أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نافع شابو - إنتشار المسيحية في عهد كسرو الثاني قبل الحروب الساسانية البيزنطية ج3















المزيد.....


إنتشار المسيحية في عهد كسرو الثاني قبل الحروب الساسانية البيزنطية ج3


نافع شابو

الحوار المتمدن-العدد: 6375 - 2019 / 10 / 10 - 14:22
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


إنتشار المسيحية في عهد كسرو الثاني قبل الحروب الساسانية البيزنطية ج3
نافع شابو
مقدمة
بعدما تأكدت لدينا من الأبحاث الحديثة أن التاريخ الذي سجّله مؤرخي العرب والمسلمين لايمكن الأعتماد عليه ، بل هو تاريخ عليه عشرات علامات ألاستفهام ؟؟؟؟،بسبب الكم الهائل من التزوير والتلفيق والتشويه والتدليس والتحريف !!!،ولأنَّه كتبهُ المنتصرون على الشعوب المغلوبة على أمرها خلال 1400 سنة. عليه فكان لابد أن نرجع الى الوثائق والسجلات والكتب التي بحوزة الشعوب المحتلة ، من قبل العرب والمسلمين . ومن ظمن هذه الوثائق والسجلات هي :1 - تاريخ الكنيسة التي بحوزة المكتبات الكنسية في الشرق والغرب 2 - والأبحاث الحديثة التي تعتمد على مصادر كثيرة منها علم الآثار(الأركولوجي) والمخطوطات المكتشفة والمسكوكات النقدية والوثائق التاريخية والسجلات لمؤرخين غير ألمسلمين ، لكي نحصل على المعلومات عن الأحداث والوقائع التاريخية قبل وبعد ظهور الأسلام ، خاصة اذا عرفنا إن تاريخ نشوء الإسلام هو تاريخ مُتأخِّر نسبياً عن تاريخ المنطقة ، كتب في عهد العباسيين اي بعد حوالي 200 سنة ، من قبل كتبة غالبيتهم من الفرس واسيا الوسطى .
لهذا ما زال تاريخ الإسلام مجهولاً بالنسبة لنا على اعتبار أن المصادر التي بين أيدينا - على علّتها - كانت قد دُوِّنَت في فترة لاحقة لظهور و تبلور دين الإسلام و نحن لا نملك مصادر معاصرة للوقوف على حقيقة نشأة هذا الدين.

كسرى الثاني أبرويز(590-628)م وتغلغل المسيحية في البلاط الملكي
سنة 590 م استوى على العرش الساساني ، الملك كسرى الثاني (ابرويز) بن هرمزد ، ودام حكمه 38 سنة وفي عهده ومن بعده اصبحت المسيحية متغلغلة في العائلة الساسانية .
ولد خسرو الثاني(أبرويز) سنة 570م وهو آخر عظماء ملوك ساسان ، كان والده هرمز الرابع (مضيق هرمز في الخليج الفارسي سمي على اسمه) ، وكانت امه من بيت (استابدام) وهي إحدى قبائل مملكة بارثيا السبعة من جنوب غرب بحر قزوين . كان لأم الملك خسرو الثاني أخوين ألأول كان اسمه (بيستام/بسطام) والثاني "بندوي"الخالين الذين كان لديهم أكبر الأثر في نشأته .
ذكرنا في مقالتنا السابقة كيف ان كسرى ابرويز قضى على تمرّد القائد بهرام شوبين بالتعاون مع الأمبراطور موريق (موريس) البيزنطي وأخوال كسرى ابرويز وهما بندوي وبستام .
راجع المقالة السابقة
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=645449
كافأ خسرو أخواله بتعيين "بندوي" الوزير ألأول (رئيس وزرائه ). و"بستام /بسطام "حاكما على طبرستان وخورستان . لكن بعد فترة حاول ألأبتعاد عن تهمة مقتل والده هرمز الرابع ، بالأضافة الى مخاوفه من السلطات الممنوحة لأخواله وإستصغارهم له مما دفعه لقتل خاله بندوي قبل محاولة هروبه الى أخيه .هذا الحدث دفع بسطام الى إعلان العصيان وألأنقلاب على ابن اخته خسرو ، فبعث له رسالة كتب فيها ألآتي :"أنت لاتستحق الحكم أكثر مني . بالتأكيد أنا أستحقهُ لأنني من نسب(داريوس) الذين حاربنا ألأسكندر المقدوني ، أما أنتم الساسانيون فبالخداع الى العلو وصلتم وسطوتم على ملكنا وتعاملونا بالظلم . ساسان لم يكن اكثر من راعي غنم . ونحن ابناء داريوس العظيم محارب الأسكندر ملك فارس وملك بابل وفرعون مصر ".
انتشرت لظى نيران التمرد على خسرو خصوصا بعد انضمام بقايا جيش القائد بهرام المنهزم. وقد اجتاح التمرد بلاد فارس الشرقية وأستمر من سبع الى تسع سنين ، لكن تم القضاء عليه بعد ألأستعانة بالجيش ألأرمني ...في هذه الأثناء وفي سنة 600م قضى خسرو على تمرد آخر نشب في الحيرة بقيادة ملك المناذرة (النسطوري) (النعمان الثالث) وقام ،خسرو ابرويز ، بأعدام المنذر ، بسبب ما روي عن منعه من الزواج من إبنته (هند) ولقبها (الحراق) ....لكن يُرجَّح آخرون أنّها كانت لأسباب ظائفية كون المناذرة كانوا مسيحيين نسطوريين [وهناك ابحاث حديثة تقول ان ملك الحيرة منذر الثالث قُتل بسبب وقوفه مع بهرام شوبين في التمرد على كسرى الثاني ].(1)
عندما استعاد أبرويز العرش السّاساني سنة 591 م (أبرويز معناها المنصور) و تزوج من إبنة الإمبراطور موريس البيزنطي ماريا أرسل له الهدايا الكثيرة شاكرا" إيّاه على المُساعدة التي قدّمها له ألأخير و عاشت الدولتان الفارسية و البيزنطية فترة من الزمن في سلام و وئام لكنها للأسف لم تطول لأكثر من 12 سنة حين قام أحد القُوّاد البيزنطيين و يُدعى فوقاس بقتل موريس و جميع أبنائه في عام 602 م، ما عدا واحدا" منهم نجا و التجأ إلى بلاد فارس عند أبرويز ليساعده على استرداد عرشه من فوقاس كردٍّ للجميل كما فعل أبوه من قبل مع أبرويز. و لمّا سمع أبرويز خبر مقتل موريس و جميع أولاده تقريبا" حزن حزنا" شديدا" و بكى عليه و لبس الأسود و أمر كبار رجال دولته بلبس السّواد كذلك، و شرح لرجاله الدّور الكبير الذي قام به موريس في نُصرته و مساعدته و مدِّه بجيش قوي عندما ثار المُتمرّد بهرام شوبين و انتزع التّاج السّاساني
كانت الأوضاع الدينية في الشرق الأوسط خلال بداية القرن السابع مضطربة و متوتّرة، خصوصا" بين أتباع السيد المسيح بجميع طوائفهم و الذين كانوا يُشكِّلون أغلبية السكان، خصوصا" وأن الديانة الزرادشتية في إيران عرفت تراجعا" كبيرا" حتى قيل أن كسرى أنو شروان غير ديانته و اعتنق المسيحية، فقد ذكر سيبيوس أنه عندما اقتربت ساعة وفاة أنو شروان(جد ابرويز) آمن بالمسيح و قال هذه الكلمات: “أؤمن بالإله الواحد الذي خلق السماوات و الأرض و الذي يخدمه المسيحيون؛ الآب و الإبن و الروح القدس، الإله الواحد و لا يوجد إله إلا الذي يعبده المسيحيون”. بحسب رأينا فإن كسرى الأول لم يعتنق ديانة أعدائه البيزنطيين و إنّما اعتنق شكلا" آخر من أشكال المسيحية و هي النّصرانية التوحيدية غالبا" النسطورية أو نصرانية توحيدية أُخرى كالإبيونية أو الآريوسية مثلا"، و كذلك الشّأن بالنّسبة لأبرويز، و هذا ما توصل إليه أميت سكوت(2) Emmet Scott
عندما قضى كسرى الثاني على مناوئيه(بهرام شوبين) واستقر بيده زمام ألأمور ، خاف ايشوعياب الجاثليق للكنيسة المشرقية ، من بطش كسرى ، مع ان الجاثليق لم يقم بعمل ضده .إنما كان مهتما قبل كل شيء بمصالح كنيسته ولم يرد أن يتدخل في الشؤون السياسية ، لاسيما في تلك الفترة المضطربة التي حاول أشخاص عديدون ألأستيلاء على العرش الفارسي بعد الملك هرمزد . فإن ايشوعياب لم ينضم قط الى حركة التمرد والعصيان التي قام بها بهرام ضد خصومه ....كثرت خصوم الجاثليق ومنهم الروم البيزنطيين الذين لم ينسوا دوره عندما كان في ارزن ، وكيف كان ينقل أخباره الى الفرس ، لذا لم يتدخلوا في مصالحة العاهل الفارسي الجديد (كسرى الثاني) مع الجاثليق .
وإزاء هذا الجو المكفهر والضغط المتزايد ، إضطر الجاثليق الى مغادرة المداين والتوجه الى الحيرة وألأجتماع بالملك النعمان إبن المنذر(قبل مقتل الأخيرعلى يد ابرويز) ، وهو أبو قابوس ، وكان النعمان قد تنصر حديثا(سنة 593م) على يد شمعون بن جابر اسقف الحيرة ، وصار يعد نفسه من حماة المذهب النسطوري ، وأصبحت الحيرة ، حاضرة ملكه ، من معاقل هذا المذهب .وهناك وافت المنية الجاثليق سنة 595م فتولت شؤون دفنه هند الصغرى أخت النعمان ، وورى جثمان الجاثليق التراب في دير جديد كانت هند قد أقامته حديثا .
لم يحدث موقف ايشوعياب ألأول تأثيرا عميقا في نفس كسرى الثاني ولم يدفعه الى معاداة المسيحيين ،لأن أفضال الروم عليه مازالت حديثة العهد . لذلك تبنى سياسة المسامحة تجاه النصارى (المسيحيين )ومنحهم الحرية في ممارسة دينهم . شريطة أن يتجنبوا الدعاية (التبشير) في صفوف المنتمين الى الديانة المجوسية الرسمية .(الطبري ص 287).(3)

كان خسرو الثاني قد تزوج ثلاث مرات أولها من المدعوة (كوردية) اخت القائد بهرام شوبين ، والثانية من (مارية) ألأميرة المسيحية المجهولة النسب [يدعي البعض انها كانت إبنة ألأمبراطور البيزنطي موريس لكن التوثيق الكامل لحياة موريس ينفي وجود هكذا أميرة ] أمّا الثالثة فكانت المدعوة (شيرين ) (ولاتزال مدينة على الحود العراقية الأيرانية تسمى قصر شيرين باسمها] ،التي ذُكرت في كتاب الشهنامة وما ذكرعنها عن قصص الحب التي دارت بينها وبين خسرو الثاني وتأثير أفكارها ومعتقداتها المسيحية النسطورية عليه مقاربة "لقصص ألف ليلة وليلة ألأسطورية" ! . وكان أبرز أولاد خسروالثاني هما (قبّاذ أو قباد الثاني ) إبن مارية و(مارادان شاه) إبن شيرين وكان له أولاد وبنات من أشهرهم (شهريار ) و(بواردخت زوجة شهربراز القائد الذي احتل القدس وجلب الصليب الى المدائن ) و(أزاد مخت) و(فخر زادة).(4)

كانت الكنيسة الشرقية من المتانة والتنظيم بحيث لم تكن تتأثر كثيرا بالدعاية المنوفيزية لو لم تساندها عناصر قوية في البلاط الفارسي . فقد كان دوما للأطباء تاثير على الملوك في كل ألأجيال والعهود.فأنَّ هؤلاء الملوك العظام الذين كانوا يعتبرون أنفسهم أشباه آلهة ، كانوا يشعرون بحاجة الى من يطيل بقاءهم على هذه الأرض ويوفّر لهم السعادة في الصحة . فكانوا من ثمة ينظرون الى ألأطباء نظر إجلال ويمتثلون أوامرهم صاغرين . وكان في بلاط كسرى الثاني طبيب إسمه جبرائيل السنجاري نال إعجاب الملك وحظوته وأكتسب ثقة الملكة شيرين ألآرامية الت عالجها فأنجبت إبنا سميَّ "مردنشاه" بعد فترى من العقم كادت تؤدي بها الى اليأس . فوضع جبرائيل نفوذه القوي في خدمة القضية المنوفيزية . ويظهر أنَّه كان في أول عهده منوفيزيا . ولاعجب في ذلك إذا عرفنا أن سنجار كانت آنذاك تحت التأثير المنوفيزي. ألا أنه اصبح بعدئذ نسطوريا ، وقد يكون ذلك للتزوج من أمرأة نسطورية تنتمي الى عائلة شريفة ، او مراعات للتيار النسطوري الذي كان ذا حظوة في البلاط بواسطة شيرين الملكة التي كانت هي نسطورية . فلماذا إذن تخلى جبرائيل عن مذهبة النسطوري وعاد الى مذهبه ألأول؟
النساطرة يقولون هناك اسباب كثيرة ، منها أنَّ جبرائيل طلّق إمرأته الشرعية وأتخذ إمرأتين أخريتين وثنيتين "واخذ يعيش معهما عيشة وثنية " . ولمّا نصحهُ الجاثليق سبريشوع ليعود الى حفظ القوانين الكنسية ، ولم يعتبر، حرمّهُ. فأنقلب جبرائيل ناقما على النساطرة وجرّ َورائه الملكة شيرين ايضا .واخذ جبرائيل ينتهز كلّ الفرص للأيقاع بالنساطرة ومعاكسة خطّتهم . ودفع الملك الى اصدار أوامره الى الجاثليق سبريشوع برفع الحرم عنه . فرفض الجاثليق الشيخ .ثم وافاه الموت وأنقذ حياته من هذا المأزق الحرج.فانفتح المجال أمام جبرائيل لكي يختار مع الملكة شيرين الشخص الذي يريدانه للجثلقة . فأبعدا غريغور النصيبيني وأقاما عوضه غريغور ألآخر الذي سايرهم في آرائهم ، بالرغم من ميل كسرى الى غريغور النصيبيني . وساهم بعض الرؤساء الشرقيين في تعكير الجو وف ترجيح كفة الميزان لصالح المنوفيزيين .
ظلت الكنيسة الشرقية (النسطورية) بدون جاثليق منذ 609م .وبواسطة القائد فروخان [ شهربراز] ، إطَّلعوا الملك كسرو الثاني ،على رغبتهم في تقديم طلب اليه يسترحمونه في انتخاب جاثليق (راجع الطبري ص292 ،ص299) . ولكن الملك وتحت تأثير الملكة شيرين وجبرائيل السنجاري طبيب كسرى الخاص المونوفيزي ، إشترط لقبول طلبهم أن يبرهنوا عن صحة معتقدهم .فأقترح "فروخان " إجراء مناظرة عامة فيها يجيب الأساقفة النسطوريين على الأسئلة التي تُلقى عليهم...وقد طلب ألأساقفة الشرقيين الى كيوركيس وحنانيشوع أن ينظموا صورة ايمان ليقدموها لكسرى. . وقد وردت تفاصيل عن هذا الأجتماع في التاريخ الذي نشره كويدي (تاريخ كويدي ص 12، 16)وحفظ بعض الوثائق في كتاب المجامع الشرقية . الا ان كتاب المجامع الشرقية لم يزوِّدنا بتفاصيل ، عن النقاش وبالأعتراضات التي قدمها خصوم الشرقيين وأجوبة التي تلقّوها عنها
ويقول تاريخ كويدي بأقتضاب ان النقاش جرى في البلاط وقد انتصر فيه ألأرثودوكس(اي النساطرة ) على جبرائيل وأصحابه ، فأمر الملك طبيبه بالكف عن ألأساءة الى الفريق الشرقي ، ولكن هذا استمر على خطّته ، فبعد مقدمة يكيل فيها الشرقيون(النسطوريون) المديح والثناء على كسرى الثاني على اهتمامه ليس بالأمور المادية فحسب ،بل بالمعتقد الصحيح أيضا ،يوردون صورة إيمانهم الشخصي التي تنتهي بكلمات تشير الى انَّ هذا الأيمان هو ايمان الكنيسة الفارسية الوطنية .بينما تعاليم خصومهم (المونوفيزيين) هي من مستوردات ألأمبراطورية الرومانية ..وعلى إثر هذا الجدال ،قدّم الشرقيون طلبا الى الملك فيه يلتمسون بكل تواضع أن يسمح لهم بانتخاب جاثليق لكنيستهم . ألأ أن الملك القى عليهم بعض ألأسئلة التي استلهمها من المنوفيزيين وهي :
1 – ماهو ألأيمان الذي بشِّر به الرُسل ؟
2 –من هي مريم ؟ هل هي أمُّ الله أم أمُّ ألأنسان ؟
3 –هل ثمَّ مُعلّم قبل نسطوريوس نسب الى المسيح طبيعتين وشخصين(كما يعتقد النسطوريون)؟
وأجاب الشرقيون(النسطوريين) على هذه الأسئلة وعلى غيرها ، مستشهدين بكتابات بعض ألآباء أمثال القديس يوحنا الذهبي الفم والقديسين أثناسيوس وابروسيوس وحتى قورلس نفسه .ولكن كسرى لم يتخذ قرارا حاسما بشأن هذه الجدالات ...وبعد فترة وبتحريض من جبرائيل السنجاري(طبيبه الخاص) واتهام شوحالماران وكيوركيس بانهم جُحدوا لدين آبائهم الفرس وارتدادهم عن المجوسية ، انقلب كسرى الثاني على الشرقيين وامر بأعدام كوركيس صلبا . وأحدث استشهاد كوركيس هزة عنيفة في ألأوساط المسيحية فكفّ ألأساقفة عن المطالبة بإقامة جاثليق على الكنيسة الشرقية وظلت الكنيسة الشرقية بدون جاثليق . وكان من ثمة على كل مطرافوليط أن يتعهد إدارة منطقته بسهر وحزم .أما كنيسة ساليق (مقر الكنيسة المشرقية في عاصمة الأمبراطورية الفارسية ) فقام بإدارتها ألأركذياقون مار آبا الذي يصفه المؤرخون بالحكيم . وأما المناطق الشمالية فقد اتفق عدد من المطارنة على تسليم ادارتها الكنسية الى باباي الكبير الذي كان من بيث عيناثا في منطقة بيث زبدي ، وكان اذ ذاك رئيسا على الدير الكبير في جبل ايزلا .وكان باباي يمتاز بالعلم والفضيلة والغيرة العارمة على الدين المسيحي ....فهو اللاهوتي الكبير الذي ساهم في بلورة اللاهوت الشرقي في هذه الفترة ، لاسيما في كتابه الشهير "في ألأتحاد"الذي يعتبر بحق الدستور العقائدي للكنيسة الشرقية .
يزدين وتأثيره في تحسين وضع المسيحيين :
انفتح باب جديد أمام الشرقيين بموت جبرائيل السنجاري وتحسّن وضعهم في البلاط الفارسي ، لاسيّما أنّ شخصا منهم يُدعى "يزدين" حظي بثقة الملك الفارسي وأصبح لديه أمين الخزينة . وكان يزدين ينتمي الى أسرة مار فثيون الشهيد من كرخ سلوخ(كركوك حاليا) ، حيث كانت لأسرته ممتلكات واسعة . ويظهر ان الملك كان قد عهد اليه امر الجباية في المملكة كلها[ وعبر التاريخ ألأسلامي كان ، في الغالب ، يرأس وزارة المالية او الخزانة أشخاص مسيحيين لأمانتهم وثقة الخلفاء بهم].
كان يزدين ، مكرّما لدى كسرى ، وذا أموال طائلة ، وهو من خيرة المحسنين الى الكنيسة الشرقية النسطورية
.....حينما اراد الملك كسرى الثاني ابرويز ان يبني ديرا لأمرأته شيرين في مقاطعة بلشفر أرسل السعيد الذكر شمطا ابن الطوباي" مار يزدين " الى مدينة الرها لكي يجلب من هناك كتب الطقس وألأسفار المقدسة لتكون في ذلك الدير . ولما ذهب الى هناك وأكمل مهمته جلب لرباننا(رهبان دير عابي) معه كتب كثيرة لينتسخها ، ثم طلب صلاته وقفل راجعا الى بلاده .وكل الكتب التي انتسخها ربان هي من جملة الأشغال التي كلفه بها الشريف شمطا . وأنك لتجد هذه العبارة مكتوبة في أغلب الكتب : "أعطى هذا العمل شمطا الجليل ابن يزدين رئيس المؤمنين "!!!. [قارن سنة 622 التي سميت من بعد قضاء امر المؤمنين وقارن بحكام الأمويين الذين سُميُّو بامراء المؤمنين ولم يكن هناك اسم الخليفة او كلمة اسلام ].(5)
لماذا كلّف كُسرى ابرويز ابن يزدين" شمطا" لتجميع كُتب الطقس والأسفارالمقدسة (الكتاب المقدس بعهديه اي التورات والأنجيل )؟
السبب واضح فهناك في زمن كسرى الثاني اختلاف في طبيعة المسيح بين الفكر النسطوري والفكر المونوفيزي(كما ذكرنا ذلك في مقالتنا السابقة) قد انتشر لا بل سيطر في الأمبراطورية الفارسية وهذا ما نستشفه من المجامع التي عقدت في اواخر حكم الفرس الذي اصبحت فيه المسيحية حقيقة ، وهناك ابحاث وصلت الى نتيجة ان َّكسرى الثاني ومن جاء بعده كانوا مسيحيين على المذهبين المونوفيزي او النسطوري (راجع مقالتنا السابقة)
تقول باتريشا كرونة في كتابها الهاجريون :
من بين كل العلمانيين نجد يزدين الكركوكي الموظّف الأميري المسؤول عن الضرائب والجزية والغنائم لخسرو الثاني، والذي كان مبجلاً باعتباره «المدافع عن الكنيسة بطريقة قسطنطين وثيودوسيوس» وهكذا فالنساطرة كانوا متشابهين في اتحاد موقفهم من الملك الفارسي: فالجميع قبلوا بالتفوق السياسي للإمبراطورية الفارسية، وحتى الآشوريين لم يكن باستطاعتهم أن يأملوا بإعادة إحياء سنحاريبية (امجادهم ) ؛ لكن ما أثار حنقهم كان تعصب الزرادشتية الإثني، لذلك فقد كان هدفهم هداية الشاهنشاه إلى المسيحية وليس الإنفصال عن حكمه.!!!.(6)
نقرأ عند كريستنسن ما يلي:
كانت اسرة يزدين من اصل سرياني تملك أراض واسعة في منطقة كركوك، ويبدو ان يزدين كان يشغل منصبا كبيرا في الإدارة المالية، اصطحب العسكر في الحروب، كان يصدر للخزانة ألف قطعة ذهبية كل يوم وكان يدافع بحماس لايقل حرارة عن قضية النصارى وكانوا يمدحون عطفه عليهم وشدة تدينه وقد وهب هبة عظيمة لصومعة انشأتها شيرين أثيرة الملك النصرانية، وقد شيد كثيرا من الكنائس والاديرة على صورة البيت المقدس السماوي، وكان محبوبا من كسرى كما احب فرعون يوسف، بل اكثر منه وحينما غزا الفرس بيت المقدس أرسل يزدين الى المدائن غنائم عظيمة، وكان من انفس الآثار عند النصارى جزء من الصليب المقدس، وقد اودعه الملك مع عظيم الاحترام في بيت المال أنشئ خصيصا لذلك.وقد صلب ( يزدين) يهود القدس الذين اغتنموا الفرصة للانتقام من النصارى فاشعلوا النار في الكنائس، كما صودرت املاكهم بأمر من الملك وبمشورة يزدين الذي اقام بعض ما تهدم من الكنائس. (7)
وهذا الموضوع وغيره من المواضيع سنتطرق اليها في مقالاتنا التالية تابعونا ..
---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
المصادر
(1)
راجع تاريخ الأسطورة والأديان الحلقة 59
https://www.facebook.com/263584180658649/posts/563121070704957/
(2)
راجع شريف عبدالرزاق
"إماطة اللثام عن البدايات المبكرة للأسلام ج1
الظروف الدينية قبل الغزو الفارسي للدولة البيزنطية
http://ahewar.org/rate/bindex.asp?yid=13832
(3)
كتابرتاريخ الكنيسة الجزء الأول للأب "البير ابونا"
طالع ايضا المفصل في تاريخ العرب قبل الأسلام للدكتور جواد علي ص285

(4)
راجع تاريخ الأسطورة والأديان الحلقة 59
https://www.facebook.com/263584180658649/posts/563121070704957/
(5)
كتاب تاريخ الكنيسة الجزء الأول للأب البير ابونا
(6)
باتريشا كرونة في كتابها "الهاجريون"
(7)
راجع شريف عبدالرزاق فيقول :
إماطة اللثام عن البدايات المبكرة للأسلام ج1

http://ahewar.org/rate/bindex.asp?yid=13832





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,569,727,220
- القرآن من خلال ألأبحاث والدراسات النقدية ج5 – مصادر القرآن
- القرآن من خلال ألأبحاث والدراسات النقدية ج4 - مؤلفي القرآن -
- نقوش قبة الصَخرة تُؤكِّد على أنَّ -مُحمَّد-القرآن هو لقب -ال ...
- من هو عبدالملك بن مروان ؟ ولماذا بنى قبة الصخرة على انقاض( ب ...
- -مُحمَّد- في -الشهادتين- هل هو المسيح ؟؟؟ّ !!!
- انتشار المسيحية في عهد الأمبراطورية الساسانية قبل ظهور الأسل ...
- انتشار المسيحية في عهد الأمبراطورية الساسانية قبل ظهور الأسل ...
- القرآن من خلال ألأبحاث والدراسات النقدية ج3 ماقاله الباحثون ...
- جذور ألأسلام النصرانية وأكذوبة -العصر الجاهلي- في التراث الأ ...
- الأسلام عقيدة ايدولوجية اخطر من النازية والفاشية وعلى الحضار ...
- القرآن من خلال ألأبحاث والدراسات النقدية ج2
- ألأسلام ألأول كان طائفة -نصرانية- ج7
- ألآريوسية وتأثيرها على العقيدة الأسلامية !!
- جذور ألأسلام النصرانية وأكذوبة -العصر الجاهلي- في التراث الأ ...
- الأسلام عقيدة ايدولوجية اخطر من النازية والفاشية وعلى الحضار ...
- المانويَّة وتاثيرها على ألعقيدة ألأسلامية !!!
- خدعوك أخي المسلم عندما قالوا لك انّ - محمد - هو -الصادق ألأم ...
- القرآن من خلال ابحاث ودراسات نقدية -الجزء الأول *
- الأسلام عقيدة ايدولوجية اخطر من النازية والفاشية وعلى الحضار ...
- ألأسلام عقيدة *أيدولوجية أخطر من **النازية و***الفاشية وعلى ...


المزيد.....




- كيف يصلي المسلمون في بلاد تغيب فيها الشمس لأشهر طويلة؟
- رأي.. سناء أبوشقرا يكتب عن كسر الطائفية في وعي اللبنانيين: ع ...
- الأرشمندريت ميلاتيوس بصل: التهجير المسيحي في فلسطين قمعي وال ...
- سناء أبوشقرا يكتب عن كسر الطائفية في وعي اللبنانيين: عودة وط ...
- كتاب جديد يكشف الإدارة -الكارثية- لأموال الفاتيكان
- لبنان: رؤساء الكنائس يؤكدون أن الإصلاحات خطوة مهمة ولكنها تت ...
- رسالة من الإعلامي المصري باسم يوسف إلى اللبنانيين: مهمتكم صع ...
- بومبيو: المغرب يعد شريكا ثابتا ومشيعا للأمن على المستوى الإق ...
- الولايات المتحدة والمغرب يؤكدان على -الخطر الذي تمثله إيران- ...
- بعد ردود فعل غاضبة.. بلدية تركية تزيل ملصقات -معادية لليهود ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نافع شابو - إنتشار المسيحية في عهد كسرو الثاني قبل الحروب الساسانية البيزنطية ج3