أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامح عسكر - مشكلة الجذور في الهوية الإسلامية















المزيد.....

مشكلة الجذور في الهوية الإسلامية


سامح عسكر

الحوار المتمدن-العدد: 6372 - 2019 / 10 / 7 - 03:54
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


إذا كان الجذر فاسدا فالطلعُ فاسد..قاعدة حياتية مهمة يؤمن بها الجميع.. لكن حين تطبيقها في الموقف من التراث الديني يخرج الصياح والتكفير متهمين المفكر أنه يبغض ويحقد على السلف الصالح، برغم أن مشاعر البغض والحقد لا مكان لها الآن بعد وفاة هؤلاء ب 1400 سنة، فما الذي يدفع مفكر عاش في عصر الصواريخ والإنترنت والتكنولوجيا وأجهزة التكييف أن يحقد على من كان يعيش في عصر الجِمال والحمير والتطهر من البراز ببضع حصوات..!

هنا كان التحدي بالبحث في أصول الصراع الإسلامي وعلاجه إن أمكن، ليس فقط لعدم استدعائه ومرادفاته في حاضر المسلمين ولكن لفك الاشتباك الطائفي القديم والحديث وفهم التاريخ كما يجب أن يكون وليس كما نريد حسب الهوى والرغبة، فأحداث السقيفة مثلا لا زالت هي الغائب الحاضر عن واقع المسلمين..غابت كليا حين يريدون ترويح وإشاعة مفاهيم السلف الصالح وخيرية القرون الأولى..لكنها حضرت في الحروب والفتن الطائفية الجارية منذ 15 عاما ومن قبلهم في حرب الثمانينات بين العراق وإيران، لاسيما أنه والبحث الصادق المتبرئ من الهوى يصل المسلمون لتصورا تاريخيا معقولا لتلك الفترة التي أعقبت موت الرسول وإصباغ الخلاف بين الصحابة كعادته حينها بلون القبائل والتفاخر بالنسب والأسبقية في الإسلام.

فالمهاجرون مثلا احتجوا بأسبقيتهم في الدين وقربهم عشائريا من الرسول بينما احتج الأنصار بنصرتهم للدعوة في وقت كان فيه النبي في خطر، ولأن الحُجتين بينهما تكافؤ معنوي وأخلاقيّ لكن معايير العرب وقتها رجّحت منطق المهاجرين العشائري وإن لم يظهر كما ينبغي له أن يكون بولاية الهاشميين..إنما بطون أخرى من قريش وقفت خلف الستار العشائري مما صنع أول بذرة للخلاف السني الشيعي طوال 14 قرنا لا زال ساريا يقتل الملايين ويهدد المستقبل بإفناء المسلمين جسدا وعقلا، والمتأمل في فكر وواقع الحضارة المعاصرة يرى زيادة في رقعة الإلحاد واللادينية ليس لأنهما مروقا فقط عن الإسلام ولكن لأنهما يمثلان ثورة على هذا الصراع العشائريّ الغبي.

إن إقرار السلطة في قريش وجعلها أمرا دينيا وفريضة من الله فرغت الإسلام من معناه الإصلاحي إلى مجرد حكومة عشائرية دينية تمثل جوهر الفكر السني والشيعي بالعموم، لذا فما حدث في السقيفة وإقرار قرشية الخلافة بعد ذلك هو الحدث الإسلامي الأبرز والأول في التاريخ ..بما يتضمن في فحواه روح القبيلة والنسب والتعصب المناطقي وفقدان الأهلية..مما رفع من مشاعر الظلم والعدائية والغُبن لا زال المسلمون والعرب تحديدا يدفعون ثمنه إلى الآن، لاسيما أن حادثة مقتل "سعد بن عبادة" زعيم الأنصار والمنافس الأول لأبي بكر لا زالت تمثل لغزا في التاريخ الإسلامي، وكل ما ألغز معناه يفتح مئات الأبواب من التفسيرات المتشددة وغير المنطقية أحيانا، مما يعني أن ترويج وإشاعة حادثة مقتل سعد بهذا الشكل وأن العفاريت هي من قتلته لم يحسم القضية وظلت تحقيقات الجريمة تشهد بواقع مأساوي نخشى أن نعترف به.

كذلك في تحويل تلك السلطة العشائرية إلى دولة بالمنطق العربي السائد وقتها وهو (السيد والعبد أو الآمر والمطيع) فأبي بكر وبرغم افتتاح عهده بكلمة ليبرالية قوية وهي "قد ولّيت عليكم ولست بخيركم" لكن قيامه بحرب مانعي الزكاه وتجاوز صلاحياته كوكيل عن الأمة أحدث فرقا بين المسلمين حين عارضه الصحابي "عمر بن الخطاب" في ذلك، ولا زالت أخطاء تلك الحرب تمثل بقعة سوداء ظلامية من شبابيك التراث التي نخشى من رؤيتها بعين مفتوحة، وهكذا حتى وصلت السلطة العشائرية لبني أمية فاحتكروها لأنفسهم وضاعت قيم العدالة وتمثيل الشعب بصدق مدة 90 عاما حتى انتهت الدولة الأموية بفجيعة وجرائم السفاح.

كانت الدولة الأموية طوال تاريخها ممثلة لأقسى وأجهل أنواع الدول، من ناحية تمددها بالغزوات وتشريع أفعالها بفتاوى السلطان، حتى أن الدواعش عندما يريدون غزو الدول الآن يضعون نموذج الأمويين الأول نبراسا وهاديا لهم بيد أن أكبر توسع عسكري حدث في تاريخ المسلمين كان في عصر تلك الدولة ، وبرغم أن مدة حكمها 90 عاما لكنها استطاعت حكم ثُلث أو نصف العالم حتى بعد اكتشاف الأمريكتين، ناهيك عن إشاعة قيم الجبر والتواكل ونفي الأسباب والإرادة الحرة للإنسان، ساهم ذلك في تجهيل المسلم وإعادة برمجته ليصبح عبدا ذليلا خاضعا للسلطان أيا كان وضعه ، بخلاف الملاحقات التي حدثت لآل البيت واضطهادهم وذبحهم بهدف قطع نسل الهاشميين للأبد، ولنا في كتاب "مقاتل الطالبيين" للأصفهاني معرفة كيف كان الأمويين..وكيف أحدثوا تلك الجرائم البشعة إنسانيا وفكريا في حقبة زمنية حساسة صنعت فكرا إسلاميا معيبا ومشوّها لعدة قرون.

لك أن تعلم أن الأمويين هدموا الكعبة مرتين وعاثوا فسادا في الحرم ضد أنصار "عبدالله بن الزبير" وبرغم ذلك عُدّت فترتهم صالحة قاضية بالعدل وكتاب الله زورا، ولولا البحث والتنقيب من العقلاء في تاريخ هذه الحقبة من كتب المؤرخين نفسهم ما استطعنا الوصول لتلك الحقائق المخفية بفعل فاعل.

حتى فترة "عمر بن الخطاب" والتي أكثر المؤرخون في نقل أخبارها القاضية بعدالة عمر وجرأته في نقد من سبقه وعدم إيمانه بحرفية الكتاب المقدس الأول للمسلمين وإعادة النظر في مفاهيم الحدود والعقوبات ومتع الحج والزواج وسهم المؤلفة قلوبهم وغيرها..شوهت تلك الفترة بمقولة " أخرب الله مصر في عمران المدينة وصلاحها" والمعنى أن مصر حينها لم تكن دولة وشعب محترم في وجهة نظر الخليفة بل عبيد ومصدر للطعام والفئ لإثراء العرب، حتى المصريون لا يتحرجون من ذكر تلك الروايات وعدّها فضيلة لعُمر..ولا حول ولا قوة إلا بالله..!..كذلك لا يتحرجون من ذلك قافلة ابن العاص التي أولها في مصر وآخرها في المدينة كتعبير عن ثراء مصر وقتها بالخيرات والنعم، بينما المدقق في التاريخ سيجد أن هذه الرؤية هي نفس رؤية المستعمِرين الفرس واليونان والرومان والأتراك..إلخ إلى مصر بوصفها بلد النيل والزراعة.

إن فترة فتوحات عمر جرى تلميعها من المؤرخين القدامى والإسلاميين المعاصرين لأسباب تتعلق بفعل وعدالة الصحابي في الفقه، فلم يقولوا مثلا أن مصر والشام كانوا مستعمرات بيزنطية وقتها، ولم يكن حق التجنيد متوفرا لأصحاب الأرض، بالتالي فحرب الغزاة العرب في الشام ومصر كان مع البيزنطيين بوصفهم مستعمرين ولا دخل للسكان بالقصة، بالتالي فإشاعة رضا المصريين والشوام عن الفتح العربي ما هو إلا أكاذيب لفقدانهم حق الاعتراض والقبول من أصله، وهي نفس الدعاية التي تطلقها داعش والإخوان وأمثالهم عن رضا المصريين والشوام بهم ضد الجيشين المصري والسوري، وأن السكان استقبلوهم بالورود ورضوا بحكم الشريعة..نفس الادعاء مع اختلاف الزمن ولو صلح الأوائل لصلح الدواعش والإخوان

فتح مصر بالذات لم يأخذه الإسلاميون ولم ينشروه كما هو مدوّن في الكتب، فالمؤرخون الأوائل كانوا أكثر نزاهة وبرغم نقلهم لأكاذيب عن رضا المصريين بالغزو لكن نقلوا أيضا رفضا وثورات لخصتها الكاتبة "سناء المصري" في موسوعاتها "هوامش الفتح العربي لمصر وحكايات الدخول ورحلة الانصهار" وفيها روايات من فتوح مصر لابن عبدالحكم وغيره لم تعرض وغير قابلة للعرض نظرا لمساسها بالصورة المقدسة للفتح العربي في مخيلة المسلمين، بينما لا زال المسيحيين يتذكرون تلك الحقبة بالسوء، ومنها كتاب "الرواية السريانية في الفتوحات الإسلامية" لتيسير خلف

إن المصلحة العامة لشعوب الشرق الأوسط تقتضي إعادة تعريف أنفسهم من جديد كحل أولي لعلاج مشكلة الجذور هذه التي يعانون منها دون ذنب، فالمصريون ليسوا عَربا كلهم بل تشكلوا كشعب خليط من عدة أعراق قوقازية ويونانية وتركية وعربية وشمال أفريقية، بالتالي فهوية المصريين لم تكن تهتم بهذا الصراع العشائري العربي الإسلامي منذ البداية ، وإلى الآن لم يهتم المصريون سوى بعد اكتساح السلفية الوهابية وإحيائها لقيم العرب القديمة ولعصر الغزوات والجهاد من جديد، ولولا فشل الإخوان في حكم مصر لتم استنساخ نظام الخلافة الأموي العربي في مصر بحذافيره، وبالطبع سيتضرر أول من سيتضررون هم خصوم تلك الخلافة الأولى وهم المسيحيين والشيعة إضافة لأصحاب التوجه الليبرالي والعلماني في الأحزاب، مما سيدفع الإخوان لبرمجة مصر لمذهبهم الوهّابي وإعادة إنتاج غزوات ابن عبدالوهاب ضد العالَم من جديد.

إن المسلم الحالي كي يعالج مشكلة جذوره عليه أن يخلع قداسة تاريخه ويحاكم أصحابه بميزان العدل السائد، لا تبرير أفعال السابقين بثقافة زمانهم..فالتاريخ وبرغم أنه ملئ بالجبابرة والطغاه لكنه يحكي نماذج صالحة وعادلة في المقابل حتى لو كانت أقلية أو استثناءً من المنطق العام، وقد يؤدي هذا العلاج المقدس لعقلنة حكايات الماضي وترك الأساطير المُكبّلة للذهن والتي نسجت خيالا إسلاميا أعور ومشوّه لحد السذاجة وصنعت مسلما مهما كان ناجحا في عملة لكن تقيده بالتراث والماضي يجعله رجلا أبله في نظر العقلاء مُخرّفا ومتشددا فظيعا.

على المسلمين أن يعتذروا عن تاريخهم والإيمان بأن غزوات العرب القدامى لم تكن أفضل حالا من غزوات الهكسوس والمغول..فقط إذا أرداوا عدم إنتاج داعش أخرى، فالقول بجهاد الطلب ونشر الإسلام بالغزو هو جوهر فكرة داعش وشريانها المهم في استقطاب الشباب وخداع بعض العقلاء أحيانا ممن خصعوا لتأثير الماضي ، في المقابل يجري الاعتزاز بالثقافة المحلية ونشرها وإعادة الاعتبار للحضارات القديمة التي تشوّهت بادعاء كفرها وهي التي وصلت لأوج حضارتها في وقت لم يكن فيه بدو العرب لا يعرفون الكتابة ولم نجد أثرا واحدا يحكي أنهم كانوا قُرّاء وكتبة لاسيما أن المنطقة المحيطة بهم كانت تعج بأفضل حضارات البشر وقتها كالمصرية والفينيقية والكوشية والحبشية واليمنية والفارسية والسريانية والرومانية..إلخ، فليس من المنطقي إذن أن نثور على مفاهيم كل تلك الحضارات ونعيد الاعتبار لثقافة البدو العشائرية التي لم تعرف في حياتها منطقا أفضل وأنزه من منطق الغزو والسلب والنهب للأمم الأخرى كحل وحيد للهرب من وحل العيش في الصحراء والبقاء على قيد الحياة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,566,740,785
- رحلة في جدليات الإسلام المبكر
- الإعلام المصري بين كولن وأردوجان
- متاهة الإصلاح وفرص التغيير
- أنقذوا مصر بالديمقراطية والليبرالية
- هذيان الثورة والسلطة العمياء
- عشرة أمراض نفسية للزعماء
- أضواء على الزرادشتية
- الفكر الديني المتطرف..كاريمان حمزة نموذج
- السبيل إلى الثقافة.. مداخل وتعريفات (3)
- السبيل إلى الثقافة.. مداخل وتعريفات (2)
- السبيل إلى الثقافة.. مداخل وتعريفات (1)
- رحلة في عقل الفيلسوف كيركجارد
- أضواء على الهندوسية
- جدلية ولاية الفقيه..رؤية نقدية
- حتمية البروباجاندا السوداء
- رحلة نقدية في سيكولوجيا المرأة
- نظرية المصيدة
- معضلة التحيز الديني..القرآنيون نموذجا
- العلمانية وأزمة مفهومها التآمري
- لماذا فشل العرب والأمريكيين في التواصل مع إيران؟


المزيد.....




- بطريرك موسكو وسائر روسيا يدين الانشقاق في صفوف الدين المسيحي ...
- في مقابلة مع الجزيرة نت.. الشيخ عبد الحي يتحدث عن أموال البش ...
- حركة النهضة الإسلامية تؤكد أن رئيس الحكومة التونسية المقبل ي ...
- حركة النهضة الإسلامية تؤكد أن رئيس الحكومة التونسية المقبل ي ...
- اليهود الحريديم يحملون سعف النخيل احتفالا بعيد العُرَش ويؤدو ...
- السودان يترقب -مليونية 21 أكتوبر-.. و-فلول الإخوان- في الواج ...
- شاهد: المئات من المستوطنين الإسرائيليين يقتحمون باحة المسجد ...
- شاهد: المئات من المستوطنين الإسرائيليين يقتحمون باحة المسجد ...
- في حضور وفد سوري رفيع المستوى.. الشئون العربية للبرلمان: الغ ...
- حركة النهضة الإسلامية تعتبر رئاستها للحكومة الجديدة في تونس ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامح عسكر - مشكلة الجذور في الهوية الإسلامية