أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طوني سماحة - مفهوم الحرية والمساواة في المسيحية












المزيد.....

مفهوم الحرية والمساواة في المسيحية


طوني سماحة

الحوار المتمدن-العدد: 6398 - 2019 / 11 / 3 - 17:56
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


"حرية، مساواة، أخوة" صرخة أطلقها الشعب الفرنسي في بدايات عام 1789. كان لتلك الصرخة أثرها المدوي إذ أسقطت النظام الملكي الفرنسي الذي دام ما يزيد على ألف عاما، فتدحرجت رؤوس وغرقت البلاد في الفوضى القاتلة إثر إعدام الملك لويس السادس عشر اولا، ومن ثم زوجته ماري انطوانيت بعد تسعة اشهر. لكن للأسف لم تأت صرخة الشعب المدوية والمطالبة بالحرية والمساواة والاخوة الا بنظام دكتاتوري فاسد يفوق فساد الملكية. دخلت فرنسا في القرن الثامن عشر في حروب طاحنة مع جيرانها الاوروبيين الذين هالهم سقوط النظام الملكي مما قد يشجع شعوبهم على الثورة والاطاحة بانظمتهم. انتهى الامر بسيطرة نابوليون بونابرت على الحكم واخضاعه البلاد لدكتاتورية امبريالية من نوع جديد. كان على المواطن الاوروبي عامة والفرنسي خاصة ان ينتظر ما يزيد على مائة عاما على انقضاء الثورة الفرنسية كي يرى ثمارها من حريات عامة ومساواة بين المواطنين.

في السنوات القليلة التي سبقت الثورة الفرنسية كان الامريكيون يحاربون العرش البريطاني للاستقلال عنه. لعبت الكنيستان الانكليزية والامريكية دورا مهما في مساندة كل من الطرفين. بينما كانت الكنيسة الانكليزية تشدد على ضرورة احترام المواطن للسلطات القائمة المتمثلة بالملك، كانت الكنيسة الانجيلية الامريكية تشدد على مبدا المساواة بين الافراد، كما علم العهد الجديد، مع التركيز على ما يقدمه الفرد أخلاقيا واجتماعيا للمجتمع بدل الاستناد على مكانته الاجتماعية او السياسية.

ترى لماذا نمت القيم العلمانية الحديثة، المتمثلة باحترام الانسان والمساواة في المواطنة، في الغرب الاوروبي والاميريكي وليس في الشرق الهندي او الصين البوذية او اليابان الكونفوشية او الشرق الاوسط المسلم او افريقيا المتعددة الديانات أو روسيا والصين الشيوعيتين؟ في الحقيقة ان تعاليم المساواة بين البشر لم تنشأ من عدم في اوروبا او امريكا، انما هي وليدة آلاف السنوات من التراث المسيحي المتمثل تحديدا بكتاب العهد الجديد. كانت كنيسة غلاطية في عهد الرسل قد انتقلت من الوثنية الاغريقية والرومانية الى المسيحية على يد بولس الرسول. تأثر بعض مؤمني غلاطية بالمؤمنين اليهود الذين تحولوا الى المسيحية والذين كانوا ما يزالون يصرون على ممارسة ارثهم الديني والثقافي اليهودي في الاطار المسيحي، مثل حفظ الناموس والختان. كتب اليهم بولس الرسول ليصوب مسارهم الايماني من خلال التأكيد على ان الخلاص هو بالايمان بيسوع المسيح وليس بممارسات وشعائر دينية بالية. فالمؤمن بحسب بولس الرسول يصبح "ابنا لله" بالروح القدس أكان يهوديا ام امميا، ولا فرق بالمسيح بين انسان وآخر اذ "لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (علاطية 3: 28). لا بد لاي قارئ موضوعي ان يعترف ان كلمات بولس الرسول هذه تعتبر ثورية بحد ذاتها وسابقة للتاريخ بما لا يقل عن الف وثمانمائة عاما، قبل الثورتين الفرنسية والامريكية، بغض النظر عن تطبيق الكنيسة والسطلة الزمنية لهذه المبادئ. يذهب بولس ابعد من ذلك ليكتب في الرسالة ذاتها الى الغلاطييين محرضا "وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ،لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ. ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا: «يَا أَبَا الآبُ". إِذًا لَسْتَ بَعْدُ عَبْدًا بَلِ ابْنًا، وَإِنْ كُنْتَ ابْنًا فَوَارِثٌ للهِ بِالْمَسِيحِ (غلاطية 4: 4-7). وينتهي بولس في كتابته الى اهل غلاطية مشجعا اياهم ليثبتوا "فِي الْحُرِّيَّةِ الَّتِي قَدْ حَرَّرَنَا الْمَسِيحُ بِهَا" (غلاطية 5: 1). لم تكن رسالة بولس الى اهل غلاطية يتيمة في التركيز على مبدأ الحرية والمساواة بين الناس. فهو وفي كتابته الى اهل كولوسي يقول " لا تَكْذِبُوا بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، إِذْ خَلَعْتُمُ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ مَعَ أَعْمَالِهِ، وَلَبِسْتُمُ الْجَدِيدَ الَّذِي يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ حَسَبَ صُورَةِ خَالِقِهِ،حَيْثُ لَيْسَ يُونَانِيٌّ وَيَهُودِيٌّ، خِتَانٌ وَغُرْلَةٌ، بَرْبَرِيٌّ سِكِّيثِيٌّ، عَبْدٌ حُرٌّ، بَلِ الْمَسِيحُ الْكُلُّ وَفِي الْكُلِّ.

ذهب بولس الرسول في فهمه لرسالة الحرية والمساواة من الكتابة النظرية الى التطبيق العملي. فهو كان مسجونا في روما وتعرّف أثناء سجنه على اونسيمس العبد الفار من سيده فليمون. كان بولس على معرفة شخصية بفليمون وهو الذي نقل اليه رسالة الحياة في مدينة كولوسي. وتشاء الظروف، أو بالاحرى تشاء المشيئة الالهية ان يلتقي بولس بأونسيموس في سجنه في روما. اقتاد بولس أونسيمس العبد الفار الى معرفة المسيح، وبادله اونسيموس الجميل بخدمته في سجنه. كتب بولس الى فليمون يستأذنه الاحتفاظ بعبده الفار. كانت القوانين الرومانية آنذاك تمنح السادة السيادة المطلقة على عبيدهم الفارين بما في ذلك الاقتصاص منهم أوحتى قتلهم. لم يكن العبد آنذاك يرتقي الى مستوى البشر. لكن رسالة بولس الى فليمون تكشف صورة مخالفة لثقافة العالم السائدة آنذاك. يكتب بولس " أطلب اليك لأجل ابني أنسيموس...الذي ربما لأجل هذا افترق عنك الى ساعة، لكي يكون لك الى الابد، لا كعبد فيما بعد، بل أفضل من عبد: أخا محبوبا، ولا سيما إلي، فكم بالحري إليك في الجسد والرب معا. فاقبله نظيري" (فليمون 1: 10-17). تكتب سارة رودن في كتابها "بولس وسط الجموع" sarah Ruden/ Paul Among the People 2010 أن رسالة فليمون تؤسس للمفهوم الغربي "لقيمة الفرد، بصفته غال جدا على قلب الله ومستحق لتقدير الآخرين". في المفهوم الروماني والاممي آنذاك، كان أونسيمس يستحق القتل وهو لا يزيد قيمة عن بهيمة من البهائم. أما في المفهوم المسيحي فلقد أصبح هذا العبد على حد تعبير بولس ابنا وأخا له ولفيليمون سيده في الله.

مفهوم بولس للمساواة والحرية لم يأت نتيجة دراسات في العلوم الاجتماعية والاخلاقية. بل على العكس، بولس قبل الايمان بالمسيح، كان فريسيا مضطهدا للمسيحية، وبطبيعة الحال كان ينظر الى نفسه على انه زبدة المجمتعين الانساني واليهودي. فهو رجل حر يهودي وليس امرأة او امميا او عبدا. نظرة الكبرياء هذه انتفت عند بولس لدى لقائه بالمسيح الذي كان اول من صدم مستمعيه عندما علّم ان السامري الصالح (السامري ملعون عند اليهود) أفضل من الكاهن اليهودي المنغلق على ذاته، وأن الخروف الضال (الانسان الخاطئ) هو قيمة انسانية بحد ذاته، يستحق اهتمام الراعي (الله او المسيح) لشخصه وليس لانتمائه العرقي او الديني او الثقافي، لدرجة ان الراعي على استعداد ليترك التسعة والتسعين الآخرين في سبيل البحث عنه. وأكثر ما كان يصدم اليهود في شخص المسيح ان اتباعه كانوا في نظر اليهود من حثالة المجتمع، فبينهم العشار والزانية والخائن واللص. والمسيح لم يخجل بهم بل على العكس كان قد أتى من اجلهم "لا يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَة" (مرقس 2:17).

هناك من ينكر على المسيحية تأثيرها في بناء القيم العالمية الحديثة وتقدمِ الديمقراطيات والحريات وقيمة الفرد، لكن أي قارئ موضوعي يستطيع وبوضوح تام ان يرى ان الحرية نمت في الغرب المسيحي لان التربة في هذه البقعة من العالم كانت خصبة لها فيما تعذر عليها النمو في بقاع اخرى حيث التربة يابسة جافة ومشققة. كما ان القارئ بعمق يدرك ان المساواة والحرية ليست وليدة الثورات في التاريخ، بقدر ما هي ثمرة الرسالة المسيحية الى العالم التي نادت بمجتمع مبني على الاخاء بين الناس بغض النظر عن مكانتهم الثقافية والاجتماعية والثقافية كما رددها بولس الرسول "لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (علاطية 3: 28).





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,601,667,341
- الجينات الوارثية بين التطور العشوائي والتصميم الذكي
- هل الالحاد دين؟
- القيم الاخلاقية، بشرية أم إلهية المصدر؟
- نظام ذكي أم فوضى خلاقة؟
- لغز الوجود
- على خطى يسوع- 18- القيامة
- على خطى يسوع- 17- -يا يهوذا، أبقبلة تسلّم ابن الانسان-؟
- على خطى يسوع- 16- ساعة الحقيقة
- على خطى يسوع- 15- لن تغسل رجلي أبدا
- على خطى يسوع- 14-دعوا الأطفال يأتون إلي ولا تمنعوهم
- على خطى يسوع- 13-الموت والحياة
- من وحي عيد الميلاد
- الخرافة المسيحية والعقل
- على خطى يسوع-12- الأعمى
- على خطى يسوع-11- من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر أولا
- شبهة وردود 3- المسيح الارهابي
- على خطى يسوع-10- الرغيف
- على خطى يسوع-9- أسكت أيها البحر، إهدئي أيتها ا لريح
- سارق الحساء
- شحاذ سجائر


المزيد.....




- مظلوم يشتكي اردوغان عند ترامب: قصف قرية تل تمر المسيحية وهجر ...
- المشاركون في مؤتمر الوحدة الاسلامية يزورون مرقد الامام الخمي ...
- تداعيات اغتيال أحد قياديي الجهاد الاسلامي في غزة
- راشد الغنوشي: من الناصرية إلى الحركة الإسلامية ورئاسة البرلم ...
- علي بن فليس: الانتخابات الرئاسية هي المخرج لأزمة الجزائر
- وسط انتقادات من الأحزاب المنافسة.. تونس تنتخب الغنوشي رئيسا ...
- تقدم في الحوار بين اليهود والمسلمين في ألمانيا
- احتجاجات العراق تواجه الطائفية... ناشطون: هذه لحظتنا الوطنية ...
- بابا الفاتيكان: أنا قريب من الكاثوليك في القامشلي
- السعودية: الفيديو الذي صنف النسوية والإلحاد كشكل من التطرف - ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طوني سماحة - مفهوم الحرية والمساواة في المسيحية