أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التحزب والتنظيم , الحوار , التفاعل و اقرار السياسات في الاحزاب والمنظمات اليسارية والديمقراطية - هشام بوسيف - في الحاجة إلى بناء ابيستيمولوجي جديد للفعل النضالي















المزيد.....


في الحاجة إلى بناء ابيستيمولوجي جديد للفعل النضالي


هشام بوسيف

الحوار المتمدن-العدد: 6372 - 2019 / 10 / 7 - 23:17
المحور: التحزب والتنظيم , الحوار , التفاعل و اقرار السياسات في الاحزاب والمنظمات اليسارية والديمقراطية
    


من بين خصائص السياسة أنها تحيط بالفرد وتحدد جزءا مهما من حياته الذاتية سواء كان فاعلا فيها أو لامباليا، وفي هذا الصدد قالت الفيلسوفة الألمانية Hannah Arendt "المشاكل السياسية هي مشاكل الجميع، ومشاكل الجميع هي مشاكل سياسية" بدءا من الدستور الذي يحدد الإطار العام للعيش الجماعي إلى أدق البنود القانونية التي تختص في شيء جزئي ما، بالإضافة إلى كيفية تدبير شؤون الدولة والمجتمع وتوفير قالب للعيش لجميع الأفراد مهما كانوا ومهما كانت درجة وعيهم بهذا المعطى أو مساهمتهم في هذا العمل السياسي. ويبقى الهدف الأساسي من أي تنظيم أو حزب سياسي هو المساهمة والتأثير في تدبير هذا الشأن العام مهما اختلفت أهداف هذا التنظيم ومشروعه المتصور ومهما اختلفت الوسائل التي يستخدمها للوصول إلى ذلك. ويبقى الوصول إلى السلطة الوسيلة الأقوى لهذا وذلك لما يصبح لهذا التنظيم من إمكانيات وأدوات ومؤسسات يوظفها لخدمة أهدافه. وبالرغم من أن هذه الوسيلة هي الأقوى فلا يعني ذلك أنها تسد على باقي التنظيمات باب المساهمة وتنزيل مشاريعها في الواقع وتغييره في هذا المنحى أو ذاك وإلا لاستطاع كل من وصل إلى السلطة إقصاء الرؤى الأخرى والإمساك بزمام الأمور إلى الأبد والتجارب التاريخية أثبتت ذلك عبر تنحية تنظيمات من السلطة بشكل أو بآخر وإن عمرت هناك لمدة طويلة بالإضافة إلى فرض توجهات مختلفة ولو بشكل جزئي على من في السلطة بطرق أخرى يتناسب حجمها وموازين القوى التي تحكم المشهد السياسي في تلك الفترة.

ويبقى التنظيم الذي لا يملك ما يثقل كفته في موازين القوى مهمشا وغير مؤثر في المشهد السياسي رغم جميع المجهودات التي قد يبذلها ولن يستطيع هذا الأخير الخروج من هذا المأزق إلا إذا قام بنقد ذاتي بناء يقف فيه على مكامن الخلل والمعيقات ويحلل بكل موضوعية أسباب إخفاق تجاربه وفعله ويطرح السؤال الجوهري: ما العمل؟ هذا السؤال الذي طرحه لينين في سنة 1901 لازال ذا راهنية مهمة خصوصا بالنسبة لليسار في المغرب الذي يبدو عاجزا عن تحقيق أهداف التنظيمات السياسية ألا وهي كما ذكر سابقا المساهمة في تدبير الشأن العام والتأثير الملموس في تغيير الأوضاع ولا شك أنه واع كل الوعي بذلك وليس له مفر إلا أن يقوم بنقد ذاتي لتجربته ليتمكن من إعادة ثقة الجماهير فيه وبذلك قوة التأثير في المشهد السياسي من جديد. تتوالى السنين والوضع باق كما هو إن لم يكن أكثر تأزما وأكثر تبيانا لضعف اليسار الذي لا يستطيع مواكبة الحركات الاحتجاجية المتنامية والقصيرة النفس التي ينجح النظام في كل مرة بإخمادها وتقزيمها وحصر ملفها المطلبي في إطلاق سراح المعتقلين فقط دون تقديم أي تنازلات وإن كانت، تكون بسيطة جدا لا تضيف إلى التراكم التغييري شيئا مهما. ومن جهة أخرى لا يستطيع اليسار تأطيرها أو خلقها بل يكتفي فقط بردود الأفعال والدعم والتضامن.

لا أزعم في هذا المقال تقديم حلول لهذا الإشكال المتشعب الذي أسيل فيه الكثير من المداد لتحليله وتفسيره وربما تقديم مخارج له ولكن سأحاول تقديم مجموعة من المداخل التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار للبحث عن هذه المخارج من داخل اليسار. ويمكن تلخيصها في ثلاثة محاور: ابستيمولوجيا الفهم والفكر، ابستمولوجيا الخطاب وابستيمولوجيا الفعل.

#####ابستيمولوجيا الفهم والفكر:
تعتبر الابستمولوجيا أو فلسفة المعرفة تلك الفلسفة التي تهتم بالبحث في طبيعة المعرفة وعلاقتها بمفاهيم أخرى كالحقيقة والمعتقد وسبل التبرير والاستدلال عليها وتذهب لتحاول الإجابة عن سؤال كيف نعرف أننا نعرف شيئا ما محاولة استيفاء ثلاثة شروط على الأقل الحقيقة المستقلة لما نعرفه، الاعتقاد بما نعرفه وطبيعة الحجج الكافية التي تبرر اعتقادنا بحقيقة ما نعرفه. وتلعب الابستيمولوجيا دورا هاما في تنقية الفكر وتصفيته من كل زيف ومغالطات لتبنيه على أسس عقلية منطقية موضوعية يكون فيها العارف على درجة عالية من التأكد الموضوعي والوضوح بما وفيما يعرفه تكسبه أدوات تمكنه من فرز الحقيقي من الزائف والثقة اللازمة للتعبير عن ذلك الفكر.
هذا الجانب يهم بالأساس مدى تمكن المنتمين إلى التنظيم من المفاهيم التي تؤطر ايديولوجيته وفكره ويساهم في خلق وضوح في الأسس والأهداف وأدوات التحليل التي تشكل قاعدته الأساسية ومنطلق مشروعه المجتمعي. وهذا يتطلب تأملا وتفكيرا كبيرين ربما يتغاضى عنه البعض لكون التفكير النظري يبدو نشاطا غير منتج في الواقع الملموس وهذا غير صحيح فليس هناك أفضل ‘’ تطبيقية’’ من نظرية سليمة وذلك لقدرتها على قراءة الواقع وتفحصه وتوقعه واتخاذ المواقف إزاءه والفعل والتأثير فيه. ويمكن إرجاع هذا التغاضي أيضا إلى الوهم بالفهم وهذا يعني عدم الوعي بالجهل مؤديا إلى إعاقة الفهم الحقيقي فأول خطوة من أجل الفهم هو الوعي بالجهل. ولا يمكن الوصول إلى هذا إلا بالبحث والقراءة المتجددين، والتفكير في الركم المعرفي الذي أنتجته البشرية والتجارب التاريخية والشروط الذاتية والموضوعية التي مرت فيها ليتم التفكير أيضا في الحاضر والمستقبل والشروط العامة التي يمر بها الوضع الراهن. وهذا كله لبناء قاعدة متينة واضحة ومفتوحة للتجدد كلما تطلب الأمر ذلك وكلما زاد الفهم وتغيرت الظروف مع تحديد الثابت من المتغير والراهن من المتجاوز.

##### إبستيمولوجيا الخطاب:
كنت قد حضرت لوقفة جماهيرية بساحة مارشال بالدار البيضاء من تنظيم فدرالية اليسار الديمقراطي تخليدا ليوم الأرض الفلسطيني تضمنت شعارات وكلمات قدمت بمناسبة ذلك اليوم أمام الجماهير وعموم المارة في الساحة التي لا تكاد تخلو منهم والذين، ربما، قد يشكلون نموذجا مصغرا لمختلف شرائح المجتمع المغربي. وما أثار انتباهي في تلك الكلمات المقدمة هو كونها باللغة العربية الفصحى وكونها مليئة بمصطلحات كـ ” الإمبريالية” و” صفقة القرن” أمام جماهير لا تكاد تلبث بضع دقائق لتستأنف سيرها على الرغم من أن القضية الفلسطينية عزيزة على الشعب المغربي وإن كان سبب ذلك ديني بالأساس. والسؤال المطروح هنا هو من المخاطب أو المستهدف من تلك الكلمات؟ يمكن الإجابة على هذا السؤال انطلاقا من الخطاب المستعمل حيث أن طبيعة الخطاب ومحتواه يجب تكييفهما مع المتلقي ليفهمه وإلا لن يكون لهذا الخطاب وقع معين وسيتم تجاهله فيفقد بذلك الجدوى منه. وعليه انطلاقا من طبيعة الخطاب المقدم في تلك الوقفة فلا يمكن أن تكون الفئة المستهدفة عامة الجماهير وإلا لتم استعمال خطاب يتلاءم معها بدارجة مغربية وبمفاهيم يمكن استيعابها من طرف الجميع على عكس ما حدث. ولا يمكن وصف هذه العملية إلا بنوع من الاجترار لأن ذلك الخطاب يفترض في من يسمعه فهمه ومن يفهم ذلك الخطاب غير الشخص الذي تشبع بذلك المحتوى من قبل؟ خطاب من قبل يساري يفهمه فقط اليساري دون أي قيمة مضافة تذكر.
ليس هذا إلا مثالا ولا يمكن لأي تنظيم أن يصل إلى أهدافه إن لم يكن في تواصل دائم مع الجماهير فيقوم بفهمها وفهم تطلعاتها وتصورها للأوضاع فيقوم بدوره بطرح مشروعه وإقناعها به آخذا بعين الاعتبار خلاصات استماعه لها وتغييره ما يبدو غير صالح ثم إعادة الإنصات من جديد لقياس مدى التأثير الذي حصل وهكذا دواليك في أخذ ورد ينتج عنه فهم أعمق لبنية المجتمع والتصور السائد ومتطلبات التغيير واستعادة ثقة هذه الجماهير التي أصبحت تنفر من السياسة وتضع جميع التنظيمات في كفة واحدة غير قادرة على التمييز بين الصالح والطالح وعن من يدافع عن مصالحها ومن يصطف مع النظام ضدها وغيرها من التموقعات الانتهازية.
وليست ابستيمولوجيا الخطاب سوى ذلك التفكير الملي في طريقة صياغة الخطاب الموجه للجماهير، ومحتواه، وقنواته وكيفية إيصاله وتحيينه كلما اقتضت الضرورة وذلك انطلاقا من فهم طبيعتها وردود أفعالها. وهنا ينبغي الوقوف على مجموعة من النقاط الهامة التي لابد من توفرها لبناء خطاب سليم ذي مصداقية بعيدا عن أي نوع من الديماغوجية والاستبلاد يقوم بإقناع عموم الجماهير ويعيد ثقتها سواء في التنظيم أو العمل السياسي بصفة عامة.
أولها يصب في أهمية النقطة الأولى في هذا المقال انطلاقا من مبدأ فاقد الشيء لا يعطيه والتي تتطلب من أعضاء التنظيم الفهم الصحيح لفكره وإيديولوجيته ومشروعه وذلك لأن عدم الفهم أو زيف الفهم لا يمكن له إلا أن يولد خطابا مليئا بالمغالطات وتعبيرا مشوها للحقيقة. وتم التنبيه إلى هذه المسألة من طرف العديد من المفكرين حيث قال Albert Einstein في هذا الصدد “إذا كنت غير قادر على شرحها ببساطة فأنت لم تفهمها بما فيه الكفاية” وقال أيضا الفرنسي Nicolas Boileau «Ce que l’on conçoit bien s’énonce clairement, et les mots pour le --dir--e arrivent aisément» ولهذا لابد من استيفاء المرحلة الأولى من فهم الفكر النظري من أجل خطاب سلس يمكن له الوصول إلى الجماهير. أما النقطة الثانية فتكمن في تبسيط الخطاب ليصبح مفهوما وليتم تفادي السقوط في ذلك الاجترار الذي يقوم بتنفير الجماهير عوض اقترابها وكسب ثقتها وتكمن في تبسيط الخطاب لحد يمكن عموم الجماهير من الفهم وهذا ليس بالهين خصوصا إن كانت المفاهيم المراد إيصالها على درجة من التعقيد يستحيل معه تبسيطها دون تشويه المعنى. فأي محاولة لشرح مفهوم ما تتم عبر استعمال مفاهيم وكلمات أخرى أقل تعقيدا يفترض في المتلقي أن يكون فاهما لها فيفهم المفهوم الجديد عن طريق تركيب المفاهيم السابقة المستعملة في شرحه. ولذلك ينبغي شرح تلك المفاهيم القبلية أولا وهكذا دواليك إن كانت بدورها تتطلب أخرى لفهمها أيضا. ويتعذر في الكثير من الحالات القيام بذلك خصوصا إذا بلغت المفاهيم درجة من التعقيد وكما هائلا من المعطيات القبلية من أجل الفهم وذلك لأن المتلقي لا يتوفر على الحد الأدنى الذي سيمكن له فهم المقصود رغم الوصول إلى درجة كبيرة من التبسيط. ونكون هنا أمام خيارين إما تبسيط أكبر يتغير معه المعنى الأصلي وإما الاكتفاء بذلك الحد الأدنى من التبسيط الممكن. في الحالة الثانية سنسقط فيما عبر عنه الفيلسوف برتراند راسل "A stupid man s report of what a clever man says can never be accurate, because he unconsciously translates what he hears into something he can understand." ويقصد هنا أن المتلقي سيقوم بتطويع الخطاب لشيء يمكن لعقله استيعابه وربما سيكون مغايرا تماما للمقصود الأصلي والنزاهة الفكرية تقتضي الوقوف إلى هذا الحد الأدنى لأن أي تبسيط أكبر سيحرف المعنى ويعود Albert Einstein مجددا ليقول "Everything should be made as simple as possible, but not simpler" وهذا يطرح إشكالا بين مخاطبة عموم الجماهير وتحري النزاهة والصرامة الفكرية. في جميع الحالات لن يفهم المعنى الأصلي: إما الوقوف عند الحد الأدنى فيتم تطويع الخطاب حسب مستوى المتلقي وإما القيام بذلك التطويع ليتم مع ذلك التحكم فيما يفهم رغم اختلافه عن المعنى الأصلي وهذا يعتبر تبريرا كافيا للحالة الأولى في الخطاب السياسي. فطبيعة الجماهير ومستواها العام يقتضيها ولا مفر منها.
في دراسته لسيكولوجية الحشود خلص المؤرخ والفيلسوف الفرنسي جوستاف لوبون إلى أن الأفكار التي يمكن للحشود أن تفهمها لا يمكن أن تكون إلا على درجة كبيرة من البساطة التي لا يمكن أن تكتسبها إلا عبر المرور بالعديد من التحولات لكي تصبح شعبية ويتبناها العموم. ويذهب بعيدا ليقول أن المفاهيم النبيلة والعميقة تفقد كل ما يجعلها نبيلة وعظيمة عندما يتم تبسيطها لمستوى ذكاء العامة وهنا يكمن دور القائد أو التنظيم السياسي في إيصال الخطاب وتبسيطه بشكل يفهمه العامة ولو تم إفراغه من ما يجعله مميزا. ولذلك ينبغي خلق نوع من التوازن بين النزاهة الفكرية والتبسيط بشكل لا يقوم باستغباء الجماهير فأكبر شيء يمكن أن يجعل شخصا ما ينبذك هو إحساسه بخداعك له أو استبلاده. ولكن طبيعة الحشود ومستواها تقتضي ذلك التبسيط الذي يصب في مصلحتها في أفق التغيير الذي سيمكن من توفير تعليم عام يرفع من الوعي الجماعي لدرجة الاستغناء عن أي تبسيط تحريفي.
أما النقطة الأخيرة فتكمن في تكييف الخطاب وترتيب الأولويات في محتواه انطلاقا من فهم طبيعة الفئة المستهدفة منه، رهاناتها ومتطلعاتها وهذا لن يتحقق مجددا إلا بدراسة طبيعة المجتمع وفهم التحولات التي يمر منها. فعلى سبيل المثال كتب الشهيد عمر بن جلون في مقدمة التقرير الايديولوجي للمؤتمر الاستثنائي للاتحاد سنة 1975: "ومن جملة الجماهير الشعبية، هناك الشباب بصفة خاصة، الذي لا يهمه الماضي، ونضال الماضي، وإنما يهمه واقعه ومستقبله الذي يراه مظلما. والشباب بطبيعته، كان أميا أو مثقفا، يرفض التعقيد والغموض والالتواء، ويطمح إلى الوضوح وإلى فكرة شاملة ومنسجمة، فكرة لا تبرر الواقع والإخفاق، وإنما تعبر عن الواقع، وعن الحلول الضرورية من اجل تغييره. انه متعطش إلى الانسجام الفكري، ويبحث عنه، بحيث نرى طاقاته تتجه:
***إما نحو نماذج اشتراكية مجردة وتقليد تجارب الشباب الأوربي الثائر، وذلك باسم الماركسية اللينينية.
***وإما نحو البحث عن نموذج المدينة الفاضلة في عهد عمر بن الخطاب والانغماس في الطرقية والصوفية التي يصرف فيها يأسه وطاقته.
***وإما نحو اللامبالاة وموقف المتفرج اليائس من جميع المنظمات الوطنية التقدمية التي لا يهمه ماضيها ومبرراتها، وإنما النتائج الملموسة التي ينتظرها من عملها.
إن موقف هذه الفئات من شبابنا، ما هو إلا التعبير الظاهر عن وضعية ورغبة عميقة تسود جماهير شعبنا، من عمال نسف الجهاز البيروقراطي تنظيماتهم النقابية، ومازال يشل ويجهض نضالاتهم، ومن فلاحين تقمعهم أجهزة السلطة لتحقيق إصلاحها الزراعي لفائدة المعمرين المغاربة، ومن موظفين صغار وتجار صغار ينتظرون إيجاد شغل فعلي بأجرة قارة.
هؤلاء جميعا متعطشون للوضوح، وللنظرة المنسجمة حول الأسباب والحلول والوسائل، إنهم جميعا يطمحون بشكل تلقائي إلى الاشتراكية كنظام اجتماعي، ولا يتخذون من الاشتراكية كفكر إلا جانبا النقدي، أما جانبها الإيجابي والعلمي فإنه يختلط بالتجارب الاشتراكية، وبالتجارب التي يطلق عليها نعت الاشتراكية، مع العلم أن الرجعية تركز دعايتها الدائمة على تشويه هذه التجارب وإبراز اخفاقاتها وجوانبها السلبية وطمس انتصاراتها وجوانبها الإيجابية.
هذه الحقائق كلها هي التي تجعل التوضيح الشامل ضرورة ملحة، لذلك كان الاعتبار الأول في وضع مشروع التقرير المذهبي هو تحديد هويتننا الإيديولوجية بدقة ووضوح، وعلى أساس تحليل شامل للواقع الحي منذ شهر في القاعدة والذي سوف يحدد المؤتمر من خلاله الإطار المذهبي لجميع خططنا الاستراتيجية وتصرفاتنا التكتيكية.
إن وضوح الإطار الإيديولوجي ومعه مسيرة النضال والتحرير والبناء يعني تحديد المقاييس للحكم على المواقف التكتيكية، والتمييز بين الانتصارات والاخفاقات. إنه يجعلنا نطرح القضايا بعمق وهدوء، ونولي الأسبقية للمضمون على الشكل والحماس."

لازال لهذا المقتطف راهنيته رغم أنه كان يعبر عن الوضع في زمن صياغته، وأعتقد في تقديري أن هناك مجموعة من التغيرات التي عرفها المجتمع وخاصة فئة الشباب منذ ذلك الحين. فعلى عكس ما ذكر، تعطش الشباب نحو الاشتراكية وبعض نماذجها في تراجع كبير وذلك يرجع بالخصوص إلى البروباغاندا التي كانت ولازالت تبرز إخفاقات النماذج الاشتراكية وسلبياتها وتحاول طمس جوانبها الإيجابية كما أشار إليه الشهيد في نص كلمته، حيث أنه منذ ذاك الحين إلى الآن قطعت هذه البروباغاندا أشواطا ونجحت في تسويد صورة الاشتراكية واستحالة قيامها وتم تعويضها بما يعرف بالحلم الأمريكي الذي يعرف شعبية غير مسبوقة خصوصا لدى هؤلاء الشباب ويمنحهم الأمل في الصعود الطبقي وتحقيق الثروة والرفاه الشخصيين بأفق رأسمالي يستند على حرية المبادرة والملكية والعمل ويستبيح الاستغلال. وما تعبير الشباب عن رغبته في التغيير الجذري، لربما، ليس إلا تغييرا يصب في هذا المنحى ذي الأفق الرأسمالي وليس الاشتراكي. ويستغل في هذه البروباغاندا نماذج محدودة لأشخاص انطلقوا من الصفر ليشكلوا ثروة ضخمة وكأن ذلك في متناول الجميع، والعمل الدؤوب والمتواصل كفيل بتحقيق ذلك الطموح، والواقع يكذب ذلك لأن تلك الانفلاتات الطبقية تعد على رؤوس الأصابع وكانت نتاجا لعوامل خاصة لا غير، وأنه في ظل هذا النظام القائم، إعادة إنتاج الطبقات الاجتماعية وتكريس الفوارق هو القاعدة السائدة. هذا من جهة ومن جهة أخرى ينضاف معطى آخر بالنسبة للشباب المغربي ألا وهو الهجرة، سواء كان هذا الشباب حاملا لشهادات عليا أو لا. فقد أصبح يبذل ويبتدع جميع الطرق والوسائل للهجرة بحثا عن الحرية والشغل بالأساس. هذان معطيان أساسيان ينبغي مراعاتهما في الخطاب الموجه للشباب ولعامة الشعب الذي حتى وإن كان جزء منه سيتفق مع روح الاشتراكية فبالنسبة له لن تتحقق طموحاته إلا في ظل اقتصاد السوق الحر. وعليه فالمراهنة على شباب، بالرغم من تعطشه إلى التغيير، شغله الشاغل تحقيق الحلم الأمريكي في المغرب أو الهجرة لتحقيق ذلك في البلدان المتقدمة مصيره الفشل ما دام يتم في ظل هذا الفكر السائد. وتبقى هذه النظرة تقديرا شخصيا ريثما يتم إجراء دراسات حقيقية علمية تحاول فهم ومعرفة تطلعات الشباب المغربي بعيدا عن النظرة الشخصية التي ربما لا تمثل العامة بل فقط المحيط الضيق الذي تم افتحاصه.

#####إبستيمولوجيا الفعل :
في هذا الشق ينبغي التفكير في كل ما يتعلق بالفعل وارتباطه بالمحتوى المعرفي للفكر وإلى أي مدى ينسجم معه ويقوم بتنزيله إلى أرض الواقع. وهنا ينبغي مراعاة مسألتين أساسيتين. الأولى تتعلق بالانسجام ما بين الفكر والخطاب والفعل على المستويين الداخلي والخارجي والثانية تتعلق بابتداع وسائل لقياس مدى فعالية الفعل للتمييز بين الإخفاق والنجاح بين المجدي والغير مجدي وتوجيه هذا الفعل انطلاقا من هذه الأدوات التقييمية.

لا يعقل أن ينادي تنظيم بالديمقراطية وليس فيه ديمقراطية داخلية. أن ينادي بربط المسؤولية بالمحاسبة وهو لا يحاسب من أخل بمسؤوليته. أن ينادي بالوضوح والحق في الولوج إلى المعلومة وهو لا يملك آليات واضحة للتواصل الداخلي وتعميم المعلومة على قواعده. أن ينادي بإشراك وتكوين الشباب وليس لديه برامج تكوينية للشباب. أن ينادي بالمساواة بين الرجل والمرأة وتفعيل آليات لتحقيق ذلك وهو لا يقوم بذلك. أن ينتقد الدولة في تماطلها وفي صفوفه مماطلون. أن ينادي بإشراك الشعب في اتخاذ القرارات المصيرية وهو لا يشرك قواعده. أن ينادي بحرية التعبير ويقصي المخالف حتى وإن لم يخرج عن الضوابط التنظيمية. أن ينادي بالتحليل العلمي ومواكبة التغير الحاصل بالعالم وهو يقوم بتعميم ما لا يمكن تعميمه علميا. أن ينادي بالعقلنة والتخطيط وهو غارق في الارتجالية. أن ينادي بالاشتراكية وفي صفوفه من يستبيح الاستغلال. أن ينادي بالموضوعية والحقيقة وهو يستبيح الكذب. أن ينتقد من لا انسجام له بين الممارسة والمواقف ولا انسجام لديه... وقس على ذلك. هذا الانسجام بين الفكر والخطاب والممارسة ضروري من أجل كسب المصداقية لدى الجماهير ويعتبر المدخل الأساسي لذلك في ظل واقع سياسي يسوده الانفصام والانتهازية فمن أخل بمبادئه داخليا سيخل بوعوده عند وصوله إلى الحكم ولربما أن تجربة الاتحاد في الحكومة وعدم التزامه بالمبادئ التي كان ينادي بها خير دليل على أهمية هذه النقطة حيث أن اليسار لازال يدفع ثمن ذلك. “جربناكم ومصدقتوش” عبارة يرددها العديد ممن عايش تلك الفترة كلما حاول اليسار أن يدعو الجماهير لإعطائه فرصة في الحكم. هذا من جهة ومن جهة أخرى هذا الانسجام ضروري من أجل التماسك الداخلي للتنظيم واستمراريته وتحصينه وتحقيق أهدافه المسطرة سلفا سواء الاستراتيجية أو المرحلية التكتيكية.

يعرف أينشتاين الحماقة بكونها فعل نفس الشيء مرة بعد أخرى وانتظار نتائج مختلفة. والمقصود هنا هو فعل نفس الشيء في ظل نفس الشروط وهذا راجع لاستحالة الترجيح بدون مرجح رغم وجود خلاف على هذا القانون المنطقي الذي يطابقه الواقع في غالب الأحيان أو على الأقل على المستوى الماكروسكوبي. وفي ظل كثرة المتغيرات والواقع المعقد يصعب في بعض الأحيان معرفة مدى تغير الشروط ومعه مدى نجاعة فعل ما وقدرته على المساهمة في التراكم النضالي والتغييري للوضع ولذلك لابد من ابتداع وسائل ومؤشرات لقياس الفعل النضالي. فكما توجد مقاييس لقياس الأطوال والأحجام والأوزان وتوجد مقاييس لقياس تقدم الشعوب ودرجة الوعي وتطور الشركات والأسواق وجميع موضوعات الحقول المعرفية المختلفة، ينبغي أن توجد مقاييس لنجاعة الفعل النضالي وذلك بالمراعاة للأهداف المسطرة والمشروع المنشود، فظاهر الحال أن الوقفات والإضرابات وإحياء الذكريات لم تعد مجدية وإن كانت كذلك ينبغي معرفة ما يرجح ذلك لاتخاذ قرار الاستمرار في نفس الأفعال أو ابتداع أشكال جديدة أكثر نجاعة تثبتها هذه المقاييس التي يجب أن تلعب دور الحكم والموجه الأساسي في الاستمرار من عدمه. وهذا أساسي للتقدم وتجنب هدر الزمن السياسي والطاقة دن نتائج تذكر بالإضافة إلى أن الفعل الذي يمكن قياس نتائجه يبعث الأمل والمزيد من الحماس إن كانت المقاييس ملموسة وتعبر عن تغيرات إيجابية في مقابل أن الفعل الذي لا توجد أدوات لقياس نتائجه يبعث على الغموض والشك والتقدم بخطى مترنحة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,555,149,766
- في الحاجة إلى بناء ابيستيمولوجي جديد للفعل النضالي


المزيد.....




- القيادة العراقية تدعو لمحاسبة مطلقي النار على المتظاهرين وإح ...
- العراق.. الرئاسات الثلاث تصدر قرارات جديدة منها محاسبة مع مط ...
- مصدر من مفوضية حقوق الإنسان العراقية يكشف زيف لجنة التحقيق ف ...
- الرئاسات الثلاث في العراق تطالب بالتحقيق العاجل ومحاسبة مطلق ...
- حراك -الأساتذة المستعان بهم لتعليم النازحين السويين في لبنان ...
- المنبر التقدمي في البحرين يدين العدوان التركي على الأراضي ا ...
- العراق بحاجة إلى (رباعي) عراقي
- العدد 329 من جريدة النهج الديمقراطي في الاكشاك
- «الديمقراطية» تدين اعتقال المناضل والناشط الحقوق بدران جابر ...
- -الأستاذ- سلفي أم يساري؟ حقائق عن رئيس تونس الجديد


المزيد.....

- هل التناقض بين اليساريين والإسلاميين رئيسي أم ثانوي؟ / عبد الرحمان النوضة
- انقسام سبتمبر 1970 / الحزب الشيوعي السوداني
- بصدد حزب البروليتاريا بقلم بابلو ميراندا / ترجمة مرتضى العبي ... / مرتضى العبيدي
- لأول مرة - النسخة العربية من كتاب الأعمال الكاملة للمناضل م ... / ماهر جايان
- من هم القاعديون / سعيد عبو
- تقوية العمل النقابي، تقوية لحزب الطبقة العاملة... / محمد الحنفي
- الشهيد عمر بنجلون، ومقاومة التحريف بوجهيه: السياسي، والنقابي ... / محمد الحنفي
- حزب الطبقة العاملة، وضرورة الحفاظ على هويته الأيديولوجية: (ا ... / محمد الحنفي
- الحزب الثوري أسسه – مبادئه - سمات برنامجه - حزب الطليعة الد ... / محمد الحنفي
- البرنامج السياسي للحزب الشيوعي الأردني / الحزب الشيوعي الأردني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - التحزب والتنظيم , الحوار , التفاعل و اقرار السياسات في الاحزاب والمنظمات اليسارية والديمقراطية - هشام بوسيف - في الحاجة إلى بناء ابيستيمولوجي جديد للفعل النضالي