أنفسهم، بل وفقـا لما هم عليه في عالم الممارسة، وفقـا لأفعالهم وسلوكهم ووجودهم الاجتماعي الاقتصادي السياسي الذي يحدد وعيهم وأفكارهم. كما أن تعبير (لا يجب أن تنتصر الثورة بالعنف) هو مثالية أخلاقية مفرطة، لا تنتمي إلى حقل السياسة الذي ليس فيه (يجب) و(لا يجب) بل ممكن وغير ممكن! السياسة هي حقل ما هو كائن لا ما ينبغي أن يكون يا ياسين، وقانون السياسة أفعل ما بوسعي فعله لا ما أريد وأرغب فيه والطامة الكبرى كانت فيما استهل به هذا المقال بالحديث عن حرب (نظام علي صالح فيما يسمى الانتصار الذي حققه في حرب 1994م على الجنوب الذي كان بداية نهايته). ثم راح يتحدث عن الحروب التي تضخم الأشخاص على حساب “الفكرة” التي يحاربون من أجلها والتي تصغر وتتلاشى وخاصة “الأفكار الكبرى... ذات البعد الإنساني التي تتناقض من حيث مضمونها الأخلاقي مع الحروب”. وذهب إلى القول بأن الفكرة الإنسانية الكبرى “يمكن لها أن تتحقق بقوتها الذاتية في الإقناع والتغيير من داخلها”. وهنا لا بد لنا من التوقف بعمق، هل من الجائز الحديث عن (أفكار كبرى) و (أفكار صغرى)؟ وكيف يمكن قياس ذلك، وهل سمعتم عن فكرة تقاس بكبر أو صغر حجمها، هذا لم أسمع به أو أطلع عليه في حياتي، وأتمنى من الأخ ياسين أن يذكر مصادره الفكرية، أم أنـه بعد أن أطلق عبارته المسجوعة المشاريع الكبرى (الكبيرة) و(المشاريع الصغيرة) قد استهوته هذه الكلمات الفضفاضة الخاوية من المعنى والدلالة. وهنا يذكرني قول روجس دوبريه : “إن في مكنة الفرد أن يتصور من “المشاريع” ما شاء أن يتصور، حتى وإن كانت مشاريع قوانين، أما المجتمعات فلا تعرف سوى “تحولات” تتحكم بها في نهاية المطاف قوانين ليست تعبيرا عن إرادة الشعب، وإنما هي علاقة مستمرة بين عدة سلاسل من الظواهر) ينظر نقد العقل السياسي ص (33). لما كان مرور هذه الفقاعة الصابونية دون نقد أو تمحيص هو ما شجع د . ياسين على الحديث عن أفكار صغرى وكبرى، في حين أننا نعلم ونعرف أن قيمة وجدارة وقوة أي فكرة من الأفكار لا تقاس ولا تكون بمدى حجمها من حيث الكبر والصغر، بل بقوة وفاعلية وقدرة حاملها المادي من القوى الاجتماعية القادرة على تحويل هذه الفكرة أو تلك إلى مؤسسة أو ممارسة مادية مفيدة ونافعة ومنتجة وفاعلة ومثمرة في الحياة المباشرة، وما أصح القول بأنـه ليس في وسع فكرة ميتة، من خارج الحياة أن تنتج حتى فكرة موتها، وكل فكرة تنشئ ذاتها بإنشائها شبكة حواملها، وإذا كان من السذاجة الطفولية أن يعبر المرء عن حالة عجزه ونفاد صبره معتبرا ذلك برهانـا نظريـا؛ فإنـه من حقنا أن نتساءل مع العزيز ياسين عن (الفكرة التي تتحقق بقوتها الذاتية) اعطني فكرة واحدة كبرى أو صغرى تحققت بقوتها الذاتية، منذ هابيل وقابيل حتى يرث الله الأرض ومن عليها؟؟! وهل تمتلك الفكرة في ذاتها ولذاتها (قوة ذاتية) في الداخل ومن الداخل، هذا رأي واعتقاد ساد ثم باد في الأزمنة البدائية، عهد ما قبل الكتابة، زمن السحر واللاهوت والأسطورة، وهو خاصة تميزت بها الثقافة الشفاهية التي تعتقد بأن الكلمات والأفكار تمتلك قوة سحرية ذاتية قادرة على الفعل والفعالية والتجسد، بل كان الاعتقاد بسحرية الكلمات المنطوقة لامتلاكها قوة صوتية حسية، أما الأفكار التي هي كائنات رمزية مفهومية بالغة التجريد فلا أعتقد أن ثمة من قد زعم أو قال “بقوتها الذاتية” قبل ياسين سعيد نعمان، وهذا ينجم باعتقادنا من استمرار تأثير الثقافة الشفاهية في المجتمعات التقليدية، التي لا تزال تخلط بين الكلمات والأشياء، بين الحقائق والأفكار، بين الدال والمدلول، بين المنطقي والتاريخي، بين السحر والعلم. وليست الفكرة تحديدا ذاتيـا، بل لها المادية الموضوعية لمسار تنظيمي (فالناس يفكرون من أقدامهم) ولأن الأخ ياسين المفكر “الأيديولوجي” يحاول إثبات ما يستحيل تحقيقه في عالم ما تحت فلك القمر، عالم الفعل وانفعال عالم الناس الأحياء الذين يسعون إلى تحقيق مصالحهم في التاريخ الذي يصنعونه بأنفسهم، ولكن ليس على هواهم بل في ظل ظروف معطاة وشروط مسبقة، حيث الأموات يتشبثون برقاب الأحياء وينبغي ربط زوال انتفاخ مختلف الخطب الثورية “اليسارية” بأنـها كانت حقـا ونهائيـا مجرد خطب، حتى لدى أشد الناس تمسكـا باستقامة الرأي، كانت الرمزية الإدراكية المنتفخة ضحية استعمال طوطي بدون عشيرة يقول دوبريه : (يمثل الإنسان الاشتراكي) بالنسبة إلى سابقيه المباشرين “إنسان الغاب” و”الإنسان العاقل” عيبـا خطيرا في التكوين، إنـها مشطور شطرين، ومن لا يفكر فيما يقوله لا يريد أن يعرف شيئـا ممن يقول ما يفكر فيه، وهو يجعل من هذه الإزدواجية الحميمة معقد فخره الذي ينتهي عنده وجداناه الخير والشرير بالاختلاط، ويضيف بعض الوقحين أن “الإنسان الاشتراكي” أصبح أحفورا مؤلمـا يسخر شرفه في سبيل أن يغدو بائسـا، في حين يكون عهد الماسوشية قد انقضى” ص 36. أوردت هذه الفقرة المستلة من كتاب نقد العقل السياسي للمفكر الماركسي الفرنسي روجيس دوبريه ليس بنية الانتقاص أو الشماتة ممن ينتمون (للحزب الاشتراكي) فأنا كنت واحدا منهم ولازلت أكن لهم كأشخاص بالغ الود والتقدير، مع أنني على قناعة بأنه ليس لدينا من (الاشتراكية) إلا اسمها بدون أدنى محتوى، ولكني هنا أرمي إلى نقد الأفكار والاعتقادات والأوهام التي نطلقها على عواهنها بدون حس نقدي أو حذر حدسي، والناس يسلكون وفقـا لما يعتقدون فإذا كانت معتقداتنا صحيحة فإن النتائج سوف تكون طيبة والعكس صحيح، وقد صدرت مئات الكتب النقدية الماركسية في هذا الشأن والدكتور ياسين وبعد هذا الزمن الطويل من الهزائم والاخفاقات والانكسارات والكوارث التي لحقت بنا بسبب الخرافات (والأوهام الكبرى) وبعد سقوطها المريع، لا زال مصرا على تسويق الأوهام وتبرير الخذلان، وترديد الكلمات ذاتها. إذ أنـه أراد في حديثه عن العلاقة بين (الفكرة الكبرى وتضخم ذات الزعيم بسبب الحرب)، القول إن (فكرة الوحدة لا علاقة لها بما حصل منذ عام 1990م حتى اليوم في الجنوب، دولة وشعباً وثقافة وهوية وقدرات، من جرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية، التي ارتكبتها قوى الهيمنة التقليدية الشمالية ضد دولة المؤسسات الجنوبية الحديثة، وتركتها بعد حرب 1994م، إثر بعد عين وخرائب أطلال، في حين أنـه لا زال يردد أقنوم (الوحدة) المهزومة. وفي تمييزه بين الحرب والزعيم والفكرة أراد القول بأن (فكرة الوحدة الكبرى) ذات البعد الإنساني، لا صلة لها بما تم في الجنوب والشمال، وهو قول طالما سمعته يتردد كثيرا من قبل عدد واسع من الأشخاص بوعي أو بدونه، وهو كلام لا يصمد للنقد السليم، إذ يستحيل فصل الفكرة عن سياق تحققها، مهما كانت عظمتها فكما يقول ميشل فوكو في علاقة المعرفة بالسلطة “لا شيء تحت الستار” كل ما يقال أو يفعل في لحظة ما هو كل ما أمكن رؤيته وخبرته وتجربته، و(الوحدة التي تمت في 22 مايو 1990م حتى اليوم هي التي تجسدت في عالم الممارسة وخبرناها بحواسنا وجلودنا ومن يحاول أن يفصل “الوحدة اليمنية” عن سلطتها وقوتها التي تحققت بها، هو من يحاول أن يتصور “ابتسامة بدون وجه” أو يتخيل الروح بدون جسم) غير أن الخطير بكلام ياسين هنا لا يقتصر على ذلك بل في قوله : “إن الذي انتصر في حرب 1994م هو شخص علي عبدالله صالح الذي هزم هو (الوحدة)، وهو بذلك كان أشد عنفـا وقسوة وظلمـا وجورا، من كل أشكال العنف الذي يعتقد أنـه يدينها، أنـه بهذه الكلمة الرهيبة التي ترى أن الحرب 1994م كانت هزيمة (للوحدة السلمية الطوعية) قد ارتكب عنفـا رمزيـا لا يقارن حينما أسقط من ذاكرته وخياله وضميره دولة شعب الجنوب الذي يقدر بخمسة ملايين من الأطفال والنساء والشيوخ وجميع فئات الشعب، الذين كانوا وحدهم لا غيرهم ضحايا (الوحدة والحرب والانتصار) هم لا غيرهم من هزموا ولا زالوا يرتعون تحت هذه الهزيمة الساحقة بفعل سياسات حزبهم الحكيمة! أما (الوحدة) التي تتباكى عليها، يا أخي، فليست بأكثر من مجرد راية حرب لا تمتلك قلبا أو عيونا أو ضميرا أو جسما يحس ولا يصح القول فيها (هزمت أو انتصرت)، وهذا استمرار لأسطورة تصوير التاريخ بالكائن الحي الذي يكتب ويعاقب ويرحم ويسير! كما أن الذي انتصر في الحرب ليس علي صالح الزعيم بل القوى التقليدية في الشمال وأنصارها ومن السذاجة أو الزيف تبسيط ظاهرة (الحرب) وهي الظاهرة الأبرز في التاريخ بصراع بين أفكار وزعامات متضخمة وإفضاءات”، فالزعيم هو مظهر هامشي من مظاهر الحروب والانتصارات والهزائم، إن الأمر المهم هو تلك القوى والأسباب والحوامل المادية التي جعلت الحرب ممكنة والزعيم ممكن و(الحرب هي سياسة بوسائل أخرى) كما يقول الألماني فون كلوزفتز في كتابه (فن الحرب) كما أن تعميم الأحكام الكلية بشأن الحرب والذوات والأفكار (على الأفراد والدول والحركات الشعبية والثورات والعمليات الاجتماعية المصاحبة) هو تعميم جائر، حسب (بوبرت غير في كتابه (لماذا يتمرد البشر)، فضلا عن كونه خاطئاً وزائفاً ولا يمت إلى الحقيقة بصلة، وهذا ما أوقعه في تناقض واضطراب، فهو إذ قرر الزعم بأن الثورة (لا يجب أن تكون عنيفة) يعود ليزعم (بأن ما يعد كارثيـا هنا هو أن المزاج الثوري بطبيعته يعج بعناصر العنف) كما أن الإدانة الأخلاقية بل الصوفية للعنف والحرب هو تعبير عن رغبة وحلم وأمل ورجاء بتاريخ بلا حروب وثورات بلا عنف وتغيير بلا ثمن، وفردوس بل عمل وإنسان بلا عدوان ولا غريزة ولا فطرة ولا أنانية وهو بذلك رغب بتغير القوانين الطبيعية والتاريخية وسنن الوجود الإنساني التي يعد العنف والعدوان والتدافع والقتال من خصائصها الجوهرية. قال تعالى : “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض” وأين أنت من عبدالرحمن بن خلدون الحضرمي ومقدمته، وبدلا من أن تفسر الأسباب العميقة لما آلت إليه الأحوال وتشير بدون مواربة أو مجاز أو أقنعة إلى الوقائع والأشخاص والقوى والأطراف بأسمائهم وهوياتهم الحقيقية. والمعطيات التاريخية التي أفضت إلى الإخفاق والضياع وانتصار القوى التقليدية (القبيلة) كما أوضح الإنجليزي (بول دريش) في مقال (الأئمة والقبائل: كتابة وتمثيل التاريخ في اليمن الأعلى) بشكل لم يشهد له التاريخ مثيل، رحت تتحدث عن (إشكاليات) وألغاز وتبرر العجز والخذلان، وتتبرم من صناعة الزعامات وتضخيم الذوات دون أن تفسر الأسباب، (ولم تؤد الشكوى الدائمة من (عيادة الأشخاص إلى اختفائها سياسيـا كما يقول دوبريه - لا عبر العالم بعامة ولا في حمى الاشتراكية بخاصة))ص (77)، وأنت يا صديقي حينما تشير تلميحـا إلى خطر بروز (الزعامات في الثورات) معتبرا ذلك أفدح المخاطر على الإطلاق، دون أن يخفى على أحد من تقصدهم ترتكب خطأ منهجياً يتمثل في تجاهل وإخفاء الأسباب الواقعية للظاهرة في مجتمع قبلي تقليدي تراتبي، لازال الشيخ فيه يمتلك قوة حاسمة، كما أنـك تحدثت عن الزعامات والأفكار، دون أن تحيل القارئ إلى مصادرك الفكرية ومراجعك العلمية، شأن “الثورات” التي فسرها ماركس وأماط اللثام عن ثيماتها المتخفية برؤية نقدية، والتي أطلت الحديث عنها وعن (فضاءاتها) وكأنها من المسلمات البديهية والحقائق المألوفة عندك، وعند قرائك والطريقة الوحيدة للإفلات من أسئلة مسوغة بشكل لا يمكن معه أن تتقبل أي جواب هي انحناء الرأس والندم، وهذا ما أوقعك في تناقضات صارخة، إذ تعلن في عنوانك الفرعي رقم “2” (الثورة اليمنية في طبعتها الجديدة). وأنت بذلك تقرر بدون حذر بأن هناك شيئـا اسمه (الثورة اليمنية) في عدد من الطبعات والنسخ الثورية، القديمة، لكنك سرعان ما تناقض ذاتك في فقرة لاحقة بقولك : “لا بد من الإشارة هنا إلى أن غياب وضعف التقاليد الثورية والأساليب المنظمة للنضال الثوري السلمي”. إن مثل هذه الافتراضات التي حاولت وضعها كمقدمات زائفة ثم رحت تستخلص منها نتائجك الوهمية هي أشبه بالهذيان الانفعالي الذي يصدر عن شخص يعيش في برجه العاجي، وهذا قول يشبه قول شخص يهذي في الصحراء قائلا: (هنا لا توجد روائح للزهور الطيبة والورود العطرية) هنا تغيب العصافير والفراشات النهرية! فمن أين يمكن الحديث عن ضعف (التقاليد الثورية) في مجتمع أبوي ذكوري تقليدي عنيف ومسلح ولم يعرف أو يخبر الحداثة ومؤسساتها وقيمها ومثلها وفضاءاتها؟! وكيف يمكن استجلاب (أساليب النضال السلمي في بيئة حربية عنيفة عن ماذا تتحدث ياسيد ياسين، ففي مرة تتحدث عن (فكرة الثورة) وأخرى عن (واقع ثوري) وعن (عملية ثورية)، و(طبعات ثورية) و(نسخ ثوري) و(حالة ثورية) و(قوى ثورية) و(حماية الثورة). وفي الختام تعلن “إن انتصار هذه الثورة، أو بتعبير الكاتب المتميز مروان الغفوري “فكرتها” هي الفرصة الأخيرة التي تقدمها الحياة لبلد تعود أن يهدر الكثير من الفرص” ربما كانت هذه الإحالة المرجعية الوحيدة في هذا المقال الطويل، إلى الكاتب المتميز (مروان الغفوري) الذي ألهم د . ياسين سعيد نعمان، المفكر السياسي اليساري الماركسي فكرته عن الثورة، وكأن ماركس لم يولد بعد، فكان الغفوري هو الملهم وهو صحفي بسيط وطيب مهووس بالإحالات واقتناص العبارات والنصوص من كل حدب وصوب، بدون أن يعرف له موقف أو اتجاه واضح ومعلوم مما يعدور، وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال أنـه لا يستحق المكانة التي منحه إياها الدكتور ياسين، مرجعـا فكريـا في (فكرة الثورة) فأنا من المعجبين بكتاباته الجميلة، لكني هنا أشير إلى أن هذه الإحالة اليتيمة في نهاية مقاله (إشكاليات) قد أعمتها بدلا من أن تكحلها بحيث أن من يقرأ المقال يصاب بخيبة أمل وإحباط، حينما ينتهي دون أن يعرف عن ماذا كان يتحدث ويفسر، هل عن الثورة أم فكرتها؟! والفرق بين الاثنين كالفرق بين السماء والأرض. لم يكتف الدكتور ياسين في هذا المقال بتبرير وتسويغ “المبادرة الكارثية” والحصانة الفضيحة، ولي عنق الحقائق الجلية والسنن الطبيعية الغريزية الفطرية، التي يستحيل إنكارها، بل راح يدين ويعنف (الثوار الذين رفضوا بشدة هذه الصفقة المأفونة) من أصحاب (الخطاب الرافض والمحرض الذي يتهم (المسار السياسي) بالخيانة والتفريط وسرقة الثورة... إلخ، وهو الخطاب - كما يقول ياسين - الذي كان يحتاج إليه النظام... وكأن المهمة الأساسية لهذا الخطاب هي إشعال الحرائق لتمرير مشاريع تصفية الثورة، ولكن بلغة ثورية صاخبة ومشاكسة)!. هكذا يساوي السياسي المخضرم ياسين بين القوى التسلطية الاستبدادية التي تمتلك كل مقدرات القوة (السلطة والجيش والمال والإعلام وكل شيء تقريبـا مع جموع (الثوار) العزل الذين لا يمتلكون غير جلودهم وأصواتهم أو (خطابهم الرافض والمحرض)، أو كما يصفه “الصاخب والمشاكس” ويضعهم في مستوى واحد من المسئولية عن إشعال الحرائق والحرب، ومن ثم فجميعهم في نظره يخدمون مشاريع (النظام) و(تصفية الثورة ولكن بلغة ثورية) كما يقول. هل هذا منطق سياسي أو عقلي يا أخي؟! كم في هذا الكلام من عنف وعبث وإهانة، وفي سبيل تضخيم الذات الغائبة وإعلاء شأن “العملية السياسية” التي لا شأن ولا مصلحة للأخ ياسين بها وبمصالح أقطابها، حتى وإن توهم بأنـه من أبطالها، يذهب إلى تبرير عجزه وعجز أحزابه في (اللقاء المشترك) عن فعل أي شيء يذكر لزحزحة (النظام) الذي هم جزء منه، وجزء أساسي، كوجهي العملة منذ عام 1990م، والأحزاب في كل النظم السياسية القديمة أو الجديدة كما تقول حنه أرندت في كتابها المهم (في الثورة) هي النصف الآخر من النظام، ومن ثم فهي تقف على طرفي نقيض من “الثورة” كما أن تعبير (الثورة السياسية) هو خلف منطقي، تبدأ الثورة عندما تنتهي السياسة وتنتهي أي ثورة حينما تقتحمها السياسة، في حين أن ياسين يقصر مفهوم (النظام) على مجرد شخص الحاكم (علي صالح) الذي تقع مهمة تغييره وإزاحته واستبداله في صلب عمل (المعارضة) التي أثبتت عجزها عن تبرير وجودها لتجعل من (الثورة حصان طروادة) لبلوغه (وهي مهمة ما كان لها أن تتحقق بدون تلك التضحيات التي قدمها شباب الثورة) كما قال وهذا ما جعله يقابل بين طرفين (الحاكم والثوار) في موقفهم من (الحصانة) معتبرهم “مثلين للتدليل على سطحية وغوغائية هذا الخطاب المتبادل من طرفي كماشة الطرف الأول: ويأتي من أنصار صالح.... أما الثاني: فيأتي من داخل صفوف (الثورة) يرفض الحصانة ويطالب بمحاكمة صالح” - (وفي نبرة لا تخلو من شماتة واحتقار وتعال) يضيف (وكأنـه قد أصبح في قبضتهم، ودون أن يقولوا شيئـا عن كيفية تحقيق ذلك ودون أن يكون تحقيقه عمليـا مدعاة لحرب لن تبقي يمنـا تبنيه هذه الثورة في حالة انتصارها).لو أن العزيز ياسين يعي معنى ما يقول لما أقدم على كتابة حرف واحد من هذا الكلام الذي يدين به نفسه ويكشف فيه عن عجزه، لا أقصد ذاته كفرد، بل كقوى معارضة تقليدية ارتضت لنفسها أن تمثل وتعبر وتدافع وتحارب وتقاتل من أجل المصالح والتطلعات الإستراتيجية التي تزعم المعارضة باسمها لجموع واسعة من أفراد المجتمع المغدور والمقهور، إنـه بادانته وتبخيسه (للخطاب السطحي الغوغائي الثوري المشاكس) الآتي من صفوف “الثورة” في (رفض الحصانة ومطالبته بمحاكمة صالح) والسخرية اللاذعة من عجزهم عن تحقيق ذلك “عمليـا بدون الحرب” كان يكشف عن مكنون نفسه، عن سيكولوجية المقهور بإزاء القاهر الذي يستحيل رفضه أو إزاحته، بل يجب الرضا به كالقدر المحتوم، وهذا يذكرني بالأخلاق (الرواقية) في زمن أفول نجم الحضارة اليونانية (الرضا التام بواقع العجز المهين حتى بأمل التغيير) وهذا ما عبر عنه الرواقي الشهير العبد (سينكا) حينما خاطب سيده وهو يعصر رجله حتى كسرها، قائلا له : ألم أقل لك يا سيدي بأنها ستكسر؟!!!
ياسين يقول “للثوار” اصمتوا اخجلوا أخفضوا أصواتكم إن من يسمعكم يعتقد بأن (الطاغية) (أصبح في قبضتهم) اقبلوا بالحصانة ولا تلحوا على المحاكمة، فلستم قادرين على ذلك، دعونا نحن السياسيين ننقذ ماء وجوهكم ونرضى بالحاصل، حتى وإن كان هذا الحاصل يعني في آخر المطاف (ثورة حصانة النظام) و(تقاسم السلطة والسلطان).وهنا ينطبق المثل القائل: (ذهبت النعامة تبحث عن قرنين فعادت بلا أذنين)، فما الذي غنمته (الثورة) وما الذي جناه الثوار؟ ولكن الأخ ياسين الذي أدان (الثوار) لمجرد رفع أصواتهم، وحملهم نتيجة العنف المستخدم ضدهم من قبل النظام، بل وجعلهم في سلة واحدة ومستوى واحد مع قاتلهم وقامعهم، هكذا يدينهم بسبب خطابهم بقوله : “كم هي مخيفة الأصوات الصاخبة التي لا سقف لها، أصحاب هذه الأصوات لا يستقرون على حال، وفي نهاية المطاف يستقرون في حضن الخصم الذي يثورون عليه” وهناك ألف ذريعة وذريعة إن شئت لإدانة الضحية، هكذا يفهم ياسين السياسة والثورة بعدها مجرد أصوات وصراخ وصخب وتحديات وغوغائية، لا فعل وممارسة بين قوى مادية وأجسام وبطون جائعة؛ قوى مادية ومصالح وأهداف وإستراتيجيات وتنافس وتدافع وتغالب وتقاتل من أجل الخيرات والمقدرات والحرية والكرامة والاعتراف، وحقوق وتضحيات وصراع في سبيل استحقاقات عادلة وحرمانات مزمنة ومظالم وعذابات وآلام لا حدود لها.ويبدو موقف ياسين في دفاعه عن (الحصانة) وإدانة من يرفضها أغرب موقف يمكن أن يقفه سياسي من خصمه اللدود، الذي أذاقه شتى أصناف القهر والظلم والهوان، إنني أفهم مثل هذا القول لو جاء من أي طرف آخر من أطراف اللعبة السياسية، من حميد (أو علي محسن أو صادق أو الجندي، أو منصور، أو أي شخص آخر شريك مصالح واضحة ومتحققة مع (صالح) لكن أن يأتي من السيد ياسين الزعيم الجنوبي الذي فتكت دولته وشعبه وحزبه وسفكت دماء رفاقه منذ العام الأول فهذا أمر خارج نطاق التعقل والفهم، بل ويرقى إلى مصاف (اللامعقول والتفريط والعبث بحقوق ودماء الضحايا) الذين يجب أن تكون يا دكتور ياسين أشد من يدافع عنها، وماذا تقول لشعبك في الجنوب الذي دمره (النظام) ، الذي ندبت نفسك للدفاع عن حصانته وارتكب بحقه جرائم بحربه الغاشمة ضده في 1994م ، وما الذي سوف تخسره لو أنـك وقفت بحزم ضد (المبادرة والحصانة) أو لو أنـك أظهرت معارضتك لها بالصمت والغضب والتبرم في أضعف الإيمان.
رابعـا : في إدانة الثائرات وشرعنة إقصائهن:
إن (خوفك من الأصوات الصاخبة التي لا سقف لها) هو إعلان صريح عن نزعة الثقافة الأبوية وسيكولوجيا الهيمنة البطريكية الثاوية في الأعماق، وهي فضلا عن كونها إدانة واضحة (للثائرات والثوار) الذين حلموا بالحرية والانعتاق والتحليق والطيران في فضاءات (الثورة) الفسيحة بدون قيود أو سقوف من أي نوع، هذه الدعوة تتناغم مع خطاب وهوى قوى وأقطاب الهيمنة الأبوية التقليدية الذين أفزعهم صوت “الثورة الهادر” ما بين المذبح والحصبة من مشايخ القبائل وشيوخ الإصلاح وجنود الفرقة، الذين صوروا “الثورة بالأنثى القاصرة التي تحتاج إلى ضبط وحماية ورعاية وتقنين وحدود وسقوف كي لا تترك على حل شعرها وسفور وجهها”، وهذا هو بالضباط ما فعله رجالات (الثورة) وحماتها حينما انقضوا بالضرب والشتم والتعنيف المفرط على السيدات والآنسات الثائرات الناضجات الواعيات الأديبات والكاتبات والإعلاميات والناشطات: هدى العطاس وأروى عثمان وأمل باشا وأخريات في مسيرة المذبح الشهيرة التي كشفت عن الوجه الحقيقي للثقافة الذكورية (والثقافة هي ما يبقى بعد نسيان كل شيء)، في معناها الأنثروبولوجي.إن قولك (بالأصوات الصاخبة التي لا سقف لها) هو انتقاص مهين من أهلية “الثائرات والثوار” واتهامهم بالقصور الطبيعي، ومن ثم تبرير الحاجة إلى حمايتهم وتوجيههم وتهذيبهم ووضع الحدود والسقوف ليس فقط لحركتهم ومطالبهم وآمالهم بل ولأصواتهم الصاخبة المزعجة العالية التي قضت مضاجع (السلطان) وقد أثبت علم النفس وعالم التحليل النفسي سيجموند فرويد إن مكبوتات الذات النفس في اللاشعور (تظهر في زلات اللسان) وأنت (يا رمز الحداثة والمدنية) يا دكتور بماذا تبرر ذلك الغياب التام والإخفاء الكامل للمرأة وصوتها ورموزها من مقال طويل عريض عن (الثورة ومآلاتها) وعن (الثوار والقوى الثورية)، إذ خلا المقال من أي إشارة أو ذكر للنوع الاجتماعي، ذلك النصف الحلو من الإنسان، وبدا الأمر وكأنها لم تكن بالحسبان، فاختفت في عالم النسيان والوعي الذكوري الذي لا يتذكر في لحظة الكشف والإلهام إلا ما يستحق الاهتمام والتذكر والتفكير، وأنا هنا لا أشك في نواياك الطيبة، ربما لم تقصد ذلك عن وعي، لكن أليس الطريق إلى جهنم مفروشاً بذوي النوايا الطيبة، ماذا تقول للسيدة (بشرى المقطري) التي قادت مسيرة الحياة من تعز إلى صنعاء؟ وماذا تقول لصاحبة نوبل توكل كرمان التي تعتقد أنـها أم الثورة وأبوها؟!! وماذا تقول للشهيدات من السيدات والآنسات اللواتي سقين بدمائهن الزكية الساحات وتصدين بأصواتهن لوحشية النظام في تعز والحديدة وصنعاء وذمار وفي الجنوب المحتل في عدن والمكلا والضالع وأبين وردفان؟ ماذا تقول لأمهات الشهداء وزوجاتهم وجداتهم وأخواتهم ومئات الآلاف من النساء المحجبات والسافرات اللواتي رابطن في عموم الساحات وصرخن بأعلى الأصوات من أجل الحرية والكرامة والاعتراف بإنسانيتهن وذواتهن كائنات جديرة بالاحترام؟!.ومن - يا أخي العزيز - يمتلك الحق في تحديد (السقوف والحدود) والخطوط الحمراء لحركة وأصوات (الثوار والثائرات)؟! من يمتلك شرعية ذلك غير (الثوار) أنفسهم، لكنك حتى وإن لم تصرح في ذلك، أحلت الأمر إلى قوى خارج (الثورة)، إليكم أنتم أصحاب (المسار السياسي) الذي (استطاع أن يحمي الثورة بأن جسد بالملموس طابعها السلمي...) وهذا ما كان له أثره البالغ على الموقف الدولي في الضغط على النظام للسير في طريق نقل السلطة والتغيير بموجب المرجعية المتمثلة في المبادرة الخليجية والآلية المحكمة لها)، وماذا يعني ذلك يا ترى؟!!، أليس سرقة واغتصاب (الثورة) وادعاء تمثيلها سياسيـا، هكذا تعلي من شأن (العملية السياسية) وتمنحها حق (حماية الثورة) وتصوره وكأنـه حق طبيعي مكتسب وموروث وشرعي وبديهي لا يأتيه الباطل لا من خلفه ولا من بين يديه، بينما لم يكن في الواقع أكثر من جريمة اغتصاب ووأد وإجهاض جنين (الثورة) المفترضة من قبل قوى وجماعات وأطراف كانت وستظل المستهدف الأول لأي ثورة ممكنة، أقصد قوى الهيمنة التقليدية وكل ما يتصل بها من (نظام) ورموز وأشكال قديمة.
خامسـا: تبرير المبادرة بمخاوف متخيلة:
في السياسة بما فيها من علاقات قوة وصراع لا مجال للأوهام والخرافات والأحلام والتخيلات، بل هناك ممارسات وحقائق وقوى ومصالح وفاعلون وأفعال ورهانات وحسابات وإستراتيجيات وتكتيكات محسوسة ملموسة لا تخطئها العين، “والممارسة هي الكلمة التي تعبر بوضوح عن معناها” كما يقول الفرنسي بول فين، وإذا كانت بمعنى من المعاني (محتجبة) كالجزء المحتجب من جبل الجليد، فذلك هو ما تجهد القوى المهيمنة والمتسلطة في إخفائه على الدوام بما تثيره من زوابع ونقع كثيف يظلل أرض المعركة بالغبار والدخان والرموز والأقنعة وهذه هي الوظيفة الجوهرية للأيديولوجيا السياسية، أنـها العمل الدؤوب على إخفاء وحجب الواقع السياسي الفعلي في واقع الممارسة الفعلية المتعينة، ولعل هذا هو ما قصده دوبريه بقوله : “طويلا ما أخفت السياسة عني السياسي”، إنـها تخفيه ليس بمعنى أن يخفي القطار قطارا آخر، بل بمعنى أن أي قطار يخفي السكة التي يجري عليها، هناك مسافات كثيرة وفضاءات متعددة وأسطح متساوقة، ولكن هنا سكة حديدية واحدة مهيأة لسير جميع القطارات.هذا معناه أن الخطابات والشعارات والأيديولوجيات والتلويحات التي تطلقها السلطات هي جزء من أوراق اللعبة ورهانات التفاوض، ومن السذاجة أن تنطلي الخدع والأقنعة السياسية على المشتغلين في الشأن السياسي أمثال الدكتور العزيز ياسين الذي هب للدفاع عنهم، وتبرير وتسويغ (المبادرة الكارثية والحصانة الجريمة) بذريعة الخوف من الحرب والعنف والتفكك والانهيار وغير ذلك من الأوهام التي أخذت أطراف اللعبة السياسية التقليدية الشمالية المهيمنة في التلويح بها كفزاعة العصافير في حقول القمح! وكما قيل إنـه من (المضحك أن يموت المرء خوفـا من الموت ذاته)، فكذلك يمكن القول إنـه من المؤسف أن يبرر ويسوغ طرف سياسي إجهاض (الثورة) وتحويلها إلى (أزمة) وصفقة وحصانة، تحت ذريعة ومبررات مخاوف محتملة ومتخيلة هي الحرب، كما فعل صديقنا ياسين في تبرير (خيار الضرورة) وإدانته للأصوات والخطابات (الثورية) الرافضة لهذا الانزياح الخطير للمسار المفترض للثورة حتى إنجاز وعدها وانتصارها كما تم في تونس ومصر وليبيا وفي كل مكان شهد قيام (ثورات ناضجة) ياسين يقول إن البديل للمبادرة والحصانة هو (الحرب الأهلية التي لا تبقي ولا تذر وإن اشتعلت - لا سمح الله -فلن نجد حينها يمنـا نبنيه أو نحكمه)، وما الفرق بين هذا القول وقول الحاكم وتخويفه (لمعارضيه) منذ أن اغتصب هرم السلطة، بالحرب والصوملة والتفكك والإرهاب والثعابين، وهنا يظهر السيد ياسين بمظهر الطرف الثالث المصلح المحايد الذي لا هم له غير التوفيق والتهدئة بين الأطراف السياسية المتنازعة بقوله: (من المهم أن لا نتجاهل الطريقة التي رسمت بها الثورة على الأرض في ظل موازين قوة أخذت تنهك البلاد والعباد وتنتج كل يوم عوامل انهيار (الدولة) - الهلالان من عندي - دون أن تغير من طبيعة النظام، حتى بعد تفككه، الذي لم يكن في الأساس نظامـا مؤسسيـا قابلا للتأثير بانهيار مؤسساته).إن هذه الفقرة تحمل نفيـا كليـا لقيام (الثورة) فليست ثورة تلك التي (رسمتها موازين قوة) ولاحظوا كم في هذا الكلام من تناقض واضطراب، فهو في البدء يتحدث عن (انهيار الدولة) ثم يقول إن هذا النظام (نظام غير مؤسسي)، وهل يمكن تخيل وجود (دولة) بدون مؤسسات؟! وما هي الدولة يا دكتور ياسين في اعتقادك؟.إن مقدمتك الكبرى هي - هناك دولة تنهار، والمقدمة الصغرى هناك نظام غير مؤسسي، فكيف ستكون النتيجة المنطقية الصورية الخالصة، ولماذا قامت (الثورة) لو أن لدينا (نظام دولة)؟ الدولة يا صديقي هي الغياب الكبير في صنعاء، (المركز المقدس)، وهي التي غنمتها الهيمنة على عدن. لكن ما يهمنا هو حديثه عن (موازين قوة) أخذت تشحذ السيوف وتدق طبول الحرب، وهذا ما يخشاه المفكر المصلح القادم من الجنوب المنزوع المخالب والأنياب، الجنوب الذي كان د . ياسين أحد قياداته السياسية منذ 1967م ولا زال موقعه ومكانته وحزبه محسوبا على الجنوب المنهوب، لكن ياسين هنا وهو يحاول تبرير “المبادرة” بالتخويف بالحرب، يتحدث وكأنـه يحلق خارج السرب، مشاهد محايد، وليس طرفا من أطراف اللاعبين السياسيين، فكل ما يهمه هو إصلاح ذات البين، بين قوى الصراع المتشابكة الأربع: صالح حاشدي من سنحان، وعلي محسن وفرقته حاشدي من سنحان، وشيخهما أو شيوخهما من آل الأحمر حميد وصادق وحمير وغيرهم، والإمام الحوثي، إمام الزيدية.. هذه الأطراف هي الأقوى والأقدر على الحرب والحل والعقد والفعل والنهي والأمر والحشد والتفاوض وهي مؤسسات تقليدية أبوية شمالية قديمة جدا قبل (الثورة بطبعتها الأولى) وقبل الدولة وقبل الإنجليز وقبل الأحزاب والمعارضة والجمهورية والدولة والوحدة والديمقراطية وقبل كل ما يتصل بالمؤسسات والعلاقات والنظم والقيم والرموز الحديثة التي نمت وازدهرت في الجنوب، هذه الأطراف التي تشغل الملعب السياسي بعنف وقوة ورسوخ وقدرة ونفوذ، في ما كان يفترض أنـه (العاصمة السياسية) (للوحدة) بين دولة الجنوب الحديثة وسلطة الشمال التقليدية، التي أسهم الجنوب فيها بثلثي مساحة (الجمهورية اليمنية) وبأكثر من (80 %) الثروة، أين يمكن للجنوب أن يتعرف على ذاته فيها، أقصد عاصمة (الوحدة) المعمدة بالدم، هل هي هذه (الوحدة) التي سقتم الجنوب إلى حظيرتها؟ وما هي مصلحتك السياسية - باعتبارك الطرف المهزوم والمسحوق والمقصي، منذ 1994م - من لعب دور المصلح الديني والداعية الطيب المسالم في الإصلاح بين الأطراف السياسية والاجتماعية ذاتها، التي تحالفت عليك وسحقتك في أبشع حرب (احتلال مقدس).ألا تعلم بأن التلويح بالحرب والعنف هو إستراتيجية رهان من رهانات أطراف اللعبة السياسية المهيمنة التي تجيد اللعب، والتي نذرت نفسك للترويج لها ومبادرتها وحصانتها ومصالحها، ألم تكن ذريعة الحرب المحتملة هي الذريعة التي جعلتكم تقدمون على توقيع اتفاقية (الوحدة) الفخ عام 1990م فضعتم ولم تمنعوها وهي أهم أدوات وأوراق اللعبة السياسية.لقد حيرني موقفك هذا الذي لم أسمع أو اقرأ بمثله في تاريخ الفكر السياسي برمته وعلى ماذا تخاف أنت بالذات من الحرب المتخيلة التي ليس لك فيها لا ناقة ولا جمل؟، بل ربما كنت أنت (ولا أقصد هنا شخصك الكريم) بل موقعك السياسي وقواك المفترض أنـك تحمل مشروعها، ربما كنت أنت بمنطق السياسي البسيط آخر طرف من الأطراف تصديقـا لخرافتها بما تراكم لديك وعليك من ثأرات سياسية عند الأطراف المعنية يستحيل التغاضي عنها والتنصل عن استحقاقاتها بهذه الطريقة السلامية الهلامية المثيرة للتعجب، إنني أفهم موقفك هذا لو كنت في وضع “العفو عند المقدرة” لو أنـك تمتلك من القوة والقدرة والنفوذ ما يفوق قوة الأطراف الأخرى في الميدان العام بما يمكنك من السماح أو التنازل عن مظالم أو حقوق كنت قادرا على أخذها لو أردت، ولكنك فضلت خيار الشجعان بأن تسامح وتتنازل عن جرائم وانتهاكات فادحة وقاسية وتضحيات لا حصر لها، بل وتدافع عن القوى والأطراف التي ارتكبتها بدون مقابل أو ثمن أو مصلحة سياسية، وهذا لعمرك ما لم يفعله السيد المسيح عيسى بن مريم مع خصومه، بل ربما كنت أنت الوحيد الذي تمتلك الأسباب والدوافع والمبررات القوية لرفض إجهاض (الثورة) ورفض المبادرة الخليجية والوقوف بحزم وحسم ضد تمرير (قانون الحصانة) حتى لو قامت القيامة، واحترقت صنعاء بمن فيها لا سمح الله، وعليك أن ترعى إبلك أما صنعاء فلها رب يحميها يا دكتور.
إنك بخوفك المزعوم من (نشوب الحرب وتفكك البلاد) وتبرير المبادرة وتشريع الحصانة، قد أوقعت نفسك في طائفة مركبة من الأخطاء الفادحة، خطأ التنازل عن (الثورة) وصيرورتها (أزمة) وخطأ التنازل عن دماء وحقوق آلاف الضحايا والجرائم البشعة التي ارتكبتها (أطراف الأزمة) ضد الجنوب من 90 - 1994م، حتى الآن، وخطأ التنازل عن دماء وتضحيات النساء والرجال الذين سقطوا على درب الحرية والتحرير في تعز وعدن وصنعاء وحضرموت والحديدة وإب وذمار... إلخ، الذين كانوا يرون فيك نصيرهم ومرشدهم الأمين، وخطأ تسليم البلاد والعباد إلى سيادة أيدي قوى هيمنة وأطراف خارجية عربية وعالمية وخليجية ووضعها تحت الوصاية الدولية حقـا وفعلا بما ليس له مثيل.وأنت بذلك بوعي أو بدونه قد ارتكبت عنفـا هو أشد وأفدح وأضر وأشر مما كان يمكن أن تفعله الحرب المزعومة، التي أفزعتك نتائجها المحتملة، وأنت بهذا الموقف الغريب العجيب قد ضحيت (بالثورة والثوار والثائرات) وضحيت بالجنوب وقضيته، وضحيت بالسيادة والقرار، وقويت الأطراف التي يتشكل منها (النظام) ومنحتها حصانة دائمة ضد كل سؤال، في حين أنـك لم تمنع قيام الحرب، ولم تضعف القوى التقليدية المهيمنة القادرة على خوضها، ولم تقو طرفك وقواك المفترضة (حداثية أو مدنية) شمالية أو جنوبية، عدنية أم تعزية، وطنية أم وحدوية بل بالعكس يا أخي عززت ورقة التلويح بالحرب بأيدي القادرين عليها، كخيار مجرب لتحقيق مكاسب إضافية وامتلاك قوة تفاوضية على حساب الخائفين منها، يقول سارتر: (إن أردت أن تحتفظ بيديك نظيفتين من الدماء فلا تشتغل بالسياسة)، وأنت يا صاحبي كيف رضيت الاشتغال بالسياسة إذا كانت نفسك تتأفف من أدواتها وقواعدها وأساليبها ومكرها وقساوتها وعنفها ودسائسها وخدعها، وألاعيبها وفحشها ولا أخلاقيتها كما شرحها ميكافيللي في كتابه الأمير إنجيل السياسة والسياسيين في العصر الحديث أو كتاب مقدمة بن خلدون، فليس بمقدورك أن تختار أدوات اللعبة السياسية على هواك بل هي “فن الممكن” أي عليك أن تمارس لعبتها بما تتيحه من قواعد وأدوات ممكنة وفاعلة ومتاحة، وإلا فأنت كمن يرغب في ممارسة السباحة على الشاطئ دون أن يلامس الماء. والسياسة - يا أخي العزيز ياسين - هي الزمن الذي لا يمر لا يعرف التجديد والاكتشاف. وكل لحظة من لحظات التاريخ السياسي للمجتمعات تمثل درجة الصفر، وكل جيل يمسك بالخيط من أوله ويردد في الوقت ذاته أنـه يبتدع - هستيريات تحقيق الذات، والهلوسات الجماعية والفصامات الطائفية والهذيانات الدفاعية، والتبريرية، وكما أن المراهق يتعلم المضاجعة دون أن يعلمه إياها أحد، ولكن من دون أن يمارسها “خيرا” مما مارسها جدوده، فإن كل حقبة اجتماعية تعاود اختراع السياسة وكأنـها لم تكن قط هي.. هي سياسة كل زمان ومكان التي تؤثر في حياة الناس بأشد مما تفعل بهم الظواهر الطبيعية: المناخ والجدب والخصب، والحر والبرد والزلازل والبراكين... إلخ.
سادسا؛ المقال في بنيته اللغوية والسيميائية قد اعتمد الكلمات الجاهزة والعبارات الفضفاضة والإكليشات المكررة في الرأي العام والمتداولة والمبتذلة من كثرة الاستعمال في الإعلام والرأي العام، من قبيل (الثورة) (النظام) (العملية السياسية)، المبادرة، العنف، الحرب، الزعيم، الانتصار، البلد، الوطن، الفرصة الأخيرة، الوحدة، الأفكار الكبرى، والمشاريع التفكيكية، المثقفين، واليمن، والحصانة.. إلخ من هذه السلسلة من الكلمات والشعارات الجوفاء التي ليست سوى أقنعة ورموز كان يجب عليك سبرها ونقدها، وفضحها وتفكيكها. كما أنك لم تستخدم في المقال كلمات أساسية ومفتاحية لتشخيص الوضع الراهن يستحيل تجاوزها لمن أراد فهم المجتمع (اليمني العربي) مثل الحداثة والتقليد، الهيمنة والقبيلة، المرأة والحرية، الكرامة، والفقر، والإرهاب والسلطة. بدا المقال بلغته المجازية والبلاغية وكأنه من عهد الاستبداد والظلام، لا عهد (الثورة) والحرية والشفافية والوضوح التام، مقال مسكون بالخوف والرعب والتردد والحذر من أن يغضب أحدا من القوى القادرة على الانتقام، وهذا ما جعلك تتجنب تشخيص وتسمية القوى المهيمنة في الميدان مكتفيا بالتعميم والألغاز والإشارات في عبارات مبهمة عن الثورات والعنف والحرب والزعامات أو (ثورات الزعامات، وتضخيم الذوات والأفكار (الكبرى) التي تمتلك قوة في ذاتها)، وحينما تكون الكلمات وثوقية وقطعية فهي تخفي هشاشة لا تصدق، في حين أنك كنت واضحا في نقدك وإدانتك القوى والفئات والأصوات والجماعات (الثورية) وغير الثورية، المستضعفة والمقهورة في الجنوب والشمال، بما في ذلك تأويلك القاسي والعنيف للضحايا من الشهداء والقتلى بقولك: (يجب أن نوسع مساحة قراءة المشهد بدلا من اختزاله في جزئية (شهداء وقتلى) من موضوعه الكبير، كي يصبح للتضحية دلالتها العظيمة).جاء ذلك في تبريرك (لحصانة النظام) وكأنها الإنجاز الأعظم والمواساة الكبرى للضحايا وذويهم؟!!وأنت بذلك وغيره لم تكن ولم تظهر بمظهر المفكر والمثقف المحايد الأمين الملتزم بالانحياز إلى جانب الضعفاء والمعدمين!! والمدافع عن الضحايا. وقد قال باسكال عن حق «لا يستشهد المرء إلا من أجل الأمور التي لا يكون موقنا بها، فهو يموت في سبيل آراء لا حقائق، في سبيل ما يعتقده لا في سبيل ما يعرفه»، وأنت هنا تمثلت صورة (النبي) المقدس، الذي يواسي الضحايا بالقول : لا تحزنوا إن لتضحياتكم «دلالتها العظيمة»، والسؤال هو ما هي هذه الدلالة؟ وهل هذا هو عمل المفكر أو المثقف؟! أم وظيفة كائن آخر؟.
وعلى الصعيد ذاته لم تكن موفقا في إظهار موقعك السياسي وهويتك المفترضة في مضمار الصراع والتنافس الحاصل، ففي السياسة على المرء أن يحدد مكانه بوضوح، فالمكان هو البعد المميز للعمل السياسي، وقانون السياسة هو أنا في مقابل خصومي، أو نحن في مقابل الآخرين، فليس شخصا من لا ينتسب إلى مكان، موقع، قوى، أهل، جماعة، ومن يذهب إلى أيما مكان يصبح أيا كان، لأن التقابل بين داخل «وضعي» وخارج (الخصوم) هو الذي يؤسس في الوقت ذاته هويته ومعناه... وضرورته، ومبرر وجوده وبقائه واسمه وجسمه ووظيفته.وأنت يا أخي وفي مقالك هذا بالذات لم تعلن موقعك ومكانك وهويتك السياسية المعروفة للجميع، بل حرصت على إخفائها وظهرت بصورة الأب الراعي والمصلح العام والوسيط الموفق بين الأطراف السياسية المتصارعة في صنعاء بل وقفت في موضع الخصم المعادي لأهلك وناسك وشعبك وقواك الاجتماعية التي أتيت منها، وحسبت عليها في الجنوب والشمال، وأعلنت براءتك منها والوقوف في صف خصومها الفعليين والافتراضيين، ولا يضع المرء ذاته في أي مكان حين لا يعارض شيئا، وليست وظيفة الجماعة أن تفكر في ذاتها، بل أن تطرح ذاتها، وتؤكد حضورها وتقاتل من أجل مصالحها وغاياتها ورهاناتها.وأنت يا عزيزي مع من وقفت؟، لو قلت مع (الشعب) أو (اليمن) أو (الوطن) فهذا هروب طفولي من تحمل مسؤوليتك السياسية تجاه من يجب عليك تمثيلهم وحماية مصالحهم، والدفاع عنها وتعزيزها وتبريرها وتقويتها في كل حال من الأحوال. إنني هنا لا أشكك بنواياك فربما كانت طيبة وربما لم تكن تقصد ما فهمته أنا من خطابك، لكن غموضك وعدم إعرابك عن موقفك والتباس موقعك هو ما جعلني أفهمك على هذا النحو، إنني أزعم فهم المواقع السياسية من مواقف وخطابات أصحابها مهما حاولوا تقنيعها وإخفاءها، وهذا هو ألف باء السياسة والأيديولوجيا، وبما أنه ليس من وجود ولا من ممارسة سياسيين إلا «بأيديولوجيا وتحت تأثيرها»، كما يقول التوسير، فإنه لا يبحث عن فهم النظام السياسي في ذاته بل في الأيديولوجية، وليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم السياسي بل وجودهم الاجتماعي الذي يحدد هذا الوعي، وحيثما تختلج (نحن) فستكون أيديولوجيا، لأن ولادة أيديولوجية معناها ولادة جماعة.
ختاما
يا دكتور ياسين، لقد أردت إنسانا بلا عدوان، وتاريخا بلا حرب، وسياسة بلا عنف، وأفكارا تمتلك قوتها في ذاتها، وثورة بلا صخب، وتغييرا بلا تهديم، ومعارضة بلا اعتراض، وربما حلمت بنساء بلا أمعاء وحمل بلا دنس، وولادة بلا ألم، وانتصار بلا ثمن، وقضية جنوبية بلا ملامح، وشعب بلا مصالح، ومواقف بلا رفض، وتفكير بلا فكر، وقوى بلا زعيم، وحداثة بلا تحديث ومدنية بلا تمدن، وديمقراطية بلا مؤسسات، ودولة بلا سيادة، وسلم بلا قوة، ومثقفين بلا موقف، وفكر بلا نقد، وحصانة بلا اعتراض، وسلطة بلا مسؤولية.. إلخ.
لكن ما أردته أو ترغب فيه يا أخي ليس من هذا العالم، عالم الفعل والانفعال والتدافع والتنافس والتغالب والتقاتل والصراع، عالم الإنسان الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء، وكم يتطلب أدنى تفكير من شقاء، كم تتطلب فكرة واحدة من ميتات حقيقية، وكم تتطلب (اليمن) من ثورات وحروب!.وإلى متى يا دكتور ياسين سعيد نعمان نظل نتصرف كالنعام تغرس رأسها في الرمل اتقاء العاصفة؟ يقول المستشرق جرترود بل: «كم ألفا من السنوات بقيت هذه الحالة من الوجود (أي كون العرب يعيشون في «حالة حرب» دائمة) سيخبرنا أولئك الذين سيقرؤون أقدم سجلات الصحراء الداخلية، ذلك أنها تعود إلى أولهم، لكن العربي عبر القرون كلها لم يشتر حكمة من التجربة، فهو غير آمن أبدا، ومع ذلك فإنه يتصرف وكأن الأمان خبزه اليومي»، ينظر إدوارد سعيد، الاستشراق (ص 237)، إنني وأنا اقرأ مقالك «الإشكالي» تذكرت ما كنت قد قرأته في كتاب الاستشراق من أحكام المستشرقين وتمثيلهم «للعقل» الشرقي، التي جهد إدوارد سعيد لتفنيدها ونقدها من وجهة نظر الفكر النقدي الرصين، أمثال نصوص الإنجليزي دنكان ماكدونالد الذي كتب: «إن الفرق الجوهري في العقل الشرقي ليس سذاجة التصديق للأشياء اللامرئية، بل عدم القدرة على بناء نظام يتعلق بالأشياء المرئية» سعيد ص (238).وبقدر ما يتعاظم الجزع الذي تحدثه ظاهرة من الظواهر يكون الإنسان أقل قدرة على ملاحظتها بشكل صحيح والتفكير فيها بشكل موضوعي واتباع الطرق الملائمة لبنائها ووصفها ومراقبتها وتفسيرها وفهمها وتوقع مآلاتها ، (وق د تكون مقاومتنا النفسية لفكرة ضرورة وجود معرفة موضوعية سليمة للذاتية الجماعية نابعة من حالة جزع آخر وأخير، هي حالة خيبة الأمل، وإننا لنرغب في الاحتفاظ بالخلوة الأخيرة للرقى والتعزيمات المؤذية أي نرفض أن نجرد من مسنا الأخير)، حسب دوبريه ربما كان هذا السبب الذي يفسر هذيان الأمين العام للحزب الجريح، ورغبته في الاحتفاظ (بالخلوة الأخيرة) و(المس الأخير!)، أليست هذه العاطفة البائسة والرغبة الحميمية الثاوية في غياهب اللاشعور السياسي «لقيادة الحزب الاشتراكي اليمني» التي لم تستطع حتى الآن، وبعد مضي نصف قرن من الخيبات والمآسي والانكسارات أن تصوغ رؤية متبصرة ومتحررة من الشعوذة والهذيان لوصف «الحكاية الكبرى»، وتقييمها تقييما نقديا أمينا، فالانفعالات والشهوات لا تفسر شيئا أبدا، إننا بأمس الحاجة إلى نقد الذات، نقد الذات الجماعية ونقد الماضي وفهم الحاضر. ودعني أقول لك إنني أقدر ما تشعر به وما عبرت عنه في قصيدتك (رسالة على عجل) في مأرب برس 27 ديسمبر 2011م، وهي قصيدة لا تخلو من الشعر والشاعرية الأدبية الإبداعية وما أودعته فيها من شجن وإحساس بالخيبة والتشاؤم بقولك :عاث الفساد بأرضنا وغدا بأعلى منزلة وتبعثرت أخلاقنا حتى غدت كالمزبلة الساهرات عيوننا لم تكتشف ما المشكلة عقولنا تائهة وفعلنا ما أعجله مبرمجون على الضياع كل يراقب أجله تتفجر الأحزان في أيامنا .. كقنبلة وفي لحظة انسد الأفق والوعي الأسيان تذكرت الماضي القديم لعلك تجد فيه الحل السحري لهذه المعضلة:
( قالت وقد سارت بعيدا في خطى مهرولة
أنتم بلاد حكمة.. آبارها معطلة
واقعكم حزن، وماضيكم يدين المرحلة
هل آن للماضي أن يبعث.. ويرفع مشعله
لابد من تغيير خط السير، أو تغيير حل المسألة) ربما كانت هذه الخاطرة الشعرية أصدق تعبير عن مكنونات ذاتك المثقلة بالأحزان والآلام، أكثر بكثير من المقال الآنف، لكنك وأنت تبحث عن أفق للخروج من المآزق لم تجد بارقة أمل تلوح في المستقبل، ولم تلمح بشارة واعدة يحملها الحاضر، فاستدرت بوجهك إلى الخلف ونظرت إلى الماضي السحيق لعلك تجد فيه ما يشفي الغليل، معولا في ذلك على الحديث الشريف:(الإيمان يمان والحكمة يمانية)، وهي عبارة لم يتم التأكد من صحتها العلمية بأدلة وبرهان من التاريخ والآثار، فعن ماذا تبحث يا دكتور في ظلام التاريخ الدامس، والتاريخ مثل النهر لا يستحم بمياهه مرتين!؟
أليس الأجدر بنا أن نفهم حقيقة وضعنا كما هو بالفعل ونتقبله بما فيه، لكي نتدبر أمرنا فيه بلا وهم ولا سحر ولا تهوين ولا تهويل، فإذا تقبلنا ذاتنا كما نحن حينئذ فقط نستطيع أن نتقدم إلى الأمام، أما لو أمعنا في مغالطة وطننا نبيع الأوهام ونسوق الأحلام فلن نتقدم خطوة واحدة إلى الأمام. وتقبل مني فائق التقدير والاحترام، والله من وراء القصد.
د قاسم المحبشي 1 / 7/ 2012





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,682,587,354
- فاطمة مصطفى و بحث العلاقة بين الفلسفة والسينما
- الثورة: تحولات المفهوم وسياقات المعنى؛ من وحي مؤتمر العقل وا ...
- في الثورة والعلم والثقافة والأيديولوجيا
- في إستشكال مفهومي العقل والثورة.
- أولفين توفلر فيلسوف تاريخ يا توفيق!
- المرأة وتثقيفها في صالون بنت البادية الثقافي
- في معنى الثورات العلمية وتغيير الباراديم
- انتحار الشهيد .. قصة واقعية من اليمن السعيد
- ملاحظات أولية في نظرية الاستشارة الفلسفية
- بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة .. وعودة النموذج السقراطي في م ...
- اليونسكو .. الغياب الدائم والحضور المفترض
- حاجة العرب الى تدريس الفلسفة للأطفال أكثر من حاجة الغرب والأ ...
- مدني صالح .. مقاربة الاسم والمعنى
- الثورة التي ادهشت العالم!
- الهُوية إشكالية المفهوم وسياقات المعنى
- وداعا أفلاطون .. الفلسفة والأطفال.. استئناف الدهشة!
- منظمات المجتمع المدني ودورها في بناء السلام باليمن
- حينما يكون الجسد اكثر ادهاشا من الروح


المزيد.....




- العاصفة -غلوريا- توقع أول ضحاياها في إسبانيا والسلطات تحذر م ...
- السيسي يصل إلى لندن قادما من برلين
- شاهد.. متظاهرة شابة تتحدى الشرطة في بيروت
- مصدر: أردوغان يغادر برلين بلا عشاء
- هروب 75 سجينا في باراغواي -بطريقة هوليودية-
- مؤتمرو برلين يدعون لعدم مهاجمة منشآت النفط الليبية
- البيان الختامي لمؤتمر برلين حول ليبيا: جيش موحد ووقف إطلاق ن ...
- مؤتمر برلين يتفق على احترام حظر السلاح ووقف التدخل الخارجي ف ...
- المصطفى عديشان ونادية تهامي في أسفي لشرح تصور الحزب للنمو ...
- مواجهات جديدة في بيروت غداة تظاهرات شهدت عنفاً غير مسبوق


المزيد.....

- تحديد طبيعة المرحلة بإستخدام المنهج الماركسى المادى الجدلى / سعيد صلاح الدين النشائى
- كَيْف نُقَوِّي اليَسَار؟ / عبد الرحمان النوضة
- انتفاضة تشرين الأول الشبابية السلمية والآفاق المستقبلية للعر ... / كاظم حبيب
- لبنان: لا نَدَعَنَّ المارد المندفع في لبنان يعود إلى القمقم / كميل داغر
- الجيش قوة منظمة بيد الرأسماليين لإخماد الحراك الشعبي، والإجه ... / طه محمد فاضل


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ملف: الحراك الجماهيري والثوري في العالم العربي، موقف ودور القوى اليسارية والديمقراطية - قاسم المحبشي - في توقع مآلات ثورة الفرصة الأخيرة .. خاب ظنه وصدق حدسي