أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فلاح أمين الرهيمي - ما هي العولمة ؟















المزيد.....



ما هي العولمة ؟


فلاح أمين الرهيمي

الحوار المتمدن-العدد: 6374 - 2019 / 10 / 9 - 22:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إن عصر العولمة يمثل مرحلة متقدمة للنظام الرأسمالي الامبريالي وهي تمثل أعلى مراحل الرأسمالية واتخذت فلسفة بما يناسب سلطتها الجديدة من حيث سياستها وأسلوب نظام حكمها وتطورها وتقدميتها في كافة الحقوق الديمقراطية وممارسة كافة الأعمال الاقتصادية فاتخذت من الديمقراطية مفهوم الحق في الانتخابات والمساواة ومرجعية الشعب ومن الليبرالية الاقتصادية أخذت الفردانية الاقتصادية بعد تحولها ونقلها من الحقل الاقتصادي الاستهلاكي إلى المجتمع لكي تأخذ طابع ذات فردانية اجتماعية ومفهوم التعددية السلعية إلى تعددية سياسية ... ومن خلال هذا الدمج تحولت العولمة إلى عقيدة سياسية فلسفية ومن خلال دمج الديمقراطية التي تعود إلى سياق تاريخ مختلف بصفتها عقيدة سياسية بالليبرالية بصفتها عقيدة اقتصادية ... أصبح لدى الرأسمالية المعولمة أطروحة عقيدة سياسية فلسفية اجتماعية واقتصادية شاملة أطلق عليها (الديمقراطية الليبرالية).
ظهرت العولمة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار دول المعسكر الاشتراكي وهذا يعني خروج كتلة النظام الاشتراكي من الساحة الدولية مما أدى إلى انفراد (الولايات المتحدة الأمريكية فرنسا ألمانيا بريطانيا اليابان كندا إيطاليا) وقد أصبحت هذه الدول تتحكم بالاقتصاد العالمي عن طريق مؤسسات اقتصادية عملاقة مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية ونادي باريس والمنتدى الاقتصادي العالمي وغيرها من التشكيلات التي تزيد من هيمنة وثراء هذه الدول وهذا يعني أن الدول السبعة الصناعية الكبرى هي المهيمنة على اقتصاد العالم وهي التي تتحكم فيه عن طريق إصدار مشاريع وقوانين استثمار وفق شروطها ... وتمتاز العولمة باندماج السوق العالمية في مجال حقول التجارة والاستثمار المباشر وحرية انتقال رؤوس الأموال والقوى العاملة والثقافة في إطار رأس المال العالمي وخضوع العالم لقوى السوق العالمية مما يؤدي إلى اختراق الحدود الوطنية القومية كما أن العولمة تعني عملية تدويل المتغيرات الاقتصادية فيصبح نشاطها ذا بعد تاريخي يرتبط بتطور العلاقات الاقتصادية الدولية والتجارة الخارجية وحرية انتقال رؤوس الأموال وعوامل الإنتاج وحرية انتقال الأفراد والسلع والمعلومات وأشكال السلوك والتطبيقات بين الدول العالمية ... إن العولمة لا تقتصر على الجانب الاقتصادي (فتح الأسواق والسلع والمال وفتح عمليات الاستثمار والتبادل التجاري وتجاوزاته سلطة سياسية فوقية) وتعتبر العولمة نظام قسري وفكري اختزالي يسبب ضرر يؤدي إلى أبعد الحدود من حيث نظم الاتصال عبر الأقمار الصناعية وتدفق المعلومات والتسخين الكوني وأوضاع البيئة وانتشار الفقر والأوبئة والانفجار السكاني والجريمة المنظمة والفساد الإداري وانتشار المافيات وغسل الأموال والهجرة والاضطهاد والاستغلال ... يصف الفيلسوف الألماني (بيترز لوندريك) العولمة فيقول : (النظام الرأسمالي في الدولة الديمقراطية – الليبرالية ليس غبياً حتى يكون أحادي التوجه ليسود نمط واحد من الفساد والارتشاء ... إنه يمتلك مقابل احتكاره السلطة والمعرفة وصهرها في بودقة واحدة ميداناً ثانياً يتمثل في تجديد نفسه وتفتيت سلطة وتنويع معرفته عن طريق سعيه الحثيث الدائم إلى اكتساح السوق واحتكارها حتى يصير بالإمكان التآمر ضد لعبة الاحتكار وتحويله بتأليب أنماط فساد ضد أخرى وهذه لعبة تعددية لا أخلاقية).
ويحدد المفكر دريدا مساوئ العولمة في كتابه (بيان الأطياف) فيختزل الجروح التي تنزف دماً من خلال التجليات العامة المتعشعشة تحت الظاهرة اللماعة في جلدها وغطائها فيعدد صدى جروحها في النقاط العشرة التالية :-
1) البطالة عن العمل.
2) الإقصاء الجمعي لمواطنين بلا مأوى.
3) الحروب الاقتصادية.
4) عجز السيطرة على التناقضات في السوق الليبرالية.
5) تفاقم الديون الخارجية.
6) صناعة الأسلحة والإتجار بها.
7) التوسع في نشر الأسلحة الذرية.
8) الحروب العرقية الطائفية والشوفينية.
9) نمو سلطة أشباح المافيا المتخفية تحت خيمة الرأسمالية.
10) القانون الدولي وفبركته حسب ميول ورغبات صناع القرار.
نشرت مجلة (ليموند ديبلوماتيك) الفرنسية في عددها الصادر في كانون الثاني عام/ 1955 صورة عن شروط السيطرة والتحكم في منطق العولمة عن ترجمة مصالح مجموعة من القوى الاقتصادية وخاصة مصالح رأس المال الدولي وكيف حولتها إلى مصطلحات مذهبية ذات طابع شمولي وهذه العملية تستلزم أولاً اجتياح الأفكار ودحضها لإثبات بطلانها ومعاكسة فكرها الأوحد عبر الأدوات والوسائل الكفيلة بإقرار حقيقتها كحقيقة بديهية ثابتة وغير قابلة للجدل والنقاش، وحتى يتسنى لها ذلك فإن من أول موجباتها إخضاع الفكر البشري كما يسمى (بغسل الدماغ) من كل خياراته التي تحول دون سيطرتها على السوق العالمية وفي سبيل ذلك لا يتوانى رأس المال العالمي عن القيام بمسح إلغائي معنوي أو جسدي حسب ظروف السوق ولفئات واسعة من البشر باعتبارها أعداداً وأرقاماً يجب أن تخضع وجودها لمعايير السوق حسب مفهوم الربح والخسارة وفق قاموس العولمة غير المعلن، والأخطر من ذلك هو الجاذبية البراقة لوجهها المفتح بأيديولوجيتها التي لها فعل التنويم المغناطيسي والتخدير وقد تمت صياغة هذه الأيديولوجية من قبل المؤسسات الاقتصادية الكبرى كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والتعرفة الجمركية الموحدة وغيرها، تتولى هذه الهيئات والمؤسسات تجنيد العديد من المراكز والأبحاث والجمعيات معتمدة على تمويلات عالمية تهدف إلى فبركة مفاهيم صالحة للنشر والتعميم عبر أحدث الوسائل التقنية خصوصاً وإن العالم المعاصر أصبح تحت قبضة الإعلام المرئي والمسموع بعد هذا التطور السريع لوسائل الاتصال التكنولوجي الموظف لمصلحة رأس المال العالمي وشركات الإعلام التابعة له، فتتسلل هذه الأيديولوجيات وتسيطر بطرق وأساليب مموهة تخفي حقيقتها وأهدافها الرامية إلى تدجين الجيل الصاعد عبر العديد من البرامج والأفلام الجنسية المؤثرة بإغراءاتها وجاذبيتها في منحى التكوين العقائدي للشباب وهم في طور التفتيش عن ملاذ تكتمل به شخصيتهم الموجهة لكي تتطابق وفق هذه السياسة الإعلامية وتنسجم مع نماذج أبطال الأفلام ذات المضمون الذي يحثهم على الانخراط في دائرة الاستهلاك السوقي.
يقارن الدكتور محمد عابد الجابري : (كيف كانت الثقافة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي ... فقد كانت ثقافتين ... ثقافة استعمارية امبريالية ... ثقافة وطنية تحررية ... أما اليوم فالتصنيف الذي يريد تكريسه الواقعون تحت تأثير أيديولوجية العولمة ... هو ذلك الذي يجعل الثقافة صفين ... ثقافة الانفتاح والتجديد ... وثقافة الانكماش والجمود ... أي أن الأولى ثقافة التبعية والثانية ثقافة وطنية).
يقول المفكر الإيطالي غرامشي : (إن خلق ثقافة جديدة لا يعني الاقتصار على الاكتشافات الفردية الأصيلة بل يجب تحويلها إلى قاعدة للأعمال الحيوية، لأن دور المثقفين الطبيعي وبحكم معرفتهم هو تنوير الطريق خصوصاً أمام هذه الصورة الفاتحة لعالم يقبع في ظلام اجتماعي لا مثيل له جراء هذا التفرد الأحادي لإرادة الرأسمال العالمي الذي لا يعكس برأينا الطبيعة البشرية المتعددة الأبعاد، إذ أن سيادة هذا الواقع ستؤدي إلى صنع وتكوين إنسان مستلب من القيمة الإنسانية السامية، أي إنسان ذي بعد مادي واحد يتطابق مع أحادية سلطة رأس المال العالمي).
لقد ظهرت مع ظهور العولمة ثلاث حالات هي :-
1) تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار النظام الاشتراكي.
2) التقدم العلمي والتكنولوجي والثورة المعلوماتية في الاتصالات بحيث جعلت من العالم ما يشبه القرية الصغيرة.
3) بروز الولايات المتحدة الأمريكية كأعظم وأقوى دولة في العالم وأصبحت القطب الأوحد فيه وسيادة فلسفة العولمة (ألديمقراطية – الليبرالية) في السياسة الدولية التي اعتمدتها انسجاماً مع عصر العولمة.
وهكذا وبكل بساطة حلّ السكون والأمر الواقع وانتهى الصراع في معادلة نافية ومتناقضة مع آلية التطور التاريخي وناهيه لصيرورة وحتمية التحولات الاجتماعية لتنعقد عوضاً عنها المصالحة بين التاريخ ومبتغاه الرأسمالي المتمثل بالسيطرة المحكمة من مفاهيم ومقولات ما يسمى بالنظام العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوربا الغربية، باعتبار أن هذه المصالحة تعبر عن طبيعة الإنسان المتعطش للانسياق مع ذاته المفتقدة في كل هذه الأنماط الاجتماعية السابقة وخاصة النظام الاشتراكي غير المتلازم مع ما ترمي إليه القوانين ومبادئ المنظومة الاشتراكية العلمية، وهذا ما تسبب بحسب ما تطالعنا به النظريات الجديدة للنظام العالمي الجديد بالثورة والتمرد من أجل الإطاحة بهذه الأنماط والأنظمة وذلك لتبديلها بصيغة نظامية أكثر انفتاحاً بعدما كانت النظم الاشتراكية خياراً وهدفاً رئيسياً لمعالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية العالقة عند تلك الشعوب التي تعيش الآن مخاض التغيير يفترض أن لا تتخذ منحى رأسمالية كما كان يخطط لها ويعتقد بها أصحاب النظريات المهللة والمبشرة لنهاية التاريخ والإنسان الجديد في النظام العالمي الجديد أيضاً الذي هو صورة مشوهة ومطابقة من حيث المضمون للنظام الرأسمالي الواعد بمفاجئات أملها ورجاءها ما نشاهده على الساحات الدولية من أزمات ومجازر وصراعات وحروب ترتسم من خلالها معالم النظام الجديد.
يعتبر المحللون والباحثون أن العولمة أصبحت أمراً واقعياً وتياراً جارفاً يجتاح العالم بأسره لأن العولمة تمثل أعلى مراحل الرأسمالية وإنها ظاهرة طبيعية لتطور الحضارة عبر التاريخ وسوف تفرض نفسها على العالم قاطبة، كما أن المحللين يعتقدون أن العولمة ستنتج مستقبلاً (الآلة الذكية) التي تفوق الإنسان ذكاء ومهارة وقدرة ليس في معالجة المعلومات بسرعة ودقة وإنما في مجال الإبداع.
هذا التحول التاريخي في صناعة الثقافة حيث سيطرت شركات عملاقة على الحيز العام وحولته من حقل للتحاور العقلاني إلى حقل يتحكم فيه الاستهلاك والروح السلبية للإنسانية، في هذا التحول انتقل الرأي العام من الإجماع العقلاني النابع من المجادلة والحوار والتأمل إلى رأي من استطلاعات الرأي والخبراء في الإعلام، وإن الترابط الداخلي بين السياسي والاستعراضي حيث يستقبل المواطن المستهلك ويمتص بصورة سلبية مواد التسلية والمعلومات، لذلك تحول المواطنون إلى مشاهدين لبرامج وخطابات ووسائل الإعلام التي تتحكم بالنقاش العام وتختزل مشاهديها إلى مواضيع للاختبار والمعلومات والشؤون العامة طالما أن الإعلام الجماهيري اليوم يزيل القشرة الأدبية من التأويل الذاتي للرأسمالية ويستخدمها كأشكال قابلة للتسويق للخدمات العامة المقدمة من ثقافة المستهلكين مما جعل المعنى الأصلي ينقلب رأساً على عقب.
إن عصر العولمة يمثل مرحلة متقدمة للرأسمالية الامبريالية وتعتمد العولمة على العنصر الاقتصادي في احتلالها للدول الأخرى وإن الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وتراكم رأس المال وفائض القيمة والأزمات الدولية الاقتصادية والاغتراب والحرمان والاستغلال والجوع والفقر والبطالة جميعها جراثيم ومكروبات ومآسي وآلام صفات تفرزها الرأسمالية الهرمة فانتقلت هذه الصفات السيئة إلى العولمة المتوحشة ودخلت العالم متزامنة مع الثورة المعلوماتية والتقدم التكنولوجي وتشكلت من سبعة دول عملاقة لها مؤسساتها ومشاريعها وأسلوبها في العمل كما أصبح لها فلسفة خاصة وأيديولوجيا فكرية متطورة وحديثة وجذابة وأصبحت نتاج متراكم من التجارب والأفكار التي تعكس طبيعة سلوكها الجديد، فهي تعني مصنع عالمي واحد وسوق عالمي واحد تهيمن عليه الشركات العملاقة العابرة للقارات والسلع والبضائع المنتجة تخترق الحدود وتغرق أسواق الدول المستهلكة، يتوزع التصنيع حيث تختص كل دولة من هذه الدول السبع الكبرى بإنتاجها، من أهداف العولمة إذكاء النزاعات الطائفية والقومية والثقافية في نطاق الدولة الواحدة من أجل إضعاف مقاومتها وقدرتها أمام سيادة السوق العالمي ومن أجل تفكيك الوحدة القومية وخلق كيانات طائفية وقومية ضعيفة. ومن سلبيات العولمة تعمل العولمة على إشاعة أنماط حياة وسلوكيات غربية وفاضحة من الأخلاقيات تتعارض مع أنماط الحياة والسلوكيات التقليدية الشائعة في المجتمعات الأخرى التي تتجاوز القيم القابلة للتغيير لتستهدف الثوابت من القيم الاجتماعية للشعوب لاسيما العربية والإسلامية من خلال سيطرتها على وسائل الإعلام، وتعتمد على أسلوب الإبهار والإغراء والتشويق وبشكل خاص للشباب بهدف فرض ثقافة عالمية تقضي بالنتيجة إلى تراجع وانحسار الثقافة الوطنية والقومية. كما أن الإنسان في عصر العولمة يكون مشغولاً بالأمور والمفاهيم الاقتصادية والمعيشية ويتراجع لديه الاهتمام بالأمور العائلية والسياسية والثقافية والقيم الروحية الأمر الذي يؤدي إلى شيوع الأنانية والذاتية بين الناس وحتى داخل الأسرة الواحدة وإلى حصر الصراع بين الدول في دائرة المصالح الاقتصادية التي من طبيعتها أن لا تعير اهتمام للقيم الأخلاقية والعلاقة الإنسانية وتبرز المواقف المضادة للعولمة من ثلاث تيارات (الاشتراكيين والأصوليين والقوميين).
1) الاشتراكيين : يرون في العولمة أنها خدعة امبريالية تمثل أعلى مراحل الرأسمالية من صنع الولايات المتحدة الأمريكية للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وفرض سيطرتها على العالم (أنظر إلى كتاب أمركة العالم وليس عولمته لكاتب السطور منشور على موقعه الحوار المتمدن).
2) الأصوليين : نظرتهم إلى العولمة بأنها تسلخ الإنسان (المسلم بشكل خاص) من قيمه الدينية والأخلاقية وتجعله بعيداً عن قيمه الأصلية وعن الدين الإسلامي بشكل خاص وذلك بتهجينه بالأفكار والقيم والتقاليد والعادات الغربية.
3) القوميون : يرون في العولمة أنها ستعمل على إلغاء الهوية القومية والوطنية والخصوصية المحلية وفرض نموذج ثقافي غربي على جميع شعوب الأرض وتشجع أبناء الشعوب الأخرى على منحهم (جنسيات) بلدهم مما يجعل الإنسان يحمل عدة جنسيات وهذا يعني أن الإنسان تتوزع ولاءاته الوطنية مما تجعل الإنسان تصبح علاقته بوطنه الأصلي ضعيفة.
وتتفق هذه التيارات الثلاثة على أن العولمة في جوهرها لا تحترم الإنسان ولا تحافظ على جذوره وحضارته وتجاربه وثقافته ووطنيته.
إن الدول الصناعية الكبرى تتحكم الآن بالاقتصاد العالمي عن طريق مؤسسات اقتصادية عملاقة من التشكيلات التي تزيد من ثراء هذه الدول حينما تتعامل مع الدول الأخرى، وهذا يعني أن الدول السبعة هي المهيمنة على اقتصاد العالم وهي التي تتحكم فيه عن طريق إصدار مشاريع وقوانين استثمار وفق شروطها ومصالحها، وفي عصر العولمة ستضطر مصالح هذه الدول السبعة الكبرى التنافس فيما بينها إلى أن يتدخلوا بالقوة ضد أي مصدر يهدد أو يعارض مصالحهم فتستبدل بذلك (الدكتاتورية الوطنية) (بالدكتاتورية العالمية) تحت مسميات تبدو مشروعة مثل (إدارة المجتمع الدولي) أو (أسلحة الدمار الشامل) أو (حماية مصالح الدول) ... كما تلجأ الدول الكبرى في تعاملها مع الدول الضعيفة وفق أساليب التعالي والغطرسة والهيمنة والاستغلال على أنها الدول الغربية الأكثر رقياً وتقدماً ومعرفة في السلوك المهذب والذوق والذكاء الأكثر إدراكاً للأحداث واستشراقاً للمستقبل ومن خلال هذه الأساليب الغير إنسانية يصبح الجميع مطيعين لأوامرهم وبأيديهم مما يولد لدى الآخرين ولاسيما العرب والمسلمين الشعور بالضعة والدونية مما يؤدي هذا التصرف والسلوك أن يصبح رافد يصب في حفرة الإرهاب الذي ينظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية تحديداً على أنها الجبروت المتغطرس والمساند والحاضن للماكنة العدوانية الإسرائيلية مما يخلق عند الشعوب الضعيفة ظاهرة العنف والإرهاب.
إن التحدي الذي فرضه رأس المال العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية باسم العولمة المتوحشة وربيبتها الخصخصة المتعجرفة فدمرت الإنسان والطبيعة لذا يستوجب على الدول المقهورة التي ابتليت بهذا الأخطبوط المدمر أن تحدد البعد الإنساني وتأثيره على الأجيال القادمة والبعد العالمي للصراع يتطلب منها مواجهة عالمية في التحدي لهذه الهجمة الشرسة تتحد فيها جميع الشعوب المقهورة.
التناقضات في العولمة
إن أي شيء في الوجود يولد وينمو ثم يشيخ ويفنى، أي أن بذرة فنائه تولد معه، هذه هي سنّة الوجود والحياة فيه حسب قاعدة تسلسل المراحل المتعاقبة منذ وجود الحياة على الكون إلى يومنا هذا مرتبط بالحركة والتطور والتناقض والصراع والتغيير حسب دورة الحياة ... إن تفسير أية مرحلة من مراحل التاريخ تفسر من خلال النظام الاقتصادي السائد في تلك المرحلة من الزمن التي تعكس طبيعة الإنتاج والتبادل التجاري الذي ينبثق عن التنظيم الاجتماعي الذي ينشأ عليه التاريخ السياسي والفكري لتلك المرحلة ... حينما نستعرض عصر العولمة الذي يشكل أعلى مراحل الرأسمالية فهو امتداد للمرحلة الرأسمالية بصيغة أكثر تطوراً وتقدماً ويعبر عن جوهرها ... العلم والتطور التكنيكي والمعرفة والثقافة قوى تمتلكها العولمة ولذلك إن غاية الإنتاج الرأسمالي كانت وما تزال الربح الجشع المسعور وتكديس وتراكم رأس المال هو الحافز والدافع إلى تنمية وتطوير الإنتاج ووسائل الإنتاج ... إن أشد ما يشغل بال الرأسمالي هو عنصر المنافسة والمضاربة في السوق يقول المفكر الكبير كارل ماركس : (إن الرأسمالي ينفر من فقدان الربح أو من الربح الزهيد كما تنفر الطبيعة من الفراغ إن الرأسمالي يبدي من الجرأة والإقدام حين يتعلق الأمر بربح يوافقه فهو يرضى بكل شيء في سبيل 10% من الربح المضمون وفي سبيل 20% يصبح شديد الحيوية وفي سبيل 50% يصبح مغامراً جريئاً وفي سبيل 100% يدوس بالأقدام على جميع القوانين البشرية وفي سبيل 300% لا تبق ثمة جريمة لا يكون مستعداً للمغامرة على ارتكابها ولو كلفه ذلك مجابهة المشنقة). إن أحد مبادئ العولمة حرية السوق والأسعار يحددها قانون العرض والطلب لمختلف أنواع السلع والبضائع والإنتاج يكون مرغوب حسب نوعيته وسعره تكون المنافسة بين السلع والبضائع المعروضة في السوق ... ومن هذه الناحية إن الرأسماليين عندما يحسنون ويطورون أدوات الإنتاج لا يدركون النتائج التي تؤدي إليها هذه التحسينات ولا يفهمونها ولا تخطر على بالهم نتائجها لأنهم مغامرون تدفعهم فقط مصالحهم في تسهيل عملهم من أجل الحصول على الأرباح الكبيرة مما يدفعهم إلى اقتناء وإيجاد وسائل إنتاج تكنولوجية متطورة من شأنها أن تسرع في عمليات الإنتاج وتقلل من عدد العمال والفنيين الذي يحتاجه كل معمل أو مصنع لإنتاج نفس العدد من السلع والبضائع وحتى إنتاج كميات أكبر ونوعية أحسن إن هذه العملية تركز في زيادة نفقات رأس المال الثابت (المبالغ التي تصرف على البناء والمكائن والأثاث وهذه النفقات على المواد الثابتة لا تدخل في عملية كامل الإنتاج وتوفير الربح). على حساب رأس المال المتغير (الذي يدخل في كامل عملية الإنتاج ويعتبر المصدر الرئيسي للربح (فائض الربح) وهذا يعني أن الرأس مالي حينما يدفع وينفق كثير من الأموال على رأس المال الثابت فإن هذه الأموال لا توفر له الربح بينما يصرف قليل من الأموال على المواد والوسائل التي تدخل في عملية الإنتاج للسلع والبضائع التي تشكل رأس المال المتغير مما يعني أن الرأس مالي سوف لا يجني كثير من الربح لأن المبالغ التي صرفها على المواد والوسائل التي تدر عليه الربح قليلة (رأس المال المتغير) بينما المبالغ الكبيرة صرفها على (رأس المال الثابت) التي هي الأثاث والبناء والمكائن ... إن هذه العملية أدت إلى ظاهرة التكالب والمنافسة والصراع على مردود وتوزيع الأرباح (فائض القيمة) والتي أدى بالدول الرأسمالية (السبعة الكبار) إلى الصراع والمنافسة بينهم من أجل الاستحواذ على أكبر كمية من الأرباح وذلك من خلال السيطرة واحتكار الأسواق ونتيجة لذلك ظهرت الحرب المكشوفة والمخفية بين الدول الرأسمالية (السبعة الكبار) إن ظاهرة التطور المدهش والكبير للآلة التكنولوجية أوقعت الرأسمالية المعولمة في تناقضات وصراعات ومنافسة حادة، فهي بإنتاجها كميات كبيرة ومتزايدة من البضائع والسلع وحينما تعرضها في السوق لبيعها تخفض أسعارها وحينما يتوقف صرفها وبيعها يؤدي إلى البحث عن أسواق أخرى لعرضها للبيع مما يؤدي إلى زيادة حدة المزاحمة وتفاقمها مما يؤدي إلى كسادها وإلى خسارتها ... كما تحدث حدة المزاحمة بين المعروضات في السوق مما يدفع بالرأسمالي إلى توفير المكائن المحسنة بأسعار مرتفعة من أجل إنتاج السلع والبضائع الجيدة وظاهرة المزاحمة في عرض السلع وطلبها تؤدي إلى صراع بين الرأسماليين وبالنتيجة إلى كساد وخسائر كبيرة يتحملها الرأسمالي وحينما يرغب الرأسمالي بالتمتع بقدرة المنافسة مع الآخرين فتدفع بهم إلى حرق وإتلاف المنتوجات الكثيرة وتبقى قسم منها من أجل شحتها ورفع أسعارها وهذه أحد الظواهر من المتناقضات لطبيعة العولمة.
هنالك صراع ومنافسة بين الرأسماليين في (الدول السبعة) في الحصول على المواد الأولية التي ارتفعت أسعارها واستغلالها واستخراجها مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف السلع والبضائع المنتجة وهذه العملية تؤدي عند عرضها ومنافستها السلع والبضائع الأخرى إلى كسادها لعدم شرائها بسبب ارتفاع أسعارها مما يؤدي إلى غلق المعامل والمصانع وإفلاسها.
هنالك صراع ومشاحنات بين الرأسماليين والعمال والفنيين العاملين فيها بسبب تخفيض أجورها وزيادة ساعات العمل بسبب كساد المنتجات وعدم شرائها في سوق المنافسة في العرض والطلب.
كما ينشب صراع ونضال بين الشعوب في الأوطان الخاضعة لاستقلال الرأسماليين. كم يوجد صراع بين جمعيات حقوق الإنسان والرفق بالحيوان وتلوث البيئة والجمعيات الإنسانية الأخرى التي تناضل من أجل الحرية والديمقراطية والسلام.
العراق والعولمة
الفوضى البناءة المشروع الجهنمي الذي حمله الاحتلال الأمريكي للعراق عام/ 2003 وطبقه ونفذه مهندسه (بول بريمر) وجثم بكابوسه إلى يومنا هذا وهو المشروع الستراتيجي الجديد للأمن القومي الأمريكي في 2/9/2002 والذي سمي بمبدأ بوش الذي يمثل التطبيق النصي لمبدأ (العولمة المتوحشة) وقد علق على المشروع الدكتور صالح ياسر قال فيه : (بعض رهانات الستراتيجية الأمريكية (الفوضى البناءة) في ظل لوحة بالغة التعقيد يختلط فيها الحابل بالنابل يبدو فيه الحاجة ملحة إلى تلمس الجديد للاستراتيجية الأمريكية خصوصاً ونحن في مواجهة سياسية خارجية هجومية تضرب (تحت الحزام) نفذت هذه الستراتيجية المجرمة بدقة من قبل الحاكم الأمريكي العام على العراق (بول بريمر) بعد صدور قرار احتلال العراق المرقم 1483 من قبل مجلس الأمن الدولي، لقد نفذ (بول بريمر) مشروع ستراتيجيته (الفوضى البناءة) ومن خلالها أدخل وطبق مشروع العولمة الشريرة في العراق) ... ما هي الفوضى البناءة التي كان مهندسها ومنفذها (بول بريمر) ؟... كانت الخطوة الأولى حلّ الجيش العراقي وقوى الأمن الداخلي فأصبحت حدود العراق مع دول الجوار منفلتة ومفتوحة لمن هب ودب من المافيات والإرهابيين والمخربين حسب قاعدة العولمة (دعه يدخل ودعه يخرج) وانعكس ذلك على الوضع الأمني الداخلي فانتشرت الفوضى بعد أن استغلت العناصر المخربة والأشرار والشقاة فراغ الساحة العراقية من قوى الأمن الداخلي فسادت في الأرض فساداً وتدميراً وساد الانفلات الأمني والفوضى في كثير من المدن العراقية وبقيت بغداد العاصمة سائبة وسط الموت والقتل والخطف والنهب والسلب لمدة ثلاثة أيام وكان جنود المارينز الأمريكان يقبعون على دباباتهم ودروعهم يتفرجون على الفوضى والنهب والسلب ولم يحركوا ساكن بينما يفرض القانون على الدولة المحتلة حماية الأرواح والأموال وضبط الأمن للدولة المحتلة وكانت الفضائيات تصور تلك الأحداث وترسلها عبر الأقمار الصناعية إلى جميع دول العالم وكأنها تقول لهم : انظروا إلى الشعب العراقي الفوضوي كيف يمارس السلب والنهب والسرقة ... ثم بدأت تتسرب عبر الحدود آلاف السيارات قادمة من (مقبرة السيارات) من دول الخليج العربي وأوربا إلى العراق بعشرات المليارات من الدولارات إضافة إلى الأدوات الاحتياطية لأن تلك السيارات قديمة ومستهلكة فأفرزت هذه الظاهرة المعولمة حالتين سلبيتين الأولى أزمات واختناقات في الشوارع لأن العراق لم يكن مستعداً لهذه الهجمة من السيارات ... والحالة الثانية لم يمتلك العراق الكميات التي تكفي هذه الأعداد الكبيرة من السيارات من الدهون والبنزين فكانت هذه الحالة الأولى لظاهرة الفوضى البناءة المعولمة (أزمة الازدحام والوقود) ... ثم بدأت تخترق الحدود المنفلتة وإغراق السوق العراقية بملايين السلع والحاجيات الكهربائية الرديئة من مختلف المناشئ التي كلفت خزينة الدولة مئات المليارات من الدولارات كما أدت إلى أزمات الانقطاع بالطاقة الكهربائية لعدم استطاعتها تزويد هذه الأعداد الكبيرة من المكيفات والمبردات والطباخات والغسالات الكهربائية وقد أفرزت هذه العملية إلى غلق المصانع والمعامل والصناعات الخفيفة العراقية وتسريح آلاف العمال والفنيين والمهندسين العاملين فيها ورميهم في مستنقع البطالة وإلى هجرة العقول من العراق إلى أرض الله الواسعة وابتلع البحر الأبيض المتوسط العشرات وأصبحوا طعماً للحيتان البحرية وإلى تدمير وموت الإنتاج الوطني من هذه السلع العراقية وبالرغم من رداءتها إلا أن الشعب أقبل على شراءها لشكلها اللماع وفرق سعرها كما أغرقت الأسواق العراقية بكميات كبيرة جداً من الملابس الجاهزة المختلفة الأنواع والأحجام مما أدى إلى إغلاق ورشات عمل الملابس وتعطيل عمل الخياطين وباعة الأقمشة العراقية .. كما أغرقت الأسواق العراقية بمختلف الأنواع والأحجام والألوان للأحذية والشحاطات الرجالية والنسائية والولادية كما غزت الأسواق العراقية مختلف الملابس الداخلية الرجالية والنسائية والولادية إضافة إلى مختلف الدراجات الهوائية والنارية كما أغرقت الأسواق العراقية مختلف المواد الغذائية والمخضرات والفواكه مما أثر كثيراً على الزراعة في العراق وقد ساعد ذلك قطع الأنهار والروافد التي تسقي الأراضي الزراعية من قبل دول الجوار فتصحرت الأراضي وأصبحت غير صالحة للزراعة وأصبحت دول الجوار هي الممون للمواد الزراعية والغذائية للشعب العراقي والآن وبعد سبعة عشر عاماً على هذه الظاهرة لم نجد حاجة أو سلعة إنتاج العراق وإنما جميع الأسواق العراقية مغرقة من الإبرة حتى السيارة من خارج حدود العراق وهذه الظاهرة المدمرة تشكل خطر على الأمن الغذائي للشعب العراقي ويعني أيضاً في حالة أزمات في المنطقة تؤدي إلى غلق الحدود لتلك الدولة المجاورة أو حدود العراق يعني ذلك أن الشعب العراقي يموت جوعاً ... وقد ذكر العالم الاجتماعي الراحل الدكتور علي الوردي في أحد كتبه (ملامح اجتماعية عن المجتمع العراقي) أن العراق في العصور الماضية أكل القطط والجرذان حينما كان يفرض الحصار على مدنهم وربما التاريخ يعيد نفسه ونضطر إلى أكل القطط والجرذان إذا لم يبادر العراق إلى بناء صناعة وطنية إنتاجية واستصلاح الأراضي الزراعية لكي يستطيع أن يكتفي ذاتياً إضافة إلى امتصاص البطالة والقضاء على الجوع ويصبح الشعب منتجاً وليس استهلاكي كما هو حاله الآن يتسكع في المقاهي والشعب العراقي الآن يعيش على إنتاج النفط وعائداته ويطلق عليه دولة (ريعية).
واستكمالاً لتطبيق مبدأ العولمة المتوحشة وربيبتها الخصخصة في العراق أصدر الحاكم العام المدني في العراق الأمريكي (بول بريمر) قراراً بتكوين مجلس حكم على العراق جرى تأليفه وفق القاعدة النسبية الطائفية في العراق وقد جاء هذا المجلس الذي غرز وأسس الطائفية البغيضة حسب قاعدة الطائفية ومصلحة الأفكار المعولمة التي تصب في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية في بث الشقاق والتنافر بين أبناء الشعب العراقي المسالم الوديع في التآخي والديني والمذهبي والقومي على مدى آلاف السنين وقد استمرت هذه القاعدة المدمرة والمفرقة لطبيعة الشعب العراقي في الحكم حيث أصبح اختيار رئيس الجمهورية من القومية الكردية (سني المذهب) ورئيس الوزراء (من المذهب الشيعي) ورئيس مجلس النواب من (المذهب السني) وحتى الوزراء وزعت مناصبها حسب القاعدة الطائفية مما أدت هذه الظاهرة إلى غرز النعرة الطائفية في نفوس الشعب العراقي مما أدى إلى توزيع المناصب الوزارية ليس حسب قاعدة الرجل العراقي المناسب في المكان المناسب وإنما حسب قاعدة الطائفية وقد أفرزت هذه الظاهرة المدمرة المحسوبية والمنسوبية وأوصلت العراق إلى ما نحن عليه الآن في صراع ومنافسة من أجل المناصب والمصالح الخاصة وليس مصلحة الشعب والوطن.
لمن يحسم التاريخ الصراع في العولمة
يعرف علماء الاجتماع : (الشخصية الإنسانية بأنها مجموعة نظم من الأفكار والسجايا والميول والعادات والرغبات التي تميز شخص ما عن غيره من الأشخاص) كما يقولون : (إن الشخصية الإنسانية تكوين حركي ومحاولة مستمرة في سبيل التوفيق بين الرغبات الإنسانية الطبيعية وقواعد المجتمع المفروضة عليه).
ويقول المفكر الكبير كارل ماركس : (إن التناقضات في النظام الرأسمالي واستغلاله للإنسان وحرمانه واضطهاده سوف تتسبب بحلول نظام اجتماعي جديد من أعماله الأولى (العمل المغترب) عندما تفرض عليه وتتحكم به نظم وعلاقات اجتماعية يخلقها نظام خارج عن سيطرته فإن ذلك ما يشار إليه بأنه (الاغتراب) الذي تنعكس آثاره المأساوية والمدمرة والكارثية على كافة مجالات الحياة السياسية والاجتماعية حتى العلاقات الأسرية فهي تشمل العلاقات الإنسانية وحرية الفرد تتحكم بها وتفرضها طبيعة النظم الاجتماعية بعدم السماح والقدرة عند الإنسان بالوصول إلى إمكاناتهم المبدعة وممارسة إرادتهم ورغباتهم الحرة التي هي أجزاء أساسية من الطبيعة البشرية).
في عصر العولمة المتوحشة وربيبتها الخصخصة المتعجرفة يحسم الصراع الطبقي بين النظام الرأسمالي وعدوتها الطبقة العاملة في صالح النظام الرأسمالي من خلال انفجار الثورة المعلوماتية في الاتصالات والتقدم والتطور العلمي والتكنولوجي الهائل واختراع الرجل الآلي جميع هذه المسببات أدت إلى فناء وموت الطبقة العاملة المرتبطة بالآلة والإنتاج التي تمتلكها الطبقة الرأسمالية وذلك من خلال استعمال الرجل الآلي والأتمتة والكومبيوتر في وسائل الإنتاج وأصبح المعمل يحتاج إلى أعداد قليلة من المهندسين والفنيين وأصبحت عملية تستعمل من خلال وضع الخيط في أحد الفتحات لوسائل الإنتاج ثم يبرمج الكومبيوتر عن النوع وصفة السلعة المطلوب إنتاجها وبعد دقائق يخرج من الفتحة الأخرى القميص أو البدلة أو أي شيء هذه العملية قلصت الأعداد الكبيرة من العمال الذين كانوا يعملون في العمل وقد أدت هذه العملية إلى زوال دور الطبقة العاملة في إنتاج السلع والحاجيات وقد أفرزت هذه العملية إلى تسريح آلاف العمال من العمل مما أدى إلى خلق واصطفاف هؤلاء العمال في صفوف أعداء العولمة المتوحشة وهذا يعني أن الصراع والتناقض كان في زمن الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة ... أما في عصر العولمة توسع الصراع والتناقض إلى صراع أطلق عليه المفكرين والمنظرين الماركسيين في العصر الحديث (المادية الاجتماعية التاريخية) وهذا يعني أن الصراع بعد أن كان بين الرأسمالية والطبقة العاملة وبعد أن أزيحت الطبقة العاملة من إدارة وسائل الإنتاج بعد دخول الآلات الحديثة التي تعتمد على الكومبيوتر والرجل الآلي أصبح الصراع اجتماعي واسع بين الطبقة البورجوازية المتوسطة والصغيرة بسبب قوانين العولمة التي تلغي الحدود بين الدول وتصبح الحدود مفتوحة للسلع ولرأس المال والأفراد حسب قاعدة (دعه يدخل ودعه يخرج) مما أدى إلى إغراق أسواق الدول النامية التي تمتلك ورشات عمل ووسائل إنتاج قديمة وهذا يعني أن إنتاج هذه السلع ليس مثل السلع التي تنتج بالوسائل الحديثة من حيث النوعية والأسعار مما أدى إلى التأثير على الإنتاج الوطني وأدت إلى إغلاق مصانعها فأصبحت الطبقة البورجوازية المتوسطة والصغيرة في طابور أعداء العولمة بعد أن توقفت وأغلقت مصانعها واصطفت بطابور العمال المسرحين في مستنقع البطالة ومنظمات حقوق الإنسان لأن العولمة همشت الإنسان وجعلته كالسلعة يعرض جهده وقوته في السوق ومنظمة البيئة لأن العولمة تؤدي إلى التسخين الكوني وتلوث الجو وتصحر الأرض والانحباس الحراري وجمعية الرفق بالحيوان وشغيلة اليد والفكر والحركات الإنسانية وكما ذكرنا في خلال الموضوع الفئات الاشتراكية والأصولية والقومية وقد استعرضنا في الموضوع الصراع والمتناقضات والحرب المخفية والعلنية بين الدول الكبرى جميع هذه القوى والأسباب تخلق فجوة ومتناقضات تنخر وتضعف وتقضي على العولمة وأعمالها الشريرة المعادية للإنسان والطبيعة ... كما أن تفسير هذه الظاهرة تستعرض الأسباب التي تؤدي إلى نهايتها ... تشير إلى قانون من أهم القوانين الأساسية في المادية الديالكتيكية (وحدة صراع الأضداد) الذي يبين مصدر التطور والحركة الذاتية للأشياء والظواهر : (إن العالم الموضوعي المحيط بالإنسان وكذلك صورته في الوعي هما في حركة وتطور دائمين، فالأشياء والظواهر تظهر وتتطور وتتحول بعضها إلى الآخر وفي صلب هذا التطور يقوم التناقض الديالكتيكي أي انشطار الكتلة الواحدة إلى ضدين يستهدف أحدهما الآخر ويدخل في صراع معه في نفس الوقت، فالشيء المتطور أياً كان ينطوي على جوانب أو نزعات داخلية متضادة (القديم والجديد والاستقرار والتغيير) وهذه الجوانب المتضادة تكون في وحدة (كتلة واحدة) فلا يوجد أحد جانبي التناقض الديالكتيكي بدون الآخر وهذا يعني أن مصدر التغيير داخل الأشياء والظواهر تمر بالمراحل التالية :
1) الوحدة المباشرة للنزعات المتضادة داخل الموضوع المعني.
2) التمايز، حيث ينفرز جانباً التناقض وينفصلان أحدهما عن الآخر ويكتسب كل منهما لوناً من الاستقلالية.
3) الاستقطاب، حيث يتقابل الضدان ويصبح الضد ذاته نقيضاً للآخر.
4) احتدام التناقض والصراع بين الضدين الذي ينتهي بانتصار الجديد على القديم ويؤدي حل التناقض المتطور إلى تغيير نوعي في الموضوع ذاته إلى ظهور تناقض جديد ... إن قانون وحدة صراع الأضداد يتسم بطابع شامل فهو يعمل سواء في الطبيعة الحية وغير الحية وفي المجتمع أو في الفكر.
يذكر المفكر الكبير كارل ماركس في (العمل المأجور ورأس المال) إن القانون العام للعلاقات المتبادلة بين القوى المنتجة الذي يعتبره (المضمون) والعلاقات الإنتاجية (الشكل) ويعتبر القوى المنتجة أكثر عناصر الإنتاج حركة وثورة وهي لا تبقى ولا تستقر في مكانها مدة طويلة وإن هذه القوى هي التي تحدد طبيعة علاقات الإنتاج (العلاقات التي يقيمها الناس فيما بينهم أثناء عملية الإنتاج ... أما قوى الإنتاج (هي أدوات الإنتاج والناس الذي يعملون ويملكون بعض الخبرة وتجارب العمل وعاداته وهذه القوى تعبر عن علاقة المجتمع بالطبيعة أي علاقة المجتمع الفعالة حيال الطبيعة) ... في عملية الإنتاج لا يؤثر الناس في الطبيعة فقط بل يؤثر كذلك بعضهم على بعض وتحدد طبيعة علاقات الإنتاج، فكما تكون القوى المنتجة يجب أن تكون علاقات الإنتاج التي يجب على تلك العلاقة أن تتواقف بالضرورة مع طبيعة القوى المنتجة وصفتها وحالتها ... إن علاقات الإنتاج الرأسمالية (الشكل) كانت فيما مضى شكلاً من أشكال التطور للقوى المنتجة فتحولت منذ زمن بعيد وأصبحت عائقاً وحجر عثرة في طريق تطورها وتقدمها ودخلت في صراع ونزاع ومعارضة مع القوى المنتجة (المضمون) لأنها أصبحت اجتماعية ... أما علاقات الإنتاج الذي يشمل الملكية الخاصة (الرأسمالية) لوسائل الإنتاج الأمر الذي يتعارض بصورة جذرية مع طبيعة القوى المنتجة لأن الرأسماليين حين طوروا القوى المنتجة بنسب كبيرة حينما حشدوا في المصانع والمعامل الواسعة ملايين العمال المأجورين فأعطوا الإنتاج صفة اجتماعية فحفرت الطبقة الرأسمالية قبرها بيدها لأن الطبقة الرأسمالية نسقت بهذا العمل أساسها ووجودها في الملكية الفردية الرأسمالية لوسائل الإنتاج وبما أن القوى المنتجة يجب أن تتوافق مع طبيعة علاقات الإنتاج فإن الصفة الاجتماعية لعملية الإنتاج تتطلب الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج والثروات التابعة لها ... فأفرزت هذه الظاهرة التناقض والصراع والنزاع بينهما وقد تجلى في أزمات فائض الإنتاج (إغراق الأسواق بالسلع والحاجيات) التي أدت إلى دمار القوى المنتجة وإلى بطالة كثيفة وواسعة وإلى المجاعة التي شملت مئات الملايين من البشر مما أدى بالنظام الرأسمالي إلى السقوط في شبكة واسعة من المتناقضات التي ليس لها حل سوى التغيير بحيث تصبح القوى المنتجة الاجتماعية متوافقة ومنسجمة مع علاقات الإنتاج الاجتماعية وهذه الظاهرة يفسرها المفهوم الديالكتيكي على أساس (المضمون) الذي هو القوى المنتجة التي تمتاز بالمرونة والشفافية فتتراكم فيها السلبيات والمتناقضات وكلما ازدادت هذه التراكمات ازدادت تضخماً وعنواناً حتى يصل بها الأمر إلى الانفجار على (الشكل) الذي يمثل العلاقات الإنتاجية المتمثلة بالملكية الخاصة الرأسمالية لوسائل الإنتاج فيدمرها ويفنيها ... وفي عصر العولمة التي تمثل أعلى مراحل الرأسمالية فإن ملكية وسائل الإنتاج الخاصة الرأسمالية تطورت وتقدمت مما أدى بها انفرادها واحتكارها لأسواق العالم قاطبة مدفوعة بطغيانها وجشعها وأنانيتها وراء الثراء الفاحش على حساب آلام ومآسي الشعوب فأصبح التناقض والصراع ليس فقط مع واحدة وفئة قليلة (ذكرت في الموضوع) وقد قسمت العالم إلى مجموعتين أقلية تمتلك المليارات من الدولارات وأكثرية واسعة من شعوب الأرض تعيش في المآسي والجوع والحرمان والفقر والمرض مما دفع بها إلى التحرك والنضال ضد العولمة المتوحشة كما تنقل الفضائيات تمردها ومظاهراتها وإضراباتها في جميع أنحاء العالم وحتى داخل مجتمعات الدول الرأسمالية السبعة التي تتحكم وتسيطر على الاقتصاد العالمي.
وقد تشكلت من هذه المنظمات والجمعيات التي تضررت من العولمة المتوحشة مؤسسة واحدة أطلق عليها (الأممية الرابعة) ويقود هذه المؤسسة مجموعة أطلق عليها (التروتسكين) نسبة إلى المفكر الروسي (تروتسكي) وشعارهم إسقاط والقضاء على العولمة ويعتبرون أن العولمة التي شكلتها وأسستها (الدول الرأسمالية السبعة الكبرى) وأصبحت تغزوا العالم ولذلك تعتبر الجمعية التروتسكية (الأممية الرابعة) بأن يكون النضال ضد العولمة المتوحشة (أممي) أي عالمي ونشاطها يتركز في دول أمريكا اللاتينية ولها فروع في دول آسيوية وأوربية والمظاهرات والحراك الجماهيري الذي حدث في دول أوربية قبل سنوات من حركتها وقيادتها وحتى الآن الحراك والمظاهرات في فرنسا (أصحاب القمصان الصفر) من نشاطها وعملها وهي التي تقوده.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,557,664,930
- الشك وسوء الظن يفرز الحساسية وعدم الثقة لدى الإنسان
- ما هو السبب ..!!؟
- الإعمار والاستثمار والفساد الإداري
- أين العراق والعالم الآن ؟
- العلاقة بين الشعب والدولة
- العراق والأزمات الدولية
- التاريخ يعيد نفسه في العراق
- إسرائيل رافد يصب في حفرة الإرهاب
- الفساد الإداري في صحراء النسيان دفن تحت الرمال
- تغريدة طريفة
- ليس بهذا الأسلوب تعالج مشكلة البطالة للخريجين
- أهمية الصحافة في الدول الديمقراطية (2)
- الثقة بين مجلس النواب والشعب
- الشعب والدولة
- الشهيد البطل سلام عادل صفحة مضيئة وناصعة في تاريخ الحزب الشي ...
- تعددت الأسباب والموت واحد
- والله عيب ...!!
- أزمة السودان والتأخر في حسمها
- أزمة السودان والتأخر في حلها
- العمل التطوعي .. واجب إنساني


المزيد.....




- إنقاذ طفلة عمرها 4 أيام بعد أن دفنها أهلها حية في الهند
- لبنان: حرائق.. صدمة وتساؤلات
- لبنان يستعين بطائرات من دول الجوار لإخماد حرائق واسعة
- قلق عراقي من احتمالية دخول عناصر -داعش- من سوريا
- ظريف يؤكد ضرورة إنهاء الهجمات على سوريا
- الهند.. العثور على رضيعة موءودة في وعاء
- تقريرٌ أممي يحذّر من إمكانية إصابة العمّال في قطر بـ"ال ...
- 100 صورة تكشف تغير التركيبة السكانية لكينيا
- تقريرٌ أممي يحذّر من إمكانية إصابة العمّال في قطر بـ"ال ...
- في دورته الثانية.. انطلاق منتدى الأمن العالمي 2019 بقطر


المزيد.....

- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثامنة: القطاع ... / غازي الصوراني
- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فلاح أمين الرهيمي - ما هي العولمة ؟