أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد برازي - حكي عن الناس مع فنجان قهوه















المزيد.....

حكي عن الناس مع فنجان قهوه


محمد برازي
(Mohamed Brazi )


الحوار المتمدن-العدد: 6357 - 2019 / 9 / 21 - 21:10
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


كانت “أم طوني” تُجالس “كريمة” على شُرفة المنزل، تحتسيان القهوة وتتحادثان بأمور الحياة وفلسفاتها، حين مرّت جارتهما “سيدة” في الطريق. وكما يومضُ البرقُ في أفقٍ ويتألّق في آخر، هكذا صارت “سيدة” محور حديثِ جارتَيها، اللّتانِ فصّلتا أخبارها وفنّدتاها باحترافٍ مصري موصوف. وما هي ساعتان مضتا، حتّى غادرت “كريمة”، وحضرت مكانها “سيدة”. كانت تلكَ الأخيرة تحملُ في عبّها روايات “كريمة” وآخر أخبارها، فشلحتها فوق طاولةِ الحوار، وتداولتها مع نظيرتها، وتودّعتا بعد ساعتين مُضنيتين من المناقشات والمناوشات.
“من ثرثر معك ثرثرَ علَيك”
حكايةُ نساءِ شرفة “إم طوني” وإن كانت كاريكاتوريّةٍ بعضَ الشيء، تنقُلُ لنا واقعَ آفةٍ اجتماعيّة تجرُّ الكثيرين خلفها. وغالبًا ما لا يتداركُ خطورتها من يسقطُ فيها. هي النميمة، أي كثرةُ الكلامِ والثرثرة فيما يعنينا وما لا يعنينا. تطال العائلات والصداقات وأماكن العمل فتُثيرُ المتاعب وتتسبّب بالخلافات. ويعبّرُ سفرُ الأمثالِ عن ارتباط النميمة بالخصام كونها أصلهُ: “بعدمِ الحطَبِ تنطَفِئُ النَّارُ، وحيثُ لا نمَّامَ يهدأُ الخصَام” (أم 26، 20).
ولو كانت نوايا الثرثارينَ بالظاهر أو بالوعي حسنة، تنبعُ النميمة من شرورٍ دفينة ليست ظاهرة ولا واعية: أحيانًا من حسدٍ دفين، وفي أحيانٍ أخرى من فراغٍ نفسيٍّ ممكن، وفي أحيانٍ كثيرة من حاجةٍ لتحقيق الذات عبر إلقاء الضوء على هفوات الآخرين… وآلافُ الأسباب لا مجال لذكرها في مقطعٍ واحدٍ. وتتعدّدُ النتائج تعدُّدَ الأسباب، وهي بمُجملها سيّئة وإن تراوحت درجة ضررها في الثرثار وفي ضحيّته.
كثيرُ الحكمة قليلُ الكلام
من جالس النمّام نمّ معه، وبعدها صار هو ضحيّة النميمة. والحكمة هي في الابتعاد عن النمّامين وكثيري الكلام: “النمّام ينجّسُ نفسَهُ ومعاشرتَهُ مكروهة” (يش 21، 31). من أراد أن يُسالم الناس صان لسانه ولجمهُ عن شؤونهم. ويُلفتني أنّ من كان كثير التفكير، يكون عادةً قليل الكلام، فإذا ما تكلّم فاه بالحكمة.
لصون اللسان والتكلّم في الأمور السامية فقط، لا بدّ من وضعِ بعض المعايير لتمييز ما يُقال وما لا يُقال. في حديثٍ دار مع كاهنٍ صديقٍ، أخبرني أنّه يطرحُ على نفسه أسئلةً ثلاث قبل أن يُفصحَ عن أيّ خبرِ: “هل هو صحيح؟ هل هو نافعٌ؟ هل هو لطيف؟” وعلى الخبر، لكي يستحقّ التداول، أن يحمل الإجابة الإيجابيّة لتلك الأسئلة معًا. وإلّا فلا لزوم له.
وأذكُرُ حين كنتُ لا أزال تلميذًا في المدرسة، أن قال لنا يومًا ما أستاذُ الرياضيَات، أنّ كلّ حديثٍ ليس عن الله لا لزوم له. بالغ الأستاذ بعض الشيء، لكنّه فتح عينَيَّ إلى حقيقةٍ جوهريّةٍ وقفت خلف كلماته، أنّ كلّ ما نتحدّث به في شؤون هذه الأرض، يُهدّده الباطل واللّا معنى.
ختامًا، لا يغيبُ عنّا أنّ من سما إلى السماء سمت معه الكلمات، وارتفعت معه الموضوعات. ومن حطّ مستوى الكلام، حطّته موضوعاته وموضعته في الأرض. فإذا كانت فينا تجربةُ النميمة، فلنمتلئ من كلمة الله حتّى نصيرها، فلا نتحدّث إلّا بها.
إن كلمة تأديب كثر استعمالها في قاموس الآباء، وزاد سوء فهمها. فالتأديب ليس مجرد عقوبة. فما التأديب إذن؟ إنه توجيه وليس سيطرة؛ إقناع وليس قمع أو إكراه. وقد يشمل التأديب العقوبة أو التهديد بها، ولكن ليس الوحشية أو استعمال القوة. ويجب ألا يعني أبداً استخدام العقوبة البدنية، لأن هذا كما أرى علامة على الإفلاس الأخلاقي.
والحمد لله. لقد حصلت أنا وإخوتي على مثل هذا الاهتمام من قبل والدينا طوال فترة نشأتنا. وكانت النتيجة علاقة تقوم على المحبة والثقة، استمرت دون انقطاع حتى نهاية أيام حياتهما. وكانت هذه العلاقة بطبيعة الحال قائمة على العديد من المبادئ التقليدية، بما في ذلك تعنيفنا بصخب وإلى درجات غير معقولة أحياناً (خاصة إذا قمنا بالرد على أمنا)، فنشعر بالخجل لفترة طويلة بعد ذلك، متأكدين أن الجيران قد سمعوا كل كلمة.
كانت الشتائم والسخرية تُعتبر من الخطايا الكبيرة في بيتنا. وكنا نحن مثل بقية الأولاد والبنات نسخر أحيانا من الكبار، خاصة إذا كان لديهم أوصاف تثير الانتباه و حتى لو لم يكن هؤلاء الناس (ضحايانا) يعرفون أيّ شيء عن هزؤنا المتحذلق بهم وحيلنا التي جازت عليهم التي كنا نقوم بها من وراء ظهورهم إلا أنّ أهلنا لم يروا وجود أي داعٍ للمزح بهذه الطريقة. فكانا لهما أنف شديد الحساسية لأي تصرفات فظّة متى ما حدثت ولم يسمحا بها على الإطلاق.
ومع ذلك لم يكن غضبهم يستمر لفترة طويلة، حتى ولو كان الأمر يستحق العقاب، وغالبا ما كان يتم التغاضي عن ذلك مقابل عناق لمرة واحدة. وحدث مرة عندما كنت في الثامنة أو التاسعة من عمري أنني أغضبت أبي لدرجة أنه هددني بالضرب. وعندما توقعت الضربة الأولى، رفعت بصري إليه، وقلت له قبل أن أعرف ماذا أنا فاعل: "بابا، أنا آسف حقا. افعل ما تشاء... ولكني أعرف أنك ما زلت تحبني". ولدهشتي الكبيرة، انحنى أبي إليّ ووضع ذراعه حولي، وقال لي بلطف وحنان من أعماق قلبه: "محمد، أنا أسامحك". فقد جرده اعتذاري بصورة كاملة من كل غضب. وأصبحت أدرك بعد هذا الحادث إلى أي مدى كان أبي يحبني. وبقي ذلك الحادث حيا في ذهني، وعلمني درسا لن أنساه أبدا في حياتي. درسا استخلصته وطبقته في التعامل مع أولادي لسنوات بعد ذلك. لذا، لا تخاف من أن تأدّب ابنك، ولكن في اللحظة التي تشعر فيها أنه أخذ يتأسف لذلك، فلابد أن تسامحه كليّاً على الفور.
كم سيكون الحال مختلفا، لو كان كل منا على استعداد ليبدي مثل هذا اللطف، ليس باحتضان أبنائنا وبناتنا فقط، وإنما بالدفاع عن الأولاد في كل مكان أيضاً! لكن واقع الحال يقول إننا نقوم بتربية جيل من الأطفال الذين لا نحبهم بل حتى نخاف منهم. وتبدو مظاهر ذلك في كل مكان، في حضر التجول ليلا للشباب في أحياء المدن الكبرى، وإلى تجريم الأولاد لأفعال صغيرة، مثل الكتابة والرش على الجدران، ووضع الحراس المسلحين ورجال الشرطة في المدارس، وأكثر مدعاة للقلق من كل ذلك، هو الارتفاع الصاروخي لمعدل حجز الشباب في السجون.
من الواضح أن دراسة وافية لمثل هذا الموضوع الكبير هي أوسع بكثير من هذا المقال، وكذلك النقاش حول العديد من القضايا الأخرى التي تحتاج إلى معالجة مستقلة. فقبل كل شيء، لماذا مثلا، يواجه هذا العدد الكبير من الشباب الموجودين خلف القضبان مشاكل في داخل الصفوف؟ وما هي العقبات التي كانت تسد الطريق أمام تطور نموهم السليم.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,569,579,747
- الموقف تجاه الحكومة في المسيحيه
- اقتصاديات المحبة أعظم من الرأسمالية – والاشتراكية
- الإفلاس الفكري عند المبشرين المسيحين في الانترنت
- الموقف تجاه الحكومة
- الحرب باسم الله
- الفقر والمعاناة في العالم
- ولادة العنف المسيحي
- ثورة هذا العالم وثورة الله
- خيرات الأرض ملك للجميع اقتصاديات روبن هود
- ما الذي يكمن وراء الرأسمالية؟
- معركة هوية الرجل: منزل منقسم
- هذا العالم المنهار وترتيب الله القادم على حافة الكارثة
- تعرف على إنجيل مريم المجدليَّة
- الغَدُ آتٍ
- من هم نيكوليتان؟ لغز فك الشفرة الجزء 1
- من هم نيكوليتان؟ لغز فك الشفرة الجزء 2
- من هم نيكوليتان؟ لغز فك الشفرة
- من هم نيكوليتان؟ لغز فك الشفرة الجزء 3
- الثنويَّة محمّد الشهرستاني
- المرقيونيّة في عالم الهرطقة الاسلامي


المزيد.....




- تعيين الأمير فيصل بن فرحان وزيراً لخارجية المملكة العربية ال ...
- الجزائر: توقيف رئيس تحرير صحيفة "لو بروفنسيال"
- تعيين الأمير فيصل بن فرحان وزيراً لخارجية المملكة العربية ال ...
- الجزائر: توقيف رئيس تحرير صحيفة "لو بروفنسيال"
- تجاوزن الإصابة والتوحد.. مراهقات حققن إنجازات تحت سن العشرين ...
- أعراض تنذر بالتهاب الجيوب الأنفية
- أزمة البريكست.. ما الذي يعطل خروج بريطانيا من الاتحاد الأورو ...
- 6 طرق للتخلص من بقع الجلد
- مزحة سخيفة.. مكالمة هاتفية خادعة لأديب إيرلندي بشأن جائزة نو ...
- الكهوف في عُمان.. مغامرات وسياحة علمية


المزيد.....

- مدرس تحت الصفر / إبراهيم أوحسين
- مقترحات غير مسبوقة لحل أزمة التعليم بالمغرب / المصطفى حميمو
- معايير الامن والسلامة المهنية المتقدمة وأساليبها الحديثة / سفيان منذر صالح
- التربية على القيم في المدرسة / محمد الداهي
- أصول التربية : إضاءات نقدية معاصرة / د. علي أسعد وطفة
- التعليم والسلام -الدور الأساسي للنظام التربوي في احلال السلا ... / أمين اسكندر
- استراتيجيات التعلم النشط وتنمية عمليات العلم الأهمية والمعوق ... / ثناء محمد أحمد بن ياسين
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في السياقات العربية ، إشكا ... / زياد بوزيان
- احذر من الكفر الخفي / حسني البشبيشي
- دليل مواصفات المدققين وضوابط تسمية وإعداد وتكوين فرق التدقيق / حسين سالم مرجين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد برازي - حكي عن الناس مع فنجان قهوه