أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد نجيب السعد - الشمس تشرق أيضا : قراءة في مسودات رواية همنغواي















المزيد.....

الشمس تشرق أيضا : قراءة في مسودات رواية همنغواي


محمد نجيب السعد

الحوار المتمدن-العدد: 6426 - 2019 / 12 / 2 - 20:52
المحور: الادب والفن
    


جيك بارنز ، الراوي في " الشمس تشرق أيضا " ، صحفي مغترب يعيش في باريس ، عاجز بسبب إصابة لا نعرف كنهها، تعرض لها في الحرب و تربطه علاقة مع بريت آشلي المتزوجة مرتين والمعروفة بتقلبها بين الرجال .الرواية تقع في ثلاث أجزاء أو كتب . تقع أحداث الكتاب الأول في باريس، حيث نلتقي في المشهد الأفتتاحي بجيك وهو يلعب التنس مع صديقه روبرت كون، بعدها يصطحب فتاة ليل و يغادر النادي في سيارة أجرة مع بريت.يصل بيل جروتون في الكتاب الثاني من نيويورك لينظم إلى جيك، وكذلك يصل مايكل كامبل خطيب بريت من أسكتلندا. يسافر جيك وجروتون إلى بنبلونا بالقطار، ويقابلون كون شمال بنبلونا للقيام برحلة صيد كانوا قد خططوا لها ، لكن كون يترك أصدقائه ليقابل بريت في بنبلونا ، وتبدأ غيرة جيك من كون على الرغم من استمتاعه وجروتون بخمسة أيام من الصيد. يجتمع شمل المجموعة عندما يصلون إلى بنبلونا ويبدأون بمعاقرة الخمر. يرغب كون بهجر المجموعة، لكنه في نفس الوقت يرغب في البقاء مع بريت. عندما يبدأ المهرجان في اليوم التالي تقضي المجموعة جل الوقت في الشرب والأكل والجري مع الثيران ومشاهدة مصارعة الثيران . ويُعَرف جيك بريت بمصارع ثيران، يسود بعدها جو من التوتر بين الرجال ويشعر كل من كامبل وجيك وكون بالغيرة من مصارع الثيران هذا. ويتعارك كون مع الرجال الآخرين وحتى مع روميرو مصارع الثيران الشاب. يصور الكتاب الثالث من الرواية ما حدث بعد المهرجان. يغادر الجميع بنبلونا بعد أن يصحوا من سكرهم. يرجع جروتون إلى باريس، ويبقى كمبل في بايون ويذهب جيك إلى سان سبيستان. يتلقى جيك برقية من بريت الموجودة في باريس تطلب منه أن ينظم إليها لأنها في مأزق. يجد جيك بريت وحيدة من دون روميرو في مدريد وتخبره أنها قررت أن تستقر مع كمبل. وتُستكمل الرواية لتنتهي بجيك وبريت يتحدثان في المقعد الخلفي لسيارة الأجرة عما كان ممكن أن تكون عليه الأمور.
تُلخص الرواية حياة جيل المغتربين بعد الحرب العالمية الأولى . ويمزج همنغواي باريس و إسبانيا في الرواية، فيصور بوضوح الثيران تركض في بنبلونا ويصور حلبة صراع الثيران كالمكان الذي يواجه فيه الموت، ويخلط إثارة المهرجان بهدوء الطبيعة الخلابة في إسبانيا. وتعتبر هذه الرواية عموماً من أفضل روايات همنغواي إلى جانب وداعا للسلاح و لمن تقرع الاجراس . كتبت النيويورك تايمز في 31 أكتوبر 1926 عرضا للرواية جاء فيه :
"لا يمكن لأي عرض أن يبين قيمة هذه الرواية. إنها قصة جميلة حقاً، ومحكية بأسلوب مرهف وقوي مما يضع الكثير من الأعمال الأدبية الإنجليزية في موقف حرج. لا تقتصر قدرة همنغواي على جعل الكلمات محددة فقط، بل يتعدى ذلك إلى قدرة تنظيم مجموعة من الكلمات لتفصح أكثر بكثير مما تبديه منفردة. كتابته رائعة ومليئة بالحركة الجسدية التي تعطي صورة أكثر تأثيراً وإقناعاً للشخصيات." وتعتبر الرواية بداية جديدة في الاقتصاد في استخدام اللغة لخلق الأجواء والحوارات، وانتقد العديد من النقاد فور صدور الرواية تركيزها على شخصيات لا هدف لها، ولكنها لاقت اهتماماً كبيراً من جهة الشباب، واكتسبت الرواية منذ ذلك الحين إقراراً عاما من قبل الجميع باعتبارها واحدة من أفضل روايات العصر الحديث.
قال عنها جيفري مايرز أحد كتاب سيرة همنغواي " أنه أعظم عمل لهمنغواي" ، وتصفها ليندا فاجنر مارتن المختصة بأعمال همنغواي " أنها روايته الأكثر أهمية". نشرت رواية "الشمس تشرق أيضا "في الولايات المتحدة في أكتوبر 1926 من قبل دار نشر سكربنر . بعد عام ، نشرت دار نشر جوناثان كيب الرواية في لندن تحت عنوان" فييستا : رواية" . بدأ همنغواي في كتابة الرواية في يوم عيد ميلاده - 21 يوليو - في عام 1925 ، وأنهى المسودة الأولى بعد شهرين ، أي في سبتمبر. بعدها ترك المخطوطة لفترة وجيزة ليعود اليها من جديد في شتاء 1926 لأجراء بعض التنقيحات. كتب همنغواي الرواية بأسلوبه البسيط الذي اشتهر به، الخالي من الوصف المفصل وهي أي الرواية تعتبر نموذج لنظرية جبل الجليد الخاصة به. شخصيات الرواية بنيت على أناس حقيقيين في الدائرة المحيطة بهمنغواي ،ووقائعها تقوم على أحداث حقيقية. أراد همنغواي القول بأن "الجيل الضائع" - الذي كان يُعتقد أنه لا مجال لصلاحه بسبب الحرب العالمية الأولى- كان في الواقع صامداً وقويًا. يبحث همنغواي في روايته موضوعات الحب والموت، وقوة الطبيعة الخلاقة، ومفهوم الذكورة، الى جانب موضوعات أخرى.
نشر دار نشر سكربنر في 2014 طبعة جديدة من رواية همنغواي "الشمس تشرق أيضا" كتب مقدمتها حفيد المؤلف سين همنغواي ضمت الملاحظات الأولى والمخطوطات التي حذفها همنغواي بناء على ملاحظات أبداها صديقه الروائي ف. سكوت فيتزجيرالد.
في المراحل المختلفة من كتابة الرواية ومراجعتها،فكر همنغواي بالعديد من العناوين مثل " فييستا" و" أنهار إلى البحر"و" إثنان ينامان معاً" و" الخميرة القديمة" و" بيردو" و" ضائع" و" الجيل الضائع".في أواخر شهر سبتمبر،سافر همنغواي لقضاء بضعة أيام بمفرده في شارتر ، المدينة الكاتدرائية الكبرى في فرنسا،على بعد ثلاثة وثمانين كيلومتراً من باريس. أخذ معه مخطوطة روايته. كان قد أسماها " فييستا" ، لكنه رفض استخدام "كلمة أجنبية" كعنوان ، ثم فكر بعنوان " الجيل الضائع" . وأثناء وجوده في مدينة شارتر، كتب في دفتر ملاحظاته مقدمة إلى "الجيل الضائع : رواية" ، تحدث فيها عن العنوان الذي أخذه من جيرترود شتاين . ( يروي أرنست همنغواي في تحفته «وليمة متنقلة» أنه ذهب يزور الكاتبة الأميركية جيرترود شتاين في باريس، فوجدها غاضبة تتذمر في صوت عالٍ. لقد أخذت سيارتها إلى الكاراج لإصلاحها. وكان العامل الميكانيكي بائساً لا يعرف كيف. فلما شكت إلى معلمه، صرخ فيه مؤنباً: إنكم جميعاً جيل ضائع. وتطلعت شتاين إلى ضيفها وقالت: وأنت أيضاً همنغواي. أنت جيل ضائع) . خلال الفترة التي قضاها همنغواي في مدينة شارتر قرر تغيير عنوان الرواية . يقول كارلوس بيكر " كانت النتيجة الرئيسية لرحلة همنغواي الى شارتر هي قرار تغيير اسم روايته الأولى إلى " الشمس تشرق أيضا" . لقد كان تغييرا بالغ الأهمية جرى في موقع ديني رمزي ، خاصة و أن مدينة شارتر كانت مقصدا للكثير من الحجاج الكاثوليك في الماضي. أن عملية إختيار العنوان أعطت الرواية أهمية إضافية . إذ لو كان العنوان "الشمس تغرب أيضًا" أو "الجيل الضائع " ، لكانت رواية مختلفة تمامًا . في المقدمة التي كتبها همنغواي في مدينة شارتر ، فكر همنغواي بالخلاص المتاح لجيله: "جرى الحديث عن وسائل خلاص كثيرة و جديدة . سعى جيلي في فرنسا على سبيل المثال خلال عامين إلى الحصول على الخلاص أولا في الكنيسة الكاثوليكية ، والدادئية - كتب همنغواي أولا "الشيوعية" و حذفها - "ثالثا الأفلام ثم الملكية و خامسا الكنيسة الكاثوليكية من جديد " . بعد هذه المقدمة كتب قائمة بالعناوين ، تصدر القائمة عنوان "الشمس تشرق أيضا" ، مع عنوان الخميرة القديمة (العنوان الآخر الوحيد الذي وضع تحته خط) في نهاية القائمة. ربما علم همنغواي ، بما عرف عن حساسيته البالغة للعناوين، أن عنوان الخميرة القديمة ليس بالعنوان الجيد ، حتى لو كان يشير إلى أحدى ثيمات الرواية ( وهو الخلاص) : الطقوس والتقاليد القديمة ، مثل تلك الموجودة في مصارعة الثيران والكنيسة الكاثوليكية ، والقيم القديمة التي تم إهمالها والتي يجب أعادة أحيائها ، والأفراح والمسرات القديمة ، مثل صيد السمك و الخمرة ، التي تم نسيانها أو حظرها . ستكون هذه الأشياء القديمة هي الخميرة ، العوامل التي ستخفف أو تنشط الحياة وتسبب في أرتفاعها ( كما تفعل الخميرة مع العجين) . ربما كانت أذن همنغواي ، التي آلفت اللغة الفرنسية ، قد رأت في كلمة Leaven الأنجليزية كلمة Levain الفرنسية ( و تعني الخميرة) أو lever se lever و تعنيان ( يشرق أو يرتفع) و ربما فكر أن يكون Le soleil se lève aussi عنوانا لعمله باللغة الفرنسية: لكن أذنه المرهفة اختارت أفضل عنوان مقتبس من الأنجيل ، و أن الفترة التي قضاها في مدينة شارتر ستؤكد الحكمة وراء ذلك الأختيار، بالنظر إلى توجه الكاتدرائية التقليدي إلى الشمس المشرقة ، رمز المسيح الذي يقوم من جديد .أن أي كتاب ربما قرأه همنغواي عن الكاتدرائية كان من شأنه أن يلفت انتباه همنغواي إلى العديد من الرسوم التي ترمز للصراع بين الفضيلة والرذيلة ، إلى المتاهة المشهورة على أرضية صحن الكنيسة ، والتي ترمز إلى مسار الحجيج صوب التوبة ، إلى عذراء العمود ، والى نظيرتها في سرقسطة الأسبانية ، والعديد من الموضوعات الأخرى التي ستصبح ثيمات متكررة في عمله. وإذا اشترى همنغواي ، مثل أي مسافر فضولي أو حتى سائح عادي ، الدليل الأشهر في ذلك الوقت عن شارتر و المعنون " الدليل العملي " لمؤلفه تين هوفيه ، لكان تعلم أشياء كثيرة حول الكاتدرائية - بدءًا من تفاصيل البناء و أنتهاء بالرموز الدينية في كل مكان من الكاتدرائية . هذه الأمور ستكون كلها مهمة في الأشهر التي تلت بقاء همنغواي في شارتر ، في فترة أجراء التعديلات التي أدت الى "ضبط" بناء الرواية ، وإتقان النسب ، وصياغة الأيقونات ، وتكثيف الموضوعات والنصوص الكاثوليكية في روايته الأولى - ولعديد القراء - أفضل روايته. في مقال غير منشور لهمنغواي بعنوان "عن الكاتدرائيات" تحدث فيه عن الكاتدرائيات وأنواع مختلفة من التحويلات الأدبية والكاثوليكية ، وأشار إلى أن بعض الأماكن لا تصلح للكتابة ولكنها جيدة جدًا لإعادة الكتابة أو التنقيح ، "لرؤية ما هو غير صحيح ورؤية ما هو صحيح لكنك تركته ، ودائما ما يكون أكثر وضوحًا وأسهل بكثير لأعادة كتابة شيء في أحد تلك الأماكن من الأماكن التي كتب فيه في الأصل ". ومن الممكن أن تكون شارتر هي المكان "لرؤية ما هو صحيح لكنك تركته ".
هناك علامات على قرارات أخرى موفقة . حصلت سيدة المجتمع دوف تويسدن على أسم "أفضل" في الرواية ، بريت آشلي. حذف الحوار العاطفي ، عندما قالت بريت لجيك بارنز ، الراوي ، "أنا أحبك وسأحبك دائمًا." (في النص النهائي ، أسطر مثل "حسنًا ، دعنا لا نتحدث عن الأمر" هي قريبة جدا من طبيعة علاقتهما المعلقة ) .استقر همنغواي على سطر نهائي مثالي. بعد قول بريت ، "يا جيك. . . كان يمكننا أن نقضي وقتًا ممتعًا معًا ، " في البداية كتب المؤلف على لسان جيك رده " من المؤسف أن أفكر في ذلك ، "لكنه كتب لاحقًا" أليس لطيفا أن نفكر في هذا؟ ". بحلول الوقت الذي ذهبت فيه المخطوطة إلى المطبعة ، تم تغييرها مرة أخرى ، إلى نبرة حادة و حزينة و متوازنة تماما "أليس جميلا أن نفكر في ذلك ؟"
أن المسودات الأولى من الكتاب معروفة جيدًا للباحثين ، وهي متوفرة في مجموعة همنغواي ، في مكتبة ومتحف جون كينيدي الرئاسي ، في بوسطن. لكن هذه الطبعة الجديدة تضعها في متناول القراء ، مما يمنح أولئك القراء الفرصة للأطلاع على أسلوب همنغواي في الكتابة ، والأهم من ذلك ، إلى أي مدى كانت رواية "الشمس تشرق أيضًا" في مراحلها الأولى مختلفة عن تلك التي صدرت في العام 1926.

كل التغييرات الرئيسية التي قام بها همنغواي على مخطوطته صيرت تلك المخطوطة أكثر بساطة . في المسودات المبكرة ، بدأت الرواية في منتصف القصة ، في مصارعة الثيران خلال مهرجان سان فيرمين ، في بامبلونا. في وقت لاحق ، اختار همنغواي ترتيبا أكثر مباشرة و تسلسلًا ، حيث قدم الأمريكيين جيك وبريت وروبرت كوهن في باريس ، قبل سفرهم إلى إسبانيا. في المخطوطة التي أرسلها إلى رئيس تحرير سكريبنر ماكسويل بيركنز ، الفصلان الأولان قدما تفاصيل دقيقة عن الشخصيات ودوافعها. بدأت الرواية "هذه رواية عن سيدة" :
" اسمها السيدة آشلي وعندما تبدأ القصة تعيش في باريس و الوقت هو الربيع . يجب أن يكون هذا مشهدا جيدًا لقصة رومانسية ولكن أخلاقية للغاية. إن باريس ،كما يعلم الجميع ، مكان رومانسي للغاية. الربيع في باريس وقت سعيد و رومانسي للغاية . أن الخريف في باريس ، رغم أنه جميل جدًا ، الا أنه قد يثير مسحة من الحزن أو الكآبة لذلك سنحاول أبعاده عن القصة ."
ماذا لو كانت الرواية عن بريت ، اي تكون هي الشخصية الرئيسية والبطلة – كما جاء في تلك المخطوطة " قصة عن سيدة " ، وليس عن مجموعة من الرجال الذين أحبوا تلك السيدة أو لم يحبوها . ولكن الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو الجزء الثاني من الافتتاحية ، الذي يخاطب فيه همنغواي القارئ مباشرة . القراء يريدون قصة خفيفة و نابضة بالحياة من الخارج . أن الألتفاتة صوب القراء تلمح إلى النكتة السوداء المركزية للرواية: أن كل ما هو سيئ في الحياة ، بكل حزنها وكآبتها ، من الأفضل أن نضحك عليه .
في قسم آخر تم حذفه ، كتب همنغواي:
"لم أرغب في سرد هذه القصة بصيغة المتكلم ، ولكني وجدت أن علي أن افعل ذلك . أردت أن أبقى خارج القصة تماما حتى لا أتأثر بها بأي شكل من الأشكال ، وأتعامل مع كل الناس فيها بقدر من التهكم والشفقة الضروريين للكتابة الجيدة. "
أطلق على جيك بارنز في المسودات الأولى اسم "هيم" ، وفي النسخة التي أرسلها إلى المحرر ، كان همنغواي يعتقد أن الكتاب لم يكن مبنيًا فقط على تجاربه في الحياة الواقعية ولكنه كان في الواقع كتاب مذكرات: "بالنسبة لي ككاتب ، لقد ارتكبت خطأ تعيسا ، عندما كنت السيد جيك بارنز. "
كل هذا تم رفعه بناءً على اقتراح سكوت فيتزجيرالد ، الذي كتب بعد قراءة النسخة التي أرسلها همنغواي إلى بيركنز ، رسالة طويلة مفزعة إلى همنغواي ، قال فيها: "أعتقد أن هناك ما يقرب من 24 أشارة تهكم و أزدراء و سخرية أفسدت السرد برمته حتى الصفحة 29 حيث (بعد بداية خاطئة في تقديم كوهن) تنطلق فعلا. "على الرغم من أن همنغواي سوف يقلل من تأثير فيتزجيرالد التحريري في وقت لاحق ، تبدأ الرواية التي نشرت بالجملة : "كان روبرت كوهن في يوم من الأيام بطل برينستون في الملاكمة لوزن المتوسط ".
في تلك الرسالة ، انتقد فيتزجيرالد همنغواي أيضًا " لأنه ضخ شخصيته" في النص: "تلك الشخصية ، التي آمنت دائمًا بتفوق (تفضيل) المتخيل على المرئي و لا أقول المسرود فقط." بهذه الجملة ، يقدم فيتزجيرالد لهمنغواي النصيحة المألوفة في الكتابة - أعرض ، لا تخبر ؛ الاقل هو الاكثر؛ وما يترك قد يكون في بعض الأحيان أكثر أهمية مما هو مكتوب. احتوت الإصدارات السابقة من الرواية على الكثير من الذاتية ؛ لقد أمسك فيتزجيرالد ببقايا الوعي الذاتي الذي قيده همنغواي كلما كتب.
هناك العديد من الأمثلة الواضحة ، في المسودات ، لهذا القلق . بعد خروجه عن الخط الرئيسي للأحداث بالحديث عن مصارع ثيران مشهور عافه الزمن ، يكتب همنغواي: "حسن .لا شيء من هذا يرتبط بالقصة وأفترض أنك تعتقد بعدم وجود قصة على أي حال ، لكنها حركة في الوقت المناسب وعلى أي حال هناك الكثير من التافهين في المجتمع الراقي وهذا أمر مثير للاهتمام دائمًا. " لاحقًا ، بعد وصف عادات شخصياته الاجتماعية:" لا أعرف لماذا يجب عليّ أن أضع كل هذا. قد تخلط القصة ، لكنني أردت أن أوضح لكم كم كنا مجموعة لطيفة . "هذه اللحظات ، التي لم تنج من عملية التحرير ، تتمتع بثقة مصطنعة ، و شجاعة مضطربة ، لكنهم جميعا قلقون أيضًا ، دليل على أن الكاتب يحاول أن يجد شخصية تتطابق مع صوته .
إن أكثر الأمثلة وضوحا على هذا النوع من الميتاسردية هو الفصل الثاني من المسودة الأولى للرواية. يكتب همنغواي:
" ربما لا يبدو أن أي قدر من هذا له علاقة بالقصة وربما لم تكن له علاقة مطلقا . لقد سئمت من تلك القصص ذات الكتابة المقيدة الواضحة وسأحاول الدخول في العمل برمته ، ولكي أفعل ذلك ، يجب أن تكون هناك أشياء تبدو وكأنها لم تكن لها علاقة بها كما في الحياة. في الحياة ، لا يدرك الناس هذه اللحظات الخاصة التي يبني عليها الروائيون هياكل أعمالهم بالكامل. معظم الناس ليسوا كذلك. من المؤكد أن هذا ليس له أي علاقة بالقصة ، لكن لا يمكنك معرفة ذلك حتى تنتهي منها لأنه لن يكون هناك أي علامات أدبية تحددها أي من الأشياء المهمة. عليك أن تعرفها بنفسك. "
على ما يبدو ، كان همنغواي يحاول في البداية كتابة رواية مختلفة تمامًا عما ستصبح لاحقا "الشمس تشرق أيضًا" ، والتي جعلته واحدا من أصحاب الكتابة المقيدة الواضحة . لقد تخيل كتابًا يتم التعبير فيه عن "كامل الحياة " ، بكل أشكالها و علاقاتها المتشابكة .في نفس مسودة الفصل ، يستمر همنغواي: "الآن عندما يقرأ أصدقائي هذا سيقولون إنه أمر مروع. ليس ما كانوا يأملون أو يتوقعون مني. قالت لي جيرترود شتاين ذات مرة إن الملاحظات لا تصنع أدبًا. حسنًا ، سأفعل ذلك . هذه المرة فقط ستدخل جميع الملاحظات ، وإذا لم تكن أدبا ، من إدعى أنها كانت كذلك على أي حال. "
هذا البيان البسيط ، الموجود في مسودة روايته الأولى ، كان يفصح عن كتاب ذو طموحات فكرية وفنية أكبر من كل ما كتبه همنغواي - يشبه إلى حد بعيد القصة التجريدية للحداثيين. إن الحديث عن - "هذا ليس ما كانوا يأملونه أو توقعوه مني" - يمثل خروجًا جذريًا محتملًا لم يدركه همنغواي أبدًا ، والذي ضاع في التاريخ . ومع ذلك ، فإن "الشمس تشرق أيضًا" بعيدة كل البعد عن كونها أقل شأنا ، بسبب وضوحها المقيد. إنها في جانب منها كتاب عن"العلامات الأدبية" ، ربما ضد نوايا همنغواي. ولكنها أيضًا كتاب الملاحظات - بالرغم مما قالته جيرترود شتاين - سواء في الكلام المقتضب بين الشخصيات ، وفي الصمت الثقيل الذي يبقى بينهم. "أنا لا أثق بالأشخاص البسطاء و الصريحين ، خاصة عندما تبقى قصصهم متماسكة"( كما قال همنغواي في الرواية) . هذا الخط ، الذي ينتمي إلى الراوي ، وإلى المؤلف ، كان هناك منذ البداية. إنه صدى لمراوغات همنغواي الأكثر حرصًا وصراخًا في المسودات ، وهو ادعاء بوجود عمق غير مرئي في نثره العادي. إنها ملاحظة للمؤلف ، وبيان للهدف - تم استيعابها بمهارة وببراعة في فن سرد القصص.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,639,258,889
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين
- شعر الأحراش : شعر رعاة البقر الأستراليون
- قراءة في شعر رعاة البقر الأميركيين 2
- و لرعاة البقر أدبهم : قراءة في شعر رعاة البقر الأميركيين 1


المزيد.....




- صدر حديثا -وكان النفاق جميلا- للكاتب خالد غطاس
- ضجة منتقبة تدير قصر ثقافة في مصر مستمرة.. عبدالله الشريف وعم ...
- ما حكاية -المسيح- على شاشة نتفليكس؟
- الممثل الأمريكي روبرت ريدفورد: السعي وراء الحقيقة قاسم مشترك ...
- فيلم -الأيرلندي- يحقق رقم مشاهدة قياسي في أول 5 أيام من عرضه ...
- أبو القاسم سعد الله.. هكذا تربع على عرش المؤرخين الجزائريين ...
- كولومبيا تفوز بجائزة أفضل فيلم والسعودية بجائزة لجنة التحكيم ...
- عجبي على من سرق ثوبي
- -أكثر فنان ملهم بالعالم-.. دخول تامر حسني موسوعة غينيس مستحق ...
- بسبب النقاب.. إقالة مديرة لقصر ثقافة بمصر


المزيد.....

- الفصول الأربعة / صلاح الدين محسن
- عرائش الياسمين / ليندا احمد سليمان
- ديوان الشيطان الصوفي / السعيد عبدالغني
- ديوان الذى حوى / السعيد عبدالغني
- مناجاة الاقلام / نجوة علي حسيني
- المراسيم الملكية إعلان الاستقلال البيان الملكي / أفنان القاسم
- في الأرض المسرة / آرام كربيت
- الخطاب الأيديولوجي في رواية سيرة بني بلوط / رياض كامل
- كيفما كنا فنحن ألوف المشاكل... / محمد الحنفي
- ديوان وجدانيات الكفر / السعيد عبدالغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد نجيب السعد - الشمس تشرق أيضا : قراءة في مسودات رواية همنغواي