أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ليندا سور - ربّما غفلنا عن...؟ -مقدمة-















المزيد.....

ربّما غفلنا عن...؟ -مقدمة-


ليندا سور

الحوار المتمدن-العدد: 6393 - 2019 / 10 / 28 - 14:03
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ربّما غفلنا عن...؟


كاد هذا السؤال الملحّ أن يقودني إلى الجنون, تعاظم كميّات الأسئلة الشاردة في داخل رأس كلّ منا, يفيض علينا بدوائر متتالية من الفراغ, كرّست نفسها على مضض التاريخ أن تعيق أي خيط نكسوه أو يَكسينا, كيف نستطيع رؤية ما وراء النفس البشريّة؟ هل كان التأريخ المستمر يومًا دليلًا قاطعًا على فهمنا لها أم بات صعبًا علينا الإلمام بالماضي لنخطو بخطة جديدة بعيدة عن الممكن؟ رغم بلبلة الواقع و مخاضنا الذي استمرّينا عليه سنوات طوال أتعبتنا, كما يقال " لقد هرمنا", حقّاً فقد هرمنا.... سيعيب علينا زماننا في سرّه و صخبه انتهاجنا المتذبذب يمنة و يسرى سالكين طرقًا متفرقة عند كل حتميّة لاتخاذ القرارات, و حتمًا سيبصق علينا التاريخ و يتقاذفنا من مثلث المفاهيم و البديهيّات و المنطق, هنا في محاولة منّي لأفهم هذا النسق الذي أعياني.

رغم إيماني العميق بأحقيّة التاريخ على قيادة الحاضر و المستقبل, بما معناه بأن كلّ درسٍ و موقف مرّ على شعوب غيرنا أوانتهاكات كانت تطبّق علينا مباشرة لعقود عدّة, كلّ تلك الكلمات التي أعيد ترتيبها و تكوينها حتّى تنقل لنا لحظة بلحظة كيف كان أجدادنا يحاربون الحياة, و لو تمكنّا من العيش لمدة تطول السبعين عامًا "أكثر من السنوات المتوقعة علينا في عصرنا الحالي" لكانت دروسًا قيّمة ستعيد بعضَ المعنى في جعجعة اللامعنى, هذه الفكرة التي تترسخ بعمق ناشئةً مع جذور أفكاري المستبدّة, قد حالت بيني و بين نظرة مختلفة تمامًا أتت إليّ كصفعة على الجبين.

ماذا لو كان هنالك "صفة" توحّد صفوفًا كثيرة رغم أنّه من السخرية العقيمة أنّ تظنّها ستتوحد, هذه الصفة التي ظللت أبحث عنها لسنواتٍ عدّة و أنا أمشي وحيدةً في اللّيالي لأعود إلى بيتي الصغير أبكي و أبكي مرارًا و تكرارًا, لم يعد ألم واحد يتملّكنا, بات كلّ شيء يسرق من أحلامنا جزء, و بعده فتات و تاليه رماد...

قد حصل و عانيت و لازلت أعاني من الخوف الشّديد تجاه كلّ شيء, جميلًا كان كما الحبّ أم مخيفًا كما الضيّاع في شارع مظلم وحدي, بدأت أكرّس في عقلي زاوية لكلّ خوف قد تملكني سابقًا إلى هذا اللحظة و بدأت أراه تباعًا في أحلامي واحدًا تلو الآخر, التعذيب الجسدي, الاغتصاب, الخطف, التعذيب النفسي بأن أحدٌ ما يتربّص بك و ينتظرك بأن تكون وحدك, سرقة الأعضاء البشريّة, و جميع تلك الكوابيس التي أجبرت نفسي زورًا و قسرًا أن أنساها, و خوفي المستمرّ عندما يطلب منّي أحد النزول إلى الشارع العام وحدي, النّوم وحدي دون أي أصوات ولا أضواء, و طبعًا الواقع الذي يفرض عليك قول ذلك كلّه إلى الشخص الذي طلب منك هذا, بحركة لا إراديّة منه أم مقصودة ليجعل منك أضحوكة صغيرة لوجود الخوف بداخلك, و لم يعر انتباهه يومًا بأن الخوف يتربّص به من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه.

نعم, إنّه الخوف, الذي أعدم مئآت الآلاف, عذّب الملايين من البشر على مدار الأزمنة, الذي يقبع بداخل كلّ منا يمسك بيده نحو الضلال و الطغيان و ما هو أسوأ من كلّ شيء, النّفاق.

كلّنا يحمل ذاته بداخل أكواب زجاجيّة هشّة, ترتعد مع صوت العاصفة, تنكسر عند أوّل شظيّة, تخونها الكلمات و التصرّفات و تنفصم انفصامًا تامًّا في ساعات ما, موضحةً مقدرة الجسد الإنسانيّ اللّيّن, الذي تقتله غرسة ابرة خاطئة.

لماذا الخوف؟ لماذا وضعت الخوف كصفة تشمل و تغلّف الكثير من الصفات السيئة الأخرى تحت جناحها؟

يمتدّ الخوف و يتفرّع في نفوسنا مع الكثير من الشوائب الضّحلة, الخوف الاجتماعي بأن تكون مقبولًا على مستوى أصدقائك كان أم الغريب, الخوف السياسيّ و فقدان السلطة, الخوف الشّخصي و انعدام الثقة, الخوف التّحكمي و فقدان السيطرة, خوف تكبّريّ ضد انعدام الأنا, هنالك أيضًا خوف الطّبقة الارستقراطية من طبقة الفقراء "البروليتاريا", و خوف الطبقة المخمليّة من تحمّل آلام الناس القابعة في المشفى كل يومٍ تحت وطئة المرض, خوفٌ من الجائع و العاطل عن العمل و المظلوم, ربّما لن تكفيني الأبجديّة الحاليّة لاستكمال أنواع الخوف التّي رغم بساطة فكرة وجودها إلى أنّ تعكير صفوها سيجرّ البشريّة نحو الهلاك!

حتّى أوضح فكرتي أكثر, و لنأخذ الطّمع على سبيل المثال, و هي صفة سيئة لا يمكن النزاع عليها, فهي تستطيع تفسير الكِبَر و السرقة و الكذب مثلًا, و لكنّها لا تصلح لأن تكون جامعة لوصف حالة مثل التعذيب الجسدي!

ما هو هذا الخوف قلت في نفسي؟ لم أتوقّع أن أتوّج الخوف بميداليّة سوداويّة إلى تلك الدرجة, في ذلك اليوم الذي مرّ على خاطري بأنني لست وحدي من يتشبّث به الخوف ليزيحه عن أبسط حقوقه و هو الطمئنينة, لست وحدي من أفقد السيطرة على رغباتي رغم حنيني إلى تحقيقها, نحن قد جنّدنا الخوف في الكوابيس و أفلام الرّعب و لم نعرهُ اهتمامنا الدائم حتى استوحش علينا و انقضّ بأضراس ستترك علامات لن تمحى أبديّة, و ما هو الخوف؟ أليس هو ذلك نفسه الموت؟ أليس هو نفسه الذي يجبر الجلّاد على إهانة غيره, لأنّ خوفًا فذّاً قد نمى و تكدّس بداخله؟ أليس الخوف من يجبر بشريّاً على أن يقتل؟ على أن يغتصب و يتحرّش بغيره؟ أليس الخوف بشماعّة كبرى تبصق علينا جميعًا؟ ربّما الخوف الذي أنسب له كلّ هذا قد تبرأ منّا و من جنايتي عليه منذ زمن طويل, تركنا لنلعب و نرتع في الأرض القاحلة للأجساد البشريّة.

الخوف يضعك في حالة إنكار مستمرة درءًا لاحتقار الذات و جلدها على ما اقترفته من اختيارات خاطئة، و يجرّك لارتكاب الحماقات واحدة تلو الأُخرى ظنّاً منك أنها أداة للنجاة، و بالطّبع، تلحقها محاولات طمس أو "تعقيم" ما بدر من أخطاء بمجموعة مكثّفة من الأكاذيب، التي بالضّرورة ستضع رقابًا بشريّة غيرك أنت تحت حبل المشنقة، تنجو أنت و فعلك، لكنّ الخوف ينمو كمان يمتدّ ظلام اللّيل ليحرّف ما بداخلك إلى "وحش، غريب، دنيء، و حقير" تعيش أحداث سيرياليّة بعيدة كلّ البعد عن ما بداخل كلّ منّا، لأننا بريئون منك..

ما دام العقل يخرج من دائرة التّهمة, و القلب طبعًا كذلك, فما الذي يحرّك مشاعرًا حقيرة تلك كما مشاعر الخوف بداخل أي بشريّ آخر؟ مخافته من الاتّهامات الباطلة التي يلقيها بشريّ على بشريّ مثله, و ثقته المستمرّة بأنّ كل تلك المشاعر صادرة منه كإنسان, حقّاً؟ كإنسان؟ ألم تشوّهوا الإنسان بما يكفي؟ أم أن الإنسان هو مصدر هذا الخوف الذي يترصّد بأعتى الدّجالين و يدفعهم لفعل مالا عقل و لا قلب ولا ضمير قد يفعل!

كيف لي بأن أصنّف الإنسان بأنه كيان واحد؟ فأنا حقًا لا أستطيع, لم أحس يومًا بنوع الخوف الذي يتملّك الجلّاد ولا صاحب السلطة, لم أحسّ يومًا بنوع الخوف الذي يدفعني بشتم و سبّ غيري فقط لأنه فعل شيئًا مجتمعي قال عنه خاطئ, حقّاً بدتّ شاكرة, لم يجرؤ الخوف على دخول حياتي إلّا بنوعه الهشّ التي صرتُ أراه لطيفًا غابرًا عليّ, كيف لقلبي و عقلي و روحي الذين رافقوني طويلًا أن تتشبه بذات قلب و عقل و روح الجلّاد؟ باتت إجاباتي تنسلّ مني تباعًا....

يأتي الخبر المضحك المبكي, كيف يكون خوفي سوداويّاً و هو لم يؤذي آدميّاً, و يلوم نفسه مرارًا إن مسّ أحدٌ ما بأي طريقة كانت, يسهر معي دومًا في الليل و يحضنني في الصّباح, بدأت أفهم بأن مخاوفي ما هي إلّا سلميّة, و ما كان للثورة بأن تكون سلميّة حينما وجّه نحو أبنائها فوّهة السّلاح.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,612,324,860
- ربّما غفلنا عن...؟ -مقدمة-


المزيد.....




- وزير المالية الأردني: لا ضرائب جديدة في ميزانية 2020
- علاء مبارك يرد على شائعة وفاة والدته: أخبار كاذبة
- إيران تقول إن الاحتجاجات انتهت.. والوقائع تثبت العكس
- لمحاسبة المتورطين.. بومبيو يدعو الإيرانيين لإرسال صور القمع ...
- حتى لا يقتلك الملل.. زواج رومانسي رغم بعد المسافات
- انتخابات بريطانيا.. لهذه الأسباب أصوات المسلمين حاسمة
- نتنياهو متهم.. خمسة أسئلة تشرح لك كل شيء
- الجيش الليبي يعلن تقدمه في عدة مواقع جنوب غربي العاصمة طرابل ...
- الشرطة الفرنسية تجري اختبارات جينية على 67 كلبا لكشف لغز مقت ...
- ارتفاع جديد في حصيلة ضحايا السجائر الالكترونية


المزيد.....

- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وسَلْبِيَّاتُهُ (1) / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وَسَلْبِيَّاتُهُ (2) / غياث المرزوق
- مدخل اجتماعي لدراسة الإلحاد في المجتمع العراقي المعاصر* / محمد لفته محل
- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ليندا سور - ربّما غفلنا عن...؟ -مقدمة-