أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منذر خدام - الحلقة الثالثة عشرة: حراك الشعب السوري من الأمل بالتغيير إلى الكارثة















المزيد.....


الحلقة الثالثة عشرة: حراك الشعب السوري من الأمل بالتغيير إلى الكارثة


منذر خدام

الحوار المتمدن-العدد: 6373 - 2019 / 10 / 8 - 07:57
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الحلقة الثالثة عشرة
حراك الشعب السوري من الأمل بالحرية إلى الكارثة
الفصل الخامس
رؤية المعارضة في الداخل لمنطلقات وأسس الحوار
1-مقدمة
في الفصل السابق تم استعراض موقف النظام من الحوار، وكان واضحا أنه لم يقبل بالحوار الجدي والحقيقي مع المختلفين معه أبداً، وحتى عندما حاور أنصاره فهو لم يحاورهم إلا كنوع من الملهاة، ولإشغال الزمن، فهو لم يتخل عن طبيعته.
في هذا الفصل نستعرض مواقف المعارضة من الحوار مع النظام ومخرجاته المحتملة، خصوصا تلك التي بقيت تعارض سياسيا من الداخل من حيث الأساس، لقناعة لديها، كونتها من خلال تحليل طبيعته، بانه لا يمكن اسقاطه بالقوة . أما بالنسبة لما يسمى بالمعارضة الخارجية، وكذلك المعارضة المسلحة، فهي كانت قد اكتفت بشعار اسقاط النظام بالقوة، ورفضت من حيث المبدأ الحوار معه، وهي بذلك التقت عمليا مع النظام في مواقفه من الحوار.
2-النظام السوري لا يمكن اسقاطه بالقوة، بل يمكن تفكيكه
تمر سورية، كغيرها من الدول العربية، بمرحلة تاريخية من وجدودها، عنوانها العريض أن الشعب السوري لم يعد يرضى العيش بالطريقة السابقة، إنه يرفض النظام الاستبدادي، ويتطلع نحو الحرية، نحو بناء نظام ديمقراطي برلماني، يشكل مدخلا لبناء دولة مدنية ديمقراطية عادلة.
لأول مرة منذ خمسة عشر قرناً يطرح التاريخ في جدول أعماله مهام الثورة السياسية الوطنية الديمقراطية في الوطن العربي، كمهمة قابلة للإنجاز، بعد كل الإرهاصات الفاشلة التي سبقتها منذ بداية ما اصطلح على تسميته بعصر النهضة. السبب في ذلك يكمن في التناقض الكارثي بين مستوى تطور العلاقات الرأسمالية في المجتمع، وعلى الصعيد الدولي، وطبيعة النظام السياسي القائم، بين مستوى تطور الحاجات المجتمعية والجماعية والشخصية،وعجز النظام السياسي العربي على تلبيتها. من هذا المنطلق فإن ما يجري في الوطن العربي هو ضرورة في التاريخي، وليس مؤامرة تحيكها الدوائر الغربية، والأمريكية منها، على وجه الخصوص، على أنظمة سياسية هي من أكثر الأنظمة في العالم ولاءً لها. بل إن بعض هذه الثورات العربية الديمقراطية فاجأت هذه الدوائر، التي تحاول الآن جاهدة الالتفاف عليها، أو إعاقتها حتى لا تصل إلى نهايتها الحاسمة بإنشاء أنظمة سياسية ديمقراطية حقيقية، تؤسس لبناء دول مدنية ديمقراطية عادلة. من جملة الأسباب التي يمكن سوقها للبرهنة على ذلك سببان رئيسيان:
الأول منهما يتعلق بوجود إسرائيل، التي سوف تفقد حصرية تقديم نفسها على أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة هذا من جهة، ومن جهة ثانية لن تستطيع بعد الآن فرض إرادتها على حكومات ديمقراطية منتخبة، في أية تسويات سياسية محتملة، بل ثمة مؤشرات حقيقية على توجس اسرائيل خشية من احتمال انتصار الخيارات الجديدة التي فتحت الطريق إليها الانتفاضات الشعبية في بعض الدول العربية، وهي تراقب ما يجري حولها عن كسب، وتتدخل حيثما أمكنها ذلك.
السبب الثاني وهو شديد الأهمية، سوف تخلق الديمقراطية فرصا حقيقية للتنافس في سبيل تنمية وطنية حقيقة، توظف جميع الإمكانيات المتاحة، ومنها الثروات الطبيعية، والقوة البشرية، والموقع الاستراتيجي في خدمتها، مما يتيح لأول مرة للشعوب العربية الدخول في العصر، وامتلاك عناصر القوة بالمعنى الحضاري.
بمعنى آخر، فإن نجاح الثورات السياسية العربية سوف يؤدي إلى التحكم بالقضيتين المحوريتين المحددتين للاستراتيجيات الغربية تجاه المنطقة العربية، أعني العلاقة مع إسرائيل، والثروات الطبيعية، وتوظيفهما في خدمة المصالح الوطنية والعربية العليا.
لقد تأخرت الثورات السياسية الديمقراطية في الدول العربية، لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها في هذا الموضع، لكنها مع ذلك استطاعت أن تقدم نموذجا للثورات الشعبية غير مسبوق في التاريخ.
من مفارقات التاريخ أنه عندما يطرح في جدول أعماله الثورة كمهمة قابلة للانجاز لا يهتم أبدا بالصدف التي تقود إليها(مثلا البوعزيزي في تونس، وخالد سعيد في مصر، وأطفال درعا في سورية...)، ويتجاهل في كثير من الأحيان طبيعة القوى الاجتماعية التي تشكل قبضته، فهو ينشغل بالعملية، وباتجاه الحركة فيها، وبمآلها النهائي، لا بتفاصيلها. إنه يترك التفاصيل لنا نحن-أدواته الفاعلة في الحركة-لنقوم بنقلها من حيز الضرورة الكامنة، إلى حيز الضرورة الفاعلة من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل. وإذ نقوم بنقلها، فإن الظروف الخاصة بكل بلد عربي تترك بصماتها على طريقة النقل، وتحدد كلفتها، وزمن استغراقها.
لقد ساهم وجود مستوى معين من الحياة السياسية، والاستقلالية النسبية لهيئات المجتمع المدني والأهلي، وميل ميزان القوى المجتمعي الفاعل لصالح قوى التغيير، وكذلك وجود مؤسسة عسكرية وطنية غير سياسية، في تسريع عمليات إسقاط النظامين السياسيين في كل من تونس ومصر. أما في اليمن فإن وجود حياة سياسية نشطة، والتوازن النسبي بين قوى التغيير المجتمعية والسياسية، والقوى الداعمة للنظام، وخصوصية المؤسسة العسكرية التي تدخلت البنى الأهلية في تكوينها، جعلت عملية التغيير تطول، وتأخذ طابع المساومة والحلول الوسط.
الوضع في ليبيا يختلف جذريا. هنا لم يسمح نظام القذافي بوجود دولة، بل سلطة عائلية، فلم يسمح النظام بوجود حياة سياسية، ولا جيش وطني، ولا تنظيمات مدنية، أو أهلية خارج الأطر القبلية التي حاول القذافي استمالتها إليه مستخدما ثروة ليبيا الهائلة، التي بددها في كل اتجاه. ومع أن انتفاضة الشعب الليبي، أخذت في البداية الطابع السلمي، وشملت جميع المدن الليبية تقريباً، في تعبير واضح عن رغبة الغالبية العظمى من الشعب الليبي بضرورة التغيير، إلا أن الرد العنيف للنظام الليبي، وتدخل القوى الخارجية جعل مسار التغيير يأخذ صيغة الحرب الأهلية.
في الجزائر، والمغرب حيث يوجد مستوي جيد من الحياة السياسية الديمقراطية، ومن الحريات الإعلامية، سرعان ما استجابت السلطات لمطالب التغيير المجتمعية والسياسية، فأعلن في الجزائر عن برنامج إصلاحي متكامل يجري إعداده، وتنفيذه خلال سنة، بمشاركة جميع القوى السياسية والمجتمعية في البلاد. وفي المغرب تم الإعلان عن لجنة لتعديل الدستور خلال ثلاثة أشهر، بما يستجيب لمطالب الشعب في التغيير، والتحول إلى ما يشبه الملكية الدستورية.
في دول الخليج العربي، وبغض النظر عن طريقة قمع انتفاضة البحرين، فإن رياح التغيير آتية لا محالة، في ضوء الخصوصيات القائمة في كل بلد منها، وسوف يحصل ذلك في الأردن والعراق، كما هو في سياق الحصول في سورية.
بالنسبة لسورية، ثمة خصوصيات لا ريب فيها، سوف تلقي بظلالها على مسار التغيير،
ينبغي أن تأخذها بالحسبان قوى التغيير المستجدة(الحراك الشعبي في الشارع) كما قوى المعارضة المختلفة( بحثنا في هذه الخصوصيات بالتفصيل في الفصول السابقة)، تطرح مخرجا وحيدا صائبا عبر تفكيك النظام.
في ضوء ما استعرضناه في الفصول السابقة يمكن الاستنتاج بأن النظام السوري لا يمكن إسقاطه بالتدخل العسكري الخارجي، كما لا يمكن إسقاطه داخلياً بالعنف المسلح، لكن يمكن تفكيكه. في الفصول السابقة تم التركيز على تحليل طبيعة النظام السوري وكيفية بنائه بحيث صار عصيا على الإسقاط بالقوة. لكن من جهة أخرى لم تكن القوى الخارجية القادرة على اسقاطه بالقوة، كما حصل في ليبيا، راغبة في ذلك، ولها اسبابها الخاصة ننظر فيها فيما يأتي:
بداية ينبغي العلم بأن الخيار العسكري الخارجي لم يكن مطروحا أصلا بصورة جدية، في بداية تفجر الأزمة السورية، وتبين لاحقا انه لم يكن مطروحا أصلا، كخيار لدى الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. حتى في ذروة إخراجه المسرحي ، بالعلاقة مع استخدام السلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية في ريف دمشق، الذي اتهم النظام به، لم يتخطى حدود استعراض القوة، للضغط على النظام للاستجابة للتخلص من سلاحه الكيماوي، وهذا ما حصل بالفعل.
السبب الجوهري في عدم جدية الخيار العسكري الخارجي لإسقاط النظام السوري، هو عدم وجود مصلحة حقيقية للدول التي تستطيع تنفيذه به، أعني الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض الدول الغربية الأخرى، إضافة إلى تعقيدات الوضع السوري، الناجمة أساسا عن الأهمية الجيوسياسية الاستراتيجية لموقع سورية في المنطقة. فسورية ليس فيها نفط يتدفق، يمكن اغتنامه، كما في العراق وليبيا، لتغطية النفقات العسكرية على الأقل، والنظام السوري لم يكن يوماً، رغم كل الديماغوجيا التي غلف نفسه بها، من قبيل معاداة المشروع الأمريكية والغربي في المنطقة، تحت يافطة الممانعة، ودعم المقاومة معاديا لمصالحهم. بل كان جد متعاون مع أمريكا وغيرها من الدول الغربية في "معركتها ضد الإرهاب، وهذا ما استفاض في الحديث عنه بشار الأسد في مقابلته مع الإعلامي الشهير السيد بن جدو، ونشره تلفزيون الميادين(43). لقد كان النظام يقدم نفسه دائما كضامن للاستقرار في المنطقة، خصوصا الاستقرار على الجبهة مع إسرائيل. وفي هذا المجال لا زالت في الذاكرة تصريحات رامي مخلوف في بداية الأزمة السورية حول الترابط القائم بين أمن سورية، وأمن إسرائيل، والتي كشفت في حينه عن الدور السياسي الذي يلعبه السيد رامي، بحكم القرابة لا المنصب، في النظام السوري.
ومن جملة الأسباب الأساسية لعدم إسقاط النظام عسكريا من الخارج، عدم موافقة إسرائيل على ذلك. ففي حديث مع السفير البريطاني في دمشق، قال السفير انتم –السوريين- لا تأخذون بالحسبان دور إسرائيل في الصراع الجاري في سورية، فهي اللاعب الرئيس فيه سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فهي التي لا تريد إسقاط النظام، بل تدمير سورية وجيشها، بحيث تخرج نهائيا من دائرة الصراع معها، بل من دائرة الفعل والتأثير في المنطقة لعقود من السنين. ومن أجل ذلك لعبت دورا رئيسا في إعاقة أي جهد دولي للبحث عن مخرج سياسي محتمل من الأزمة الراهنة التي تعصف بسورية، من خلال الضغط على أمريكا والدول الغربية، على أمل حصول مزيد من استنقاع الوضع السوري، وجر ايران وحزب الله إليه، وهو ما حصل لاحقا. وهي اليوم أشد تمسكاً ببقاء النظام السوري من ذي قبل، بحسب ما أفاد بذلك تقرير استخباراتي اسرائيلي نشر حديثا، وذلك بالنظر إلى تزايد الحركات الإرهابية في سورية، وعدم وجود بديل موثوق لنظام بشار الأسد يحافظ على أمن الحدود معها(44).
وينبغي أن لا ننسى أيضاً موقف كل من روسيا وإيران الرافضتين لأي تدخل عسكري خارجي لإسقاط النظام السوري، وهو موقف جدي غير قابل للمساومة. وأكثر من ذلك فإن إيران متورطة في الصراع العسكري المباشر على الأرض السورية، سواء من خلال مستشاريها العسكريين، أو المليشيات الطائفية التي شكلتها من شيعة العراق وأفغانستان. ويبدو بحسب التقرير الاستخباراتي الذي أشرنا إليه فإن احتمال نشوب حرب إقليمية تتدخل إيران في سياقها في دول الخليج، وتغلق مضيق هرمز، مما يتسبب بارتفاع سعر برميل النفط إلى نحو 1000 دولار أمريكي، لم يكن مجرد نوع من حرب إعلامية كلامية فحسب.
أما في جملة الأسباب الداخلية التي تحول دون إمكانية إسقاط النظام بقوة المواجهة العسكرية الداخلية معه، يقف في المقدمة قوة النظام العسكرية، واستمرار تغذيتها من قبل روسيا وإيران، وعدم حصول انهيار اقتصادي فيه، كما كان يتوقع خصومه، ونجاحه في تحييد قسم مهم من الشعب السوري عن الانخراط في الصراع الجاري. حتى في المناطق التي سيطرت عليها المعارضة المسلحة، بدأ الناس يتذمرون منها، لأنها لم تقدم البديل الأفضل من النظام لإدارة هذه المناطق. يضاف إلى هذه الأسباب سبب جوهري آخر وهو عدم قدرة المعارضة المسلحة على التوحد وإدارة عملياتها العسكرية بصورة مركزية، تستند إلى استراتيجية، وتكتيك عسكريين محددين بصورة ملائمة. ولا يخفى أيضاً الأثر السلبي على قوة المعارضة المسلحة التنافس والصراع بين فصائلها المختلفة، الأمر الذي كان في صلب هزائمها المتكررة، خصوصاً، في ريف دمشق وريف حلب.
هناك أسباب كثيرة أخرى، خارجية وداخلية تحول دون إمكانية إسقاط النظام بالقوة العسكرية، حتى لو استمر الصراع المسلح سنوات أخرى. لقد كان بالإمكان إسقاطه فعلا لو استمر الحراك السلمي، وتطور وصولا للعصيان المدني، لكن هذا الخيار لم يعد قائما اليوم، بسبب لجوء المتظاهرين إلى حمل السلاح، وخوض الصراع ضده في ساحته التي يتفوق فيها عليهم، هذا من جهة، ومن جهة ثانية لأن لجوء الناس إلى العنف سمح ، مع الوقت، بتحول الحراك الشعبي المدني المطالب بالحرية والديمقراطية إلى قوى جهادية متطرفة همها إسقاط النظام من أجل بناء نظام إسلامي على النمط القاعدي، وهذا ما أفاد النظام منه سياسياً.
ويبقى الخيار الوحيد الذي يمكن من خلاله إسقاط النظام(تغييره بصورة جذرية وشاملة) عبر تفكيكه، هو الخيار السياسي التفاوضي. في الحقل السياسي لا يملك النظام عناصر قوة أساسية وفاعلة، بشرط إدارة الصراع فيه بصورة جيدة في ضوء ممكناته، لا في ضوء رغبات الفواعل الاجتماعية المعارضة فيه. ويبدأ التفكيك بالمطالبة بضرورة الانتقال إلى نظام ديمقراطي حقيقي، يتم الإعداد له من خلال العمل على دستور جديد، يحول سورية إلى جمهورية برلمانية، مع جميع القوانين التنفيذية المكملة له المتعلقة بالحريات العامة والإعلامية، وتشكيل الأحزاب، وصولاً إلى انتخابات محلية، وبرلمانية، ورئاسية، متزامنة نزيهة وشفافة تحت رقابة دولية. إن هزيمة النظام عبر صندوق الاقتراع، هو الخيار الوحيد الذي كان ممكنا في بداية تفجر الأزمة، وهو اليوم بعد ثماني سنوات ونيف من الصراع المسلح في سورية عاد ليتقدم إلى واجهة الحلول السياسية المطروحة. لكن لكي ينجح يتطلب وحدة المعارضة حوله، وتخليها عن الشعارات والمطالب التي أفاد النظام منها كثيرا، ولا تملك المعارضة مجتمعة القوة الكافية لتحقيها، من قبيل اسقاط النظام بالقوة، وتنحي بشار الأسد المسبق، مع جميع أركان نظامه، بل ومحاكمتهم. وينبغي أن لا ننسى أن النظام بحاجة إلى مخرج من الوضع الحالي، الذي قاد نفسه والبلد إليه، وهذا ما يمكن تأمينه اليوم عبر الحوار السياسي، حتى في صيغته الأكثر إيلاماً بالمعنى الأخلاقي، وهي القبول به منافساً أمام صندوق الاقتراع. ولتبقى للمستقبل مهمة محاسبة من ساهم في تدمير سورية، وتمزيق نسيج شعبها الاجتماعي، فالشعب السوري لن يسامح أحداً ممن أساء إليه.
3- ملتقى الحوار الوطني الديمقراطي في دير الزور(45)
عقد في مدينة دير الزور، بدعوة من لجنة العمل الوطني الديمقراطي في دير الزور، "ملتقى الحوار الوطني الديمقراطي" بتاريخ 20 /5/2005 ضم طيفا واسعا من المعارضة السورية وقد
مثلت شخصيا في هذا اللقاء لجنة العمل الوطني الديمقراطي في محافظة اللاذقية التي كنت مع طيف واسع من المعارضين، والمهتمين بالشأن العام في محافظة اللاذقية قد شكلناها في عام 2001. حصل اللقاء في ظل مناخ الانفتاح الذي حصل في بداية العهد الجديد حيث كثرت اللقاءات الحوارية بين القوى السياسية، والمدنية، والفعاليات والشخصيات العامة، للبحث عن مخارج ممكنة ومحتملة لإنقاذ سورية مما هي فيه من تأزم على كل الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية كنوع من استشراف احتمال انفجارها، وهذا ما حصل للأسف في شهر آذار من عام 2011. يؤشر ذلك بوضوح لا لبس فيه أن شعبنا في سورية كان قد بدأ يخرج من وضعية السلبية واللامبالاة، التي أرغمه عليها نظام الاستبداد خلال العقود الماضية، متحسسا هول المخاطر التي تلم بالوطن، من الداخل والخارج، باحثا عن مخارج ممكنة، ومحتملة لها. لقد بدأ الشعب من خلال قواه الوطنية الديمقراطية، رغم الوهن الذي هو فيه، يفكر بصوت مسموع داعيا ومستنهضا القوى والهمم لإنقاذ الوطن. سورية في خطر حقيقي، فهل من مستجيب لندائها، والعمل على انقاذها، هذا ما كان يجمع عليه المؤتمرون.
يعلمنا التاريخ أنه لا يطرح على نفسه إلا القضايا التي يستطيع الإجابة عن أسئلتها، وكما يبدو لي فإن قضايا سورية الراهنة تبحث في أجوبة محتملة عن تساؤلاتها، من خلال هذا الحراك المجتمعي الآخذ بالتوسع، والتنسيق، والتحول إلى قوة جارفة. فإن مزيدا من الحوارات الوطنية الديمقراطية، و مزيد من تنسيق القوى والجهود واستنهاضها على امتداد جغرافيا الوطن، للعمل في سبيل تحالف وطني ديمقراطي عريض، ينقذ سورية من إكراهات نظام الاستبداد، ودولته الأمنية، إلى فضاءات الحرية والديمقراطية، ودولة الحق والقانون. إن سورية حقيقة في خطر، وهذا هو الطريق الوحيد لإنقاذها.
ما انفكت بعض القوى والدوائر الخارجية، وفي مقدمتها الدوائر الصهيونية المدعومة أمريكيا تتآمر على سورية( تخطيط استراتيجي)، وعلى بقية الدول العربية منذ زمن بعيد، وقد صار سياسة معلنة بعد الحادي عشر من أيلول للإدارات الأمريكية المتعاقبة، وغيرها من الحكومات والدوائر الغربية، والصهيونية، لها فلسفتها( الفوضى الخلاقة؟)، ولها مشاريعها التنفيذية(الشرق الأوسط الكبير)، وهي بمجملها تهدف إلى إعادة صوغ المنطقة وترتيبها من منظور المصالح الأمريكية والصهيونية بالدرجة الأولى. ليس من باب المغالاة القول أن مصير سورية، والدول العربية الأخرى، قد خرج من نطاق البحث تحت الطاولة، في الدوائر المغلقة لصنع القرارات الغربية، وخصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي الكيان الصهيوني، إلى حيز التنفيذ، وإن غزو امريكا وحلفاؤها للعراق في عام 2003 ليس سوى البداية.
هنا لا بد من التساؤل: هل ينبغي لوم الآخرين عندما يسعون في سبيل تحقيق مصالحهم، وهل يلام العدو؟ أم يجب التساءل ماذا فعلنا نحن، للدفاع عن وجودنا، وعن مصالحنا، ماذا فعلنا لمقاومة الأعداء ودحرهم؟! للجواب عن ذلك، كان لا بد من النظر في الجانب الآخر من المشهد، وهو في الحقيقة الوجه الأقرب لنا، إنه الواقع الذي نعيش، الذي تعود البعض منا أن لا ينظر فيه، سواء بإرادته، أو بغير إرادته، تحت دعوى الخطر الخارجي الداهم. دعونا ننظر فيه بكل جدية ومسؤولية، باحثين عن ممكنات المقاومة والممانعة فيه، بعد أن تم تخريبه وتهديمه إلى حد بعيد. إن عقودا طويلة من الاستبداد، والديماغوجيا، وتعميم العلاقات الشخصانية، وانتشار الفساد في المجتمع وغيرها، عمقت كثيرا من اغتراب المواطنين عن وطنهم، وزادت في سلبيتهم، وفي المحصلة قضت على مبادراتهم وإبداعاتهم.
إن استمرار ضغط السلطة على المجتمع، وتعميم القمع، وتزييف إرادة الناس، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، والقضاء على الحريات، وتخريب القضاء وغيرها، كل ذلك أنعش موضوعيا، وبصورة مباشرة كل ما هو دون المستوى الوطني، من أطر عائلية ،وطائفية، ومذهبية، وعشائرية، وأثنية، وجهوية، باعتبارها ملاذا للمواطنين، يتوهمون أن بإمكانهم أن يحققوا من خلالها أمنهم وحضورهم. إن سياسة الفساد والإفساد، وإنعاش البنى الاجتماعية ما قبل الوطنية، قد دمرت القوى المجتمعية إلى حد بعيد. كيف يمكن استنهاض قوى المجتمع لمقاومة الخطر الخارجي، وقد أنهكتها قوى الفساد واللصوصية. إن أقل من عشرة بالمئة من السكان يستهلك ويتصرف بنحو 60% من الناتج المحلي، في حين يعيش أكثر من ثمانين بالمئة من الشعب السوري بأقل من ثلاث دولارات في اليوم.
كيف يمكن استنهاض قوى المجتمع، والخوف الذي زرعه النظام العتيد، ورعته سلطته على مدى العقود الماضية بكل عناية واهتمام، يشل إرادتها. ومع كل التراجع الملحوظ في مستوى أمنية السلطة في سورية، وهذا شيء إيجابي، لا أحد يستطيع أن يكون واثقا تماما، من أن خفافيش الظلام لن تخطفه في أية لحظة.
إن سورية بحاجة ماسة إلى التغيير من وضعية نظام الاستبداد، وسلطته الأمنية، إلى نظام وطني ديمقراطي، إلى دولة الحق والقانون، نظام يعيد الناس إلى السياسة، إلى الاشتغال في الحقل العام، نظام يحترم التعدد والتنوع في المجتمع، يعيد بعث روح المواطنة، والوطنية في أبنائه، يتيح للمجتمع بالتفتح والازدهار، حر في إرادته، وفي خياراته.
إن الوحدة الوطنية التي ينبغي العمل عليها، هي على الضد من "الوحدة" في الخوف والسلبية، التي فرضها الاستبداد بالقمع، إنها وحدة قائمة على التعدد والتنوع والاختلاف، إنها وحدة إيجابية فاعلة بين إرادات حرة ومتحررة، تعيد المجتمع إلى السياسة، تعيد هيكلته في منظمات مدنية وأهلية، وفي أحزاب سياسية، وفي نقابات حرة.
إن المشروع الوطني للتغير باتجاه الحرية والديمقراطية، الذي ركز عليه (إعلان دير الزور)، يتميز عن المشاريع الخارجية، التي يروج لها تحت راية الحرية والديمقراطية، بتركيزه على فكرة المصالحة الوطنية، وعقد مؤتمر وطني شامل لجميع القوى السياسية السورية، والفعاليات الاجتماعية الغيورة على وطنها. ومما يجعل هكذا مؤتمر ممكنا زيادة الضغط على السلطة من اجل الحرية، ورد المظالم إلى أهلها، وتحرير السجناء السياسيين، وسجناء الرأي، وإغلاق ملف السجن السياسي نهائيا، واستصدار قوانين عصرية للأحزاب، والمنظمات النقابية، والمدنية الأهلية، وتعديل قوانين المطبوعات، والإعلام، في ضوء احترام حقوق الإنسان ومبادئ الحرية والمسؤولية. إنه لمن الأهمية بمكان أن يتحمل البعثيون مسؤولياتهم، وأن يرفعوا الصوت عاليا في وجه قوى الفساد والنهب والقمع، فهم وحدهم من يتحمل المسؤولية عما وصلت إليه البلاد من ضعف ووهن.
غير إن الجهود الرئيسة، يجب أن لا تقف عند حدود الرهان على ما يمكن أن تقدم السلطة عليه، بل ينبغي أن تنصب بصورة رئيسة على استنهاض قوى المجتمع، وتمتين ممانعتها، ومقاومتها لأي خطر يهدد الوطن، من أي مصدر خارجي، أو داخلي جاء، وذلك من خلال الحوار الشامل مع جميع تعبيرات المجتمع السياسية والمدنية والأهلية، مع الاحترام التام لمبدأ التعددية والاختلاف، وتكريس العمل السلمي، ونبذ العنف وإدانته والوقوف ضده، وتكريس مبادئ الديمقراطية والعقلانية، في جميع مجالات حياتنا، في ضوء العلانية والشفافية الكاملة. إن النهج التدرجي السلمي والآمن، هو النهج الملائم للانتقال بالمجتمع، والدولة، من إكراهات نظام الاستبداد، وما تركه من أثار سلبية عميقة في بنية المجتمع والدولة والمواطن، إلى فضاءات الحرية والديمقراطية، فضاءات التقدم الاجتماعي والعدالة الاجتماعية.
وفي الوقت الذي ينبغي رفع الصوت عاليا في وجه التدخلات الخارجية التي تهدد وجودنا ومصالحنا، ورفض الاستقواء بالقوى بالخارجية، بالقوة والوضوح نفسيهما، ينبغي رفض الاستبداد والفساد والنهب، التي أوصلت بلدنا ومجتمعنا إلى ما نحن فيه من ضعف ووهن واغتراب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
43- مقابلة بشار الأسد مع بن جدو بتاريخ 21/10/2013،www.almayadeen.netتاريخ الدخول 30/10/2018
44- وكالات اعلامية مختلفة، انظر أيضا مداولات مؤتمر الأمن في هرتسيلياـ http://www.alwght.com و http://www.arab48.com تاريخ الدخول30/10/2018
45-انظر رياض درار حول اللقاء الوطني الديمقراطي في دير الزور،www.m.ahewar.org. انظر أيضا منذر خدام، في سبيل "مشروع وطني ديمقراطي لإنقاذ سورية" في الموقع ذاته.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,555,106,775
- الحلقة الثانية عشرة: حراك الشعب السوري من الأمل بالتغيير إلى ...
- اللجنة الدستورية مخرج لأطراف الأزمة
- الحلقة الحادية عشرة-حراك الشهب السوري من الحلم بالتغيير إلى ...
- الحلقة العاشرة.حراك الشهب السوري من الحلم بالتغيير إلى الكار ...
- الحلقة التاسعة. حراك الشعب السوري من الأمل بالتغيير إلى الكا ...
- الحلقة الثامنة..حراك الشعب السوري من الأمل بالتغيير إلى الكا ...
- الحلقة السابعة..حراك الشعب السوري من الحلم بالتغيير إلى الكا ...
- الحلقة السادسة-حراك الشعب السوري من الحلم بالتغيير إلى ال كا ...
- الحلقة الخامسة-طبيعة النظام السوري وقابليته للاصلاح
- الحلقة الرابعة...حلم التغيير للدولة والسلطة في سورية
- الحلقة الثالثة..حلم التغيير للدولة والسلطة في سورية
- حلم التغيير في الدولة والسلطة في سورية
- نحن العرب قوم نجيد الانحطاط
- خارطة طريق للحوار من أجل الخروج من الأزمة السورية
- من أجل مزيد من الوطنية في المادرة الوطنية السورية
- سأظل أمانع حتى آخر سوري
- كان عليها ان تفشل
- ثمان سنوات من عمر الأزمة السورية والمستقبل لا يزال مجهولا
- لماذا اللامركزية والعلمانية ضروريتان لسورية
- عقدة ادلب


المزيد.....




- الحرس الثوري الإيراني يقبض على مدير موقع إلكتروني -عميل- للا ...
- الإعلام السوري: وصول قوات الجيش السوري إلى البلدات الشمالية ...
- تونس: الهيئة العليا للانتخابات تعلن فوز قيس سعيد برئاسة البل ...
- الانتخابات الرئاسية: لماذا صوت الشباب التونسي بكثافة لقيس سع ...
- تونس.. هيئة الانتخابات تعلن فوز قيس سعيد في الانتخابات الرئا ...
- خبير يكشف خطأ شائعا في تنظيف الوجه يضر بالبشرة
- شاهد: مراسم استقبال الرئيس الروسي من قبل العاهل السعودي في ا ...
- إدوارد سنودن يروي أول تجربة له في "القرصنة": كنت ف ...
- مقتل سائح فرنسي وجرح عسكري إثر اعتداء في مدينة بنزرت التونسي ...
- أجواء متوترة بين فرنسا وتركيا قبيل مواجهة كروية في تصفيات أم ...


المزيد.....

- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثامنة: القطاع ... / غازي الصوراني
- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا
- حول دور البروليتاريا المنحدرة من الريف في ثقافة المدن. -3- ا ... / فلاح علوان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منذر خدام - الحلقة الثالثة عشرة: حراك الشعب السوري من الأمل بالتغيير إلى الكارثة