أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - عبدالحميد برتو - إنشودة للإنعتاق .. تغريدة لأفق مفتوح 5 من 10















المزيد.....

إنشودة للإنعتاق .. تغريدة لأفق مفتوح 5 من 10


عبدالحميد برتو
باحث

(Abdul Hamid Barto )


الحوار المتمدن-العدد: 6427 - 2019 / 12 / 3 - 19:50
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


عواطف وأحزان عائلية

تشغل قيم العائلة، نبضها، مسيرتها وآلامها مكانة كبيرة في الرواية. تستحقها بجدارة. وهي توشح الرواية من الخطوة أو الصفحة الأولى الى نهايتها. كانت العائلة هاجساً رئيسياً فيها، بعواطفها وفواجعها، وتطوراتها المحسوبة وغير المحسوبة، المتوقعة وغير المتوقعة، المفرحة والمثيرة للغثيان. إن العائلة قيمة كلية وفق كل المعايير المعترف بها. ويُلاحظ المتابع لمسيرة دول العالم الأكثر تطوراً، مدى إنشغال علماء الإجتماع والمفكرين والمبدعين بمصير العائلة. تطلقُ أوروبا حسراتٍ وآهاتٍ عميقةً على ما حَلَّ بالتماسك العائلي من ضعف وتراجع. تبرز عوامل لا حصر لها، تسبب ضعف خيوط التماسك العائلي الضروري والمطلوب، منها أسباب إقتصادية وإجتماعية وثقافية ونفسية، وربما شبكة عوامل سلبية تبرز دفعة واحدة، خاصة منها وعامة وغيرهما.

عبر الكاتب يحيى علوان برواية "مطاردٌ بين ... والحدود" عن روح العائلة بأصالة تثير الإعجاب: "أريد أن أدق باب أمي وأفرح لفرحتها بعودتي سالماً، مهشماً، وأعتذر عن الغياب... أتمدد على حصير فوق بلاط الحوش وأشبع نوماً وشخيراً، دون أن أزعج أحداً، أو يعكر نومي أحد... ولكن من سيحرس حلمي إذا نمت..؟!". (الرواية ص 69 ـ 70).

إن الشعور بالتقصير المفروض عنوة إتجاه الوالدين، يُعد من أبرز مؤشرات الأصالة والتهذيب والرقة في التكوين الشخصي. وبصفة خاصة إتجاه الجناح الأضعف في مجتمعاتنا ـ الوالدة. إنه شعور ينطوي على مرارة خاصة. تصل الى أعماق القلب والعقل معاً.

يطارد كاتبنا الحزن الثقيل والموجع. يسكبه حاراً، قاسياً وراقياً أيضاً: "يـا لِـوَحشَـةِ أُمّـي وخيبتِهـا مِـنْ بِكـرِهـا الغـائبِ، حتـى عـنْ "صـلاةِ الغـائب"، عندما يُدخلـونهـا القبـرَ فلا تجـدنـي بانتظـارِهـا..". (الرواية ص 70). والحديث عن الأبن البكر يحمل تقرباً رائعاً من مشاعر كل أم عندنا. تتمنى كل أم من إبنها البكر بأن يكون سندها وعمود آمالها. يتحول البعد الإجباري للبكر عن الأم الى ألم وفخر لها في ذات الوقت. وفي الظروف التي يواجه فيها الإبناء مخاطر ومظالم القمع. يكون الشعار الأثير للأمهات العراقيات: "عساهم سعيدين وبعيدين".

يذهب الكاتب قبل ذلك بعيداً في سرد لواعِج الأسرة، والعلاقة مع المنفى: "عمّـا قريبٍ سنصيرُ أيتامَ وطنٍ وبقايا إنسانيةٍ، طحَنَتْها الحروب والتشرُّد.. لَـنْ يَعـودَ لنـا وطـنٌ، لأنه سيُوضعَ في المزادِ !.. سَنَستوطِنُ المنافي، ونُعَـلِّقُ الذاكِـرَةَ فـي غُرَفِنـا مثلَ صَيـدٍ مُجَفَّفٍ لرأسِ وَعْلٍ مُسَمَّرٍ بالحائطِ.. فيما سَيُصِرُّ آخرونَ "إنّنـا عائدونَ !.. فالنظـامُ آيِـلٌ للسقوط.". (الرواية ص 146).

يَصِلُ الكاتبُ في إرتدادات تذكره الى بيت الجد، الى الجذر. عبر مقارنة المنفى ببيت الجد. يُذَكِرُ أحدهما بالآخر، بقوله: "والمنفـى هـو مِضيـافٌ أيضـاً. لـنْ أنسى أنْ أشـكُرَهُ بشـهامَـةٍ تحـتَ سِـدرَةِ جَـدي، عِنـدَ "بابِ قُـريش" في الصحنِ الكاظمي، يـومَ يَـرقُصُ ظِلُّها مُهلِّلاً بعـودتي.. وَشَـقاوَتـي، عندهـا سأُرخـي رِسَـنَ الكـلامِ فـي مَـدحِ الإختـلافِ والإئتلافِ المِضيـاف !...". (الرواية ص 56).

يستدعي من ذكريات الطفولة حالة جارةِ بيت جدّه عبد الصاحب، السيدة أم أديب، التي فقدَت وحيدَها الصغير؛ أديب غرقاً في بئرٍ منزلي. وهي قصة موجعة، تحمل الكثير عن عواطف وطبيعة التعامل مع الأحزان داخل الأسرة العراقية، وكيف يجري تخويف الأطفال لحمايتهم.

يَطرَحُ يحيى علوان سؤالاً ضمن قيم العائلة، يَحْمِلُ الكثيرَ من الهم والغم. وكل ما يوحي بحملٍ ثقيلٍ جداً من الحزن والألم وقسوة الظروف المحيطة. أو تلك التي تأتي نتيجة للقرارات غير المسؤولة، يتساءل: ".. مَن قَتَلَ الزهرَةَ فـي صَـدري.. ؟!". فبعد الأم والإشارة الى الجد يتزاحم على الموقع الثاني في الأهمية العائلية: الزوجة والبنت؛ الأخيرة ثمرة ثنائي العائلة. بديهي بعد وصول المقاتل الى طهران المحطة الأولى في رحلة العذاب والمخاطرة. وبعد ستة أعوام من الغياب، وبعد عامين ونصف العام من الإنتظار لتنفيد قرار العودة. "قرار التسريح". الذي يمثل نموذجاً محزناً لرداءة فن إدارة العمل. وهنا يلوح تساؤل عند الكاتب: "هل بهذه الطريقة سوف ندير هموم الناس؟".

سعى الإعلامي العائد في أول خطوة، الى نقل الأخبار السارة للزوجة في برلين. لم يتوقع ذلك الجفاء الذي إستقبل به إتصاله. إنه الجفاف والجفاء غير المتوقعين، مقابل الشوق الجارف، والحب العارم لعائلته، لاسيما إبنته.

ترجل الكاتب على عجل من الباص القادم من الرضائيَّة (أَرومْيَـة). يبحث عن كابينة للتلفون. يتصل بمن يساعده على الوصول إلى برلين. عبر طرق ذات مخاطر محتملة. وليتحدث إلى عائلته يبشرها بوصوله إلى طهران، وقرب مغادرته لها نحو برلين. إنتكس مزاجه بقسوة من خلال الخيبة التي جوبه بها. يقول عن ذلك الحال؛ أو رد فعل زوجته: "ترنَّحتُ ودارت بي دائرة البريد، لما خرجت من سماعة التلفون، هراوةٌ انهالت على سمتي.. مصحوبة بعواء ٍ وبذاءات ٍ تركت في الأذن صريراً يبعث على الغثيان.. شب حريقٌ في صدري، خرجتُ، تقيأت دماً، بفعل المذبحة، التي نشبت بداخلي.. جلست على درجات البريد أعبُ هواءً بارداً، أختض من هول الصدمةِ.. كنت قد وطّنتُ نفسي على جفاءٍ وعتبٍ، وبرودةٍ.. إلاّ هذا الكم من الصَغارِ والحقد!..". (الرواية ص 128 ـ 129).

قضى ستة أعوام محروماً من صوت إبنته، من رؤيتها. ولم ينس حرمانها هي من حنانه ورعايته الأبوية. لم يتابع أحلى مشاهد نمو الطفلة. وما تمنحه للعائلة من لحظات لا تقدر بثمن. ويضيف: إنها محنة الإنسان الذي يحمل في وجدانه وضميره قضية شعبه!!.

لا يَحسبُ المناضلُ الحقيقيُّ، وقت تنفيذه لأي عمل أو قرار خطير لصالح الشعب، حساب ما قد يحلَّ به شخصياً أو بعائلته. وهذا موقف بطولي يستحق الإحترام والتقدير والإشادة. ولكنه بالمقابل وفي الوقت نفسه يعكس وجود قلوب صماء بدائرة إتخاذ القرارات في التعامل مع المصائر.

نجد خلال التجارب العملية الكثير من الإجراءآت التي تتسم بضيق الأفق، ومؤثرات بعض الأمراض الإجتماعية، وحتى النفسية، لِمَنْ بيديه القرار. وتوجد حالات لا ترتقي الى مستوى قوانين التجنيد الإلزامي في الدول، حتى الحكومات الرجعية لا تجند شخصين من عائلة واحدة، ولا المعيل الأوحد لعائلته، ولا من يعاني من إعاقة جسدية. لا ينبغي أن تغيب اللمسات الإنسانية في الإجراءات مهما عظم الخطب.

يعرف أي إنسان حضاري ومتسلح بأرقى نظرية إجتماعية، بأن الطفل في سنواته الأولى يشغل وقت الأم بالكامل. وهي بأمس الحاجة الى الدعم المتنوع من كل أفراد العائلة من حولها. وفق أي منظور إنساني يتم تفتيت العوائل دون ضرورات كبرى.

إن أي عمل إستعراضي، هو عمل غير قويم، ولا يحمل من الروح الثورية شيئاً حتى إسمها. كيف لا يجري حساب عنصر الوقت، لأغراض الإستراحة والتجديد وشحذ العزائم، والنهوض بالمسؤوليات العائلية. حمل البندقية لا يتطلب شخصاً حاملاً للدكتواره في الفيزياء. ولا تحرير الخبر الصحفي يتطلب كفاءآت إستثنائية. أفضل مَنْ يعبر عن الحدث المجيد؛ الحدث نفسه. البطولة أعظم شاعرٍ في التعبير عن نفسها. وهناك عشرات الأسئلة تطرح عن صيغ التعامل مع العضوية. وحول مسالك الخروج والدخول الى الوطن، ونوع الجهود التي بذلت بصدد هذا الشأن.

تعلمنا كل التجارب أن حصيلة الحلول السهلة والبدائية قد تكون في بعض الحالات كارثية. لا يوجد قائد حتى في الجيوش البرجوازية لا يحسب حصيلة الخسائر والعوائد. كما يضع الى جانب خطط الهجوم خطط الإنسحاب عند ظهور عوامل جديدة. لم تكن في الحسبان عند إستعراض التقديرات الأولية، ورسم سيناريوهات المعارك، المحدودة منها والكبيرة.

إعترف الكاتب ببعض المسؤولية عن الجفاء والجفاف في الخطاب الحاد لزوجته، التي أرهقها الغياب والإنتظار والنهوض وحيدة بمسؤولية تربية الطفلة، بقوله: "كُنتُ قد وَطّنتُ نفسي على جَفاءٍ وعَتَبٍ، وبرودَةٍ.. إلاّ هذا الكم من الصَغارِ والحقد !..". (الروايى ص 129)

هذا الإعتراف الضمني غير كاف. وقد أجد له مبرراً بضرورة الإعتراف بما أحاط به من ظروف وأشخاص وضغوط الإنطباعات. أنه أَسْرٌ للفرد في داخل أي مجموعة إجتماعية تبني أعرافها وقيمها وأنماط سلوكها بمعزل عن جوهر مبادئها المعلنة والملزمة ضرورة. ولكن للأقدار أحكامها أيضاً. لاشك في أن ظرفاً مثل الذي مر على الكاتب، يخلق مبررات لراحة الضمير أو للدفاع الطبيعي عن النفس، من قبل طرفي المعادلة (الزوجة والزوج). أنه مشهد محزن في أقل الأوصاف الممكنة وأكثرها حيادية.

في النص التالي يظهر عدم اليقين والقلق من الفهم السيء من جانب الآخرين. لأي تصرف غير محسوب، سواءً كان بقصد أو بدونه: "كُنْ "شجاعاً !.."، إكتُمْ بُكاءَكَ في صدرِكَ !...إحتَرِسْ من أحلامكَ إنْ داهمتكَ ذاتَ نومٍ، فقد تصحو مذعوراً مَخافَةَ أن يكونَ "العَسَسُ" و"كُتّابُ التقارير" قد إلتقطوها فيرمونكَ بما لا تدري من التُهَمِ ...!سلامٌ على حُمَّاكَ ورَجفَةِ قلبِكَ يومَ أَبلغوكَ بقرارِ سَفَرِكَ للعلاجِ ولقاءِ العائلة، ما أَنْ تصبَحَ الطريقُ سالكةً ..!بأَسنانِكَ ستَقضِمُ الهـواءَ والثلجَ، كـي تَرى اللامرئيَّ، مستعداً ستكونُ لتصديقِ، حتى الكذبةِ، لأنَّ الحُلُمَ يَظَـلُّ أحلى من تَحَقُّقِـه عَلَّكَ تَنوشُ غَدكَ، المُضرِبَ عَـنْ المجـيءِ.. تَطامنْتَ مع تأريخٍ إفتراضيٍّ، أَنَّكَ سترحلُ في الثاني والثلاثينَ من الشهرِ القادمِ ..!ستمُرُّ أَمامَكَ "قوافِلُ"، تَعبرُ، لـ"العلاج"، ولا تَعود!.. ولأنَّكَ "مُنضبِطٌ" وتَخجَلُ لأَنَّ هناكَ غيرَكَ مِمَّنْ جاءوا قَبلَكَ إلـى هنا، لَنْ تسألَ.. (الرواية ص 94 ـ 95).

يناجى الكاتب طفلته مناجاة توجع القلب: "بُنَيَّتي، هذا المساءُ.. وكل مساءٍ يحمِلُ إليَّ غمّي، الذي يسكنُ في الصدرِ، في الحنجرة.. يضيقُ المكانُ.. يقلُّ الهواء، فأشعرُ أَنّي أَختنقُ، فأصرُخُ.. أسمعُ صوتكِ، فأهداُ... لكن المسافة تبقى بيننا، أمسحها بالحلم..". (الرواية ص 141). ويظل يطارده سؤال يحمل من الحنين واللوعة ما ينوء به كل مَنْ يملك قلب أب: "أينَ أنتِ الآنَ ؟! ..". ويصرخ: "لَهَفي عليكِ !.. أنتِ التي دوماً أُنادي دونَ أنْ يأتي صدىً منها، لكنها تسكنُ وحدتي". "أَرتَجِفُ لِمُجَرَّدِ فكرَةِ أَنْ أَلقاكِ، أَضُمُّكِ لِصدري بكلِّ عنفوانِ الغيابِ ولَهفَتهِ.. تُصيبُني رَعشَةٌ أَنْ أَحتَفِلَ وإِيّاكِ بلقائنـا، فأُزيحَ عنكِ وشاحَ اليُتمِ، كما صُوِّرَ لَكِ!.. (الرواية ص 142). يحلم الكاتب برؤيةِ صغيرته، كي يُعَوِّضها مرارة الغيابِ.

يطلق يحيى علوان على طفلته أوصافاً جميلة وصِيغَ مناداة أجمل، مثل يا: لَـوزِيَّةَ العيونِ، غزالَةَ عُمري، غابَةَ أَشباحِ حَنيني. يقول لها: "لا تَبتأسي، حلوةَ بابا". وصيغ مناداة ملتاعة أخرى، مثل: يا طِفلَةَ الغيابِ، ويا ريحانَتي. وفي الحالتين عند الوصف أو المناداة، تحمل كل منهما بين طياتهما حزناً عميقاً. يُعبر عن خشيةٍ أبوية من أن طفلته قد لا تعرفه بعد ذلك الغياب. بسبب اللهيب الذي إحترق من سنوات العمر، ومن غزو الشيب. يترجى طفلته ألاّ تَفزَع من تلك التغيّرات، التي ضربت مظهر والدها. وساوره الشك بأنه هو أيضاً قد لا يتعرف عليها فوراً. ثبتت صورتها في ذاكرته، ولكن تلك الصورة تتغيّر في الواقع، دون أن تتغيّر في ذاكرته حين كانت مَحمولَةً على الأَكتاف في المطار عند التوديع. بل يزعم أن ذكراها تَيَبَّسَت خَشَبَاً عندَ لحظة التوديع. جسدت الرواية الوجع الأبوي الإنساني بحرارة وصدق بالغين، وفق معايير الرؤية الفنية والنقدية الخالصة، وما تتركه تلك الرؤية من إنطباعات وتقديرات وتصورات وتجسيدات.

يَتَحَرَّقُ الكاتبُ شوقـاً لرؤية إبنته. ليحكي لها جزءاً مما عاشه. ويقطف لها عناقيدَ من النَجمِ لِضُمَها قلائدَ لصغيرته. على الرغم من تلك الأحلام الجميلة والنبيلة التي تجتاحه. يعترف بأن تلك الأحلام مجرد أُمنيات رَخوَة، إذ سُرعانَ ما يسقُطُ في بئرٍ من الحزن، ويجتاحه الشك والقلق من رد فعل الطفلة بعد سنوات الغياب، وبسبب التلقين غير الأمين. يُعْلِنُ الإضطرابَ والقلقَ الداخليين: "ماذا أقولُ لهـا؟.. وهل ستَشتِمُني مثلما فَعَلَتْ أُمّها عندما إتصلتُ بها من طهران؟". (الرواية ص 145)

تحضر إبنته قرة عينه حتى في ذروةِ مخاطر متاهاتِ الهروب. وهو يَطوفُ في صحراءِ الحدودِ الإيرانية ـ الأفغانية المقفرة. يَتأرجَحُ بين الشك واليقين. تداهمه الأسئلة: هل سيصل فعلاً الى جهة رسمية أفغانية؟ لإعلان هويته وطلب المساعدة الرفاقية. يَجمَعُ العظامَ والشوكَ مع إثنين من مهربيه، بطلب منهما وتحقيقاً لرغبتهما، وربما لرغبته هو أيضاً بقدح من الشاي، يطفئ اللهب أو يُساهمُ في تَأْجِيجِه. تحضر إبنته لتعاتبه.

ـ بـابا: "حيّرتني.. في الجبلِ كنتَ تَشكو أَنَّ الجبالَ تُشكِّلُ مَصَدّاتٍ، تَحجبُ رؤيةَ الأفق.. هـاكَ الآنَ كلَّ الأُفقِ ومَداه، لا يحدّه شيء.. بعدَ حينٍ سيشتعِلُ عندما تُقَبِّله الشمسُ مودِّعَةً فلماذا تُوَلوِلُ؟!.. إِرضَ بنجاتِكَ يا أَبَتي "!..

قلتُ لها مازالت الفاتورةُ مفتوحةً، يا بُنَيَّتي، والطريق بعدها لَم تَنتهِ!..:

"أُؤكِّدُ لكَ أنكَ نجوتَ.. ما هي إلاّ مُنغِّصاتٍ قليلة، ستَجتازُها وتَصِلُ إليَّ !..." (الرواية ص 361 ـ 362)

يطلق الكاتبُ نداءآت واستغاثات موجعة. تتبارى كل منهما، النداءآت والإستغاثات، لإحتلال الموقع الأول في سلم شدة الألم والحيرة وقلة الحيلة في مواجهة الموقف:

".. آهٍ يا إيقونَةَ أَلَمـي، يا إبـرَةَ بوصَلَتي .. ما عَرِفَتْ سكوناً، تعالي، شيَّدتُ لكِ معبداً من البخور والموسيقى، أُريدُ أَنْ أَضُمَّكِ وأَشهقَ مثلَ سمكةٍ تعشَقُ صنّارَتها، هاتِ يديكِ، ستَخضَرُّ أَصابعي وتَغدو أَغصاناً مُزهرةً.. كطائرِ البرقِ أَنتِ، أَتَحرَّقُ لهفَـةً إليكِ.. لسيفِ حضوركِ تُجرّحينَ به القلبَ، عَلَّ دماً جديداً يَفورُ فيغسلَ ما تكَلَّسَ.. مُهجتي تَتَخَبَّطُ وتَصرَخُ في متاهَةِ مرايا، ليسَ فيها غيرَ صورتكِ.. فأروحُ أَغْزِلُ عباءةَ لَهَفي إليكِ مثلَ بِنيلوبه..

آهٍ يا إيقونَةَ أَلَمـي، يا إبـرَةَ بوصَلَتي.
كُنتُ أَستحضركِ، وأَكادُ أسمعُ خطوَكِ.. بلا جـدوى !..
أُسَرِّحُ ظفائرَ حضورها الغائب..
أَخافُ من نظـرةِ عتابٍ..
صَبِرتُ وتَصابرتُ حتى كَرِهني الصًّبـرُ!..
مُـرٌ مَذاقُ غيابِكِ..
كم هو جارِحٌ شوقي إليكِ، بُنَيَّتي!..
لكنّكِ تَظَلّينَ معي أينما كنتِ... غيابكِ حاضرٌ كل يوم !..

وأخيراً، نجد سر اللوعة وأس الألم بقوله:
فـلا أَنـا لِي وَطنٌ يَضُمُّني، ولا أَنتِ...

يتبع





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,636,908,209
- إنشودة للإنعتاق .. تغريدة لأفق مفتوح 4 من 10
- إنشودة للإنعتاق .. تغريدة لأفق مفتوح 3 من 10
- إنشودة للإنعتاق .. تغريدة لأفق مفتوح 2 من 10
- إنشودة للإنعتاق 1 من 10
- الهيبة قوة عملية أيضاً
- عيد العمال ولعبة -الإنتخابات-
- ستبقى بيننا يا رفيق الدرب
- تشييع مهيب لمناضل
- رحيل الرفيق آرا خاجادور
- بيريسترويكا غورباتشيوف (9 من 9)
- بيريسترويكا غورباتشيوف (8 من 9)
- بيريسترويكا غورباتشيوف (7 من 9)
- بيريسترويكا غورباتشيوف (6 من 9)
- بيريسترويكا غورباتشيوف (5 من 9)
- بيريسترويكا غورباتشيوف (4 من 9)
- بيريسترويكا غورباتشيوف (3 من 9)
- بيريسترويكا غورباتشيوف (2 من 9)
- بيريسترويكا غورباتشيوف (1 من 9) بعض الأوليات كتاب غورباتشيوف
- الثوري والإصلاحي والإنهيار القيمي 2 من 2
- الثوري والإصلاحي والإنهيار القيمي 1 2


المزيد.....




- عقوبات أمريكية على عراقيين -موالين لإيران- متهمين بقمع المظا ...
- إيما واتسون بشكل جديد في مشروع -البحث عن جولييت-
- مسؤولون أمريكيون: المشتبه به في حادث إطلاق النار بالقاعدة ال ...
- رئيس الوزراء الفرنسي يؤكد عزمه تطبيق إصلاحات التقاعد رغم الا ...
- وزير الخارجية القطري: هناك مباحثات مع الأشقاء في السعودية
- مكمل مغذ يحد من آلام المفاصل المزعجة
- كوريا الشمالية تهدد بالعودة لوصف ترامب ب "الخرف" ع ...
- شاهد: حقيبة بوتين النووية مفتوحة لأول مرة
- كوريا الشمالية تهدد بالعودة لوصف ترامب ب "الخرف" ع ...
- شاهد: حقيبة بوتين النووية مفتوحة لأول مرة


المزيد.....

- دستور العراق / محمد سلمان حسن
- دستور الشعب العراقي دليل عمل الامتين العربية والكردية / منشو ... / محمد سلمان حسن
- ‎⁨المعجم الكامل للكلمات العراقية نسخة نهائية ... / ليث رؤوف حسن
- عرض كتاب بول باران - بول سويزي -رأس المال الاحتكاري-* / نايف سلوم
- نظرات في كتب معاصرة - الكتاب الأول / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب - دروس في الألسنية العامة / أحمد عمر النائلي
- كارل ماركس و الدين : قراءات في كتاب الدين و العلمانية في سيا ... / كمال طيرشي
- مراجعة في كتاب: المجمل في فلسفة الفن لكروتشه بقلم الباحث كما ... / كمال طيرشي
- الزمن الموحش- دراسة نقدية / نايف سلوم
- قراءة -المفتش العام- ل غوغول / نايف سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - عبدالحميد برتو - إنشودة للإنعتاق .. تغريدة لأفق مفتوح 5 من 10