أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - منذر علي - تأملات في المشهد اليمني (3/3)















المزيد.....

تأملات في المشهد اليمني (3/3)


منذر علي

الحوار المتمدن-العدد: 6360 - 2019 / 9 / 24 - 21:07
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


يمكن رؤية التجليات و التأثيرات المختلفة للهجرة على البنية الاجتماعية ، من خلال إلقاء نظرة خاطفة على الفوارق بين الأوضاع السياسية والفكرية والاجتماعية القائمة بين دول المغرب العربي، كتونس والجزائر ، والمغرب ، وبين بعض دول المشرق العربي، وبشكل خاص، في دول مثل السعودية والإمارات وقطر واليمن. ففي المغرب العربي ، يمكننا أن نلاحظ بجانب المظاهر السلبية للانقسامات، التي نتجت عن المرحلة الاستعمارية ، كالانقسام اللغوي وغير ذلك، ثمة بسبب التثاقف ، Acculturation ، الناتج عن الهجرة والجوار الجغرافي والروابط اللغوية ، وعوامل أخرى كالترجمة والبعثات التعليمية إلى الغرب ، ، تجليات ايجابية باهرة وكثيرة .

إذْ نرى بجانب مظاهر التمدن المتعددة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ، المفكرين التنويريين البارزين، المهيمنين على مسرح الفكر ، أمثال عبد الله العروي ، و محمد عابد الجابري ومالك بن نبي و محمد أركون، وهشام جعيط ، وعبد المجيد الشرفي ، وغيرهم من المهمومين بتحرير العقل، بينما نجد في شبه الجزيرة العربية ، المنكوبة باثراء والجهل ، وخاصة في دول المتجر الكبيرة ، supermarket states ، نوع آخر تمامًا من المجتمع . ففي الإمارات نجد السياسيين المعطوبين بالجهل والحماقة ، الذين تقلقهم وتقض مضاجعهم ، مثلًا ، وحدة اليمن ، أمثال أنور قرقاش و ضاحي خلفان وعبد الخالق عبد الله. وفي الكويت نرى مثقفين من النوع الرديء أمثال احمد الجار الله وفهد الشيلمي وأنور رشيد ، الذي يتسلون بمآسي اليمن ، و يروجون لانفصاله ويقدمون تحليلات معطوبة بالجهل والأحقاد عن الأوضاع في اليمن والجزيرة العربية .

و في السعودية نرى المفكرين التكفيريين البارزين على مسرح الفكر والسياسة، أمثال عبد العزيز بن عبدالله آل الشيخ، و صالح اللحيدان، ومحمد العريفة ، وفي اليمن نرى عبد المجيد الزنداني وعبد الله صعتر ، وعبد الله العديني ، وعبد الملك الحوثي ، وهاني بن بريك وغيرهم.
وهذه الطائفة الأخيرة لا تشغلهم قضايا العالم المعاصر ، ولكنهم مهمومين بما أورده صحيح البخاري ، في منتصف القرن التاسع الميلادي، فتشغلهم الأمور والأحكام التي تتصل بغسل الوجه واليدين ، والاستنجاء بالحجارة ، والبول قاعدًا وقائمًا ، والاغتسال عريانًا في الخلوة ، والصلاة في مرابض الغنم ، وفي مواضع الإبل فضلًا عن انشغالهم بتكبيل العقل ، والتنكيل بالناس.

صحيح أنَّ نسبة الهجرة اليمنية إلى الخارج قد اتسعت في السنوات الأخيرة ، سواء الهجرة القهرية coercive ، أو الاختيارية optional، وشملت ، بدرجات متفاوتة ، دولًا كثيرة ، مثل مصر وتونس والمغرب، و ماليزيا وتركيا والهند ، والصين ، وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، والسويد، وبلجيكا ، وروسيا ، و أوكرانيا وكندا والولايات المتحدة ، إلاَّ أنَّ بعض المهاجرين ، للأسف، نقلوا ، مع حقائبهم ، إلى الخارج تناقضاتهم وأمراضهم الوطنية المتنوعة.

ولئن كان من المتوقع أن تفرز الهجرة إلى هذه البلدان نتائج إيجابية إلاَّ أنها لن تظهر قريبًا ، وقد لا تأتي أوكلها أو انعكاساتها الإيجابية على الواقع اليمني في المُستقبل . ذلك أنَّ جزءًا كبيرًا من أبناء المهاجرين يذوبون في المجتمعات الجديدة ، فيفقدون هويتهم الأصلية اليمنية ولا يكتسبون بشكل كامل الهوية الجديدة ، فتنشأ لديهم هوية مرتكبة، Confused identity . كما أنَّ جزءًا أكبرًا من المهاجرين اليمنيين من ذوي الكفاءات العالية ، كالأطباء والمهندسين والمحاميين والصحفيين والدبلوماسيين، والسياسيين ، يهاجرون وهم فوق منتصف العمر أوفي مرحلة التقاعد ( 35 - 65 عاماً ) وبالتالي لا يتاح لكثير منهم العمل في مجالات تخصصاتهم ، بسبب خلفياتهم التعليمية والصعوبات اللغوية والأوضاع العنصرية في المهجر ، فيضطرون للعمل في مهن حقيرة ، أو ينظمون إلى طابور البطالة ويعيشون على هامش الحياة، أو يلتحقون بطابور الارتزاق الذي يجري تمويله من قبل الدول الخليجية .

وفي اليمن ثمة نوع آخر من التنوع ، يتصل بالموروث الفني واللغوي فهناك الفن الغنائي الصنعاني والحضرمي واللحجي والتهامي والتعزي، وينتشر بشكل واسع داخليًا ، وبنسب متفاوتة في العالم العربي، وخاصة انتشار الفن الحضرمي في الخليج وخاصة من قبل الفنانين البارزين أمثال أبو بكر سالم ، وعبد الدرب أدريس وأحمد فتحي ، ومن قبل من تبناه وروجه من الفنانين العرب، أمثال الفنانة المغربية أسماء المنور، و الفنان اللبناني ملحم زين، و في فلسطين المحتلة من قبل اليهود اليمنيين، أمثال عفراء هزاع، و برخة كوهن ، وزيون جولان ، وغيرهم.
وعلى صعيد التنوع اللغوي ، هناك نسبة ضئيلة من اليمنيين يتحدثون المهرية والسقطرية ، وهناك استخدام محدود للعبرية بين الأقلية اليهودية المحدودة ، يجري تداولها بين اليهود خلال دراساتهم الخاصة ، وأثناء أدائهم لصلواتهم وطقوسهم الدينية .

و على الرغم من أنَّ اللغة العربية هي السائدة ، وهي القاسم المشترك لليمنيين، إلاّ أن مستوى اللغة العربية في تدهور مضطرد ، بسبب تدهور التعليم وتفشي الأمية على نطاق واسع ، وخاصة بين النساء. و اللغة الفصحى كثيرًا ما تتداخل مع اللهجات المحلية المتنوعة كالصنعانية والحضرمية والتعزية والعدنية ، التي تتداخل معها، بدرجة أقل ، مفردات أجنبية ، تركية ، مثل: كندرة ، وسرسري ، وتتن ، وقوطي ، وخاشوقة ، وشرشرف ، وهندية، مثل : بفته ، و بهار ، وكراني ، وبالدي ، وروتي ، وبانهيس ، وإنجليزية ، مثل قلص ، وسيكل ، وسوفه ، ولوري ، وباص ، وبيب ، ودريول ، و واير ، و موتر ... الخ بالإضافة إلى انتشار اللغات الأجنبية، كالانجليزية والفرنسية والروسية ، على نطاق محدود بين أبناء الفئات الميسورة ، واتساع رقعة اللهجات البدوية لسكان مأرب والجوف ، وبادية حضرموت في المناطق الحضرية .

إنَّ وجود اللغات الأخرى واللهجات المتعددة في مجتمعنا ، ظاهرة طبيعية تعبر عن التنوع التاريخي القائم ، ولكن في ظروف الانحطاط الشامل، الذي يلون حياتنا في الوقت الراهن ، تنتشر رقعة اللغات الأجنبية ، وتتسع رقعة اللهجات المحلية ، على حساب العربية الفصحى ، و تلقي اللهجات المحلية الاستحسان وأحياًن كثيرة تلقى الاستهجان، حتى من قبل بعض المثقفين، وتستخدم كوسيلة للسخرية والتحقير ، من هذا الطرف أو ذلك ، في إطار الصراع السياسي ، والتنافر المناطقي والجهوي.

و في اليمن ثمة موروثات ثقافية خفية وأخرى ظاهرة ، فثمة موروث هندي - بريطاني ، وآخر عثماني، لا يتجسد فقط في الجانب اللغوي ، ولكنه يتجسد في الطرق المختلفة لقضاء الوقت ، وفي المظاهر المتنوعة ، المتصلة باللباس ، فضلاً عن تنوع المطبخ اليمني، Cuisine. فنرى مثلًا المطبخ اليمني المهتم بمنتجات البحر المتأثرة بالهند في عدن والساحل اليمني عمومًا، ونرى المطبخ الأقل اهتماما بالمنتجات البحرية في المناطق الداخلية ، الجبلية والسهلية .

إنَّ التنوع ، Diversity، ظاهرة طبيعية ، ومن شأنها أنْ تثري المجتمع، ولكن التركيبة الهشة للمجتمع، The fragile structure of Yemeni society، وضعف الدولة الوطنية ، the weakness of the national state، وفي ظروف التوتر والتخلف والتغذية الخارجية التي تقوم بها الدول الإقليمية في الجسد الوطني المتهالك ، يجري تحويل التنوع إلى تشتت ، وبعد ذلك يجري اختراق المجتمع عبر هذه الثقوب ، و من ثم ، وفي غمرة الصراعات المتنوعة ، يجري طمس التنوع الطبيعي ، وبعث الفرو قات الاجتماعية والثقافية واللغوية والطائفية والدينية و السياسية والتاريخية ، وتحويلها إلى تناقضات قاتلة ، تُوظَّف في كثيرِ من الأحيان ، بشكل تحقيري ، في الصراع السياسي والاجتماعي بين الشعب اليمني وطلائعه الوطنية ، وبين القوى الخارجية ، وأتباعها من النخب المُتربِّحة من دم اليمنيين وكرامتهم وعزة وطنهم ، حتى ليبدو للمرء أنَّ القواسم الوطنية الكبرى المشتركة، كالتاريخ والجغرافيا واللغة والدين والعرق والثقافة ، على وشك أن تتهاوى ، أمام قوى التخلف والتطرف ، كما يجري اليوم في هذه اللحظات الحاسمة من تاريخ اليمن ، المثقل بالأحزان .
للحديث بقية....





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,686,443,844
- تأملات في المشهد اليمني (3/2)
- تأملات في المشهد اليمني (3/1)
- تأملات في الثورات والمصائر (10) الحلقة الأخيرة
- تأملات في الثورات والمصائر (9)
- تأملات في الثورات والمصائر (8)
- تأملات في الثورات والمصائر (7)
- تأملات في الثورات والمصائر (6)
- تأملات في الثورات والمصائر (5)
- تأملات في الثورات والمصائر 4
- تأملات في الثورات والمصائر (3)
- تأملات في الثورات والمصائر (2)
- تأملات في الثورات والمصائر (1)
- خطأ الرئيس اليمني وخطيئة المثقفين!
- هل التسوية بين القوى المتحاربة في اليمن ممكنة ؟
- اليمن ضحية الولاية الكهنوتية والنزعات الجهوية والأطماع الرجع ...
- العرب بين الغزو الامبريالي والجنون الديني (3)
- العرب بين الغزو الامبريالي والجنون الديني [2]
- العرب بين الغزو الامبريالي والجنون الديني (1)
- اللعبة الكبرى في سوريا !
- ما بعد العدوان الغاشم على سوريا!


المزيد.....




- كيف يبدو موقع اكسبو 2020 في دبي؟
- القوات العراقية تعيد فتح شوارع في بغداد وسط مخاوف من فض الاح ...
- الحكم 22 عاما على فرنسي جند عشرات الشباب للقتال في سوريا
- تأجيل إطلاق قمر صناعي عسكري روسي من قاعدة -بليسيتسك- الفضائي ...
- تميم يعزي أردوغان في ضحايا الزلزال
- مسؤولة أممية تنصح كوشنر باستبدال هاتفه تحسبا لتجسس سعودي محت ...
- شاهد: تواصل المظاهرات في فرنسا ضد قانون إصلاح أنظمة التقاعد ...
- أربعون يوماً تحدد مصير محاكمة المليونير اللبناني الهارب كارل ...
- لماذا يؤدي الانشغال الزائد إلى قرارات خاطئة؟
- في الذكرى التاسعة لها: هل فشلت ثورة 25 يناير؟


المزيد.....

- في المنفى، وفي الوطن والعالم، والكتابة / ياسين الحاج صالح
- مقالات إلى سميرة (8) في المسألة الإسلامية / ياسين الحاج صالح
- ثلاث مشكلات في مفهوم الدولة / ياسين الحاج صالح
- العرب التعليم الديني والمستقبل / منذر علي
- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي
- سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي / ياسين الحاج صالح
- ما بعد الاستعمار؟ ما بعد الاستبداد؟ أم ما بعد الديمقراطية؟ / ياسين الحاج صالح
- كتاب فتاوى تقدمية للناصر خشيني تقديم د صفوت حاتم / الناصر خشيني
- اكتوبر عظيم المجد / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - منذر علي - تأملات في المشهد اليمني (3/3)