أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اسماعيل شاكر الرفاعي - الدرس الثاني من دروس الثورة العراقية : درس التيار الصدري















المزيد.....


الدرس الثاني من دروس الثورة العراقية : درس التيار الصدري


اسماعيل شاكر الرفاعي

الحوار المتمدن-العدد: 6376 - 2019 / 10 / 11 - 01:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الدرس الثاني من دروس ثورة العراق
درس التيار الصدري

1 -

ويتمثل هذا الدرس بالتفكك ألذي اصاب علاقة التيار الصدري بقاعدته الجماهيرية من المحرومين والمهمشين ، بعد ان ارتضت هذه القاعدة ، طوال السنوات الماضية ، وصايته عليها : عن رضا وقناعة . وهذا القول لا مبالغة فيه ، ذلك لان علاقة السمع والطاعة من جانب المحكومين التي تحدرت إلينا منذ بدء الدعوة المحمدية : علاقة أصيلة وليست دخيلة . فالسمع والطاعة لاوامر : "اولي الأمر " من الحكام والفقهاء ، وحث النفس ذاتياً على تنفيذها ، من أسس الايمان القويمة في الإسلام . لقد أنتج الإسلام نسخته من العقد الاجتماعي التي تحدد مضمونها على مستوى الدراسات الكلامية ( اللاهوتية ) : بضرورة وصاية الحاكم على المحكوم ، والسمع والطاعة له في كل ما يقرره وهو يدير الشأن العام في حالتي الحرب والسلام ، وفي حالة وضع نسب الضرايب ، وان يسمع ويطيع لما قرره الشرع من تصنيف المحكومين الى درجات أعلاها : المسلم المنتمي للطائفة الحاكمة ، وادناها : المسلم من طواءف أخرى غير حاكمة ، والعبيد والأطفال والنساء والمزارعين . وهو ذاته العقد الذي يربط قواعد التيار الصدري بزعيمه . وهذا الرباط او هذه الوصاية نابعة من صلب المفهوم الأسلامي الأساسي : مفهوم الولاء والبراء ، اي الولاء للمسلمين والبراءة ممن هم غير مسلمين . كان هذا المبدأ بمثابة مرشد ودليل عمل للمسلمين في علاقتهم بالوثنيين وباليهود والنصارى من سكنة المدينة - يثرب ، ولكنه تحول بعد وفاة محمد الى مرشد ودليل عمل لاتباع كل صحابي ممن خاضوا في مستنقع الفتنة الكبرى 36 - 40 هجرية . وقد طبقت الطواءف الإسلامية هذا المبدأ التكفيري على علاقتها بسواها من الطوائف الإسلامية الأخرى ، شاملة بذلك كل مسلم لا يوءمن بتأويلها وتفسيرها للدين ، وتعطينا الحروب الطائفية التي جرت في العراق وتجري اليوم في سوريا واليمن وليبيا مثالاً ساطعاً على ما يتضمنه هذا المبدأ من قوة تدمير هائلة لعوامل تكون مجتمع حديث في هذه البلدان . ومفهوم : الولاء والبراء اليوم من المباديء الأساسية لدى الأحزاب الإسلامية المنتشرة في البلدان الإسلامية : تحصر من خلاله - حين تستولي على الحكم - وظاءف وامتيازات السلطة بأعضاءها ، ومن هنا تنبع خطورة هذا المفهوم - الذي يشطر المجتمع الى مجتمعين : واحد من الدرجة الأولى ينعم بحياة رغيدة بما يدره عليه حزب السلطة من خيرات ، بينما يزداد تهميش المجتمع الآخر : مجتمع الأغلبية فقراً وتعاسة ، وهكذا يحول مفهوم الولاء والبراء دون تشكل وعي وطني صحيح ، وبالتالي دون ان يصبح مفهوم المواطنة ثقافة مجتمعية عامة ، فتنحسر الى حد كبير حضوض بناء دولة حديثة في هذه البلدان ، اذ لا دولة حديثة من غير ايمان مواطنيها بمفهوم المواطنة .

2 -
بعد ان منح التيار الصدري لنفسه حق الوصاية على حركة المهمشين والمحرومين طوال الفترة السابقة باسم مبدأ " الولاء والبراء " ، فاجأته مظاهرات الأول من ت/1 بتوقيتها . وهذا درس لم يكن بإمكان التيار الصدري التنبوء به واستيعابه ، ليس بسبب نقص خبرة التيار : هو الذي تمتد جذروره لحقبة ما قبل السقوط والاحتلال عام 2003 ، ومواكبته لحركة الاحداث منذ ذلك التاريخ بفعالية ، والتفرد أحياناً بصناعتها ، وإنما بسبب كثرة الأوهام الغيبية التي تتحكم بنظرة زعيمه للحراك الجماهيري ولكيفية قيادته . فهو ينظر الى نفسه كفقيه شيعي أولاً وأخيراً ، وليس كسياسي يقود اكبر حركة سياسية في البلاد . وفقهاء الشيعة مغرمون كفقهاء السنة بالروءى والغيبيات والأحلام ، ولكن فقهاء الشيعة اكثر خبالاً منهم في تأويلها وتفسيرها ( تعبيرها بلغة القران ) ومن يعرف معنى الإمامة -التي هي حجر الزاوية في المذهب الشيعي - لدى الشيعة يدرك ما أقول : فالشيعة يوءمنون باستمرار رعية جبرائيل ، بعد وفاة محمد ، للسلسلة المجتباة من نسل الإمام علي ، ولتسديد خطاهم ، ومنعهم من ارتكاب كل ما يتناقض وعصمتهم ، وتوريثهم علم النبوة او قذف العلم في قلوبهم على شكل نور كما يرى متصوفتهم . ويوءمن فقهاء الشيعة كذلك بالغيبة : المحطة الثانية الكبرى في سيرورة تطور فكر المذهب الشيعي : محطة غيبة الإمام الثاني عشر ، هرباً من بطش العباسيين ، التي ترتب عليها : ايجاد وكلاء له في هذه الحياة من فقهاء الشيعة :
من الذين وصلوا الى مرحلة محددة من الدرس والتحصيل الحوزوي توءهلهم للاتصال به وتلقي الفتوى الصحيحة منه : سياسياً ودينياً . وهذا الاعتقاد هو الذي يتحكم بنظرة مقتدى الصدر الى دوره ودور تياره في السياسة . ولهذا يواصل دروسه الحوزوية حتى الان ، ويواصل معها تجديد طموحه في ان يكون هو المرجعية بعد وفاة علي السيستاني : مرجع الشيعة في أيامنا .
منذ البدء ، اي قبل اكثر من عشرين عاماً حين تزعم مقتدى الصدر تيار والده ، كانت النظرة الأبوية غالبة على حديثه رغم شبابه : أبوته للطائفة الشيعية ، وذلك نتيجة تشبعه بمنهج التفكير الغيبي الذي يفسر من خلاله احلامه وروءاه ، تفسيراً غيبياً فيحملها على ما لا تحتمل : اتصال عالم الغيب به ومباركته ودعم شروعه بحماية الطائفة، وقد انعكس ذلك بقوة على التسمية التي اطلقها على اتباعه : تسمية جيش الإمام ، وفعلاً كان مقتدى الصدر وجيشه المدافع الأبرز عما تعرضت له الطائفة الشيعية في العراق من محاولة إبادتها على يد ارهاب القاعدة والزرقاوي ، لكن هذا الدفاع البطولي عن الطائفة انتج بوعي او بدونه تفرد حزب الدعوة بالسلطة ، وتفرد قادته : الجعفري ، المالكي ثم العبادي برئاسة مجلس الوزراء تباعاً ، بكل توجهاتهم الطائفية والمركزية التي جعلت من الدولة هيكلاً خالياً تماماً من مضمونه : الديمقراطي ، الفيدرالي اللامركزي . اضافة لما أشاعاه من المحسوبية والفساد في كافة مرافق الدولة ...

3 -
يقدم لنا تاريخ السيرة المحمدية امثلة بارزة السطوع على ان السياسة لديه ممارسة يتغلب في تبويب أولوياتها : المتحرك من الأحداث لا الثابت منها ، وأنها اكثر انفتاحاً على الواقع وتفاعلاً معه . ولنا في أسباب النزول ما يدعم أطروحة الانفتاح والتفاعل مع الظروف التي كانت تحيط بمحمد وبدعوته : وهي ظروف متحركة وغير ثابتة ، ويدعم هذه الاطروحة : ديالكتيك الناسخ والمنسوخ من آيات القران ...لم يبن محمد استراتيجياته السياسية على تاملات ميتافيزيقية ماوراءية معزولة عن محيطها الواقعي ، فهو لم ينطلق من الأوهام وهو يدعو عشيرته الأقربين الى عبادة الله دون آلهة قريش الأخرى ، لو لم يكن الله معروفاً لدى قريش ككبير الآلهة التي يتقربون بعبادتها اليه زلفى . ولم تكن النبوة غريبة على مسامعهم وغير داخلة في قاموسهم المعرفي ، فهم يعرفونها من وجود الجاليات اليهودية والنصرانية في العربيا ، ومن بعض الأفراد والقبائل العربية التي تهودت أو تنصرت . وكانت اشادة القران بالتوراة وبانبياء اليهود والإتيان على ذكر الكثير من قصصهم في المرحلة المكية من الدعوة، يعود الى حاجة محمد الماسة إلى مساندتهم ، فهم قوة معنوية ومعرفية في العربيا ، ولهم قوتهم الناعمة الموءثرة على قريش التي سترجح كفة محمد في صراعه مع تجار مكة ، وكان تأييدهم له أو الدخول في ديانته يعني : تعزيز مصداقيته في ادعاء النبوة ، خاصة وأنه كان في مكة يدعو إلى ديانته " بالكلمة الطيبة " و بالحوار الحسن " بعيداً عن حوار السيف ، كما سيحدث بعد الهجرة ، فيتحول محمد في مكة إلى قوة لا يستهان بها من القريشيين الذين أمعنوا في اضطهاد اتباعه القليلين ، وحين اكتشف محمد عناد اليهود وتمسكهم الشديد بديانتهم تخلى عنهم ، وذلك واضح من تغير لهجة القران حيالهم بعد الهجرة : فغير قبلة المسلمين من القدس إلى الكعبة في مكة ، وجعل الصلوات خمسة بدلاً من اثنتين ، واقر الطقس الوثني : الحج إلى الكعبة ، فمنح لديانته مضموناً محلياً عربياً . وعزز ذلك الانفصال عنهم بغزو مستعمراتهم وإجلاءهم عنها ، وراح يعيد تفسير الماضي الذي جاءت التوراة على ذكره جاعلاً من جميع الأنبياء السابقين عليه : مسلمين ، وجاعلاً من عقيدة الإسلام : العقيدة المركزية للديانات السابقة ، فأصبح ابراهيم مسلماً حنيفياً ، وأصبح اسماعيل الأب الذي تحدرت منه الجنسية العربية . اما بقاء محمد متمسكاً بالغيب وبمنهجه المعرفي ، فلان هذا المنهج يقوم على النبوة : الواسطة التي تنقل من عالم الغيب : المعرفة الحقة ، فالنبوة هي سلاح محمد الجبار في صناعة الاتباع المطيعين لما ينقله لهم من معرفة غيبية : سيجازي الغيب من يوءمن بها ويصدقها بالجنة ، وسيحاسب حساباً عسيراً من لا يصدق بها ويطيع اوامرها . لقد طوع محمد عالم الغيب بما فيه من قوى كالله ويوم القيامة والحساب لخدمة توجهاته السياسية ، فصنع من التخويف بها مختبراً لصناعة إنسان مطيع تابع يحركه كما يشاء : ولا يرضى عنه الا إذا بايعه على الجهاد والموت : وهكذا أصبحت - بعد التحول من استراتيجية الحوار المكية الى استراتيجية الجهاد اليثربية - طاعة الله مقترنة بطاعة محمد ، او بتعبير اكثر وضوحاً : ان لا طاعة لله مقبولة من اي فرد مسلم إذا لم بسبقها ويزكيها بطاعة محمد . فالاستراتيجية الأساسية في ديانة او سياسية محمد - لا فرق - تقوم على الطاعة ، طاعته في ما يقول وتقليد حركاته فيما يعمل . فالطاعة هنا هي الخلاصة التي كان يتوخاها محمد من اتباعه ، ولكنها تظل طاعة لله أولاً وأخيراً في وعي اتباعه ، وهذا ما كان محمداً يريده من منظومة عالم الغيب الفكرية : ان ينفصل المسلم عن واقعه أولاً : عن هويته القديمة وان يبدا بصناعة هوية جديدة تقوم على طاعة أوامر النبي بحب وتفان لانها أوامر الله ، اذ بهذه الطاعة وحدها يمكن للمسلم ان ينال سعادة الآخرة كما هي موصوفة وصفاً مغرياً في القران . ان معجزة محمد الحقيقية تجسدها هذه الصناعة ، صناعة إنسان مطيع لاوامر منقولة اليه من عالم الغيب الذي لم يقدم حتى محمد دليلاً على وجوده ، ومع ذلك فهو مستعد للموت إذا ما طلب منه عالم الغيب ذلك عن طريق النبي . بهذا النوع من الطاعة المقدسة أمكن لفراعنة مصر بناء معجزة الأهرام ، وتمكن محمد من خلاله بناء معجزته الخاصة : ان يصبح كل سكنة العربيا مسلمين مجاهدين لا يتكامل اسلامهم وينالوا الجزاء الموعود من غير فعل الجهاد والقتال ضد الأعداء حتى الرمق الأخير . فمحمد المعلم لديانة جديدة لا يشبه غيره من المؤسسيين للديانات المشرقية التي جاء على ذكر قصصهم في القران ، غالبيتهم كانوا من الأنبياء الذين قصروا عملهم على الميدان الأخلاقي والتخويف من غضب الإله . ولم يكونوا سياسيين ، فعدا موسى القراني لم يكن احد من أوليك الأنبياء له موهبة محمد السياسية : وأول علامات الموهوب سياسياً امتلاكه لجرأة المبادرة وتجميع الاتباع الذين بداوا يوءمنون بأطروحاته ، لا من اجل تكوين نحلة دينية للعبادة فقط بل ولجعلهم قوة جديدة هدفها التغيير بالقوة . وهذا ما يتطلب إدارة توءمن بتغيير المواقف . ولم تكن هكذا روءية مقتدى الصدر ، فهو ثابت ثباتاً مطلقاً على موضوعة ان : الشيعة هي الفرقة الناجية وان كل ما يطلقه فقهاوءها من تخريجات وفتاوى هي الحق والحقيقة بعينها ، وان علاقته بقواعد تنظيمه وبعموم شباب الشيعة ثابتة ولن توءثر فيها تقلبات الأحداث . ويعود هذا الإيمان برابطة الثبات : الى عدم إيمان السيد مقتدى الصدر بالفصل بين السياسة المتغيرة وثوابت الدين ، ومع انه يعرف - على حد علمي - بان السياسة علم حديث ، استقل بنفسه من هيمنة الكنيسة وأوهامها الدينية منذ صدور كتاب مكيافيلي : " الأمير " قبل اكثر من خمسة قرون الا انه ظل ينظر الى السياسة على انها فن الدفاع عن الدين وفن تسويقه ( وفق التأويل الشيعي للإسلام ) وهي الخطوات التي تقوده في الأخير - وهو ينصر الطائفة الناجية ويدافع عنها - الى دخول الجنة . فزعيم التيار ، حاله حال زعماء الأحزاب الدينية ، ما زال يمارس السياسة من خلال ثوابته الدينية ، في الوقت الذي تخلو فيه السياسة مما لدى الدين من ثابت العقيدة والأصول والأركان . ثابت السياسة الوحيد هو المصلحة ، وهي دنيوية داءماً ومن العبث جعلها دينية . فالسياسة مجموعة مصالح متغيرة لا مجموعة مباديء ثابتة . تتمثل المباديء الثابتة في السياسة ، في الكيفية التي يتم من خلالها انتخاب الاستراتيجية والتاكتيكات المناسبة لتحقيق هذه الاستراتيجية في اقصر وقت وطريق ، ولهذا فشل علي أمام معاوية . كان معاوية قد سبق مكيافيلي بقرون في طريقة اختراع التاكتيك الذي يناسب المرحلة . كان صانعاً ماهراً للتاكتيكات التي تقربه من تحقيق هدفه : في ان يكون هو الخليفة لا سواه ، ولهذا لم يستخدم القياس على الماضي ولم يعبا بمحرماته بل استخدم ذكاءه البارع بالمناورة ، وبهذا اثبت معاوية بان التحرر من ثقل الماضي هو الخطوة الصحيحة الأولى في الوصول الى الهدف المنشود . لقد لوح معاوية بقميص عثمان في اللحظة التي أعلن فيها الثوار علي خليفة : فأحدث صدعاً في الشرعية الجديدة ، ولوح بالقران في اللحظة التي كاد يتحقق فيها النصر لعلي في معركة صفين : فانشق جيش علي وبدات تأكله الخلافات ، وذلك بسبب من تمسك علي الشديد بماضيه الإسلامي وبما عاهد الثوار عليه وهم ينصبونه خليفة على المسلمين ، وكانت قولته الشهيرة " لا ادهن في ديني " تدل على تمسكه الشديد بثوابت الدين الأخلاقية وبرفضه للتكتيك والمناورة . وقد ربح الاثنان تزكية فقهاء السنة لهما كصحابين كبيرين مأواهما الجنة في الآخرة ، رغم ما بينهما من فارق القرب والبعد عن اسلام محمد . هذا هو الإسلام : لا يمكن لك ان تعده نحلة عبادة خالصة لقوم يسبحون باسم الله النهار كله وساعات صحوهم في الليل ، كما لا يمكن لك ان تعده سياسة دنيوية وصراع بين أهله على الزعامة والسلطة وما وراءهما من أموال ووجاهة وثروات . انه الحالة بين الحالتين التي ينشط فيها الفقهاء ويجعلون كل الخلفاء : خليفة واحد مطهر من كل سوء . ولا يشيرون لا من بعيد ولا من قريب الى وجود خلاف متأصل بين الإسلام الذي استخرجوه واستنبطوه من القران وما رافقته من احداث وبين اسلام التاريخ : اي اسلام الممارسة السياسية كما تجسدت عبر وقاءع التاريخ . ان عجز التيار الصدري المتأصل عن احداث التغيير المطلوب لصالح المهمشين والمحرومين يتمثل بغرامه الذي لا حدود له بالتنظيمات الشيعية ، وعمله الذي لا يكل ولا يمل على استمالتها او محاربتها ، للفوز بالتمثيل العريض في البرلمان وفرض ما يريده عليهم ، من غير التفكير الجدي بمردود ذلك على المحرومين والمهمشين من اتباعه . لقد دخل التيار فعلاً في صراع برلماني ووزاري مكشوف مع زعيم حزب الدعوة : نوري المالكي ، صحيح انه نجح في حرمان غريمه من أمنيته في رءاسة وزارة ثالثة ، ولكن التيار الصدري لم يتابع تحقيق ما يليها من : محاكمة المالكي على صرفه المليارات على حملته الانتخابية ، ولا في اجبار العبادي خليفته على إصدار القوانين التي من شانها تحسين ظروف معيشة قاعدته من المهمشين والمحرومين . فكان نصره على غريمه : رءيس حزب الدعوة ، نصراً يشبه ثورة القصور التي يتم من خلالها استبدال رءيس برئيس ، اذ نجح مقتدى الصدر في طرد حزب الدعوة من الحياة العامة ، وحصر تاثيره في الغرف المظلمة ودوائر الدولة التي ملاها رءيس الوزراء نوري المالكي بالموظفين من أعضاء حزبه ، واوصل الأمر الى شق قيادة الحزب نفسها بين موالين لنوري المالكي وموالين لحيدر العبادي . وقد توج التيار الصدري ذلك بقيادة ما يشبه الانتفاضات ، خلال سنوات رئاسة المالكي لمجلس الوزراء في أعوام 10 - 14 ، واستمر على هذا المنوال في سنوات حكم العبادي 14 - 18 ، وبلغ الذروة في دخوله المنطقة الخضراء واحتلاله للبرلمان . لكن لم يلمس الناس مردوداً إيجابياً ، ولم تتحسن اوضاعهم المعيشية او الخدمية ، وهذا ما جعل شباب الأمة من المحرومين والمهمشين يفقدون ثقتهم بالتيار ، ويعدونه يناور بهم ويستغل تضحياتهم في سبيله لتكثير أعضاءه في البرلمان وزيادة نفوذه وسلطانه على الحكومة ومجلس النواب ...

4 -
لقد تسببت انتفاضة الاول من تشرين الاول بحرج كبير للتيار الصدري . فلأول مرة تفلت زمام أمور الشارع من بين يديه ، وتتمرد على وصايته ، ويبادر المهمشون والمحرومون ، في ساحات المدن العامة ، وليس في غرف التآمر المغلقة ، الى مناداة بعضهم البعض للتجمع . وبهذه المناداة لا يمكن وصف الثورة بانها عفوية ابداً . لا توجد ثورة عفوية : لا في دواخفع وتكتيكات الثورة المجيدة البريطانية 1688 ، ولا في الثورة الفرنسية 1789 ، ولا في ثورة روسيا البلشفية 1917 ، فالثورة داءماً فعل واع ، وإلا كيف نفسر إطلاق الحريات وبناء موءسسات الدولة الحديثة في الثورات البورجوازية الأوربية 1884 ، وكيف لنا ان نفسر حقوق نقل الملكية في الثورة البلشفية 1917 . لا يمكن للعمل العفوي (رد الفعل الغريزي ) ان ينطلق بالآلاف من الجماهير في وقت واحد . لكن حين تكسر الجماهير العراقية نظرية العفوية هذه لا يصدقها الكثير من ذوي الأقلام البيروقراطية التي لا تريد ان تصدق بان جماهير المحرومين والمهمشين يمكن ان يخططوا لكيفية انتزاع حقوقهم وفي المقدمة منها حقهم الثابت في حياة كريمة ، من غير الحاجة الى دعوتهم ودعوة امثالهم من ذوي أربطة العنق الملونة ليكتبوا لهم عن معاناتهم الطويلة مع الفقر والجوع والأمراض ، او يكتبوا لهم عن كرامتهم المسفوحة أمام موظفي الدولة ، لقد ادركوا من هذه المعاناة الطويلة القاسية بان للبشر حقوق لا بد من نيلها ليستردوا بنيلها ذواتهم كبشر . هذا الإحساس ، هذا الشعور بالضياع الإنساني لا يملكه موظف الدولة ولا عضو حزب الدعوة او اي عضو من أعضاء الأحزاب الحاكمة المرفهة ، ولا يشعر به ضابط الجيش او الشرطة ، ولا تتحمل عناء الدفاع عنه : عمامة او كشيدة ، او ان تنطوي عليه جبة . يشعر به فقط أصحابه وثلة من الواقفين الى جانبهم ويشعرون بالاختناق ويفكرون مثلهم بالفرار او الانتحار . انه الشعور العميق بالمهانة وضياع الكرامة التي حاربتها إعلانات حقوق الإنسان ، ودفنتها في السواد الحالك الظلمة تنظيمات حزبية عراقية ، وحرمت نشرها في الهواء الطلق تخريجات فقهية بدوية ، والمطالبة بتطبيقها من قبل المتظاهرين ترفع عنهم صفة : العفوية ، فهم بقصدية عالية ارتأوا القيام باحتجاجاتهم في توقيت معلوم مخطط له . وليس معنى التخطيط هنا : التآمر ، فليس من واجب المتظاهرين التفتيش في نوايا المشتركين معهم : انه واجب قوى أمنية محددة تصرف الحكومة عليها الملايين من الدولارات . ان واجب المتظاهرين حين يشتد الضغط عليهم : توسيع حركتهم وضم إعداد كبيرة اليها لتتم بهذه الإعداد الضخمة من المحتجين ردع قوى الأمن والشرطة المددجة باخر مبتكرات التكنولوجيا القامعة للهبات والانتفاضات الجماهيرية . انها حركة احتجاج واسعة مفتوحة على كل التيارات والتنظيمات غير المعروفة وستظل عصية على تاطيرها ، او محاولة ايجاد واختراع ممثلين لها تطالب سلطة البرلمان بحوارهم . الثورة او الانتفاضة العراقية : حركة احتجاج واسعة لا يستطيع احد ان يدعي امتلاك القدرة على وضع عجلاتها على سكة قطاره ويوجهها الوجهة التي يشاء . ولهذا ستفشل زعامة التيار من استرداد طاعة المحرومين والمهمشين واستعادتها مجدداً الى قفص الطاعة بدعوة ممثليه البرلمانيين الى مقاطعة البرلمان .
حين لم تعد الحركة السياسية قادرة على تنفيذ الدور المرسوم لها ، او الذي اختارته للعمل بين الجماهير : تفقد بريقها بين جمهور الشباب العراقي من المهمشين والمحرومين الذين اصابهم الملل والإحباط من المناورات والتكتيكات الحزبية والزعاماتية ، انهم الان : في حالة حرب حقيقية مع سلطة حرامية لهم جيوش مليونية تحرسهم وتحميهم : وهم بحاجة الان وليس في المستقبل : الى قواد شجعان يتقدمون صفوفهم ويعرضون مثلهم صدورهم لرصاص العدو والمستعمر الداخلي ...

لويزيانا / 10 - 10 - 2019





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,569,624,045
- الدرس الأول من دروس ثورة العراق
- خطبتا رئيس الوزراء والمرجعية : مملتان
- اقف إجلالاً لثورة تحطيم المومياءات
- الى ثوار العراق
- المندسون
- بلاد العميان
- الموجة الثانية من الثورة التونسية
- وحشية الحرب السعودية الحوثية
- حكومة العراق حكومة واجهة
- الحفرية الثالثة
- الحفرية الثانية
- حفريات الفصل الثاني
- 5 أفعال محمد
- القسم الثالث والرابع من الفصل الثاني
- الفصل الثاني : انتشار الأسلام
- الرسالة والنبوة
- 2 في السيرة
- حفريات ضرورية : 1 خصوصية البيئة الثقافية المكية
- 3 الأستعداد السياسي
- 2 الأستعداد البياني أو الموهبة الأدبية


المزيد.....




- العملية التركية في سوريا: ترامب يعلن رفع العقوبات عن أنقرة ب ...
- الحكومة اليمنية تتهم -الانتقالي- بتسميم عقول الطلاب بمناهج م ...
- موعد إنتخابات إتحاد طلاب جامعة الفيوم 2019/2020
- تعيين الأمير فيصل بن فرحان وزيراً لخارجية المملكة العربية ال ...
- الجزائر: توقيف رئيس تحرير صحيفة "لو بروفنسيال"
- تعيين الأمير فيصل بن فرحان وزيراً لخارجية المملكة العربية ال ...
- الجزائر: توقيف رئيس تحرير صحيفة "لو بروفنسيال"
- تجاوزن الإصابة والتوحد.. مراهقات حققن إنجازات تحت سن العشرين ...
- أعراض تنذر بالتهاب الجيوب الأنفية
- أزمة البريكست.. ما الذي يعطل خروج بريطانيا من الاتحاد الأورو ...


المزيد.....

- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اسماعيل شاكر الرفاعي - الدرس الثاني من دروس الثورة العراقية : درس التيار الصدري