أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عمر بن أعمارة - إيمان العجائز أو الإله في حدود عين القلب















المزيد.....

إيمان العجائز أو الإله في حدود عين القلب


عمر بن أعمارة

الحوار المتمدن-العدد: 6373 - 2019 / 10 / 8 - 17:51
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


رأيت ربي بعين قلبي... فقلت من أنت ؟ قال أنت------ فليس للأين منك أين...وليس أين بحيث أنت.(1)
"إن أعظم احتقار يمكن توجيهه للدين هو محاولة زرعه في منطقة أخرى لا تنتمي إلى جوهره، وجعله في خدمتها، فالدين ليس بحاجة للاستدلالات المنطقية، ولكنه في الوقت ذاته لا يدعو لإقصاء المضامين العقلية"(2)
»ينبغي على الجميع احترام أي شكل من الإيمان المغاير لإيماننا.وذلك أن جوهر الإيمان البشري واحد : إنه التعلق بأفق رجاء قادر على مساعدة البشري على تحمل ما يفوق طبيعته المتناهية،لا غير.ومن يحق له أن ينكر على أحدهم حقه في تقنية الرجاء التي يرضاها لنفسه ؟ « (3)
في واقعة تنسب إلى الفخر الرازي مع امرأة عجوز، إذ أنه ذات يوم مرّ في أحد الشوارع وكان رفقة حشد من تلاميذه، وكلما نطق بكلمة ما إلا وعملوا على تدوينها، فانتبهت امرأة عجوز إلى الأمر فتعجبت ونادت علي واحد من مرافقيه فسألته عن الرجل: من يكون ؟ فاستغرب المريد متسائلا: "ألا تعرفينه ؟ وأجابها: إنه الإمام الفخر الرازي الذي يملك ألف دليل ودليل علي وجود الله". صاحت العجوز: " يا بني لو لم يكن عنده ألف شك وشك ما احتاج لألف دليل ودليل، "أفي الله من شك ؟". فلما بلغ الأمر مسامع الإمام الفخر الرازي قال: " اللهم إيمانا كإيمان العجائز ".
من لم يجد إلهه مستوطنا قلبه فلا داعي ليبحث عنه في عقله تحت أي ذريعة مهما تمنطق أو ادعى من الموضوعية والنسقية والعلم. إن نحت أو بناء إله ما داخل مساحة العقل السببي أوالعلة الأولى أو تحت التفكير في كمالية الكون أو الإيقاع المتراتب والمسترسل لقوانين الوجود التي تتكرر بمنتهى الدقة والنظام، ليس في عمق الأمر سوى الدعوة الصريحة لآلهة الفلاسفة و العلماء، وكل دعوة إلى هذا النمط من التألّه هو إعلان مكشوف عن إقصاء مقصود وتشطيب على إيمان الأطفال والبسطاء من العامة وأيضا المتصوفة.وغالبا ما يمارس هذا الشكل من الإقناع في إطار البحث عن تأكيد النتائج والخلاصات المقررة مسبقا أو ما يسمى عند المناطقة ب"المصادرة على المطلوب"، إذ تستدعى جميع الوسائل وتباح كل المناهج وتشرعن كل التأويلات من أجل معركة تثبيت الرأي والمعتقد، هكذا تمارس الإنتهازية المعرفية عبر الإنتقائية والاختزال ثم التحريف والإفتراء.
كيف لإله أن يأتينا من الخارج ويُفرضُ علينا فرضا وبشكل تعسفي تحت أي مبرر أو أي طلب تقوى أو توبة ويلزمنا على ما يجب علينا القيام به وما يجب علينا تجنبه، تارة تحت الاستدراج والإغراء بنعيم الجنة وتارة تحت التهديد والوعيد بجحيم جهنم ؟. فإما أن يأتينا من الداخل عن صدق وحرية ومحبة أو لا يكون. كيف للمناجاة أن تتم تحت الطلب وبالشكل المنمط وبالعبارات المختارة من طرف مخبري الضمائر؟ ما معنى الدعاء المستجاب أو المستحب مع تحديد الزمان والحدث وربما المكان أيضا ؟ كيف للأمل أن يحضرنا في ظل الخطوط الحمراء المسطرة من قبل حراس العقائد ؟ كيف للرجاء أن يمر تحت ضجيج وتشويش الوسطاء وعلى مصفاة رجال الدين وتحت توقيع وترخيص الفقهاء، أوَليس هو كالدمعة التي تسيل من القلب لحظة فرح أو ألم ؟ في إلهي: ألمي وأملي،قوتي وضعفي،علتي وسقمي، فيه محبتي، سعادتي، أوهامي النبيلة، نسبيتي(من النسبية) وإطلاقيتي (من المطلق)،نهايتي ولا نهايتي، فنائي وخلودي.إلهي هو حريتي ومحبتي بكل بساطة.
إن الإيمان حدث روحي أو لا يكون، وهو من الأمور المعقدة التي تدخل في خانة ما هو فردي ذاتي، لذلك يبقى مسألة شخصية تهم الفرد لوحده لا غيره، فالإيمان لا يخضع للمنطق والبرهنة والسببية والتبرير بل هو نداء إلى القلب في حضرة الصدق والحرية. في كتاب القرآن الكريم نجد الآية: »ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان آمنوا بربكم فآمنا...« (4) إذن هو استجابة لنداء وليس كل النداءات ولا أي نداء كان،لقد قيل قديما:"الإيمان فعل القلب" وأيضا الآية الكريمة تقول: »...مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ...« (5). الإيمان هو ما يأتي الفرد من أعماق بواطنه، هو ذلك الجرس الذي يرن في الداخل، هو تلك السيمفونية الخاصة التي يعزفها الشخص المؤمن بشكل منفرد ومستقل خارج أي إغراء أو إكراه أو انقياد أو مراقبة أو تقييم، لذلك إما أن يكون عن صدق وإرادة وحرية وطواعية وعن حب أو لا يكون.ذات زمان قال الفيلسوف الدانمركي كيركغورد : »إن الإنسان يعثر على حريته الحقيقية في ظلمات الإيمان«. وأضاف قائلا : »الإيمان لا يكون له معنى إن لم يكن بذلا خالصا من الإنسان في حقيقته الفردية لإله شخصي محب وعال«.(6)
إن تبرير الإيمان أو الدفاع عنه بالحجج العقلية وإيجاد له مسوغات من البراهين العلمية والسببية هو ضرب من حشر القلب في زاوية مغلقة، هو الزج به في صقيع وجفاف المنطق وخارج خصوبة وطراوة الجوارح والمؤانسة والرجاء والمناجاة والمحبة، فالحب أرحب وأوسع من أي قارّة مخصصة للعلوم وللمنطق.إن أكسجين الإيمان هو الأمل وليس المنطق والبرهان.الله ليس في حاجة إلى من يدخل معه في جدال عن نفسه وماهيته تحت أي معرفة كانت، أي على إثبات وجوده من عدمه وعلى طبيعته، الله هو ذات نفسه وموضوع محبة، إذن مقام الله هو أن يُحبّ لا غير مع غط الطرف عن كل أشكال الوجود وغلق كل الأقواس. وهو كما قال يوحنا:"الله مَحبّة" أو بتعبير ابن عربي" لولا الجود ما ظهر الوجود". فحينما نتقابل مع الله ونكون في حضرته يحضر القلب مجردا من كل الانتماءات إلا منه. »قلت: كيف الطريق إليك؟ فقال: اترك نفسك وتعال إليّ «.هكذا تساءل وهكذا أجاب ذات يوم أبا يزيد البسطامي. وحينما نتقابل مع التاريخ والمادة والعلم يحضر العقل محررا من كل العقائد والنتائج المسبقة وهو متسلحا بأحدث المناهج العلمية.يقول أحد العارفين المسيحيين: »أن ثمة دائما بين الإنسان والله سحبا من اللاعلم ولن تنقشع هذه السحب إطلاقا ولن يعرف الإنسان يوما ما هو الله ومن هو الله.السبيل الوحيد لنجاة الإنسان هو السير بين سحب اللاعلم (برأس سهم الحب الأعمى الحاد جدا) «. (7)
الإيمان يقع في منطقة منزوعة العقل، لذلك أي محاولة لإظهار الأخطاء التاريخية أو العلمية أو تبريره بالحجج المنطقية والمعطيات العلمية، هو ضرب من الإقامة في ضيق وتخوم المختبرات لا في رحاب القلب والروحانيات.
العلم مجاله: المادة والملاحظة والتجربة والمختبر والتراكم والنسبية ويمارس على ضوء المناهج الممكنة وبالتالي هو معرض للأخطاء وللنقد وللتعديل وللحذف والإضافة أما الإيمان مجاله القلب والوجدان والمحبة والغيب.في كتاب القرآن وردت الآية : »الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ« (8) وفي هذا المضمار قال الفيلسوف الدانماركي كيركغورد: »لايمكن أن يتوفر الإيمان من دون توجس، فالإيمان بتحديد دقيق يتمثل بالتناقض بين اندفاع الروح وغياب اليقين الموضوعي. لو كان في وسعي أن أدرك الله على نحو موضوعي حسّي فحينها لن أكون مؤمنا. ولكن من المفترض أن أتحلى بالإيمان حين أكون عاجزا عن ذلك بالتحديد « (9).
الهوامش
(1) الحلاج – كتاب الطواسين
(2) فتحي المسكيني -مقال تحت عنوان: الإساءة إلى الذات الإلهية.
(3) شلاير ماخر كتاب:" عن الدين: خطابات لمحتقريه من المثقفين"
(4) سورة آل عمران الآية 193
(5) سورة المائدة الآية 41
(6) مقال تحت عنوان: فلسفة الدين عند كيركغورد- حسن يوسف- موسوعة فلسفة الدين 1 تمهيد لدراسة فلسفة الدين. إعداد وتحرير د عبد الجبار الرفاعي.
(7) حوار مع محمد مجتهد شبستري تحت عنوان: الإيمان والتجارب الدينية- موسوعة فلسفة الدين- 2 الإيمان والتجربة الدينية. إعداد وتحرير د عبد الجبار الرفاعي.
(8) سورة البقرة الآية 3
(9) مقال تحت عنوان: العقل والإيمان دراسة مقارنة بين ابن عربي وكيركغورد - محسن جوادي- ترجمة سرمد الطائي - موسوعة فلسفة الدين-1 تمهيد لدراسة فلسفة الدين إعداد





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,555,220,509
- كتاب -صحيح البخاري نهاية أسطورة- تعليقات أولية على هامش ما أ ...
- دول مجاورة للحداثة ومواطنون لايِت ( (Light
- قَبْرِيَّات تمرينات رشيقة استعدادا للرحيل
- احذروا، إنه بيض أدولف هتلر
- حين تصبح الكراهية آلية للقياس والجهل مستنقع للطهارة
- كل ما تعلمته من الكتب العربية هو أن العرب(كانوا)
- هل المستقبل للإسلام الروحاني ؟؟؟
- الأنا والموت والقبر كنهاية سعيدة (الجزءالرابع)
- الأنا والموت والقبر كنهاية سعيدة (الجزءالثالث)
- الأنا والموت والقبر كنهاية سعيدة (الجزء الثاني)
- الأنا والموت والقبر كنهاية سعيدة (الجزء الأول)
- في بؤس الفقه الإسلامي-المعاصر-.
- عنف في الفضاءات العمومية
- نداء الواحة ورحلة العبور أو السفر حيث تجد نفسك
- لباس البرلمانية أمينة بين ضيق الدعوي وانتهازية السياسي ورحاب ...
- فقهاء أم ثقوب سوداء أو العدمية بصيغة دينية.
- وصفة سلفية أصيلة لحل معضلة حوادث السير عند أمتنا
- المفكر التنويري محمد أركون تحت مِعْوَل د. بنسالم حميش الصَّد ...
- المركزية المعكوسة أو احتقار الذات المبدعة
- إلى متى ستموت الأوطان فينا ؟؟؟


المزيد.....




- كيف حول وسم على تويتر البابا فرانسيس لمشجع فريق كرة قدم؟
- كيف حول وسم على تويتر البابا فرانسيس لمشجع فريق كرة قدم؟
- النيابة المصرية تجدد حبس ابنة يوسف القرضاوي ونافعة وإسراء عب ...
- المسماري: لم نستهدف المدنيين في القصف الجوي ويتهم -الإخوان ا ...
- أردوغان يكشف عن خطة تركيا في منبج.. ويهاجم الناتو: ربما لأنن ...
- بالفيديو.. وفد من المنتخب السعودي يزور المسجد الأقصى
- الخارجية الفلسطينية: الاحتلال الإسرائيلي يجند الأعياد الديني ...
- المسجد البابري تحت الضوء مجددا.. الهند تشدد القيود الأمنية ق ...
- الفاتيكان: أحداث سوريا أكبر كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية ...
- الفاتيكان: أحداث سوريا أكبر كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عمر بن أعمارة - إيمان العجائز أو الإله في حدود عين القلب