أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ناجح شاهين - كيف نفهم ما يجري في بلادنا؟















المزيد.....

كيف نفهم ما يجري في بلادنا؟


ناجح شاهين

الحوار المتمدن-العدد: 6425 - 2019 / 12 / 1 - 11:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كيف نفهم الذي يجري في بلادنا؟
من نافلة القول إن هناك سياسة واقتصاد ومصالح تقف وراء أي فعل سياسي كان عاقلاً أم مجنوناً. لكن الكلي يتفاعل مع الجزئي في حدود قدرة ذلك الجزئي على الاستجابة على نحو يخدم المشروع الكلي. ولذلك ليس بالإمكان فيما نتوهم أن نقنع جمهوراً سويدياً أو فرنسياً أو صينياً بتفجير نفسه في دور عبادة لفئات مخالفة لأن أفراد ذلك الجمهور لا يتمتعون بالعقلية الأساس الضرورية لفعل ذلك.
زعم من زعم أن نيوتن بالتحالف مع "التفاضل والتكامل" قد وضع الأساس لعقلانية صارمة لا تسمح للفكر الغيبي بأن "يسرح ويمرح" على هواه. وقد تأسس في الفضاء الجمعي الغربي "حيز عام" يستند إلى الحوار والبرهنة وتقبل الرأي المختلف حتى النهاية. يعرف أي شخص عاش بين ظهرانينا بعض الوقت أننا نقبل الحوار والمناقشة بغرض أن نقوم بإقناعك بوجهة نظرنا. وذلك يعني أننا نوضح لك طريق الحق الذي هو امتياز خاص بنا، فإذا فشلت محاولاتنا فذلك يعني أنك كافر معاند أو أنك جاسوس مرتش تتلقى الأموال من المخابرات الأمريكية أو الإيرانية أو غيرها. ذلك يعني أن فكرتنا عن الحوار فكرة "تكتيكية" أو ميكافيلية نتخلى عنها في حال فشلها في تحقيق غايتنا ب "إقناع" الآخر بصوابنا.
لسنا ميالين إلى افتراض أن ما يحدث هو كله استجابة سببية ميكانيكية لعوامل الاقتصاد أو الاقتصاد السياسي. هناك فيما نتوهم أرضية معينة ثقافية نشأت في حضن التاريخ ربما بتأثير "سبل المعاش" على حد تعبير ابن خلدون، ولكنها ما لبثت أن تكلست وأصبحت جزءاً من شرط موضوعي عابر للتاريخ يمكن أن يوظفه الاقتصاد السياسي في أي صراع. هكذا يمكن لأي كان في بيئة تعزز فهم الفئة الناجية أن يقتل الآخرين بوصفهم ممثلين للفئات الضالة التي تناهز السبعين أو السبعين ألف لا فرق.
قال ابن رشد: "فإننا ننظر فيما جاء به من سبقنا من المخالفين في الملة، فإن كان صواباً أخذناه وشكرناهم، وإن كان خطأ نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم." بالطبع تعبير "الملة" هنا يساوي في اللغة المعاصرة "الدين". كان بالإمكان بالنسبة لابن رشد وجود الصواب لدى المخالفين في الدين، لكن التيارات التي تنتمي إلى رؤية "الفرقة الناجية" ظلت تعتقد حتى اليوم أن اختلافاً تفصيلياً يودي بأهله إلى التهلكة ونار جهنم خالدين فيها أبداً، مثلما يودي بهم إلى تفجير شنيع يفتك بهم وبأطفالهم دون شفقة ولا رحمة. كيف لا، وهم مارقون من الدين غير متبعين للخليفة الهادي المهدي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه! يمكن بطبيعة الحال لأي عصابة أن تكون هي الفئة الناجية، ويصبح المهشد فسيفسائياً كوميدياً من الطراز الأول مثلما هو الحال في سوريا والعراق حالياً حيث يوجد العديد من الفئات الناجية التي تعلن الحرب ضد الكل، فنعيش لحظة هوبزية أسطورية من ناحية حرب الكل ضد الكل التي تحدث عنها كتابه "لفثيان" دون أن يحلم الكتاب ولا المؤلف بأن بالإمكان وضع الفكرة قيد التطبيق.
لكن لكي لا يتوهم أحد من الناس أن بضاعة "الفرقة الناجية" في بلادنا هي سلعة إسلامية صرفة، نود أن نلفت النظر إلى أن المسيحي العربي لا يختلف جوهرياً عن المسلم العربي من ناحية يقينه بأن طائفته أو فرقته الناجية وحدها من يمثل الحق والحقيقة كلها. وبالمناسبة يتفق هؤلاء المسيحيون العرب من فئة الفلاحين مع إخوانهم الفلاحين المسلمين في ضرورة حرمان المرأة من ميراث أبيها. وإذا شئنا المقارنة نستدعي الموقف "الثوري" الذي تبناه البابا فرانسيس في منتصف العام 2013 عندما قال إن الله يقبل الكهنة المثليين، وأنه يتقبل الديانات كلها، وصولاً إلى قوله إن الله يتقبل الملاحده الخيرين، وأن الملحد ليس في حاجة إلى الإيمان لكي تشمله رحمة الله. هذا الموقف لا يضيف الكثير في بلد مثل فرنسا حيث يقول أكثر من نصف السكان إنهم لا يؤمنون بفكرة الله، بينما يجب أن يضيف الكثير إلى بلادنا. لكنه للأسف يمر بقرب الأذن في رام الله وبيت لحم وعمان ودمشق دون أن يلامس جدران القلب الخارجية. هل تتقبل مؤسسة أكاديمية ذات صبغة دينية مثل جامعة بيت لحم وجهة نظر البابا؟ الجواب للأسف هو لا. وهم يصرون مثلاً على أن مساق الفلسفة اليتيم الذي تدرسه الجامعة يجب أن يدرسه أساتذة لاهوت. وهكذا يتم تحويله إلى مساق وثوقي "يقاتل" ضد التفكير لمصلحة التسليم، ويحارب العقل لمصلحة النقل. طبعاً لا بد من التماس العذر لجامعة بيت لحم لأن أي أستاذ فلسفة "حقيقي" سيكون على الأغلب علماني، وهذا لا يجوز "شرعا". هكذا يتم رعاية مبدأ الفرقة الناجية من قبل مؤسسة أكاديمية تبدو غربية الروح من حيث المظاهر مثل جامعة بيت لحم، ولكنها تظل في العمق جزءاً من البنية التي تقدم صنوف الرعاية للفكر التكفيري الأحادي الذي يرى نفسه حكماً على الآخرين الكفرة الضالين الذين هم بالطبع غالبية المجتمع.
حاول المعتزلة ومن بعدهم ابن رشد أن يؤسسوا لمبدأ فحواه أن العقلانية والخير هي الأساس النهائي للحكم. فبينوا أن العقل يدرك الخير في الأشياء، وأن التزام الإنسان العاقل بالعمل الخير هو الأمر المهم حتى بالنسبة لله، وأن الإيمان في ذاته لا يضمن لأحد أن يتقبله الله في جنانه. وقد وصل الأمر بالجاحظ إلى القول بأن الله يتقبل الجميع في جنته ما دام فعلهم خيراً، بينما يذهب مرتكبو الكبائر إلى النار مهما كان إيمانهم. إذن العمل هو المعيار وليس أي قناعات "ناجية" يحتكرها هذا أو ذاك من الملتصقين بالنص على نحو حرفي.
لكن من المعروف أن حملة شعواء قد فعلت فعلها ضد العقل، واشترك فيها تيار كامل من الأشعرية والحنابلة الذين يتوجون في النهاية بابن تيمية المريض نفسياً وجسدياً والذي ينفس غضبه عنفاً صاخباً ضد الحياة والبشر على شكل فتاوى مرعبة تسود العالم العربي الإسلامي ببركات أسلاف أردوغان من قبائل بربرية تركية تستولي على الدنيا بقوة السيف وشدة الجسد المربى على شظف العيش.
لذلك دخلنا العصر ونحن "نمتلك الحقيقة كلها". ومما زاد الطين بلة أن "العقل" ذاته قد دخل "الحداثة" العربية من أوسع الأبواب، وتخلل نسيجها في طبقاته كلها. ولذلك كان التكفير والتخوين (الاسم الحركي للتكفير) ديدن القوى الفكرية والسياسية العربية كلها، من قوميين إلى يساريين إلى إسلاميين. وهكذا تلقت فكرة الفرقة الناجية الرعاية من الحزب الشيوعي أو الجبهة الشعبية مثلما من حزب البعث أو الناصرية بدون اختلاف عن الإخوان المسلمين أو حزب التحرير.
لم يخترع سيد قطب من عدم فكرة الفرقة الناجية التي تحتكر الحقيقة وتكفر المجتمع. لقد كان الجميع يمارس فكرته صراحة أو ضمناً، وهو لم يفعل شيئاً إلا أنه "نظر" فكرة يتبناها الجميع. وقد رعت الدولة القطرية الرأي الواحد المستند إلى رؤية طحاوية حنفية للدين مع عناصر "إخوانجية" ومنعت أي تعددية ليس في الفكر فحسب، وإنما في الممارسة أيضاً. ومن هنا وقفت الدولة حارساً على سبيل المثال على "حرمة رمضان" تحبس من يفطر فيه علناً، وطاردت الكحول، والعلاقات بين الجنسين. باختصار رعت "الحداثة" العربية الفرقة الناجية نظرياً وعملياً.
لذلك لا نستطيع أن نتهم الغرب بأنه اخترع "داعش" من عدم. لأنها موجودة بشكل كامن (موجودة بالقوة بحسب تعبير أرسطو، وتحتاج إلى بعض الشروط المواتية لتتحول إلى موجود بالفعل) في أعماق الغالبية الساحقة من أبناء العرب، ولا يلزمها إلا بعض الرعاية لكي تنمو. الحق أقول لكم: لو لم تكن الدولة الصهيونية مسيطرة على فلسطين لغزت القاعدة وداعش الخليل ورام الله ناهيك عن عمان والقاهرة منذ زمن بعيد.
وليس ما قلناه في الفقرة أعلاه مساوياً لبراءة مركز العالم الامبريالي مما يجري في أنحاء الكون التابعة له بما فيها بلادنا. إنما قصدنا إلى القول إن ذلك المستعمر ليس قدراً كلي القدرة. إنه يستفيد أيما استفادة من قدرتنا على الاستجابة لفكرته المعنونة "سياسات الهوية" identity politics وما أطلقته في بلادنا من إثنيات كامنة، وفرق ناجية أشبه بخلايا نائمة. لكن فشلنا نحن وفشل دويلاتنا الحديثة في بناء المواطنة شكلا التربة الملائمة لأن يطلق وحش الشمال فوضاه المدمرة لتشمل بلادنا من المحيط إلى الخليج، وتدفع بالقضايا الجوهرية مثل فلسطين والتحرر والبناء إلى الهامش بينما يصبح بناء الخلافة هو الموضوع المطروح على أجندة التاريخ في لحظة فريدة من اضطراب عقلي مذهل يعتور المنطقة وسكانها.
ليس لدينا بالتأكيد وصفة سريعة وجاهزة لمواجهة هذا الذي يحصل في سوريا والعراق وليبيا واليمن ولبنان، وليس بعيداً عنا أبداً. نتذكر بمرارة أن الراحل ابراهيم ابو لغد قد اقترح خطة دراسية لوزارة التعليم الفلسطينية تضمنت من بين ما تضمنت تدريس الديانات المقارنة بدءاً من الصف الأول الأساسي، وكذلك تدريس المنطق، والتفكير الناقد طوال سني الدراسة في المدرسة، من الصف الأول وحتى الصف الثاني عشر. لكن حراس الأحادية والفرقة الناجية خافوا من ذلك على مشاعر الناس، فأرجعوا الأمر إلى نصابه: ألغوا فكرة المنطق والتفكير، ومقارنة الديانات، واستعادوا تدريس الدين بمذهب واحد هو الحق الوحيد الناجي الذي يستحق من يخالفه التكفير ثم القتل. إنهم مثلما قال أمين عام حزب الله في أحد خطاباته: "يزرعون التكفير كل يوم في تربيتهم ومدارسهم" ثم يندهشون من الثمار التكفيرية الإرهابية التي تنمو كالفطر السرطاني في بلادنا لتأكل الأخضر واليابس وتعود ببلاد العرب قطعة فقطعة قروناً كاملة إلى الوراء. وما لم نجد طريقة مختلفة من المحيط إلى الخليج لبناء الفكر والتفكير والعقل على نحو مختلف، فسوف نغادر التاريخ دون أسف مثلما أشار فوزي منصور في "خروج العرب من التاريخ" منذ أزيد من عقدين.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,652,151,919
- الجزيرة والتحول الديمقراطي العربي
- من بوليفيا إلى إيران وصولاً إلى فلسطين ولبنان
- لبنان بين التحركات الغاضبة وفرص الثورة الفعلية
- موراليس/بوليفيا وأكذوبة الديمقراطية
- انتهينا من احتفالية وعد بلفور
- ماهية الثورة الممكنة في لبنان
- بين حزب الله الرجعي واليسار التقدمي
- فساد حزب الله
- حماس تضع بيضها في سلة اردوغان
- قراءة في الغزو التركي لشمال سوريا
- أمريكا وزمن الهبوط
- لماذا فشلت أنظمة الدفاع في حماية السعودية؟
- ما الذي يحدث في مصر الآن؟
- الصراع الإيراني/الأمريكي في الساحات العربية
- فضفضة في مسوغات الانتحار
- الفراغ والبحث عن العجائب
- المغرب يطلق العربية والعروبة
- دردشة في الفيتشية وفي سحر المطبوع
- أكذوبة القرن
- تفسير الظاهرة الكويتية


المزيد.....




- مصر.. العثور على تمثال ملكي على هيئة -أبو الهول- (صور)
- جولة تفقدية بالدراجة للسيسي في شرم الشيخ (صور)
- سوريا.. سجناء يزينون جدران سجنهم بلوحات فنية
- نهاية غير متوقعة.. معركة شرسة بين نسر أصلع وأخطبوط عملاق!
- شاهد: محطات توليد منزلية لمواجهة نقص الكهرباء الحاد في العرا ...
- البشير: حكم مخفف على الرئيس السوداني المخلوع يثير جدلا... و- ...
- وزير الخارجية القطري: نشهد تقدما طفيفا لحل الأزمة الخليجية م ...
- شاهد: محطات توليد منزلية لمواجهة نقص الكهرباء الحاد في العرا ...
- احتجاجات العراق.. قتلى بالبصرة ومحاولة اغتيال نجل قيادي بتيا ...
- مصدر: لايوجد انسحاب كامل لاصحاب القبعات الزرقاء من ساحات الت ...


المزيد.....

- حوار الحضارات في العلاقات العربية الصينية الخلفيات والأبعاد / مدهون ميمون
- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله
- البرنامج السياسي للحزب / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- الشيخ الشعراوي و عدويّة / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- مستقبلك مع الجيناتك - ج 1 / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- صعود الدولة وأفولها التاريخي / عبد السلام أديب
- الثقافة في مواجهة الموت / شاهر أحمد نصر
- عرج الجوى / آرام كرابيت
- تأثير إعلام الفصائل على قيم المواطنة لدى الشباب الفلسطيني (د ... / هشام رمضان عبد الرحمن الجعب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ناجح شاهين - كيف نفهم ما يجري في بلادنا؟