أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد كشكار - تأملات فلسفية كشكارية من وحي الكاتب -الفوضوي-المحافظ-، الفيلسوف العظيم جورج أورويل (1903-1950)؟














المزيد.....

تأملات فلسفية كشكارية من وحي الكاتب -الفوضوي-المحافظ-، الفيلسوف العظيم جورج أورويل (1903-1950)؟


محمد كشكار

الحوار المتمدن-العدد: 6369 - 2019 / 10 / 4 - 19:19
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


أنا نِصْفُ مثقفٍ، كائنٌ هشٌّ عجوزٌ مهزوزٌ، منتوجٌ تعيسٌ من منتوجات هذا العصر التعيس تعاسة النمط الغربي الرأسمالي-الليبرالي الحديث والسائد، للأسف الشديد، في العالم أجمع. نمطٌ جبّارْ منافقٌ قهّارْ، جبّار بعلومٍ براءاتُ اختراعِها محتكرةٌ من قِبله وَحْدِهِ واكتشافاتُها منحازةٌ إلى مصالحه المادية الضيقة جدًّا، منافقٌ متاجرٌ بحقوق الإنسان الغربي ضد الإنسان غير الغربي، قهّار يحرق بالنووي والنار.

نِصْفُ مثقفٍ وأموتُ لو قُطِعت عني شهرًا واحدًا جِراية التقاعد الهزيلة، أو ألغِيَ اشتركي فجأةً في "تُوبْناتْ"، أو أغلِقت في وجهي مقهى الشيحي ذات صباحٍ الله لا يُقدّر، أو مُنِع يومًا تهريبُ عُلبِ سجائرْ "PINE"، أوكْسِجِينِي المفضّل!

ليس لي رغبةٌ في العودة إلى حياة البداوة (حياةٌ أبسطُ وأنظفُ وأخشنُ)، حياةٌ تعتمد على المشقة والجهد البدني الضروري لفلاحة الأرض أو تربية الأغنام، لكن.. لكن وبمعنى أعمق أحِنُّ إلى زمن الطفولة في جمنة الخمسينيات، أحِنُّ إلى كل هذا (حياةٌ أبسطُ وأنظفُ وأخشنُ)، ومعه أيضًا "شوية" تَقَدّم حضاري، تَقَدٌّمٌ لا يتجاوزُ بشريةَ البشرْ، لكنه ليس كالذي في أمريكا أو قَطَرْ (Une croissance à la mesure de l’homme, la vertu est le juste milieu, a bien dit un jour Aristote). وفي الوقت نفسِه، تَقَدٌّمٌ لا يَخلقُ كائنًا مشوّهًا مثلي أنا محمد كشكار:
كائنٌ نِصْفُ مثاليٍّ - نِصْفُ واقعيٍّ، نِصْفُ مثقفٍ - نِصْفُ جاهلٍ، نِصْفُ عاقِلٍ- نِصْفُ مجنونٍ، نِصْفُ حداثىٍّ- نِصْفُ محافظٍ، نِصْفُ حضريٍّ- نِصْفُ بدويٍّ، نِصْفُ حمّام شطّي- نِصْفُ جمني، نِصْفُ ماركسيٍّ- نِصْفُ برودونيٍّ، نِصْفُ مادّيٍّ- نِصْفُ روحانيٍّ، نِصْفُ مسالمٍ- نِصْفُ عنيفٍ، نِصْفُ ساذجٍ- نِصْفُ "مْزَوَّرْ"، نِصْفُ عربي القلم واللسان- نِصْفُ فرنكفوني القلم واللسان وأخجل من جهلي المُطْبَقِ باللغة الأكثر استعمالاً في العالم، نِصْفُ أمميٍّ- نِصْفُ قوميٍّ، نِصْفُ نُخبويٍّ- نِصْفُ ديمقراطيٍّ، مسلمٌ نِصْفُ مُلتزِمٍ- نِصْفُ عاصٍ، نِصْفُ متأصّلٍ في هُويته- نِصْفُ منبتٍّ في حضارتِه الأمازيغيةِ-الإسلاميةِ-العربيةِ، نِصْفُ عالِم- نِصْفُ حالِم، نِصْفُ مفكّر- نِصْفُ "خَلْواضْ"، نِصْفُ لَباسْ - نِصْفُ "مُوشْ لباسْ"، نِصْفُ سيّدٍ - نِصْفُ عبدٍ، نِصْفُ فقيرٍ- نِصْفُ متوسطِ الحالِ، نِصْفُ-نِصْفُ أو شِبْهْ-شِبْهْ في كل شيء، حتى في يساريتي وأحلامي نِصْفُ-نِصْفُ...

النمط الغربي الرأسمالي-الليبرالي الحديث والسائد، للأسف الشديد، في العالم أجمع ، نمطٌ قهرني، هزمني وبحبال شهواته المصطنعة كتّفني (des désirs non naturels et non nécessaires). إغراءاتُه المادية الحسية غزت جسمي وفكري: اخترقتْ مسامَّ جِلدي، عَششتْ في تلافيفَ قشرتي المخية، ونسجتْ في داخلها شبكاتٍ من الوصْلات العصبية (des réseaux neuronaux ou un million de milliards de synapses: l’homme neuronal).
يَصحّ فيك، أيها "النمطُ"، ما قاله المتنبي في الحُمّى:
"وزائِرَتي كأنَّ بِها حَياءاً *** فليسَ تَزورُ إلاّ في الظّلامِ
بَذَلتُ لهَا المطارِفَ والحَشَايا *** فَعافَتها وباتَت في عِظامِي".

أيها "النمطُ"، الله لا تربحك دنيا وآخرة، لقد جعلتَ مني كيانًا نافرًا من (حياةٌ أبسطُ وأنظفُ وأخشنُ) ولها كارهًا ومنها ومن الحنينِ إليها مطأطئ الرأسِ ذليلاً "حاشِمًا"، رغم أن الأنتروبولوجيا (علم الإنسان) قد قالت حول الانتماء قولتَها الفصلْ "لا حضارةَ أفضلَ من حضارةٍ، ولا ثقافةَ شعبٍ تفوقُ ثقافةَ شعبٍ آخرَ" (أعلَيتِ من مَقامِنا، كعرب ومسلمين، أيتها الأنتروبولوجيا، ورفعتِ رؤوسَنا عاليًا أمام الغربيين العنصريين والذين عنّا كالدخان متعالين، الله يُعلي من مقامِكِ ويُهنِئ مَنامِكِ ويُزيّن أيامِكِ، آمين يا رب العالَمين).

أيها النمط، دلّلتني، وعلى حبك ربّيتني وعلى ألاعيبك البهلوانية درّبتني وعلى حِبالِك البائدةِ رقّصْتني ومن حليبك المغشوش أرضعتني، ثم، وعلى حين غِرّة وفي غفلة مِنِّي، غدرتني، جعلتَ مني كاراكوزَا وأضحكْتَ عليَّ "أمة لا إله إلا الله"، ومن حواسّي الستة "سَلْسَلْتَني وَسَرْسَبْتَني"، وبإرادتي شبه الحرة في براديـﭬم تَحرُّرِكَ سجنتني، قفلتَ البابَ ومعك أخذتَ المفاتيحَ وتركتني حرًّا دون عَسَسٍ كعصفورٍ في قَفَصٍ.

خاتمة: الحمد لله أن الاستلابَ الثقافيَّ (L’aliénation culturelle) لا يُورَّثُ، ومع كل ولادةٍ جديدةٍ يولَدُ أملٌ جديدٌ.

ملاحظة: هذا النص، أعتبرُه، أنا، من أفضلِ ما أوْحَتْ به إليَّ قراءاتي في الفكر العالمي، العربي والفركفوني والأنـﭬلوفوني المترجَم للغة الفرنسية أو العربية.

Référence : Le Monde diplomatique, octobre 2019, extraits de l`article «marier réalisme et utopie», par Frédérik Lordon, philosophe, p. 3
إمضائي (مواطن العالَم، أصيل جمنة ولادةً وتربيةً، يساري غير ماركسي حر ومستقل، غاندي الهوى ومؤمن بمبدأ "الاستقامة الأخلاقية على المستوى الفردي" - Adepte de l’orthodoxie spirituelle à l’échelle individuelle):
"وإذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك، فدعها إذن إلى فجر آخر" (جبران)
À un mauvais discours, on répond par un bon discours et non par la violence. Le Monde diplomatique

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 4 أكتوبر 2019.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,569,627,417
- في تونس، مدرستُنا مدرستانِ، واحدة متوسطة لأبناء الفقراء، وال ...
- في أحزاب أقصى اليسار التونسي، حتى الانتهازية عندها رجال، -رج ...
- نقدٌ شديدٌ موجهٌ إلى قيادة حزب النهضة وتمجيدٌ موضوعيٌّ لقاعد ...
- تحليلٌ مختصرٌ لتدوينتي السابقة المختزلة جدًّا -جرّبْ، افتحْ ...
- أول مرة أفرحُ بطيفٍ من اليسار التونسي الماركسي!
- -جبهة أفندية- عوض -جبهة شعبية-؟
- فكرةٌ حول النساءِ، حتمًا لن تعجبَ الرجالَ، وأظنها لن تعجب ال ...
- أمام -سعيّد رئيس- ثمانية تحدّيات كبرى، الله والشعب يكونان في ...
- سلوكٌ ثقافيٌّ ذاتيٌّ، أنشرُهُ، ليس تَبَجُّحًا، بل إحياءً وان ...
- مَن المسئول عن توحّش أبنائنا من الجيل الجديد و-قِلّة تربيتِه ...
- أنا في حيرةٍ من أمري: لم أعدْ أعرفُ نفسي، حَداثِيٌّ أم مُحاف ...
- ما هو دورُ كِبارِ السنِّ في مجتمعاتهم: ترابط أنتروبولوجي وثي ...
- مريم تسألْ ومحمد يُجيبْ؟
- جهابذةُ محللينا يقولون أن قيس سعيّد فاز دون أن يقوم بحملةٍ ا ...
- لا يغيّر الله ما بمخكم حتى تغيروه بأنفسكم! (محاكاة بلاغية ول ...
- تعديلٌ وتصويبٌ لرأيٍ نشرتُه قبل يومَينِ اثنَينِ؟
- شماتة في مية القصوري: أخطأ كشكار اليساري وأصاب سعيّد المحافظ ...
- -الدّْرُونْ- تبشِّرُ بنهاية الحروب في العالَم!
- قِمَّةُ الصمتِ الانتخابيٍّ: أفتخر بعدم انتمائي إلى القطيع، ي ...
- معلومات علمية هامة حول المخ البشري والمخيخ والنخاع الشوكي؟


المزيد.....




- العملية التركية في سوريا: ترامب يعلن رفع العقوبات عن أنقرة ب ...
- الحكومة اليمنية تتهم -الانتقالي- بتسميم عقول الطلاب بمناهج م ...
- موعد إنتخابات إتحاد طلاب جامعة الفيوم 2019/2020
- تعيين الأمير فيصل بن فرحان وزيراً لخارجية المملكة العربية ال ...
- الجزائر: توقيف رئيس تحرير صحيفة "لو بروفنسيال"
- تعيين الأمير فيصل بن فرحان وزيراً لخارجية المملكة العربية ال ...
- الجزائر: توقيف رئيس تحرير صحيفة "لو بروفنسيال"
- تجاوزن الإصابة والتوحد.. مراهقات حققن إنجازات تحت سن العشرين ...
- أعراض تنذر بالتهاب الجيوب الأنفية
- أزمة البريكست.. ما الذي يعطل خروج بريطانيا من الاتحاد الأورو ...


المزيد.....

- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى
- العود الأبدي ديانة مشركة وميتافيزيقا مادية ؟بعض التساؤلات حو ... / الحسن علاج
- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد كشكار - تأملات فلسفية كشكارية من وحي الكاتب -الفوضوي-المحافظ-، الفيلسوف العظيم جورج أورويل (1903-1950)؟