أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ساطع هاشم - عندما رسمني الفنان فائق حسن وطلبته















المزيد.....

عندما رسمني الفنان فائق حسن وطلبته


ساطع هاشم

الحوار المتمدن-العدد: 6388 - 2019 / 10 / 23 - 11:51
المحور: الادب والفن
    


فاجأني قبل ايام الصديق الفنان يوسف الناصر بأرساله صورة لإحدى لوحاته التي كان قد رسمها سنة 1975 في السنة الاخيرة من دراسته في اكاديمية الفنون الجميلة في بغداد وبمساعدة استاذه الفنان الكبير الراحل فائق حسن ولمسات فرشاته الزاهية، وسألني ان كنت أنا الموديل المرسوم بهذه اللوحة، نظرا للتشابه بيني وبين الشاب الجالس.
وقد أعادتني المفاجأة وهذه اللوحة الى خمسة واربعين سنة ماضية، والى بداياتي في عالم الرسم، عندما عملت لمدة حوالي الشهرين موديلا في اكاديمية الفنون، وكانت فترة قصيرة رائعة اتذكرها دائما لأني لم ادرس الفن بالعراق ولا في اية مدرسة او معهد عراقي، وكانت تلك الشهرين بالنسبة لي هي الفترة الوحيدة التي اعتبر نفسي بها باني درست خلالها الفن بالعراق، والقصة هي:
في صيف سنة 1974 انهيت الدراسة المتوسطة في بغداد, وقد قررت مصيري قبل ذلك بسنتين في ان اصبح رساما, وتقدمت بأوراقي للقبول في معهد الفنون الجميلة لتلك السنة, لكنهم رفضوا قبول اوراقي لأنها لا تحتوي على تزكية من منظمة البعث الطلابية تؤكد انتمائي اليهم, والتي كنت امقتها واحاربها لأني أحد اعضاء اتحاد الطلبة العام بالجمهورية العراقية احدى المنظمات المهنية للحزب الشيوعي العراقي, وكانت تلك السنة هي بداية التبعيث القسري للمجتمع العراقي, مما اضطرني ذلك الى سحب تقديمي وتقديم اوراقي الى المدرسة الاعدادية, وقد رفضت اوراقي هناك ايضا لنفس الاسباب, الى ان استعمَلت الوساطة عن طريق احد الاقرباء وقبلت في مدرسة اعدادية اخرى.
ومنذ تلك السنة بدأت مشاكلي ومتاعبي السياسية مع البعثيين, حالي من حال الالاف من الشبيبة الديمقراطية والشيوعية العراقية الحرة, وقد اضطرني اضطهاد السفلة البعثيين الى ترك العراق بعد اكمالي الدراسة الاعدادية مباشرة سنة 1978 والى الان, وعلى مدى هذه السنوات الواحدة والاربعين التقيت بالكثير من البشر من مناطق وقوميات ودول مختلفة من دول العالم ولم ارى خلال هذه العقود الاربعة من الزمن من هم اكثر خسة من البعثيين, فلا توجد حقارة ونذالة وقذارة بالنفس البشرية مثلما هي موجودة عند البعثي, نذل دنئ مجرم قاتل سافل, هكذا جرى ويجري تدريبهم منذ الصغر, لكن تلك قصة اخرى ذكرتها هنا لأوضح كيف ولماذا قادني طموحي في سبيل احتراف الفن الى مرسم الفنان الخالد فائق حسن وطلبته.
بدأت العمل في بداية شهر اذار وقد تعهدت للأكاديمية بأني سألتزم بالحضور صباح كل يوم والى ان يتم تبديل موضوع الرسم الى موديل اخر، وجرى تحذيري من ان اي انقطاع سيسبب ارباك للطلبة وسأفقد اجوري ان غبت، وكنت سعيدا جدا في هذا الالتزام لأني كنت عازما على التعلم والتعرف على اصول الفن لاحترافه لاحقا, وكانت اجرتي ديناراً واحد عن كل يوم، وكان ذلك مبلغا جيدا جدا بالنسبة لمراهق في الخامسة عشر من العمر, كنت اصرفها جميعا على شراء الكتب ومواد الرسم, واجور المواصلات لحضور المعارض, وانتهى عملي في اواخر نيسان مع نهاية العام الدراسي واستعداد الطلبة للمعرض النهائي.
وقد رسمني اولا طلبة الصف الرابع الذي كان يديره الفنان فائق حسن ثم انتقلت الى الصف الثالث الذي كان تحت اشراف الفنان حافظ الدروبي, ولا اتذكر الان غالبية الطلبة, حتى اني لا اتذكر الفنان يوسف الناصر نفسه وتعرفت عليه في لندن سنة 1996 , حيث ربطتني علاقة تعارف محدودة بالطلبة اثناء تواجدي بالعمل وبعدد محدود من الطلبة, اتذكر منهم الفنان كاظم شمهود الذي كان يعمل في المساء رساما في مجلتي والمزمار لرسوم الاطفال, ومازلت اتذكر كيف عمل اسكيجات لموضوع الانشاء باستعمال مادة الحفر على الزنك, وكنت اجلس الى جانبه وهو يرسم, وقد رسم في حينها موضوع واقعي واجتماعي من خلال حياته ومشاهداته الشخصية, وكان لامرأة فلاحة تبكي بقرتها الميتة, وقد اعجبني ذلك الموضوع جدا وحاولت عدة مرات اعادة رسمه من الذاكرة بعد ذلك.
ثم تعرفت على الفنان منصور البكري الذي كان يعمل في صحافة الاطفال ايضا, وكنت من المعجبين جدا برسومه والوانه الشفافة, ولا اعتقد اني شاهدت خلال تلك الفترة من هو اكثر براعة بالتلوين المائي منه, وكان طالبا بارزاً وعلى ما أتذكر في السنة الثانية, وقد دعاني الى منزله في منطقة البتاوين عدة مرات, واخر مرة التقيت به كانت في ربيع سنة 1978 قبل سفري بشهور قليلة, ليكشف لي عن مفاجأة كان سعيدا بها, وهي اقتنائه احدى لوحات الفنان فيصل لعيبي بمبلغ خمسين دينار من المعرض الذي اقيم في قاعة كولبنكيان / الطابق الثاني بالاشتراك مع الفنان صلاح جياد والفنان نعمان هادي, وهو المعرض الذي حظي بإعجابنا جميعا, وبعد ذلك لم التقي لا بالفنان كاظم شمهود ولا بالفنان منصور البكري, ولا ادري ان كانوا يتذكرونني الان ام لا.
كان مرسم الفنان فائق حسن أكثر جدية وحيوية من مراسم بقية الفنانين، وكان حضوره يوميا, وغالبا ما يقوم بمساعدة الطلبة بتعديل رسومهم بنفسه، ودائما يستعمل طرق ايضاحية مع الكثير من الشرح لتدريب عين الطالب على الدقة بالملاحظة فكان حريصا مثلا على وضع اضاءة البروجكتر بزاوية حادة بحيث يخلق الضوء والظل بشكل واضح يساعد الطالب على رؤية الموديل بتفاصيله، وفي بعض الاحيان كانت الاضاءة الشديدة تسبب لي الحرقة والدمع, مما يستدعي استراحتي لفترة, واتذكر العطف الحنون في احدى المرات من احدى الطالبات عندما شاهدت دموعي تنهمر بغزارة وانا لا اشكو, فسارعت بإطفاء البروجكتر واعطتني منديلها اجفف به الدمع, وللأسف لا اتذكر اسمها الان.
اضافة الى انه كان يحثهم على الممارسة والتعلم من الفن العالمي, واتذكر مرة كان قد غضب على طلبته قبل نهاية الدوام لقباحة الوانهم وسوء استخدامهم الاصباغ الزيتية، وقد احضر لهم كتاب البوم لوحات الفنان الفرنسي مونيه، وصار يقلب الصفحات والصور ببطيء واحدة بعد الاخرى ويشرح لهم بصبر وتأني اصول – الكونتراس /التضاد اللوني والتدرج الهارموني وغير ذلك، وهذه المصطلحات وغيرها لم اكن قد سمعت بها من قبل وكانت جديدة علي كل الجدة، فكنت استمع اليه وكأني احد طلابه وانا مبهور وغير مصدق بأني اقف الان واستمع واتعلم من هذا العظيم الذي انتج في السنة التي ولدت فيها رائعته العملاقة المعروفة باسمه بين الجمهور, جدارية فائق حسن, وعندما زرت بغداد في نيسان من العام الحالي 2019 بعد واحد وأربعين سنة فأن اول مكان ذهبت اليه وصورته كان ساحة الطيران والجدارية الخالدة, وقد نشرت بعض من تلك الصور على صفحتي بالفيس بوك.
كانت تلك الايام سعادة حقيقية بالنسبة لي, عززت من ثقتي بالفن والرسم واهميته بالحياة, وزادت من إصراري على احترافه، حتى إني كنت اعمل فوتو كوبي لوصل صرف اجوري موقعا من استاذ المرسم لإثبات إني عملت لهذا اليوم او ذاك في هذا الصف او ذاك، اذا كان يحمل توقيع الفنان فائق حسن واحتفظ به كذكرى احيانا، ولم أكن أعيد النسخة الاصلية للوصل الى قسم الحسابات لاستلام المبلغ الا بعد يومين او ثلاثة، الى ان يشاهد اهلي واصدقائي توقيع فائق حسن نفسه واسمي في اعلى الورقة, فانا لم اعمل موديلا بالأكاديمية لأني كنت بحاجة الى المال آنذاك بل لأتعلم.
كان قد رسمني الفنان فائق حسن مرات عديدة وفي كل يوم اكون به الموديل ولكن ضمن لوحات طلبته التي لا تخلو من بصماته كما ذكرت, لكنه رسمني بلوحة مستقلة من انتاجه مرة واحدة فقط, في اسكيج سريع بحجم ربما 30 سم / 50 سم على ما اتذكر ليوضح به للطلبة كيفية توزيع الظل والضوء واختيار لون البشرة وما شابه, وفي النهاية سألته اذا كان بإمكاني الاحتفاظ باللوحة فوافق, غير معتبرا لها عملا مهما وانما عمل عادي يومي, وبما انها مرسومة بالألوان الزيتية فقد (نصحني) بعض الطلبة الى تركها حتى غدا لتجف الاصباغ وآنذاك يمكن نقلها بدون تلف, لان الرسم سيتغير وتفسد اللوحة اذا لامستها اليد او اي شيء اخر, وقد اقتنعت بالحجج وتركت اللوحة, وعندما عدت باليوم التالي كانت اللوحة قد اختفت وكل واحد يدعي انه لا يدري اين ذهبت ومن اخذها, وراحت جهودي للبحث عنها اسبوعا كاملا دون جدوى ثم ضاعت والى الان, واتمنى انها مازالت في مكان ما بين لوحات طلبة الصف الرابع اكاديمية الفنون للسنة الدراسية 1974 / 1975 وارجو ان نعثر عليها ذات يوم.
في نفس تلك الايام كان فائق حسن قد رسم الفنان المسرحي أسعد عبدالرزاق عميد الأكاديمية وقتها, وكنت حاضرا على مدى يومين او ثلاثة اشاهد فائق حسن وانامله الساحرة الى ان انجز العمل, وكانت تلك اللوحة بالأصل قد رسمها الفنان صلاح جياد عندما كان طالبا قبل ذلك التاريخ بثلاثة سنين, وقد طلب أسعد عبد الرزاق من فائق حسن تعديلها, وتغيير الوانها وتعديل الملابس باللوحة الى البدلة الانيقة التي كان يرتديها, وهذا ما قام به الفنان الكبير ببراعة, وقد عرضت هذه اللوحة في السنة التالية 1976 في قاعة كولبنكيان ضمن معرض الاحتفالية بيوم الفنان فائق حسن وانجازه الشخصي الذي ضم حوالي المئتين لوحة, وقد كنت حاضرا في الافتتاح وفي الندوة الخاصة التي اقيمت للفنان والتي ادارها شاكر حسن ال سعيد وسٌجلت على اشرطة كاسيت والكثير من الصور الفتوغرافية ونقلت بفلم وثائقي عرض في تلفزيون بغداد.
كذلك كنت حاضرا عندما رسم أحد طلبته واسمه جبار مجبل، بلوحة متوسطة الحجم شاهدتها من بداية الرسم الى ان اكتملت، وكان جبار سعيدا وفخورا باللوحة بشكل لا يوصف (وربما مازال) وقد شاهدت قبل عدة سنوات صورة لهذه اللوحة عل أحد مواقع الانترنيت، واتمنى ان تكون مازالت في حوزة جبار مجبل، فهي لوحة رائعة، بها طابع العمل السريع وايضا البطيء المتقن.
ومنذ تلك الشهور والى ان تركت العراق في اب من سنة 1978, لا اعتقد انه يوجد معرض جماعي او شخصي وفي اي منطقة من مناطق بغداد لم ازوره, ولا اعتقد ان هناك كتابا واحدا بالفن لم اقتنيه وأقرأه, كانت سنوات غنية جداً كونت بها نفسي بنفسي بدون معلم رسم, واصبحت الاوراق وعدة الرسم تلازمني في اي مكان اذهب اليه, بالبيت والمدرسة والمقهى ومع الاصدقاء وفي كل مكان وما زلت على هذا الحال الى الان, وكان لتشجيع واعجاب بعض اصدقائي من جيلي برسومي ونقاشاتنا الدائمة تأثير كبير على استمراريتي وتذليل الصعاب وتحملها, واتذكر على الخصوص صداقتي المميزة مع الشاعر والمفكر المبدع عادل عبدالله, الذي تعرفت عليه في صيف تلك السنة وكان عمره اثنين وعشرين سنة ويكبرني بستة سنوات, وكان قارئ نهم وشعلة من الذكاء والفكر, تعرفت عن طريقه على الشعر وقراءة الرواية والفنون السريالية ومعنى الوجودية وغير ذلك الكثير, وانقطعت علاقتنا منذ ان تركت العراق مثلما حدث لي مع اصدقاء اذكياء اخرين لا يقلون موهبة وروعة عن عادل.
من المفترض (نظريا على الاقل) ان تكون هناك ما لا يقل عن عشرين لوحة لطلبة الاكاديمية من تلك السنة تمثلني، فقد كان هذا هو عددهم على ما اتذكر، هذا على افتراض انهم ما زالوا يحتفظون بلوحاتهم من سنين الدراسة، وليس الفنان يوسف الناصر وحده من يحتفظ بلوحته، واعتقد ان غالبيتها (ان وجدت) كانت بهذا الشكل او ذاك قد رسمت وهي تحمل بصمات واسلوب الفنان الملون الخالد فائق حسن.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,601,815,128
- بيض الغربان
- الشهداء القلائل
- عربات الخريف
- ستون سنة وبضع ليالي
- ضياء بلا ظلال
- السياسة في أزياء خلفاء المسلمين
- رموز الاحتجاج العالمية الملونة
- يوم المرأة البرتقالي
- اصفر الشمس والشعاع البهلواني
- شيء من تاريخ اللون الاسود في العراق
- نافذة صغيرة على الزمن
- عقيدة اللون الاخضر
- حديث اللوحة
- حصان الثورة
- الصورة في مجتمع يكره الصورة
- تأملات في الذكرى المئوية لثورة اكتوبر البلشفية
- الزوال , السرعة , والميكانيكا الكلاسيكية
- العباءة السوداء والعمامة السوداء
- التقدمية وخيبة الامل الحديثة
- جواد سليم في معرض للمخابرات المركزية الامريكية


المزيد.....




- بائعو الكتب القديمة بباريس.. سفراء فرنسا للثقافة والتاريخ وا ...
-  150 عاما على إنشاء دار الأوبرا الخديوية
- المصلي: نشتغل على إطلاق خدمة إلكترونية لتسليم شواهد الإعاقة ...
- بالصور: من داخل العالم السري لديانة -أهل الحق- في إيران
- نص كلمة الممثلة الخاصة للأمين العام في العراق أمام مجلس النو ...
- المغرب توافق على عرض فيلم جزائري -ممنوع من العرض-
- في أوبرا دبي.. ماجدة الرومي تقدم أغنية خاصة بتحدي القراءة ال ...
- بالفيديو... بكلمات رقيقة ماجدة الرومي تشكر محمد بن راشد
- بعد الكوت ديفوار.. جزر القمر تقرر افتتاح قنصلية عامة لها بال ...
- ماجدة الرومي تقدم أغنية خاصة بتحدي القراءة العربي في أوبرا د ...


المزيد.....

- في الأرض المسرة / آرام كربيت
- الخطاب الأيديولوجي في رواية سيرة بني بلوط / رياض كامل
- كيفما كنا فنحن ألوف المشاكل... / محمد الحنفي
- ديوان وجدانيات الكفر / السعيد عبدالغني
- عالم محمد علي طه / رياض كامل
- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ساطع هاشم - عندما رسمني الفنان فائق حسن وطلبته