أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد نجيب السعد - شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين















المزيد.....



شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين


محمد نجيب السعد

الحوار المتمدن-العدد: 6379 - 2019 / 10 / 14 - 21:20
المحور: الادب والفن
    


شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين
في كتابه المعنون " الغاوتشو في حوض نهر لا بلاتا " يوضح أنجل راما أن شعر الغاوتشو لم يكتبه الغاوتشو ولكن نخبة متعلمة كانت لديها ، ولأسباب مختلفة ، معرفة بالغاوتشو وطريقة عيشهم . على الرغم من وجود شعراء غاوتشو ، إلا أن الغاوتشو كجنس أدبي كان مميزا خاصة في محليته المفرطة . يوضح خورخي لويس بورجيس الفرق في مقال له بعنوان الكاتب الأرجنتيني و التقاليد : "الدليل على ذلك هو أن الكولومبي أو المكسيكي أو الإسباني يمكنه أن يفهم على الفور قصائد الباديور والغاوتشو الا أنهم سيحتاجون الى قاموس ليفهموا ولو بشكل بسيط كامبو و أسكاسوبي ." يقول جيسون بارتليس أن الغاوتشو كجنس أدبي هو بالأحرى المساحة التي يتم فيها إستغلال الغاوتشو باستمرار وإستخدامه لتنفيذ مجموعة متنوعة من البرامج الإيديولوجية والجمالية. في كتابها المعنون الغاوتشو كشكل أدبي تحلل جوزفينا لودر تركيبة شخصية الغاوتشو والطريقة التي تلاعبت النخبة بهذه الشخصية : " الغاوتشو كشكل أدبي شكل لغة سياسية أدبية و ثقافة شعبية مسيّسة ، وترك بصماته التأسيسية على الثقافة الأرجنتينية". أن أشهر مؤلفو الغاوتشو و نقادهم أستغلوا الثقافة الشفاهية و شعبية الجنس الأدبي في مخاطبة شرائح واسعة من المجتمع . من هو الغاوتشو؟
يرى جورج أمفري أن شخصية الغاوتشو،رعاة البقر في الأرجنتين، كانت الشخصية الأكثر أثارة في الحياة الاجتماعية في الأرجنتين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.وخلال تاريخ الأرجنتين الحديث لعب الغاوتشو دوراً لا يدانيه أحد. ففي الفترة الاستعمارية ، كان الغاوتشو هم من فتح أبواب السهول الشاسعة للأرجنتين أمام الحضارة . وخلال حرب الاستقلال ، قاتل الغاوتشو ، المعروف بفروسيته و شجاعته ، ببسالة ضد الجيوش الاسبانية من أجل قضية الحرية. وفي الأوقات العصيبة التي تلت الاستقلال ، خاصة في فترة الصراع الطويل بين دعاة المركزية والفيدرالية ، ساند الغاوتشو ببسالة الزعماء الذين فرضوا أنفسهم على الساحة السياسية . في وقت لاحق ، عندما أصبحت الحكومة أكثر استقرارًا ، ومع التطور الصناعي للمدن والتنمية الزراعية للبلاد التي وضعت حدًا للحروب الثورية ، بدأ الغاوتشو بالأفول . في بادئ الأمر ، قاوم الغاوتشو مظاهروقوى الصناعة الحديثة ، وقفوا ضد أبناء المدن الذين أبدوا أهتماما ماليا بالإمكانيات الزراعية للسهول الخصبة ، وضد موجات المهاجرين التي تدفقت من البلدان المجاورة ؛ لكن مثل هذه المعارضة للقوى الصناعية والسياسية الجديدة لم تكن طويلة الأمد. بسبب نزعته الفوضوية والبدوية ، وبسبب عدم رغبته وعدم قدرته على التوافق مع تقاليد الحياة الجديدة ، فإن الغاوتشو، وجد نفسه غريباً في الأرجنتين الحديثة. تحول البعض منهم الى ملاكي اراض - وهو أمر ضد طبيعة الغاوتشو البدوية - الذين استطاعوا جمع أموال أكثر مما كان يحتاجه الغاوتشو في العادة لأحتساء الخمرة أو المقامرة. يمكن العثور على أبناء الغاوتشو في صفوف الجيش أو الشرطة الريفية أو في مزارع المواشي. يمكن العثور على رعاة البقر الأصليين في المناطق النائية التي لم تصلها السكك الحديدية أو أساليب الزراعة العلمية . ويمكننا العثورفي كتب الرحلات القديمة ، مثل كتاب داروين " رحلة عالم طبيعة" على وصف مسهب لشخصية الغاوتشو و طرق حياته و لباسه الخاص و أسلحته ، بتعبير أخر نستطيع أن نجد الغاوتشو فقط في كتب التاريخ أو كتب الأدب .
+++++
تميز الغاوتشو كثيرا عن أقرانهم من رعاة البقرالغربيين ،وهم أيضا أكثر تميزا كطبقة ، بسبب أصلها و تاريخها الغريب . لم يواجه أوائل الأسبان، وهم في الغالب من الأندلس، الذي حطوا الرحال في شواطئ ريو دي لا بلاتا أو عبروا جبال الأنديز قادمين من بيرو وشيلي ، لم يواجهوا معارضة شرسة كتلك التي أبداها الأراوكانيون ( سكان شيلي الأصليون ) في جنوب تشيلي ؛ في البداية على الأقل ، لم يثرالواصلون الجدد خصومة السكان الأصليين في السهول، ومن الواضح أنهم لم يحملوا معهم معتقدات المستوطنين الإنجليز في أمريكا الشمالية الذين أعتبروا جميع سكان القارة الأصليين متخلفين. على الرغم من الخلاف الكبير في الرأي بين المؤرخين حول أهمية زواج الوافدين الجدد من نساء هنديات حمر، فمن المؤكد حدوث أختلاط بينهم. كان الغاوتشو، على الأقل جزئيا ، أحفاد الرواد الأندلسيين والنساء الهنديات. وحيث أن الأندلسيين كان يجري في عروقهم الدم العربي ، فقد ورث الغاوتشو من ثلاثة أجناس، أضافت اليها السهوب الواسعة الكثير من الخصائص. من أجدادهم الهنود جاء حب الحياة الحرة في السهول وكراهيتهم لضبط النفس والقانون والنظام وصبرهم على المشقة والألم الجسدي. من العرب ورثوا حبهم للرفيق النبيل الذي يشاركهم حياة البدو الرحل وفروسيتهم الخارقة ، ومن الأندلسيين ورثوا حسيتهم العالية وولعهم بالشعر والموسيقى.
أخذ الأندلسيون معهم إلى العالم الجديد أغانيهم على الغيتار ، ليظهر بعد مدة من الزمن ما يسمى بالبيفادور، وهو شاعر ريفي تولى في بعض الأوقات الترفيه عن الغاوتشو. يمكن العثور على الوصف الكلاسيكي للبيفادور في كتاب "فاكوندو" لساريمنتو ( الكاتب المعروف ورئيس الأرجنتين السابع ) الذي كتب في منتصف القرن التاسع عشر يصف الغاوتشو عندما كان الأخير يلعب دورا مهما في الحياة الاجتماعية والسياسية للأرجنتين :
"الغاوتشو المغني هو نفسه التروبادورالذي شاع في العصور الوسطى ، ليس له عنوان ثابت، فبيته هو المكان الذي يعيش فيه اليوم وثروته في أشعاره وفي صوته. كانت الأشعارالأصلية للمغني ثقيلة و رتيبة وغيرمنتظمة أحيانا .كانت قصصه عاطفية و مليئة بالصور المأخوذة من الحياة الريفية والخيول ومشاهد الصحراء ، مما يجعلها مجازية وفيها بعض المبالغة . يومها لا تكتمل الأحتفالات الا بوجود البيفادور وأغانيه وإذا حدث وجود اثنين من البيفادور ستجري مساجله بينهما تشابه الى حد كبير التروبادورفي البروفينشال ."
لم يعد البيفادور موجودا الا في التقاليد بعدما اختفت تماما الطبقة الأجتماعية التي أنتسب اليها.وينطبق الحال مع الغاوتشو الذين أضطروا إلى التراجع أمام قوى الحضارة الحديثة، والى ترك أراضيهم الى ملاك الأراضي و المزارعين. في نهاية القرن التاسع عشررثى روبن داريو في قصيدة جميلة أختفاء الغاوتشو من السهول :
فجأة تسمع صدى صرخة السهول ،
مثل غروب الشمس الأرجنتينية ،
وشبح فارس مثل الظل ، يعبر ،
على ظهره معطف وعلى وجهه ، ألم.
- من أنت ، مسافر الليل الوحيد ؟
- أنا الغاوتشو الأخير، الذي يغادرإلى الأبد
وطنه القديم حاملا قلبه .
و الغاوتشو الوحيد الذي يمكن رؤيته اليوم في الأرجنتين موجود على خشبات المسرح أو في الكرنفالات . كتب إرنستو كيسادا في كتابه المعنون حركة الكريولسمية في الأدب الأرجنتيني متحدثا عن الغاوتشو: "نرى اليوم مشاهد لحياة الغاوتشو في عروض السيرك أو في صالات السينما مع مطربي البيفادور وربما سنجده في المستقبل في المتاحف و هو يرتدي كامل ملابسه المعروفة."
يقول آبريل تريغو في دليل أدب وثقافة أميركا اللاتينية (2008) كان الغاوتشونتاجًا عرقيًا لظروف بيئية واقتصادية واجتماعية وجيوسياسية معينة تجمعت في سهول الأرجنتين وأوروغواي من منتصف القرن السابع عشر إلى نهاية القرن التاسع عشر. كانت كلمة "غاوتشو"- التي لا تزال أصولها غيرمؤكدة ، مثار تأويلات و تفسيرات لا تعد ولا تحصى – كما أسلفنا-الا أنها في الغالب تتحدث عن فارس كثير الترحال ، أجتماعيا غير مهم و يستغل أقتصاديا من قبل الأخرين ، معروف بقلة الأنضباط وكان يجوب السهول الغنية بالماشية في المناطق المتنازع عليها و التي خضعت للأحتلال الأسباني و البرتغالي و البرازيلي. على الرغم من أن الغاوتشو كان هجينا من الناحية العرقية و الثقافية - لمجموعة متنوعة من الهاربين الأسبان والبرتغاليين ، والعبيد الأفارقة الهاربين ، أو البحارة الفرنسيين الذين تقطعت بهم السبل والقراصنة الإنجليز ، و سكان المنطقة الأصليين ، وأبرزهم قبائل الغواراني – الا أنه أيضا كان الناتج الاجتماعي لبواكير الأقتصاد الرأسمالي وهو أيضا الناتج الثقافي لمناطق الحدود الخطرة و المضطربة جيوسياسيا. إن وفرة قطعان الأبقاروالخيول البرية والسهول الواسعة التي لم تستطع السلطات المستعمرة إحكام السيطرة عليها ، سهلت الطريق لظهور تجمعات متفرقة أمتازت بالفوضوية وعدم الأستقرارتتألف عادة من عصابات صغيرة من الرجال الذين لم يعترفوا بأي سلطة أخرى غير سلطة القائد الخارق (الكوديلو )، وهو شكل من أشكال السلطة ،ترعرعت وسط ثمانية قرون من الحرب بين المسلمين والمسيحيين في إسبانيا في العصور الوسطى وشرعنها الملك ألفونسو " الحكيم" (1221-1284). جسد الكوديلو شكلاً من أشكال التنظيم الجنيني في مجتمع هامشي غير واضح تواجد في المناطق الحدودية المعسكرة (بفتح العين) وغير الثابتة والمتنازع عليها بين الحضارات. والغاوتشو، الذي كان يستأجرفي حملات صيد الماشية من أجل جلودها التي تصدر الى أوربا أو يعتبر ورفاقه شرذمة من الأفاقين المتسكعين ، هو بطل لمجتمع أمومي ( شكل من أشكال المجتمع، تكون فيه السلطة للمرأة، سواء في الفضاء الأسري أو الاجتماعي أو السياسي ) مؤلف من عائلات مفككة ورجال وحيدين "بلا آله ، بلا ملك وبلا قانون". " يترجم هذا الشعار قيم عصية للحرية السلبية المطلقة والكبرياء ،تتحول الى غطرسة وعنف واحتقار للموت وتقديس للشجاعة الفردية وإزدراء عنيد للملكية الخاصة (باستثناء خيوله وسكينه و أمراته، بهذا الترتيب) في نظام كولونيالي أدى فيه حظر امتلاك الأرض إلى لصق صورة المهرب و طريد العدالة بالغاوتشو. ورع متكلف وتجاهل تام للمرأة والأسرة والذرية ، يضاف اليه حسن ضيافة وقوة ترابط مجتمعية خلقت للغاتشو شخصية تمتعت بإحساس فوضوي بالحرية الشخصية مخلوطة بالفقر المدقع.
لكن تريغو يعتقد أن هذا الوصف الأنثروبولوجي لا يغطي كل شيء عن الغاوتشو . في الواقع ، دخل الغاوتشو التاريخ بصورتين متناقضتين : بطل أو شرير ، شخص ماكر أو جندي مخلص - عن طريق تحويله إلى آلة عسكرية حقيقية خلال حروب الاستقلال وفترة الحروب الأهلية الطويلة. كما وأصبح موضوعا مهما في الصراعات السياسية وموضوعا أدبيا في شعرالغاوتشو، و رسمت له صورة مقدسة في الأنتاج الأدبي الوطني ، ليصبح في النهاية أساس أسطوري للخيال الوطني. بمعنى آخر ، فقد تراجع وجوده الاجتماعي الغامض أمام وجوده العسكري البطولي ،ووجوده السياسي المراوغ ووجوده الأدبي الحقيقي ووجوده الخيالي الغامض التي تقوم عليها الدولة الوطنية الحديثة. تضاف كل هذه الوجوه معًا إلى وجوده الوهمي في نهاية المطاف ، وهو ما يفسر لماذا لا يزال الغاوتشو - أحد مظاهر الأمة الحديثة ، أو المؤشر الباثولوجي المقلق الذي يقاوم التفسير ويواصل العودة من جديد كمصدر من مصادر المتعة - لا يزال يطارد الأوهام المثالية والإحباطات الاجتماعية والشعور التاريخي بالذنب عند الأرجنتينيين والأوروغوانيين.
قبل أنشاء أول معامل تمليح اللحوم في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ، والتي جعلت من عملية تصنيع اللحوم تجارة مربحة ، وصلت أعداد الماشية من بقر و خيول الى الملايين في السهول الكبيرة التي أفتقرت الى أي قيمة اقتصادية إخرى سوى جلودها و شحومها ، لذلك بقت تلك المناطق مهملة و خارج أهتمام المحتلين . لم يكن الجلد المنتج الاقتصادي الرئيسي المستخرج من جلود الماشية ؛ فقد صنعوا منها الأبواب والنوافذ والأسرة والصناديق والطوافات والأسوار والحبال والملابس الجاهزة أيضا .نشاطان اقتصاديان رئيسيان ميزا هذه الفترة ( فترة عصر الجلود ): حملات صيد كبيرة ينظمها التجار الأغنياء الذين حصلوا على التصاريح المطلوبة لغرض وحيد وهو الحصول على ما يمكن تصديره من الحيوانات ؛ أو مسابقات رعاة البقر الضخمة التي تقوم بها البعثات اليسوعية أو المستوطنون البرتغاليون ، والتي كانت في الواقع مؤسسات عسكرية وحملات تهريب على نطاق واسع. وكان التهريب، ليس فقط مع البرازيل أو مع البعثات اليسوعية، ولكن أيضًا مع الأنجليز و الفرنسين، هو النشاط الاقتصادي الرئيسي الآخر، الذي غرس بين الأرستقراطيين شغف التجارة الحرة.
وفي الوقت نفسه ، حصل التجار الأسبان الذين يعيشون في بوينس آيرس ومونتيفيديو على مساحات شاسعة من الأرض من أجل احتكار الذبح الموسمي لآلاف الماشية. وضعت حملات الصيد الكبيرة و مزارع الماشية الضخمة الأسس لاقتصاد يقوم على تصدير منتج واحد و يعتمد على الاستغلال الواسع للأراضي ، ومجتمع منقسم بين فئة صغيرة من ملاك الأراضي والتجار وأصحاب شركات الشحن ، وبيروقراطيين متحصنين في الموانئ ، وبين جموع من الغاوتشو والهنود والعبيد الأفارقة وعدد قليل من صغار المزارعين. في الواقع ، تعايش مجتمعتان مختلفتان ، وثقافتان متعارضتان جنبًا إلى جنب ، مسنودان من قبل نظام كولونيالي وعداء متبادل ولامبالاة: المجتمع الكولونيالي ( الذي يتكون من تجمعات أو مستعمرات ) ، يخضع اقتصاديًا وسياسيًا ورمزيًا للملكية الإسبانية ، والمتحضرون الكاثوليك و النظام العالمي التجاري الأوروبي ، ومجتمع الغاوتشو البربري أستبعدوا كلهم الا أنهم كانوا تابعين للنظام الكولونيالي. على الرغم من إتهامهم وملاحقتهم بأستمرار بالتشرد والتهريب ،الا أن الغاوتشو وفروا القوة العاملة اللازمة ، كعمال موسميين ، في المزارع الكبيرة التي كانت تحرك الدورة الكاملة للتجارة الكولونيالية . لم يكن الغاوتشو عمالا مهرة كما أنهم ليسوا فلاحين لذلك عاشوا على الهامش و منعوا من دخول تلك الأراضي ؛ كان الغاوتشو مهربين لأن المزارع الكبيرة كانت لا تحتاج قوة عاملة دائمة. وأصبحوا بالتالي ناتج ثانوي لنقص الأراضي الواسعة وفائض اللحم البقري الذي لا يستطيع النظام الشامل للأراضي استيعابه. كانت وفرة بقايا الطعام مصدرا لبؤس الغاوتشو وبطالتهم أساسا لحريتهم وتواضع احتياجاتهم مصدرا لغطرستهم. لقد كان الغاوتشو، من هذا المنطلق، منبوذاً أكثر منه سيدا للسهول، كانوا فتاتا أجتماعيا لنظام اجتماعي واقتصادي كولونيالي عاجز و غير عادل .
مع أنشاء معامل تمليح اللحوم وإنتاج لحم العجل لأسواق العبيد في كوبا والبرازيل ، اكتسبت لحوم البقر قيمة أقتصادية للمرة الأولى . تطلبت هذه الصناعة الجديدة إمدادًا ثابتًا من قطعان أصغر، مما جعل الأساليب المتبعة في مزارع الماشية غير مربحة ، حيث تقاد الآلاف من الحيوانات الى مناطق التقاء الانهار و تذبح هناك في غضون بضعة أيام من أجل الجلود ، تاركًا الذبائح لتتعفن في الحقول. . للمرة الأولى ، كان من الضروري وضع العلامات على الحيوانات ، وبالتالي توسيع نطاق الملكية الخاصة واستبعاد الغاوتشو من فوائد هذه التطورات الجديدة . يومها ما زالت السهول مفتوحة للتجول ولكن لحوم البقر لم تعد متاحة بالمجان . ومنذ ذلك الحين ، تعرض كل من يذبح بقرة من أجل اللحم الى السجن أو التجنيد في الجيش ، أو يُجبر على حمل بطاقة عمل ويستقر بشكل دائم في أحد المناطق ، أو يوخذ مقيدا بالسلاسل للعمل القسري ، اعتمادا على الظروف السياسية والاحتياجات العسكرية.
لذلك ، عندما بدأت الثورة ضد الحكم الإسباني في عام 1810 ، كان الغاوتشو على أهبة الاستعداد للمشاركة بها . أصبحوا ، بإرادتهم الخاصة أو بالإقناع ، العنصر العسكري الرئيسي في الجيوش التي يقودها ، في معظمها ، الكريول الأرستقراطي. أصبح الغاوتشو ، الفارس البارز ، المدرّب بشكل طبيعي على القتال اليدوي والمعتاد على الترحال و الأكتفاء بالقليل ، أصبح آلة حرب هائلة. أن السكين الذي ورثها عن الإسباني ، والبولا (سلاح عبارة عن حبل في نهايتيه حجر ) الذي أخذه من الهندي ، والرمح الطويل المستخدم في المزارع ، كلها جعلت منه قائد الجماعات المدنية المسلحة التي ارعبت الجيوش الاوربية المحتلة . تداخلت حروب الاستقلال المعقدة ، والتي ستستمر في المنطقة حتى عام 1830 ، بشكل مركب مع الانتفاضات المحلية ؛ والصراعات الإقليمية (بين الموانئ والمدن الداخلية ، بين بيونس أيريس ومونتيفيديو ، وبين ريو دي جانيرو وبوينس آيرس) ؛ والحروب الأهلية (لا سيما تلك بين الفيدراليين والمركزيين ، و التي بلغت ذروتها خلال حكم خوان مانويل دي روساس من 1935 إلى 1952 والحصار الذي دام تسع سنوات لمونتيفيديو) ؛ والتدخلات الأوروبية (كل من إنجلترا وفرنسا ، في العديد من الحالات ، بالإضافة إلى المغامرين والمرتزقة والقراصنة ، والتي شملت القوميين الأيرلنديين والبطل الإيطالي جوزيبي غاريبالدي). انتهى هذا السيناريو الجيوسياسي المعقد إلى بلقنة المنطقة وحرب الإبادة الجماعية في باراجواي (1865-1871) ، والتي مهدت الطريق للدمج الأستعماري الجديد للاقتصادات الوطنية بالأمبراطورية البريطانية. كان الغاوتشو ، في كل حرب وطوال هذا التاريخ المضني ، وقود الحروب وأشياء قابلة للإبادة. من سخرية القدر ، لقد ساهموا الغاوتشو بأجسادهم في بناء جميع الدول الحديثة التي أعتبرتهم أشياء قابلة للإبادة.
ومع ذلك ، فإن هذا الدور العسكري ذو الأبعاد الملحمية التي لا يمكن إنكارها – و بسببه تحول الغاوتشو الى أسطورة - حجب إلى حد كبير الوظيفة التي لا تقل أهمية عن الدور الذي لعبه الغاوتشو في البناء الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع الحديث. كان لعدم الاستقرار السياسي والعسكري في القرن التاسع عشر صلات قوية بالتحديثات الاقتصادية المتعاقبة والتعديلات الاجتماعية التي تتطلبها احتياجات الأمبراطورية البريطانية . وبالتالي ، تم استبدال الاقتصاد الاستخراجي القائم على المزارع الكبيرة وعلى تصدير جلد البقر بشكل جزئي بنهاية الفترة الاستعمارية بالاقتصاد شبه الصناعي القائم على تصنيع اللحوم ، و بحلول منتصف القرن التاسع عشر ، تدخل تطوران مهمان في تحديد مصير الغاوتشو و هما إدخال الأغنام لإنتاج الصوف وتطوير صناعة تعبئة اللحوم التي أصبحت ممكنة بفضل اختراع سفن التبريد.
يتطلب الرعي أستثمارات كبيرة و طرق انتاج أكثر كثافة ؛ أدت العناية اليومية الدقيقة بالقطعان الصغيرة من الحيوانات المستوردة الأصيلة في حقول الرعي المسورة إلى تحويل الغاوتشو من فارس إلى راعي. سوف يتنافس رواد الأعمال الإنجليز والأيرلنديون الذين أدخلوا الصناعة الجديدة في نهاية المطاف مع القطاعات الأرستقراطية ، متجاوزين الاستغلال التقليدي الواسع للأراضي والمساهمة في تشكيل الأوليغارشية الرأسمالية الحديثة الحقيقية. ولكن وصول الباخرة لو فريغوريفيك في عام 1870 تسبب في تغير المشهد الاجتماعي والاقتصادي. أصبح بالأمكان تقنياً تصدير اللحم البقري الوفير الذي "هدر" حتى ذلك الحين إلى الأسواق الأوروبية الأكثر تطوراً. توفرت استثمارات كبيرة لزراعة السهول وتهجين القطعان ، وإقامة المراعي ، وجميع التدابير اللازمة لتحسين كمية ونوعية لحوم الأبقار التي ينتجها كل حيوان. وفي الوقت نفسه ، كانت هناك حاجة إلى عدد قليل جدا من الأيدي العاملة في المزارع الكبيرة ، التي طردت بالتالي جميع الأيدي العاملة غير الضرورية مع أسرهم مما أدى الى ظهور ما كان يعرف بقرى الفئران المحيطة بتلك المزارع . ثم أصبحت الكفاءة هي شعار التقدم ، مما جعل الغاوتشو وثقافته وأسلوب حياته ليس فقط غير ذي صلة ولكن أيضًا عقبة أمام الحداثة. أن تحديث الريف - الذي لم يقتصر على تطبيق أحدث التقنيات ، بما في ذلك الخطوط التلغرافية والسكك الحديدية ، ولكن أيضًا الهزيمة العسكرية أو التعاون السياسي للقيادات المحلية وضبط الشرطة من أجل القضاء على الثورات والأشكال الأخرى من التمرد الشعبي وضمان التجارة الآمنة والملكية الخاصة - من شأنه أن يؤدي إلى انهاء دورة الإبادة الجسدية و الثقافية والتبعية الاجتماعية للغاوتشو . بمجرد تحول الغاوتشو إلى قوة عاملة يمكن التحكم فيها ، أصبحوا بمثابة روح الأمة الحديثة ، منهية عملية الاستغلال التاريخي والتطهير العرقي والإبادة الجماعية الثقافية التي جمعت بين الاستغلال العسكري والتلاعب السياسي والتحول الاجتماعي والتسامي الأدبي والأستلاب الأيديولوجي .
شعر الغاوتشو
كان من الممكن أن يختفي شعر الغاوتشو ومعه نتاج البيفادور الأميين لولا بعض الشعراء الأرجنتينيين البارزين الذين حجزوا مكانا دائما لهما في الأدب. هؤلاء الشعراء ، بدلا من جمع ونشر القصائد الأصلية ، بحثوا عن الإلهام والمادة لقصائدهم الخاصة في حياة وشعرالغاتشو وقدموا نتاجا أحتل مكانا هاما في التاريخ الأدبي لأمريكا اللاتينية . هذا النتاج حظي على تقدير كبير من قبل أبرز النقاد باللغة الأسبانية .على سبيل المثال يتحدث مينينديز و بيلايو (تاريخ الشعر الأمريكي اللاتيني ، الجزء الثاني ، ص 469) عن شعر الغاوتشو المبكر قائلا: " "إن بواكير شعر الغاوتشو قدمت أكثر الأعمال أصالة في أدب أمريكا الجنوبية." و قال الشاعر الكبيرجاسبر نونيز دو أرك لأرنيستو كويسادا أن نتاج الغاوتشو يعتبر الأكثر أثارة في الأدب الأميركي لأصالته و جمال الطبيعة التي يصفها ، ناهيك عن شجاعة الأفكاروروعة الأساليب ."
يمتد أدب الغاوتشو لأكثر من قرن ، ظهرت خلاله الكثير من الأسماء لكننا سنكتفي بالأشارة الى بعضها . ينتمي بارتولوم هيدالغو (1793-1864) ، رغم أنه ولد في أوروغواي ، إلى الأدب الأرجنتيني لأن شهرته الأدبية تحققت في بوينس آيرس خلال العقدين الثاني والثالث من القرن التاسع عشر. كان أسلوبه في تقديم ريفيين أثنين أو أكثر و تركمهما يناقشان الأحداث السياسية و الأجتماعية أو غيرها من أحداث اليوم قد لقى هوى لدى العديد من الكتاب الديالكتيكيين. يحمل أشهر حواراته الشعرية عنوانًا طويلًا يشرح بوضوح طبيعة محتوياته: " السرد الذي حكاه رامون كونتريراس لجاسينتو تشانو ، لكل ما رآه في احتفالات المايا في بوينس آيرس عام 1822."
بعد عودته من الاحتفالات في العاصمة بوينس آيرس في ذكرى إعلان الاستقلال ، يلتقي راعي البقر كونتريراس مع صديقه تشانو ويعرب عن دهشته من أن الأخير لم يكن هناك أيضا. يشرح تشانو متأسفا أنه تعرض لجرح سكين في شجار له مع تاجر خيول حال دون ذهابه؛ ثم يطلب من صديقه إخباره بكل شيء عن الاحتفالات. يسرد كونتريراس الأحداث في شعر، كل بيت فيه يتكون من ثمانية مقاطع ، مع العديد من التنويعات الخلابة في اللغة و الصورالمضحكة ، التي يثبت فيها هيدالغو إلفته مع عالم الغاوتشو وطريقته في التفكير،على الرغم من أنه لم يكن غاوتشو نفسه. هذه الحوارات ذات الأبعاد الأخلاقية حظيت بشهرة واسعة سواء بين الأميين أو المتعلمين. ارنستو كيسادا يخبرنا في كتابه "النزعة المحلية في الأدب الأرجنتيني" أنه سمع مرة من أحد سكنة السهول الأميين قصيدة ذات مغزى أخلاقي كتبها هيدالغو قبل سبعين سنة و يبدو أنها أنتقلت شفاها من جيل إلى جيل ."
تجدرالإشارة إلى أن حوارات هيدالغو والجزء الأكبر من شعرالغاوتشو كتبت بلهجة الغاوتشو مما يجعل قراءتها صعبة نوعا ما للأشخاص الذين يجهلون الخصائص اللغوية لتلك اللهجة. الصعوبة الكبرى تتجسد في العدد الكبير من الكلمات ذات الأصل الهندي أو الكلمات التي ظهرت لتلبية احتياجات ظروف الحياة الجديدة ؛ لذلك تصبح الأستعانة ببعض القواميس شرطا مهما لقراءة هذه الأشعار .في حين أن كلمات أسبانية من القرن السادس عشر ما زالت موجودة في الأرجنتين، الا أنها قد تكون أختفت في الأسبانية الحديثة أو أنها تغييرت بشكل كبير.علينا أن لا ننسى أن الغاتشو هم أحفاد الأندلسيين، وبقى الكثير من خصوصيات الأسبانية الأندلسية.
إن تحفة ديل كامبو المعنونة فاوستو ، العنوان الذي لا يكاد يتوقع أحد أن يجده في أدب رعاة البقر ، هي قصيدة تضم حوالي خمسمائة بيت ، أراد فيها مؤلفها أبراز تأثير الأوبرا الشهيرة فاوست على راعي بقر(غاوتشو). يلتقي راعي بقر اسمه أناستاسيو بولو، في طريق عودته من بوينس آيرس، بصديق له في جزء ناء من السهول . يجلسان بتحدثان ويتناولوا بعض المشروبات، وفي أثناء المحادثة ، الصديق يذكرالشيطان ، فيتذكر أناستاسيو بولو ما أثار إعجابه كثيرا في بوينس آيرس. يقول لصديقه :
-يكفي يا صديقي !
ألا تعلم أنني رأيت الشيطان في تلك الليلة ؟
- يا ألهي .
- إحسن التصرف و صلي .
- حسنا لست مضطرا للصلاة !
لكني لا أمزح في تلك الأمور.
ولكن لا يهم ، أتوسل إليك أن تخبرني
كيف ألتقيت بذلك الشرير ، يا الهي !
مجرد التفكير في الأمر يخيفني.
-حسنًا ، سأخبرك ،
لكن أولاً سأبحث عن شيء كي أرطب به حلقي. "
ثم بطريقته الخاصة ولغته الخاصة به ( لغة الغاوتشو ) وبكل صراحة و براعة ، مع الكثير من اللف و الدوران ، يروي لصديقه قصة الأوبرا الشهيرة ، مع تعليق مستمر يكشف من خلاله معرفته بالغاوتشو. إن الخلاصة لن تكون ذات قيمة تذكر ، حيث أن جوهر القصيدة يكمن بشكل رئيسي في التفاصيل الخلابة ، والأوصاف الوجيزة ولكن الفعالة للمظاهرالطبيعية في السهول، علاوة على اللمسات الماهرة للألوان المحلية. قد تبدو رهافة الأحاسيس في تصوير مارجريت مبالغ فيها في شعر الغاوتشو. في حديثه عن توبتها في الكنيسة قرب نهاية الأوبرا ، يقول:
"أعتقد أن الجموع كانت ترتقى في غناء جماعي
عندما جاءت تلك البائسة وهي تبكي .
هناك جثت على ركبتيها على الأرض ، ونظرت إلى السماء ،
و تلت أربع من الصلوات .
لم أشعر أبداً بمثل ذلك الأسى و أنا أنظر إلى تلك المرأة.
يا صديقي ، كأني أشاهد الماجدلينا .
من تلك الشقراء الوردية ، لم يتبق أي أثر
كانت قرنفلا ذابلا ، وردة بلا أوراق.
جبهتها ، كانت تضيء مثل القمر ،
بلورة ، بحيرة ، تلبدت بالنوائب

جفت الدموع في عينيها الغائرتين
و تمتمت الصلاة بشفتين ترتجفان .
أن السمعة التي حققها ديل كامبو في كتاباته عن الغاوتشو لم يدانيها أحد سوى خوسيه هيرنانديز، مؤلف تحفة أدب الغاوتشو المعنونة مارتن فييرو التي نشرت في عام 1872. صرح المؤلف نفسه عن مسببات العمل :" "لقد حاولت ، دون أن أفترض أنني نجحت ، تقديم نوع يجسد شخصية الغاوتشو لدينا ، ويركز على طريقة حياتهم و مشاعرهم و تفكيرهم وأساليب التعبير عندهم ، ولم أغفل الخيال و الصور و الألوان وكل نوبات الغطرسة التي قد تصل الى حد الجريمة ، وجميع شطحاته و أنفجاراته ، كانوا أبناء الطبيعة الذين لم يغيرهم التعليم . وأردت كل هذا ، وبدأت في تقليد ذلك الأسلوب الغني بالاستعارات ، والذي أستخدمه الغاوتشو دون معرفة منه أو تقييم ، واستخدامه المستمر لمقارنات بدت غريبة الا انها حديثة ، في تأملاته التي ختمها بختم الأصالة و في فلسفته التي تعود بكم دوما الى الطبيعة ، في احترام الخرافات و تداعياتها التي ولدت في الجهل و ترعرت فيه ، في رسم انطباعاته وانحرافاته التي يخفيها ببراعة ؛ في خيبات أمله الناتجة عن حالته الاجتماعية الخاصة ، وذلك الكسل الذي تعوده ، حتى أصبح شرطا من شروط وجوده ؛ أن نقول ، وباختصار، وبقدر الامكان من الامانة ، كل ما نعرف عنهم الذين عاشوا في السهول و الذين لا يعرف عنهم الا القليل و الذين حكم عليهم خطأ مرات عديدة و الذين ضاعوا في خضم الزحف الحضاري ."
نجح هيرنانديزفي تحقيق هذا الهدف، في تحقيق الشعبية التي اكتسبها، ليس فقط بين القراء المتعلمين، ولكن أيضًا بين سكان الريف في الأرجنتين بأكملها؛ في الواقع ، لايمكن لأي قصيدة أخرى في الأدب الأرجنتيني أن تنافس شعبية قصيدته. إن شعبيتها بين المثقفين هي دليل على أن لها مميزات أدبية أستثنائية . وأن شعبيتها مع أميي السهول هو دليل على أن المؤلف، جنبا إلى جنب عامية الغاوتشو، وضع فيها روح أدب الغاوتشو .يحكي مارتين فييرو، بطل القصيدة ، قصة المعاملة الظالمة التي غيرته من غاوتشو مسالم الى غاوتشو متمرد وخارج عن القانون ، متحديا القوانين التي لم تحميه من الاضطهاد. هكذا يبدأ:
ها أنا أبدأ الغناء
على نغمات الجيتار،
لأن الرجل الذي جفاه النوم بسبب الحزن غير المألوف
يستريح بالغناء ، مثل الطيور الوحيدة .
أتوسل القديسين في السماء مساعدتي :
أتوسل إليهم هنا والآن مع بداية غناء قصتي
بأن ينعشوا ذاكرتي و يجعلوا فهمي جليا .
تعالوا، أيها القديسيون بمعجزاتكم، تعالوا جميعًا إليّ ،
لأن لساني يتلعثم ونظري يعشي -
أسألك يارب أن تساعدني في هذا الوقت العصيب .
لقد رأيت العديد من المطربين الذين حققوا شهرة يستحقونها ،
وبعد تحقيق تلك الشهرة ، لم يستطيعوا المحافظة عليها-
يبدو وكأنهم تعبوا من التجارب قبل بدء السباق.
ولكن عندما يذهب واحد من رجال السهول ، سيذهب مارتن فييرو أيضًا:
لا يوجد ما يثنيه ، حتى الأشباح لا تخيفه -
وبما أن الجميع يغني أريد أن أغني أيضًا.
سأموت وأنا أغني ، وسيدفنوني و أنا أغني ،
سأصل عند أقدام الأله الخالد وأنا أغني -
من رحم أمي جئت إلى هذا العالم لأغني.
لن أسكت خجلا أو تخونني الكلمات :
الغناء ينحت شهرتي ، وبمجرد أن أتهيأ للغناء
سيجدونني أغني ، حتى لو فتحت الأرض جوفها .
سأجلس في حفرة لأغني قصة -
سأجعل الأعشاب ترتجف كما لو أن الريح هبت :
ستذهب أفكاري للعب هناك بكل ما يتوفر لها من سبل.
أنا لست مغنيا متعلما ، ولكن إذا بدأت في الغناء
لن يوقفني شيء و سأشيخ و أنا أغني -
تنساب الأشعار مني مثل الماء من نبع.
مع الجيتار في يدي حتى الذباب لا يقترب مني:
لن يدوسني أحد ، وعندما أغني من أعماق قلبي
سأجعل الوتر الأعلى يئن و الوتر الأسفل يبكي .
أنا الثور في قطيعي و أشجع ثور في القطيع الأخر ؛
اعتقدت دائمًا أنني كنت جيدًا ، وإذا كان هناك من يريد تجربتي
دعهم يخرجون ويغنون وسنرى من سيخسر .
لن أحيد عن الطريق حتى لو قتلوني ،
سأكون لطيفا مع اللطفاء و قاسيا مع القساة ،
وفي خضم الأخطار ، لم يرني أحد مترددا .
في الخطر قلبي يتوسع :
بما أن الأرض كلها ساحة معركة وليس هناك حاجة إلى أن يفاجأ في ذلك أحد ،
كل من يقول أنه رجل عليه أن لا يتزحزح من مكانه ، حيثما كان .
أنا غاوتشو، وخذوا هذا مني كما يشرحها لساني لكم:
بالنسبة لي ، الأرض مكان صغير وقد تكبر بعد ذلك -
الأفعى لا تعضني ولا تحرق الشمس جبيني .
لقد ولدت كما ولدت سمكة في قاع البحر.
لا أحد يستطيع أن يأخذ مني ما أعطاني الله -
ما أحضرته الى العالم سآخذه من العالم معي.
إنه لفخر لي أن أعيش حرا مثل طائر في السماء:
لا أبني لي عشًا على هذه الأرض حيث يوجد الكثير من الألم ،
ولا أحد يتبعني عندما آحلق مرة أخرى.
في الحب لن أتشاجر مع أحد :
مثل تلك الطيور الجميلة التي تتنقل من غصن الى غصن
اجعل من البرسيم سريري والنجوم غطاءي .
ومن يستمع إلى قصة أحزاني -
سيعرف أنني لم أقاتل أو أقتل إلا عندما يتعين القيام بذلك ،
وهذا الظلم هو الذي دفعني إلى الكثير من الألم .
وسيستمع إلى القصة التي رواها الغاوتشو الذي يطارده القانون ؛
الذي كان أبا وزوجا يكدح بجد ورغبة -
وعلى الرغم من ذلك ، فإن الناس يعتبرونه مجرمًا.

بعواطف غامرة يتذكر حياته الماضية عندما عاش سعيدا مع زوجته و أطفاله،و يصف بتفاصيل خلابة يوما من أيامه الماضية في المزرعة. فجأة ينتهي ذلك النعيم . بدأ الهنود بأثارة المشاكل على الحدود؛ ودعي هو وأخرون الى الخدمة العسكرية ، وعلى الرغم من أنهم تلقوا وعودا بمعاملة جيدة وإذن بالعودة إلى ديارهم في غضون ستة أشهر، الا أن كل ما تلقوه كانت معاملة قاسية والكثير من المعارك ناهيك عن العمل الإجباري في الحقول. بعد أن تحمل هذا لمدة ثلاث سنوات ، "بدون مقابل مالي " ، هرب وشق طريق عودته إلى مزرعته. الا أنه وجد المزرعة مهجورة ، و المنزل مدمر ، و علامة الحياة الوحيدة قطة تموء:
عدت بعد ثلاث سنوات من المعاناة ومن أجل لا شيء ،
هارب ، عارٍ و مفلس ، أبحث عن حياة أفضل -
ومثل الحيوان توجهت مباشرة الى قني .
لم أجد أي أثر لبيتي : أختفى كل شيء
ياللهول ! ألا يجلب ذلك المشهد الحزن إلى قلبك ....
أقسمت في تلك اللحظة أن أكون بلا رحمة كوحش بري.
هل هناك أي شخص لن يشعر بنفس الشيء مع الكثير لتحمله!
أستطيع أن أخبرك أنني انفجرت في البكاء ، مثل امرأة -
الا أنني كنت أكثر حزنا مني في الخميس المقدس!
كل ما سمعته هو مواء القطة التي نجت.
ياللحيوان المسكين ، أحتمت في حفرة صغيرة قريبة
خرجت من مخبأها كما لو أنها عرفت أنني عدت إلى المنزل.
عندما ذهبت ، تركت الماشية التي كانت كل ما أملك -
وفقًا لما وعد به الحاكم ، كان يجب أن نعود بعد ذلك بوقت قصير ،
وكان على زوجتي أن ترعى الممتلكات في غيابي .
في وقت لاحق ، أخبرني أحد الجيران أن أرضي صودرت ،
لقد باعوا الماشية لسداد الإيجار ،
والله وحده يعرف ما جرى بعد ذلك - لكنه آل الى الخراب.
الأولاد الصغار، وعندما و جدوا أنفسهم وسط الكثير من المشاكل ،
بدؤا العمل - ولكن كيف بمقدورهم العمل
و هم كزغاليل الحمام بلا ريش !
هاموا على وجوههم كي يتحملوا مصيرنا القاسي -
قالوا لي إن الأكبر لم يترك أخاه أبداً -
ربما ستأويهم روح مسيحية بدافع الشفقة.
وزوجتي المسكينة ، الله يعلم ما عانته !
قالوا لي إنها طارت مع صقر -
لا شك بحثا عن الخبز الذي لم أكن أنا هناك لأوفره لها .
يحدث غالبًا أن شخصًا ما يحتاج إلى شيء يملك أخر الكثير منه :
إذا لم يكن عندها قرشا واحداً و سربا من الأطفال ،
ماذا يمكن أن تفعل، المسكينة، سوى الموت من الجوع !
ربما لن أراك مرة أخرى يا حبيبتي !
ليمنحك الله الحماية التي حرمني منها -
ومن هذا المكان الآن أرسل بركاتي الى أبنائي.
سيهيمون بلا أم مثل اليتامى -
كانوا بلا أب – هكذا تخلى عنهم القدر ،
لا أحد ليحميهم ذلك الحين ، ولا حتى كلب ينبح عليهم.
المخلوقات الصغيرة الفقيرة ، ربما ليس لديهم مكان يؤويهم ،
ولا سقف يتضللون به ولا قرنة يتسللون اليها ،
ولا رداء يلبسون ، ولا معطف يلتحفون به .
وربما سينظر لهم الناس بلا شفقة أو عطف -
قد يحدث ذلك أحيانا ، و هم يرونهم يرتجفون ،
يطردوهم من مواقد النار ليتخلصوا منهم .

وعندما يكتشفون أنهم مطاردون مثل الكلاب ،
سوف يذهب أبناء مارتن فييرو يجرون معهم الهزيمة و العار ،
بحثا عن النفوس الكريمة أو للاختباء في مكان ما في التلال.
لكنني سأدلو بدلوي في هذه اللعبة ، كذلك.
لا أدين بشيء لأحد ، لن أطلب قرشا و لا أعطيه -
ولن يعتقلني أحد بعد اليوم .
لقد كنت مسالما في البداية والآن سأعيش خارج القانون.
هذه هي الحالة المحزنة التي أواجهها رغم أنهم أخطئوا بحقي كثيرا -
لقد ولدت وترعرعت في هذه المزرعة ، لكنني أعرف الدنيا الآن.
أعرف حيلها الآن ، أعرف طرقها الملتوية ،
أنا أعرف قوانين اللعبة و سبل التلاعب بتلك القوانين -
سوف أحل تلك العقدة المتشابكة حتى لو كلفني ذلك حياتي.
ومن الأفضل لك أن تتحمل الأمر ،
إذا كنت لا تريد التورط في هذا العمل القذر ،
أو تهرب أو تهاجر الى أرض أخرى -
لكنني أعيش مثل النمر الذي سرقوا جراءها .
على الرغم من أن الكثيرين يعتقدون أن الغاوتشو
كالحصان الهرم لا يشعر بالألم ،
لن تجد واحداً منهم لم تحنيه الأحزان ....
لكن يجب ألا يضعف الرجل بينما هناك دماء تتحرك في عروقه.

بسبب عدم قدرتهم على دفع الإيجاروالضرائب،طردت الزوجة والأطفال وأجبروا على الأنتقال.إن التفكيربظروفهم القاسية والظلم الكبيرالذي لحق به من قبل السلطات يجعله يائسا.لكن بدلاً من الخضوع للقمع قررأن يواجه العنف بالعنف .يعيش حياة غاوتشو شرير، يتفوق على أو يقتل أولئك الذين يحاولون القبض عليه أو أثارة غضبه ، وهو يتفاخر بمكره و قوته الجسدية . في بعض الأحيان ، هذا الصراع المستمر من أجل الوجود يثمر عن شوقً لحياة أكثر سلماً.
وفي تلك الساعة من المساء عندما ينام كل شيء ،
ويبدو أن العالم يدخل في حياة نقية الهدوء ،
يشق طريقه إلى السهول والحزن يملأه.
الضأن الصغير يثغو جنب النعجة البيضاء ،
و العجل المربوط يصيح على البقرة وهي تبتعد عنه -
لكن الغاوتشو في محنته ليس لديه من يسمع صراخه.
وأخيراً ، و بسبب التعب من الهروب من الإعتقال ، قررهو وغاوتشو آخر، اسمه كروز، عبور الحدود والعيش مع الهنود. مع الاقتراب من نهاية قصته ، يكسر مارتن فييرو قيثارة على الأرض حتى لا تقع في أيدي غير جديرة بالثقة ، ويترك للمؤلف انهاء القصيدة. يتم ذلك في المقاطع الست التالية:
سأنهي قصيدتي بأنهاء القصة .
سيكون هناك دائمًا شخص فضولي ، مثل المرأة -
وربما يرغب في معرفة ما حدث في النهاية.
قام فييرو و كروز بتجميع خيول من مزرعة:
قادوها أمامهم كما يفعل الرجل الحكيم ،
وبعد قليل ، دون أن يتم رصدهما ، عبروا الحدود.
وبعد اجتيازهما الحدود ، وفي أحدى الصباحات الباكرة ،
أخبره كروز أن ينظر إلى الوراء الى آخر المستوطنات -
وجرت دمعتان كبيرتان على خدي مارتن فييرو.
وبعدها دخلا الصحراء ....
لا أعرف ما إذا كانوا قد قتلوا في إحدى الغارات الهندية -
لكنني آمل ، في يوم ما ، أن أسمع أخبارًا منهم.
والآن ، مع هذا التقرير ، وصلت إلى نهاية قصتي.
لقد قلت كل الأشياء المحزنة التي سمعتها لأنها حقيقية -
كل غاوتشو تراه معجونا بالمصائب .

لكن عليه أن يقوي أمله بالله الذي خلقه ....
هنا سأودعكم ، يامن عرفتهم في حياتي
الرجال الذين عرفوا كل شيء
لكنكم لن تستطيعوا الغناء.
تماما كما في فعل سرفانتس الذي أغرى الأخرين لكتابة ملحق لقصته عن طريق الأبقاء على بطله في نهاية الكتاب الأول ، فأن هرنانديز، بتركه بطله عند الحدود على أمل أن يعود يوما ما ، شجع على إنتاج العديد من الملاحق التي ركزت على الجوانب الشريرة في شخصية الغاوتشو. وكانت النتيجة إنتاج عدد كبير من الروايات والمسرحيات التي تحولت فيها شخصية الغاوتشو إلى مجرم تقليدي ، أو بطل في الروايات والمسرحيات الدموية والميلودرامية. كاتب واحد هو إدواردو جوتيريز ، الأكثر شعبية من كثيرين ، الذي مجد الغاوتشو المتمرد في سلسلة طويلة من الروايات.هذه الروايات والمسرحيات كان لها تأثير سيء من الناحيتين الأدبية و النفسية . وهرنانديز، الذي أعتبر نفسه مسئولا إلى حد ما، حاول تصحيح الأمور ، من خلال كتابة ملحق "عودة مارتن فييرو" ، و فيه يعود الخارج عن القانون من جديد الى الحقول ليحيا حياة هادئة .إن هذا الملحق ، الذي تفوق أحيانا على القصيدة الأولى ، لقى هوى عند فئة محدودة من القراء ، ولم يستطع التفوق غلى الكتاب الأول في شعبيته .
عندما نشر هيرنانديز مارتين فييرو عام 1872 ، كان الغاوتشو قد بدأ في الاختفاء. لذلك جاء الملحق ، في اللحظة النفسية الصحيحة ، في نهاية حقبة من حياة السهول الأرجنتيني وقبل أن تطرد التقاليد الجديدة تلك القديمة . لذلك فأن الملحق قد خلد الغاوتشو في الأدب الأرجنتيني .
المرحلة الأخيرة من المعالجة الأدبية للغاتشو جاءت على يد الشاعر الأرجنتيني رافايل اوبليغادو الذي حول أختفاء الغاوتشو ، لا سيما الغاوتشو المغني ، الى رمز التحولات التي مرت على السهول الارجنتينية . قصيدته ، "سانتوس فيغا" ، هي من وحي الاغنية المشهورة التي تحمل الاسم نفسه :
سانتوس فيغا، المغني
صاحب الشهرة العريضة
مات وهو يغني حبه
مثل طيرعلى شجرة.
القصيدة تدور عن مغني هزمه خوان سن روبا ( الشيطان المتنكر)، في مبارزة غنائية :
خوان سن روبا ،
الذي يكنى بالغريب ،
بدأ الأمر بلحن عذب أعشقه
وغناء ينوع الأصوات بشكل جميل ،
لحن حزين لم يسمعه أحد،
لحن سماوي لم أسمعه من قبل ،
فيه سحر يسكر الحواس .
سانتوس فيغا ،
انت قلق تماما
انت تغني عن الفجر
و أماسي السهول .

والمطرب المنافس في المقابل يقدم المزيد :
كانت صرخة مدوية للتقدم
حملتها الريح.
نداء المبجل لمواجهة مجيدة .
كانت أمس وسط أغفاءة
في أحضان السهول .
الحلم النبيل بالجهود التي لم يقيمها أحد.
محراث الوعود الذي يشق قنوات الحياة
سراب سحري يتراقص على نغمات الحفل .
الوف المدن الصحراوية .
يرفع نفسه
في الوقت نفسه ، وسط هوة سحيقة
يتداعى العمر
ذلك بلا شك خوان سن روبا
رجل العلم .
يعترف سانتوس فيجا بهزيمته و ينسحب مفطور القلب :
وداعا
يا نور حياتي ،
وداعا يا زهرة سهولي
ينبوع الحلاوة
التي شربتها روحي.
وداعا يا فرحي الوحيد
لهفة وجودي الجميلة
سيتوارى سانتوس فيجا
في أعماق تلك السهول
لقد هزموه . وصل الأخوة
حان وقت الموت
لن يترك سانتوس فيجا وراءه رمادا على الأرض
ستبعثر السنوات حلاوة ذلك النزال
مجرد رجل عجوز نبيل
هكذا أنتهت القصة
و مات الغناء
لأن من عاش يغني ، قالها بحسرة
هزمه الشيطان.
في هذه المسابقة التي ينهزم بها المغني التقليدي ، هي رمز لأنتصار الجديد على القديم ، انتصار الصناعة الحديثة على الحياة الريفية البسيطة لجيل سابق.
تتفوق قصيدة أوبليغادو التي تميزت بالمذاق الأدبي الجيد والصنعة الممتازة ، على قصيدة هيرنانديز إذا قيمت من وجهة نظر فنية بحتة ، ولكنها ستجد التقدير فقط بين المتعلمين . الا أنها تفتقر إلى الجاذبية الكبيرة ل "مارتن فييرو" تحفة أدب الغاوتشو ، التي خلدت شخصية الغاوتشو .
+++++
على الرغم من وجود نماذج من الشعر الهجائي و بعض القطع المسرحية الصغيرة في مرحلة الأستعمار التي تحاكي لهجة الغاوتشو و تسخر من اسلوب حياتهم ، الا أن شعر الغاوتشو الحقيقي لم يظهر الا مع توفر بعض الشروط الخاصة : الحاجة إلى دمج الغاوتشو أولا في الجيوش الثورية وبعدها في الفصائل والأحزاب السياسية خلال فترة الحروب الأهلية. نحن نتحدث عن الأستغلال الأدبي والسياسي للغة وثقافة الغاوتشو والأستغلال العسكري والجسدي للغاوتشو. يقول أربيل تريغو ان شعر الغاوتشو هو أكثر بكثير من مجرد الأستغلال السياسي للغاوتشو أو التمثيل النصي للوطن من خلال أحد الأشكال الأدبية : إنه نظام للتواصل الاجتماعي وشكل من أشكال الأنتاج و التداول والأستهلاك الثقافي يعبرعن عالمين ثقافيين متناقضين عند مفترق طرق تاريخي ؛ أنه أداة جماهيرية أصيلة ، وأبرز ما يميزها هو إنشاء جمهور متميز وفقًا لاحتياجاته السياسية. إنه ، باختصار، مجال ثقافي للنضال من أجل الهيمنة بين المشاريع الوطنية المتنافسة في مجتمع متصدع ومستعمر عانى من صراعات متعددة ؛ أنه نمط غريب من التعددية الثقافية يحدد فيه النجاح السياسي السقوط الأخلاقي النهائي حيث سيتم بناء الدول الحديثة على بقايا ثقافة عرقية مهزومة.
ومع ذلك ، فإن معظم النقاد الأدبيين درسوا شعرالغاوتشو كنوع أدبي أو، في أفضل الحالات ، كتكوين خطابي ( كما عند فوكو) ؛ وبالمثل ، فإن معظم الدراسات الأنثروبولوجية والاجتماعية والتاريخية للغاوتشو لم تولِ اهتمامًا كبيرًا للمجموعة الوثائقية الهائلة لشعر الغاوتشو. لا بد من تجاوز هذه الأساليب الضيقة والمبتورة من أجل حسن قراءة شعر الغاوتشو: ، حسب تريغو، لسماع الأصوات التي شوهها التقليد : لاستعادة الأصوات التي أخرسها التآمر الأدبي والتاريخي: للكشف عن الجرائم التاريخية والفرص الضائعة في النسيج الوطني. تبعا لذلك ، ينبغي قراءة شعر الغاوتشو كنظام اجتماعي للأنتاج و التداول والأستهلاك الثقافي الموجودة بالفعل باختصار في الأغاني والحوارات الوطنية للمؤسس بارتلومي هيدالغو. تعمل نصوص( شعر الغاوتشو ) في وقت واحد على أربع مستويات متداخلة من الاتصال، اثنتان تتعلقان بإنتاجهما و أعادة أنتاجهما واستهلاكهما الفعلي في المجال الاجتماعي ، واثنتان تتعلقان بتحويل الأتصال الأجتماعي الى قصة داخل النص ، مما يعزز الرسالة الإيديولوجية. تتكشف هذه المستويات من الأغنية إلى الدراما ، ومن الدراما إلى السرد ، ومن السرد إلى الخطابة ، لتعكس نظاما قال عنه مارتن فييرو " الغناء الذي يتضمن رسالة "
يبدأ أدب الغاوتشو بأن يقوم متعلم بكتابة قصيدة (أو أي شكل أدبي أخر )، تحاكي لهجة الغاوتشو وتصورشخصيات الغاوتشو، لجمهورغاوتشو أمي. بالضرورة ، تتشارك هذه القطعة غير المتجانسة دفعة واحدة مع وسيلتين ودائرتين للأتصال . تُغنى هذه القصيدة ، التي تنشر في هيئة بوستر ، في المعسكرات والتجمعات الاجتماعية ، حيث تغلق الدائرة الاجتماعية للتواصل الشفهي. في وقت لاحق فقط ، مع التطور الأدبي لـلشكل الأدبي ( شعر الغاوتشو) على يد هيلاريو أسكاسبي وإستانيسلاو ديل كامبو وأنطونيو لوسيتش ، ثم يصل قمته مع خوسيه هيرنانديز ، فإن الدائرة الاجتماعية للتواصل الأدبي سوف تتحقق بواسطة قارئ متعلم . يرجع هذا الانقسام في أتصال النص في المجال الاجتماعي إلى حقيقة أن شعرالغاوتشو يتضمن وسيلتين مختلفتين (الأنتقاد المكتوب والأغنية الشفوية )، ولكن الأهم من ذلك أنها تكشف عن وسطين اجتماعيين وثقافيين غيرمتجانسين. وهكذا يتم استنساخ عدم التجانس الاجتماعي والسياسي والعرقي من خلال سلسلة من الصوريظهر فيها متعلم متؤرب ( من أوربا) ، مرتبط في الأساس بالنخبة الأرستقراطية وحامل لمشروعها الحضاري ، يظهر كمطرب يغني لجمهور غاوتشو ( الدائرة الاجتماعية للأتصال الأدبي) ، وقصة غاوتشو تروى لجمهور غاوتشو (الدائرة الاجتماعية للأتصال الشفهي) ، واللقاء بين اثنين من الغاوتشو (الدائرة الدرامية للأتصال الاجتماعي) ، حيث يروي أحدهما الأحداث التاريخية الأخيرة متبلة ببعض التعليقات السياسية (دائرة السرد من للأتصال الاجتماعي). أن علاقة القارئ-المشاهد-المحاور الضمني تؤكد الى حد بعيد الأسس السياقية للنص الذي يدرك أو يعرف من خلال أدائه. لا يساعد هذا الشكل في إخفاء السلطة النهائية للكاتب فحسب ، بل يؤثر أيضًا في شكل اخر : أن تبني الإيديولوجيات المعاصرة والحركات الجمالية (من التنوير إلى الوضعية ؛ من الكلاسيكية الجديدة إلى الرومانسية والواقعية) قد غلفت بأشكال جمالية تقليدية (مثل الريدونديلا ( قصيدة أسبانية من أربعة ابيات كل بيت يتكون من ثمانة مقاطع ) و استخدام الأمثال والاستعارات والصيغ البلاغية الأخرى أو إعادة تدوير الأنواع الشعبية الإسبانية القديمة التي تتميز بالصلابة والتناسق ، مثل الأغاني و الحوارات والرومانسيات).
وُلد شعر الغاوتشو مع حروب الاستقلال ضد الحكم الإسباني. كان هناك بعض نماذج من الشعر الهجائي و بعض القطع المسرحية الصغيرة المكتوبة بلهجة الغاوتشو (مثل قصيدة أغنية ريفية لأنتصارات السنيور دون بيدرو دي سيبالوس ، 1777 )، لخوان بالتاسار مازيل ، و قصيدة ( حب المزرعة 1780-1795) مجهولة الكاتب هما من أقدم النصوص المسجلة) ، لكنهما كتبتا من اجل النخب من الناس ، وبهذا المعنى ، كان الغاوتشو مجرد ذريعة ملونة. يمثل بارتولومي هيدالجو (1788–1822) بداية شعر الغاوتشو الوطني الملون بالسياسة الثورية والأيديولوجية المستنيرة ، بالتزامن مع المشروع الوطني الراديكالي للقائد الفدرالي الاول، خوسيه أرتيجاس، وفدراليتها الجمهورية الشعبية الديمقراطية. خلال السنوات القصيرة التي سيطرفيها خوسيه أرتيجاس على المشهد الإقليمي (1811–1515) ، كان قادرًا ضمن أجندته السياسية على تجسيد الخليط غير الواضح للرغبات الثقافية وتجارب الحياة والاحتياجات الاجتماعية للمجتمع الوليد. لقد أعطى شكلاً مؤسسيًا واتساقًا سياسيًا لحزمة من الصفات النفسية-الاجتماعية لسكان الحدود المتناثرين والمعزولين ، ودمج في العملية مهاراتهم من أجل البقاء كإشارة ثقافية لمجتمع ناشئ. بناءً على ذلك ، فإن النزعة الفردية الشجاعة لدى الغاوتشو ، والشعور بالحرية المتكبرة ، والفخر العنيد في الخرق التي يلبسوها ، وشعور الشرف المستمد من القرون الوسطى قد اتخذت شكل نظام اجتماعي وسياسي ، من شأنه أن يدوم في الذاكرة الثقافية الشعبية لسنوات قادمة.
تلخص نصوص هيدالغو ، التي تمثل الفترة التحضيرية ، هذا الشكل الأدبي : تراكيبه ونماذجه ولغته وتعابيره ومواضيعه وأنواعه و صيغه البلاغية اصبحت كلها تقاليد. أسست أغانيه اللهجة الغنائية والملحمية لشعر الغاوتشو. عززت حواراته نواتها الدرامية وطبقتها الأدائية. بعد ما حل بالرابطة الفدرالية لأرتيجاس ، والتي سحقتها الحيل التآمرية لحزب توحيد بوينس آيرس وتطلعات ريو دي جانيرو الإمبريالية ، بعدما كانت أقوى كيان سياسي في المنطقة ، سينتقل شعر الغاوتشو الوطني من التفاؤل المفرط والغطرسة الفظة للمنتصر، صوب خيبة الأمل الحزينة ومرارة التحرر من الوهم للمهزوم.
شهدت العقود التالية ، التي تأثرت بالحروب الأهلية التي لا تنتهي ، والتي كانت مصحوبة دائمًا بالاضطرابات الاجتماعية ، والصراعات الإقليمية ، والتدخلات الأوروبية ، ظهورما يعرف بالغاوتشو السياسية التي وصلت ذروتها كآلة دعاية شعبية وتربوية في عهد خوان مانويل دي روساس– القائد الفيدرالي الذي حقق التوحيد الفعلي للمقاطعات الأرجنتينية تحت رعاية بوينس آيرس- من توليه منصب حاكم بوينس آيرس في 1929 إلى هزيمته النهائية في عام 1852. تمثل هذه الفترة من الحروب الأهلية المعولمة نقطة تحول جيوسياسية ، تتمثل في بلقنة المنطقة ، وانتصار سياسات التجارة الحرة والسوق الليبرالية المفتوحة التي تبنتها إنجلترا ، وبداية فترة من إعادة التنظيم الوطني التي من شأنها أن تنشئ البنية التحتية اللوجستية ، والمؤسسات السياسية ، والتطهير الديموغرافي ، والنظام التعليمي ، والخيال الثقافي الضروري لتحديث الأرجنتين وأوروغواي كشركاء جديدين للرأسمالية البريطانية. في هذا الجو الذي يشبه الحرب ، حيث أصبحت الانقسامات الأصلية بين الفيدراليين والمركزيين غير واضحة بشكل متزايد ، ظهر جيل كبير - رومانسي جمالياً وليبرالي سياسيًا ومحافظ اجتماعيًا – بين الأوساط الفكرية المجتمعة في مونتيفيديو وسانتياغو. هذا "الجيل الرومانسي الأول" ، الذي يضم دومينغو ف. سارمينتو (1811-1888) ، وإستيبان إيشفيريا (1805-1851) وخوان باوتيستا ألبيردي (1810-1884) ، سيعيد صياغة الدول الحديثة سياسيا ومؤسساتيا و ثقافيا.
لجأت الغاوتشو السياسية ، التي تميزت بحزبية متناحرة ودفق رومانسي، وعنف لفظي بشع ، إلى التلاعب العاطفي بدلاً من الإقناع العقلاني، على عكس المبادئ المستنيرة الكامنة وراء الغاوتشو الوطنية. ومع ذلك ، على المدى البعيد ، كان لهذه الإستراتيجية تأثير مزدوج متناقض: في حين أن نطاق الاستجواب الإيديولوجي تقلص من الأمة إلى الفصيل السياسي، وبالتالي فقد جزءًا من الجمهور الأمي الأساسي ، فإن الوعي الأدبي الرومانسي من شأنه أن يرفع من تطلعاته الجمالية ، مما أدى إلى جذب جمهور قراءة جديد. بعض من أفضل الغاوتشو السياسيين مثل هيلاريو أسكاسوبي ( 1807-75) ،على الرغم من أنه كان مقيدا بسبب الوضع الأدبي المتخلف للغاوتشو، الا أنه أصبح و في الوقت المناسب مدركا للإمكانيات الأدبية الصارمة لهذا الشكل الأدبي . بحلول الستينيات من القرن التاسع عشر ، عندما لم تعد هناك حاجة إلى شعرالغاوتشوكآلة دعاية موجهة نحو الغاوتشو، جمع أسكاسوبي منشوراته المبعثرة في ثلاثة مجلدات و أنهى كتابة قصيدة ( سانتوس فيجا أو تؤام الورد) و هي قصيدة طويلة مستوحاة من الغاوتشو لكنها مصممة تمامًا لقراء عالميين متطورين .
سيتم تحقيق التحويل الأدبي لهذا الشكل على يد أستانيسلو ديل كامبو (1834-1880-) ) الذي يعتبرعمله المعنون فاوستو – وهو تفسيرغاوتشوي لأوبرا فاوست لجارلس جونود - هجاء مزدوج لكل من جهل الغاوتشو ونفاق النخبة . في الواقع ، يقوم فاوستو بتصفية شعر الغاوتشو ، حيث إنه يوضح عدم الحاجة إلى مخاطبة جمهور الغاوتشو الذي لم يعد ضروريًا سياسيًا أو عسكريًا ، ويستكمل الاستيلاء النهائي على صوت الغاوتشو من قبل الكاتب المتعلم .هذا الانقسام في التحالف الأصلي بين الغاوتشو و المتعلم هو أكثر بكثير من مجرد عدم تسييس واضح لشكل أدبي مسيس في الأساس . إنها في الحقيقة ترقى إلى جميلة ( من جمالية) السياسة التي غيرت التسييس الأصلي للجمالية التي حددت في الواقع ذلك الشكل الأدبي .
بعد سنوات قليلة من ظهور فاوستو، نشر خوسيه هيرنانديز (1834-1886) كتاب الغاوتشو مارتين فييرو( 1872) ، الذي أصبح من أكثر الكتب مبيعًا على الفور ، ليصدر بعده ملحقا في العام 1879 أسماه عودة مارتين فييرو. أعتبر الكتاب و بالأجماع تقريبا تحفة شعر الغاوتشو. فيه يستجيب مارتين فييرو للعواقب الاجتماعية المدمرة للتحديث المكثف للبنى الاقتصادية والسياسية والديموغرافية والاجتماعية التي قامت بها القلة الليبرالية في الربع الأخير من القرن. أسفرت هذه العملية عن القضاء على آخر القادة ، الذي كان بؤرة ثابتة للاضطرابات الاجتماعية ؛ دمار باراجواي وتجربتها للتنمية الذاتية ؛ وإخضاع أو القضاء التام على شعوب باتاغونيا ، وبالتالي توسيع سيطرة الحكومة المركزية على الإقليم. ظل الغاوتشو يمثلون الجزء المهم في توسيع الحدود الوطنية ، و الذي شجبه مارتن فيرو ، لكن لم تكن هناك حاجة لإقناعهم بالتجنيد: فقد تم تجنيدهم وإرسالهم وإبقائهم هناك بالقوة. أنجزت حملة الصحراء الإبادة الجسدية للغاوتشو والهنود ، الذين قاموا بإبادة بعضهم البعض من اجل الحضارة .
يدين مارتن فيرو ، في الجزء الأول ، الإبادة العسكرية والاجتماعية للغاوتشو من وجهة نظر أبوية ومحافظة ، بينما يدعو في الجزء الثاني إلى دمجهم في الجسم الوطني الحديث ، طالما تخلوا عن نمط حياتهم القديم. في انعكاس كامل لنظام التواصل في شعر الغاوتشو ، يتناول الكتاب المواطنة المتحضرة على افتراض تمثيل الغاوتشو المتلاشي ؛ لكنه أيضًا يضفي طابعًا أخلاقيا على البايزانوس ، أحفاد الغاوتشو ، ويحثهم على أن يصبحوا كاثوليكيين جيدين وعاملين موثوق بهم في دولة تقدمية حديثة. في هذا المعنى ، فإن الكتاب عبارة عن دليل تربوي و مرثاة و مديح يجسدان المعرفة ونمط حياة وقيم ، ولغة الغاوتشو ، التي كانت تتلاشى.
ولكن ربما الأهم من ذلك ، أنه يضع الأسس لهوية وطنية كارهة للأجانب مبنية على بقايا الغاوتشو واستبعاد الآخرين المنسوبين إليه - الهنود والسود والأجانب والنساء – غير المؤهلين ليكونوا ورثة لما هو بالفعل أكثر من شبح. و على العكس من التحالف الشعبي والديمقراطي لشعر الغاوتشو ، يؤسس مارتين فييرو في النهاية الأساس الأيديولوجي لشرعية الأمة الحديثة العنصرية والجنسية والشوفينية.
منذ بداياتها مع هيدالغو ، كانت الحبكة المتكرّرة لغاوتشو وهو يخبرغاوتشو آخر عن مغامراته ، أو بالأحرى مشاكله ، في المدينة الغريبة ، تتنبأ بالذوبان التدريجي ولكن الذي لا مفر منه لشعر الغاوتشو في الأشكال الحديثة للأدب والثقافة الجماهيرية. في مطلع هذا القرن ، حدثت بعض الاشتقاقات الغريبة ، مثل الشعر الشعبي الذي نشأ من خلال اللقاء في الأحياء الفقيرة بين الغاوتشو النازحين والمهاجرين الذين وصلوا حديثًا. سوف يرتبط هذا الشعر بظهور ثقافة شعبية حضرية تجسدت في التانغو ، و التي ترجمت في أعمال بعض المثقفين و على رأسهم جورج لويس بورخيس (1899-1986) ، في شكل طليعة الكريوليين وبحلول منتصف القرن العشرين ، الهم شعر الغاوتشو مدعوما بالسياسة الشعبية ، نهضة موسيقى شعبية خلطت السياسة والإعلام الجماهيري و التي لعبت دورا مركزيا في التطور المعاصر للأدب في الأرجنتين والأوروغواي
في نهاية القرن الماضي مزجت دراما الغاوتشو القريبة من روح السيرك ، وهي شكل من أشكال المسرح الذي حظي بشعبية كبيرة بين جمهور الضواحي و كان يحتوي على الخيول و الراقصين و المطربين و مبارزات بالسكاكين مع التقاليد الفنية و الجمالية و الثقافية للمسرح الريفي الواقعي حيث جرى الترويض الحقيقي للغاوتشو . كان أبطال دراما الغاوتشو ، كما في النص الذي كتبه خوسيه بوديستا مقتبسا رواية إدواردو غوتيريز المعنونة خوان موريرا (1884) حيث تتسبب القوى السياسية و الأقتصادية و الأجتماعية للتحديث في دفع البعض صوب عالم الجريمة ، و جمهور المسرحية يعرف ذلك لذلك يتفاعل معها و ينقلها الى حيث يعيش . هذا ، بالطبع ، جعل دراما الغاوتشو غير مناسبة أخلاقياً وسياسياً لمجتمع حديث وعالمي وأوروبي ، وحددت ، نتيجة لذلك ، عملية تدجين بدأت من خلال تحويلها الى ادب شعبي وانتهى بها المطاف في الذوبان في الدراما النفسية . يتم التعبير عن عملية مستمرة من التوطين الإيديولوجي في التحضر الموازي للغاوتشو والمسرح: من السهول الى المزارع ، والى الضواحي ، و الى مساكن مستاجرة وغرف معيشة عوائل الطبقة الوسطى ، كلاهما تقلصت من الساحة الكبيرة الواسعة إلى منطقة صغيرة قريبة من خشبة المسرح و من جدارية كبيرة إلى شظية صغيرة، من الصورة البانورامية الى الصورة المقربة ، و من المشهد إلى الأدب ، من الساحة الاجتماعية إلى الخيال الوطني.
في نفس الوقت ، وبحلول نهاية القرن ، أصبح التاريخ والأدب المجالين المميزين اللذين يمكن من خلالهما بناء الخلفية والذاكرة التاريخية للخيال الوطني الحديث. وسط نقاش حاد عقد في الثمانينيات من القرن الماضي بشأن إعادة التقييم التاريخي لأرتيغاس ، مهد كارلوس ماريا راميريز (1848-1898) الطريق لتصنيع ذاكرة تاريخية جديدة ، موضحًا أن "الغاوتشو ، الذين كانوا مظهرًا جميلًا من مظاهرنا البدائية للحضارة ، أستبدلوا بحضارة أكثر تقدما. أن القادة ، وهم وسيلة ضرورية لجماهير الغاوتشو للتكيف مع سيادة القانون والحرية السياسية ، أخمدوا أنفسهم .
عند اختفاء الغاوتشو والقادة من الساحة الاجتماعية السياسية ، تليت مراثيهم ؛ ما ان تحول أعداء النظام والحضارة إلى بقايا عفا عليها الزمن ، حان وقت الاستيلاء عليها بشكل رمزي . لقد كان انتصارًا فعليًا للمدينة المتعلمة على الريف ودوائر الأوليغارشية على المحرومين ، والدولة الحديثة على فوضى الأراضي الحدودية. ونتيجة لذلك ، تم ترسيخ أرتيجاس ، الأكثر همجية بين القادة الأرجنتينيين ، وفقا لسارمينتو ، كأساس للخيال الوطني لدولة أوروغواي الحديثة. يجب أن يكون خيالا قادرا على أنتاج هوية قابلة للتغيير بما يكفي لاستيعاب الأجيال القادمة من المهاجرين وتمييزهم عن الأرجنتينيين ، الذين سيواصل تاريخهم البيداجوجي ، المستوحى أيديولوجيًا من الليبرالية الأوليغارشية ، تشويه صورة القائد ، وخاصة أرتيجاس وروزاس ، ممزوجا ببعض الحقد.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,687,228,082
- شعر الأحراش : شعر رعاة البقر الأستراليون
- قراءة في شعر رعاة البقر الأميركيين 2
- و لرعاة البقر أدبهم : قراءة في شعر رعاة البقر الأميركيين 1


المزيد.....




- -المعارض-.. فيلم وثائقي عن مقتل خاشقجي يجذب اهتماما واسعا في ...
- جلسة ُ سمر
- صدور النسخة العربية من رواية ”الصبيّة والليل“ لغيوم ميسو
- قراءة في كتاب التاريخ السري للاغتيالات الإسرائيلية Rise&kill ...
- كاريكاتير القدس- الأحد
- بعد حكم عسكري وجائزة دولية.. معرض القاهرة للكتاب يستبعد دار ...
- مهرجان أبوظبي يكرم الفنان المصري يحيى الفخراني غدا
- الفنان المصري إيهاب توفيق يتعرض لانتقادات بأول ظهوره له بعد ...
- محمد الشرايطي.. فنان تونسي يحول بقايا الحديد إلى قطع فنية
- 1917 ليس الوحيد.. هذه أفضل أفلام الحروب التي أحبها الجمهور


المزيد.....

- حروف من الشرق / عدنان رضوان
- شبح الأمراض النادرة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- ديوان النفي المطلق / السعيد عبدالغني
- ديوان الحضرة / السعيد عبدالغني
- ديوان الحاوى المفقود / السعيد عبدالغني
- ديوان " كسارة الأنغام والمجازات " / السعيد عبدالغني
- أثر التداخل الثقافى على النسق الابداعى فى مسرح يوهان جوتة / سمااح خميس أبو الخير
- زمن الخراب (رواية) / محمود شاهين
- طقوس الذكرى / عبد الباقي يوسف
- مسرحية -كلمات القرد الأبيض الأخيرة- وجدلية العلاقة بين الشما ... / خالد سالم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد نجيب السعد - شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين