أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف: الحراك الجماهيري والثوري في العالم العربي، موقف ودور القوى اليسارية والديمقراطية - عصام شعبان حسن - تمرّد محمد علي والحراك المصري















المزيد.....

تمرّد محمد علي والحراك المصري


عصام شعبان حسن

الحوار المتمدن-العدد: 6410 - 2019 / 11 / 16 - 16:36
المحور: ملف: الحراك الجماهيري والثوري في العالم العربي، موقف ودور القوى اليسارية والديمقراطية
    


أحدثت تسجيلات المقاول المصري محمد علي التي تتهم السلطة بالفساد، وما تلاها من دعوات الاحتجاج، أصداء على مستويات ثلاثة: أبنية السلطة، القطاعات الشعبية، مجتمع السياسة. كما خضعت التسجيلات لثنائية التهوين والتهويل، أتاحت الظروف انتشار التسجيلات، كما دفعت إلى التعبئة في ظل حالة الاحتقان السياسي والاجتماعي. وهذا الاحتقان هو ما أدى، بالأساس، إلى الاستجابة لدعوات التظاهر يوم الجمعة، 20 سبتمبر/أيلول 2019، وهو ما يمكن أن يؤدي مستقبلا إلى الاحتجاج بشكل أكبر، إذ دُعمت دعوات الاحتجاج بخطاب مقنع، وقوى ومجموعات شجاعة تنظم الحراك.

لا يمكن رد أي حراك احتجاجي إلى عامل واحد، لم يعد مقبولا أن يحلل بمنظور القائد الفرد، سواء كان قائدا عظيما أو شيطانا وخائنا، الارتكان إلى نظرية المؤامرة التي تتبنّاها السلطة وبعض النخب يهمش حراك الشعوب وأسبابه، كما أنه من منظورات تنطلق من أفكار مسبقة، وتهمل دروس الحركات الاجتماعية. وعملياً، ترد السلطة ونخب كثيرة بموقفهما المنطلق من المؤامرة تثبيت الوضع، من دون إحداث حراكٍ يخشون نتائجه.
اتضح ارتباك السلطة وعجزها عن الرد على الاتهامات بالفساد، والدفاع عن صورتها التي رسمتها (النزاهة والشفافية والإنجاز)، وأخفقت أجهزة الدعاية في إشاعة الخوف من التعبير والاحتجاج السياسي الذي انتقل من مربع الفضاء السيبراني إلى المجال العام، ليس الحراك اليوم، سوى تراكم غضب من سياسات النظام على مستويات عدة، خصوصا خلال سنوات ثلاث مضت، أبرزها المشكلات الاقتصادية وتقييد الحريات العامة.

لا يفيد تشويه محمد علي اليوم. انقضى الأمر، وإن خفت الحراك في محطته الحالية، سيجد له محطة أخرى، لا تستطيع النظم استدامة آليات الخوف إلى الأبد. وهناك استحالة أن تعيش بين الخوف والإفقار معا. ومحمد علي فرد، تجاوز قواعد المنتسبين للطبقة التي تقسم المصالح الاقتصادية وتحددها عبر سلطتها السياسية. لم يعد المقاول "سنيدا"، أنهى فروض الإذعان، تجاوز خطوط الزبونية، وانشقّ عن التابعين، فارّا من سلطة الولاة، فاتحا باب المواجهة، وتحوّل داعية إلى الاحتجاج من الفضاء الإلكتروني إلى الساحات. فوجئ ربما، هو وآخرون، أن الاحتقان المتراكم عبّر عن نفسه في مظاهرات، حتى لو محدودة من حيث العدد، لكنها لافتة في بلد مُنع فيه التظاهر، وحوصر المجال العام. خرجت المظاهرات بلا قوى سياسية، صحيح أنها افتقدت التنظيم وقوة الإعداد وتنوع الشعارات، لكنها أعلنت أن الحناجر لم تصب بالخرس، وأن مصر لم تمت بعد.
كانت تسجيلات المقاول مفتاحا للنقاش. ليس الحدث اليوم التسجيلات، ولا قدرات صاحبها ولا وعيه السياسي. التسجيلات حادث عارض، كجريمة قتل عامل في حي الدرب الأحمر، وآخر في المقطم والأقصر، وما نتج عنها من تظاهرات. مظاهرات الجمعة إحدى تعبيرات الاحتقان بشكله العام، مثل غضب أهالي جزيرة الوراق في مساحتهم المحدودة. باب جديد فتح ممرات المجال العام المحاصرة والمغلقة بالخوف قبل الحواجز، دوي يكسر الأصنام. الولد المتمرّد يحشر القضايا الشائكة بتسجيلاته، يعرف ما يريده الجمهور، الفئات المستهدفة، مثل تاجر شاطر يعرف الترويج وتقديم العروض الفنية والمالية، وكيف يكسب العطاء أو ما أسماه "الجيم"، على الرغم من المخاطرة.

على المستوى الشعبي، استشعر أغلب متابعي محمد علي أن تسجيلاته تحمل وقائع حقيقية، زادمن هذا اعتراف السلطة ببعضها في مؤتمر الشباب، خصوصا عن القصور الرئاسية. وقد أحيا الممثل، بدوره المحدود وخطابه البسيط، النقاش السياسي بشكل واسع في أوساط النخب والشارع. صحيحٌ أن أغلب الجمهور لعب دور المتفرّج، ولكن المشاهدة تصنع المشهد، وبدون جمهور لم يكن يخيف السلطة ومؤيديها وإعلامها، وبدون استجابة ربما انتهى العرض منذ الدقائق الأولى.

أمام تطور الأحداث، يحاول النظام حفظ تماسكه وحفظ صورته، وإعادة ترتيب الأوراق، وربما الأولويات، تكثيف وسائل الدعاية والقمع، إعادة مناخ الخوف بالانتشار الأمني، إعادة مشهد الكمائن الثابتة والمتحرّكة، تفتيش هواتف الشباب وبعض الأطفال دون سن 18 عاما، توجيه تحذيرات للسياسيين، استهداف بعضهم المعارضين، ما قبل تظاهرات 20 سبتمبر، قدم بلاغ ضد الأكاديمي نادر فرجانى، وقبض على اليساري كمال خليل، وعمر مجدي شندي، نجل رئيس تحرير صحيفة المشهد التي سبق مصادرتها وحجب موقعها الإلكتروني. وبعد مظاهرات جمعة 20 سبتمبر، قبض على ما يزيد عن 700 مواطن في عدة محافظات بتهمة التظاهر، تم التحقيق مع بعضهم وأفرج عن 300 منهم، ومازال آخرون رهن الاحتجاز، بجانب اعتقال قيادات من أحزاب التحالف الشعبي والكرامة وحزب العيش والحرية، واحتجز الأكاديمي حسن نافعة والسياسي حازم سليمان والإعلامي خالد داود وآخرون.

كانت المؤسسات التي تدير الإعلام ترى في التجاهل أفضل السبل لتجاوز الأزمة. تغيرت الأوامر قبل يومين من عقد مؤتمر الشباب الثامن الذي خصص للرد على اتهامات المقاول المنشق، صدرت الأوامر للصحف والمجلات، لتصبح عناوينها الرئيسية مواجهة الشائعات والأكاذيب وحروب الجيل الرابع. لم يختلف المشهد كثيرا بعد تظاهرات 20 سبتمبر، والتي حاولت فيها وسائل الإعلام التعتيم على الحدث، بل نفي حدوث مظاهرات بالأساس. وعلى الرغم من تقليلهم منها، إلا أن خوفهم كان ملحوظا.

تنقلنا تأثيرات تسجيلات المقاول المنشق، ودعوته إلى التظاهر على مستوى بناء السلطة والمستوى الشعبي، إلى تأثيراتها على مجتمع النخب. اتسم معظم النقاش بالتحفظ، فضلا عن نزعاتٍ بالتشكيك والتعالي والرفض والقدح، ولكن بعد ما تبين تأثير التسجيلات وما حظيت به من اهتمام من قطاعاتٍ واسعة، بدأت اتجاهات مجتمع السياسة تتغيّر جزئيا، خصوصا بعد مظاهراتٍ انطلقت ولأول مرة تطالب برحيل الرئيس عبد الفتاح السيسي. ومع هذا التطور النوعي، فوجئ مجتمع السياسة باستعداد قطاع من الجمهور للتظاهر، حاولوا فهم المشهد، حاول بعضهم توظيفه، كل حسب مصلحته. وطرحت، في هذا السياق، عدة أسئلة شائعة، في مجتمع النخب خصوصا، أبرزها بشأن ظهور محمد علي، وما دوافع موقفه الحاد، وهل هناك جبهات من داخل السلطة أو خارجها تدعمه. وتبدو هذه الأسئلة، على الرغم من أهميتها، منطلقة من مربع المؤامرة، تستخدم طريقة تفكير السلطة التي تتهم محمد علي بتبعيته للإخوان المسلمين أو دول في خصومة مع مصر.

تنطلق أفكار أغلب النخب من مربع السلطة، تتحصّن بالأفكار المسبقة، حتى لا تجهد نفسها في تحليل الواقع، منعزلة عنه أحيانا غير راغبة في دراسته. وبالتالي لا يقابل محمد علي وتظاهرات الجمعة إلا بمنطق التآمر، أو على الأقل عدم الرغبة في مواجهة السلطة، لأن التكلفة غالية. وعلى الجانب الآخر، يبدأ الحراك حين تبدأ عوامله في التشكل، ولا ينتظر تبلور عوامل نجاحه، أو من يقوده من النخب. وعندما يقول بعضهم إن أجهزة وعناصر تنتمي للسلطة في مصر تساند محمد علي في صراع للأجنحة، فليس هناك ما يؤشر على ذلك. كتلة النظام متماسكة، وتخلصت ممن لا يعلنون الولاء الكامل، ولا دلائل على صلة المقاول بقوى سياسية قبل التسجيلات. ولا يمنع هذا من أن يُستفاد منه، وهو ما تؤشر إليه تطوراتٌ في خطابه السياسي، ولكن هذا ليس دليلا على وقوف بعض القوى أو أجهزة خلفه حين بدأ مغامرته. أغلب الظن أن لدى الرجل نزوعا للتمرّد نتاج تجربة شخصية، استطاع أن يترجمها بشيء من الثقة واستعداد للتضحية، تكشفها التسجيلات التي بثها، والتي تضمّنت معلوماتٍ ارتبطت بسابق أعماله مع الدولة في مجال المقاولات. ربما مستقبلا يساعده ويسانده آخرون متضرّرون من سياسات النظام، وربما يسانده بعضهم، لكن القضية محل النقاش هي اندلاع حراك ضد السلطة والموقف منها. وبعض عوامل الحراك قائمة، إلا أن هناك عوامل غائبة. هناك حالة احتقان، وعودة إلى النقاش السياسي، وهناك قطاعات متضرّرة من النظام، وتجربة للتظاهرة كبروفة أولى شجعت بعضهم على الحوار، إلا أن هناك عناصر أخرى مهمة لتطور الحراك منها : درجة تماسك النظام ووحدته، على الرغم من ضعفه، وعدم القدرة على القيام بمهامه وتنفيذ وعوده.
غياب القوى السياسية المتفاعلة مع دعوة التظاهر، ما يضعف عملية التنظيم والقيادة وتكوين الكتلة الأولى للتظاهر، وأيضا توفير مظلة وراية للتظاهر. وترتبط وتوثر حالة حصار المجال العام، وتفتيت مكونات المجتمع، خصوصا النقابية والشبابية ومنظماته السياسية في وجود حامل ينظم الحراك. سيادة حالة من الإحباط وغياب دور المحفز للاحتجاج.

وعلى الرغم من الصعوبات السابقة أمام توسع الحراك في مصر، إلا أنها لا تلغي إمكانيات تغير علاقات القوى وتطورها، وتغير بعض العوامل السابقة مستقبلا. وفي كل الأحوال، تعلن المظاهرات التي جرت في عدة محافظات ميلاد مرحلة جديدة للحركة الاجتماعية المصرية، ستترك أثرها في المجال السياسي.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,654,719,804
- العمالة غير المنتظمة: تهميش قيمة العمل والإنسان
- عن أبطال التغيير العربي وبطلاته
- جامعة حلمى شعرواي
- شهيد القطار.. موجز عن المأساة في مصر
- تجاوز الطائفية والطبقة السياسية
- المرحلة الانتقالية في السودان.. انتصار منقوص واحتواء للمعارض ...
- فيسبوك-.. الصراع على العقول والمجال العام
- عن المفقودين والسجناء.. في مصر وغيرها
- عندما يحتفي نتنياهو بثورة يوليو
- اعتقالات مصر.. تشويه اليسار وتجريم السياسة
- مدينتي والصراع الاجتماعي في مصر
- الجيوش والثورات العربية.. السودان والجزائر نموذجين
- الخطاب الاقتصادي يكذب ويتجمل
- انتفاضة النفس الطويل في السودان.. جذور وسمات وآفاق
- لم أكن وحيداً في عيد العمال عن الرفاق والثورة والحب
- السودان والجزائر.. مواجهة خطاب الهزيمة والثورة المضادّة
- قراءة سوسيو اقتصادية في احتجاجات فرنسا
- سلامة كيلة في مصر.. الإنسان والمفكر والمناضل
- الفلاحون في مصر.. الخطاب الغائب والسياسة الواضحة
- سرية الحسابات فى مصر ما بين صراع المصالح وارتباك الإدارة


المزيد.....




- أبوظبي من السماء.. تقدم لك هذه الطائرة جولة لمشاهد لم ترها م ...
- أمريكا تقول إن مطالب بيونغ يانغ "عدائية وغير ضرورية&quo ...
- المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي يقر بخطئه في مراقبة ...
- الفاينانشال تايمز: الانتخابات الرئاسية الجزائرية تفشل في إخم ...
- أمريكا تقول إن مطالب بيونغ يانغ "عدائية وغير ضرورية&quo ...
- داخلها رؤوس نووية أميركية.. أردوغان يهدد بإغلاق قاعدة إنجرلي ...
- ظريف: المحادثات بين السعودية وقطر في مصلحة المنطقة
- ملك المغرب يهنئ تبون ويدعو لفتح صفحة جديدة في علاقات البلدين ...
- السيسي يهاجم الوفاق الليبية وأردوغان يتعهد بدعمها عسكريا
- تصريحات قوية من قائد البحرية الإيرانية بشأن -السفن الأجنبية ...


المزيد.....

- لبنان: لا نَدَعَنَّ المارد المندفع في لبنان يعود إلى القمقم / كميل داغر
- الجيش قوة منظمة بيد الرأسماليين لإخماد الحراك الشعبي، والإجه ... / طه محمد فاضل


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف: الحراك الجماهيري والثوري في العالم العربي، موقف ودور القوى اليسارية والديمقراطية - عصام شعبان حسن - تمرّد محمد علي والحراك المصري