أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ياسين المصري - نظرية المؤامرة عندهم وعندنا















المزيد.....

نظرية المؤامرة عندهم وعندنا


ياسين المصري

الحوار المتمدن-العدد: 6353 - 2019 / 9 / 16 - 23:18
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مع بداية القرن العشرين واندلاع حربين عالميتين مدمرتين في أوروبا، بدأ يظهر لفظ نظرية المؤامرة، بهدف الإشارة إلى أن مجموعة خفية من البشر تتحكم بالعالم وتعمل على تدميره، دون معرفة أحد بها، غير أنه بعد ذلك أصبح ظاهرة تتخذ أشكالًا عديدة ومتنوعة ومنتشرة كالوباء بين البشر بدرجات متفاوتة حسب طبيعة الثقافة السائدة في مجتمعاتهم، ولكنها ارتبطت أساسًا بسطوة الغموض وعجز الناس عن معرفة الحقيقية.
يطلق على الظاهرة اسم “نظرية” مع أنها لا علاقة لها بالمفهوم العلمي للنظرية، الذي يستوجب إثباتًا علميًّا ومقولات وتفسيرات منطقية بنِيَت على أسس عقلانية وموضوعية، فهي عادة ما تشير إلى مزاعم بأن جهات خفية تقف وراء أحداث كبيرة أو أوضاع اجتماعية معينة، بحيث تصبح نمطًا من التفكير الشائع لتفسير كثير من الأحداث والوقائع التي يفترض فيها أن جهة ما تجسد الشر المستطير، تحيك المؤامرات للقضاء على جهة أخرى تمثل الخير المطلق. ولذلك تخترق نظريات المؤامرة كل المجالات الحياتية بما فيها الدين والاقتصاد والسياسة والمجتمع وحتى العلم، ويسقط تحت تأثيرها المتعلم وغير المتعلم، بأشكال متعددة وكثيرة لدرجة يصعب حصرها، ويخضع لدوافعها النفسية والاجتماعية، التي يبدو معظمها سخيفا للغاية، بينما القليل منها ينطوي على إمكانية تحقيقها ولو جزئيًّا ولكن دون المقدرة على إثبات ذلك.
إنتشرت نظريات المؤامرة في العالم بشكل كبير بعد الاغتيال الغامض للرئيس الأمريكي جون كينيدي في 2 نوفمبر 1963، والهبوط الأمريكي على سطح القمر في 20 يوليو 1969، وانهيار برجي التجارة الخارجية في نيويورك في 11 سبتمبر 2011، وتوالي أحداث أخرى، فانكبت أبحاث عديدة على تحليل أشكال تلك النظريات ومسبباتها والعواقب التي تفضي إليها.
حاليًا، ومن حيث المنظور العام، نجد أن العالم أصبح الآن قرية صغيرة بفعل وسائل الاتصال الإليكترونية والأقمار الصناعية وإمكانية نقل المعلومات والأخبار في لحظة وقوعها، ومع ذلك إزدادت حياة البشر تغيرا وتعقيدا وغموضًا واضطرابا، وأضحت الأحداث المتداخلة والمتسارعة عسيرة الفهم، مما وفر أرضية خصبة لانتشار هذا النمط التآمري من التفكير. الأخبار المتناقضة والآراء المتضاربة والحقائق والأكاذيب تتكاثف كل ساعة على عقولنا، لم يعد أحد يعرف ماذا حدث بالضبط، ومن هو وراء الحدث وما هي أهدافه؟ رغم معايشته لما حدث ورؤيته بأم عينيه.
لم يعد الماضي وحده مبهمًا ويكتنفه الغموض، بل والحاضر نفسه لم يعد واضحًا مما يجعل المستقبل غير مضمون، فعندما يقع حدث ما، ويبحث الناس عن تفسير مقنع له، لا يجدون من المسؤولين والجهات الرسمية سوى تفسيرات مبهمة وغير مقنعة لهم، ولا يسمعون ممن يُطلَق عليهم ”خبراء“ سوى آراء وأقوال متضاربة، فيلجأون مباشرة إلى نظرية المؤامرة كنتيجة حتمية لحاجتهم إلى توضيحات. وكلما كان الحدث كبيرًا، كلما كانت نظرية المؤامرة طاغية لأنها تستمد قوتها من حجم الحدث ذاته، تبعًا لما توصلت إليه ” كارين دوجلاس “ أستاذة علم النفس في دراسة أجرتها مع زملائها في جامعتي “كنت” و”ستافوردشاير” البريطانتين.

عزيزي القارئ
هل تعرف لماذا العربان والمتأسلمون إلى جانب ارتكابهم للجرائم الكبيرة، يرتكبون أيضًا وبشكل وبائي الكثير جدًّا من الجرائم والحماقات اليومية الصغيرة، فلا يلتزمون مثلًا بقواعد المرور في بلادهم؟ ويتجاوزون الضوء الأحمر ولا يأبهون بعبور المشاة … ولماذا يشتمون ويسبون؟ ولماذا يتهربون من دفع الضرائب للدولة؟ ولماذا لا يحترمون الدولة ويخربون ممتلكاتها؟ بل لا يحترمون ممتلكات الآخرين؟ ولماذا تُعَد بلادهم من أقذر بلاد العالم وأسوأها على الإطلاق؟ ولماذا يرفعون شعارات دينية وغير دينية ويعملون العكس منها تمامًا؟ ولماذا لا يتورعون عن بيع أي شيء والاتِّجار بأي شيء وهم يعلمون ما فيه من سوء؟ ولماذا تنتقل معهم تلك الموبيقات إلى الدول المتحضرة التي يلجأون إليها هاربًا من القهر والفقر والمرض الذي يعانون منه في أوطانهم … إلخ إلخ.
لقد كشفت هذه الدراسة أنَّ الذين يعتقدون في نظريات المؤامرة أكثر الناس ارتكابًا لتلك الجرائم اليومية الصغيرة. تقول كبيرة الباحثين كارين دوغلاس: «.يمكن إحالة العلاقة القائمة بين المؤامرة واقتراف الجرائم الصغيرة هذه إلى الإحساس المتزايد بـ”اللامعيارية”، وهو نوعٌ من الشعور العام بالقلق أو الاستياء والقنوط الذي من شأنه أن يؤدي إلى الاعتقاد بأن المجتمع أصبح برمته بلا أخلاق».…« إنَّ اللامعيارية هي فكرة مفادها شعور الناس بأنه لم يعد هناك رأسمال اجتماعي (مصطلح يشير إلى العلاقات والقيم والمبادئ والثقافة والثقة المشتركة بين أفراد المجتمع)، فيتوقفون عن الشعور بالثقة والمودة تجاه الآخرين… هو شعور بأن شيئاً ما فُقد في المجتمع… إن التعرض لنظريات المؤامرة يزيد من شعور الناس بذاك الإحساس من اللامعيارية…».
وتستطرد قائلة: « قد يتوق الذين ينجذبون نحو نظريات المؤامرة، إلى الشعور بالأمن، لكنهم يحصلون في واقع الأمر على العكس تماماً. تزيد نظريات المؤامرة من الشعور بالعجز والإحباط، بدلاً من أن تُشعر المؤمنين بتحسن أوضاعهم ». وتوضح دوغلاس أن “نظريات المؤامرة هي طريقة تأتي بنتائج عكسية في التعامل مع وضع تشعر فيه بعدم اليقين أو التعاسة”.
وكشفت الدراسة بوجه عام أن هناك مجموعة من المخلفات الاجتماعية المنسوبة إلى معتقدات المؤامرة. وتشمل هذه الآثار السلبية كالعزوف عن المشاركة السياسية والتعصب وعدم المشاركة في شؤون البيئة المحيطة.
وأظهرت نتائج الدراسة على أنّ الإيمان بهذه النظريات مرتبط بحالات نفسية سيئة، وتحديدًا بالأشخاص الأنانيين النرجسيين، والأسوأ أولئك الذين يعانون من تقدير سيّئ للذات، وهو الأمر الذي لا يحمل أي تناقض إذا علمنا أنّ النرجسية مرتبطة دائمًا بسوء تقدير الذات، وإن كان أصحابها يظهِرون العكس، فالأشخاص النرجسيون يصدقون هذه النظريات أكثر من غيرهم، لأنهم يرون أنفسهم على أنّهم أفضل من غيرهم، وأنهم محور العالم، وأنّ الشغل الشاغل للآخرين هو حبك المخططات لإلحاق الأذى بهم وإعاقة نجاحهم.
ومن ناحية أخرى أكدت الدراسة على أنّ “ارتباط الإيمان بنظريات المؤامرة والنرجسية” لا يعني أن كل من يصدقها هو نرجسي بالضرورة، وإنّما ترتفع نسبة التصديق عند هذه الفئة أكثر من غيرها. المرجع:
https://www.thedailybeast.com/the-disturbing-link-between-conspiracy-theories-and-petty-crime?ref=scroll
أما العالم السياسي مايكل باركون في كتابه: ”ثقافة المؤامرة: رؤى نهاية العالم في أمريكا المعاصرة“، فقد حدَّد ثلاث عوامل وراء الجاذبية التي تتمتع بها نظريات المؤامرة لدي البشر، هي أنها:
- 1 تقدم تفسير لما لا يمكن للتحليل المؤسسي تفسيره، وتبدو أنها تجعل العالم المربك أكثر منطقية.
- 2 تفعل ذلك بطريقة بسيطة بشكل جذاب بتقسيم العالم لقوى النور وقوى الظلام، بحيث تعيد كل الشرور إلى مصدر واحد هم المتآمرين ووكلائهم.
- 3 وأن نظريات المؤامرة غالبًا ما تُعرَض على أنها معرفة سرية خاصة غير معروفة أو لا يقدر على معرفتها أي شخص آخر، وبالنسبة لمنظري المؤامرة، فإن الجماهير عبارة عن قطيع مغسول الدماغ، في حين أن منظري المؤامرة يملكون المعرفة ويمكنهم أن يهنئوا أنفسهم على اختراق خداع المتآمرين. المرجع:
Barkun, Michael (2003). A Culture of Conspiracy: Apocalyptic Visions in Contemporary America. Berkeley: University of California Press.
إن نظريات المؤامرة تعطي للشخص الفاسد والمحبط والقليل الحيلة شعورًا عاطفيًّا مزيفًا بالرضا، من خلال إلقاء اللوم على الآخرين الذين لا ينتمي إليهم، وبالتالي يعفيه هذا الشعور من المسؤولية الأخلاقية أو السياسية في المجتمع، إنها هي الملاذ الأخير للفاسدين والمحبطين والضعفاء والعجزة. فإذا لم يستطع أحدهم تغيير حياته الخاصة، ولا يقدر على المشاركة في تغيير الحياة العامة، لا بد من وجود قوة خفية كبرى تسيطر على العالم، وتسبب له ما يعانيه من مشاكل. وتصبح الأحداث الأكثر أهمية في حياته هي فعليًّا الأكثر صعوبة للفهم لأنها ستلاقي اهتمامًا غير منقطع النظير من حابكي الأساطير والخرافات ومزوري التاريخ ومفبركي العقائد الدينية والسياسية.
إذن لقد بات العالم يعرف الآن الكثير عن نظرية المؤامرة، أشكالها، أسبابها، عواقبها أصبحت جميعها واضحة لمن يريد المعرفة، ولكن ما لم يعرفه العالم بعد هو أن لهذه النظريات أشكالًا وأسبابًا وعواقب أخرى لدي العربان والمتأسلمين، تختلف عنها لدي بقية شعوب العالم، لأنها متأصلة في وجدانهم، راسخة في نفوسهم منذ قرون طويلة، فمن ناحية المنظور الخاص بهم، نجد أن نظريات المؤامرة لها وجود متجذر في ثقافتهم الدينية، لأن نبيهم تعرض للمؤامرات أكثر من مرة، واتخذ حيالها مواقفًا حاسمةً، حتى قبل وقوعها. الكاتب والمؤرخ الأمريكي " دانيل بايبس - Daniel Pipes" يقول في كتابه "اليد الخفية.. مخاوف الشرق الأوسط من المؤامرات" الصادر في عام 1996م:« في عالم اليوم نجد أن العرب والإيرانيين أكثر الشعوب إيمانا بنظريات الموآمرة وأشدهم حماسا في نشرها، وإلى حد ما، يرجع هذا إلى ثقافة هذه الشعوب، فكلا الشعبين لهما تراث أدبي غني بالخرافات ذات المعاني العميقة، ونظرياتهم التآمرية مليئة بالخيال، وهناك سبب وجيه أيضا يساعـد على خلق هذه النظريات التآمرية، فإيران وكل الدول العربية في قبضة قائد مطلق سواء كان علمانيا أو رجل دين، وهؤلاء يخضعون كل شيء لتحقيق أغراضهم وأهدافهم: التعليم، وسائل الإعلام، القانون، الجيش وغيرها من المؤسسات. وفي هذه المجتمعات لا يعلم بالحقائق الصحيحة إلا قلة صاحبة امتيازات، ويجعل الخوف والجهل الجماهير تحت رحمة الشائعات والخيالات، ولهذا يتخلى الناس عن مبادئ البحث العلمي المألوفة للتحقق من الأحداث ويلجأون إلى فكرة أن هناك قوى تعمل في الخفاء مما يفتح المجال للأساطير والخرافات التي تنبع من خيال الإنسان الواسع». المرجع:
Daniel Pipes, The Hidden Hand: Middle East Fears of Conspiracy (New York: St. Martin s Press). P. 115.
صحيح أن شعوب العالم أصبحت في هذا العصر المتغيِّر والمعقَّد والغامض والمضطرب، تتمتع بنفسه الانجذاب نحو نظرية المؤامرة، إلا أن عالم العربان والمتأسلمين وحده يحظى منذ قرون باعتقاد عميق في نظريات المؤامرة المحكمة والمستدامة ضده. نأخذ قصة واحدة من تراثهم، تدل على مدى تعلقهم بتلك النظريات، تقول القصة إن نبيهم توجه إلى حصن بني النضير، وهم من قبائل اليهود في المدينة، ليطالبهم بالمشاركة في دفع دية قتيل قتله بعض المسلمين خطأً، وفقًا لاتفاقية التعايش بين المسلمين واليهود التي نصَّت على دفع الديات بالمشاركة (!). جلس محمد تحت سور حصنهم ليستريح، وكان معه بعض أصحابه، ومنهم أبو بكر وعمر بن الخطاب. وفجأة جاءه الوحي من السماء بأن بني النضير يتآمرون عليه وسيلقون بحجر ثقيل عليه ليقتلوه، فقام على الفور، وترك صحابته لعل الحجر المزعوم يسقط على رأس أحدهم، وقال لهم: «لا تبرحوا حتى أرجع» ثم توجه إلى داخل المدينة. ولا ندري ماذا فعلوا بعد مغادرته المفاجئة، ولما استبطأوا عودته سألوا عنه، فعلموا أنه في المدينة، فتبعوه.
أخبرهم النبي بأن الوحي قد أخبره بما تآمر عليه بنو النضير، ثم أرسل إليهم رسالة يقول فيها: «اخرجوا من بلدي، فلا تساكنوني فيها بما هممتم به من غدر». وكان هذا سبب طرد بني النضير من المدينة.
من الواضح أنها قصة عبثية ملفقة، وتم مهرها بالختم الإلهي على شكل واضح من التباهي والاختيال والتبجُّح المعروف لدي ”البلطجية“: { هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} [الحشر 3]. هذه السورة سماها الدجال ابن عباس سورة بني النضير!، وكان الأحرى به تسميتها سورة الرعب! ومع ذلك أخذت مكانة أساسية في ثقافة العربان والمتأسلمين وظلت تعمل عملها في نفوسهم حتى اليوم! ومازال غير المتأسلمين خصوصًا الغرب الصليبي واليهود الصهاينة لا همَّ لهم في الحياة إلَّا التآمر عليهم، ومحاولة إخراجهم من دينهم الذي فضلهم الله به على العالمين أجمعين!. النظرية ممتدة عبر التاريخ منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا مرورًا بالحروب الصلبية و11 سبتمبر، وشارلي إيبدو، وتفجيرات مدريد ولندن وغيرها من العمليات الإجرامية، وما القاعدة وداعش وبوكو حرام والكثير غيرها سوى جماعات شكلها الغرب ضمن مشروعه التآمري لتقسيم منطقة العربان (وكأنها لم تكن مقسمة في يوم ما)! فضلًا عن أن الثورات الشعبية الناتجة عن غضب طبيعي من كل الإخفاقات والفساد في أوطانهم هي أيضًا مؤامرة غربية صهيونية، كما لا يسلم الأشخاص من نفس الاتهامات. لذلك وجدت القوى السياسية العاجزة عن العمل في نظريات المؤامرة وسيلة ناجعة، يمكن بها إقناع العوام ببساطة وفقًا لرؤيتها المؤدلجة سياسيًا، فهي لا تستدعي تفكيرا معينا أو بحثا لاستيعابها، كما أنها مختزلة جدا ومصكوكة يسهل التعبير عنها عند إلصاقها بالديانة السائدة.
يخيل للمرء عند قراءة الأبحاث التي أجراها الأوروبيون للأوربيين في المقام الأول عن نظريات المؤامرة التي ظهرت حديثًا بينهم، وكأن الباحثون قد وضعوا العربان والمتأسلمين دون غيرهم على طاولة الفحص والبحث، فاللامعيارية التي تحدثت عنها دوجلاس متأصلة في طباع العربان والمتأسلمين بحكم ثقافتهم، لأن الدنيا لديهم ملعون ما فيها إلَّا ذكر الله وما والاه، وأنها لو كانت تعْدِل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافر منها شربة ماء؟! بمعنى أنها خالية تمامًا من أي رأسمال اجتماعي، فلا علاقات أو قيم أو مبادئ أو ثقافة أو ثقة مشتركة بين أفراد المجتمع يمكن الاعتماد عليها، طالما لا يلتزمون بنهجهم ويعيشون على منوالهم.
هذا الاعتقاد الراسخ والدائم يجعل الاستسلام لنظريات المؤامرة أكثر متعة وراحة للنفوس المصابة بمرض الإحباط والعجز وقلة الحيلة، لأنه أكثر إرضاءً وراحة من الحقائق، فهو يمدهم بما يجتاجون سماعه، ويجعل الالتزام التام بفكرة كونهم فشلوا في كل شيء ليس إلَّا بسبب مؤامرات الآخرين الذين يريدون القضاء عليهم ويخططون لتدميرهم!، أسهل بكثير من البحث عن طرق لمحاربة الفساد والرشوة والجهل والطائفية والإجرام اليومي ضد الأقليات الغير متأسلمة، والأفكار المتخلفة التي تجرهم إلى أسفل السافلين؛ لأنّ إلقاء اللوم على الآخرين دائمًا أسهل وأبسط، ولا يكلف عناءً يذكر.
إن إيمان العروبي المتأسلم بنظرية المؤامرة، تعكس ما بداخله هو، وليس ما هو كائن من حوله، فهو تعبير عن هواجسه ومخاوفه وتجسيد لما يرغب في أن يكون، بعيدًا عمَّا هو موجود بالفعل. العالم يتآمر عليه ويضطهده، ويسعى إلى تدمير ديانته وتدميره لأنه ينتمي لخير أمة أخرجت للناس، وهو خير خلف لخير سلف، وهو من وقف الخلق جميعًا ينظرون كيف يبني قواعد المجد وحده، ممَّا أثار غيرة الأمم الأخرى عليه، فدفعهم جميعا إلى التآمر عليه. التآمر على حضارته، على دينه، على شعبه، على بلاده. كل ما هو فيه من معاناة ليس إلَّا مؤامرة. الجهل الذي يعاني منه مؤامرة، الفقر المادي والمعنوي الذي يطبق على حياته مؤامرة، الفساد المستشري في بلده مؤامرة، حتى الثورة الناتجة عن غضبه الطبيعي من كل الإخفاقات المذكورة وغيرها دخلت ضمن المؤامرة.
إنه يعاني من الشعور بالتوتر والقلق والشك وقلة الحيلة وغياب حس السيطرة الاجتماعي والسياسي، وغياب القوة النفسية، وعدم القدرة على التحكم بالنتائج، لذلك يميل سلوكه تلقائيًا إلى إيجاد المعاني النمطية في البيئة والثقافة المحيط به بشكل اعتيادي، فلا يجد سوى نظريات المؤامرة التي ترضي رغباته وتقدم له صورة مزيفة أمام نفسه والمجتمع باعتباره شخصًا مميَّزًا ذو قيمة عالية، ولكنه وقع منذ زمن بعيد ضحية المؤامرة الصهيو - صليبية، أدت به إلى ما هو عليه، إنها الضغينة الممنهجة، التي تخدم كوسيلة دفاعية عند الشعور بالعجز والقهر وقلة الحيلة، مع الشعور المزيف بالرفعة والعلو.
إن لجوء المتأسلم إلى تأكيد التحيز Confirmation Bias أو الانتماء Affiliation لأوهام العروبة وخرافات الدين على أنه أمر طبيعي، يعطي أهمية كبرى للدلات الدينية التي تدعم أفكاره المسبقة، وترسخ ما بداخله من خلل، وتخلق لديه يقينًا كاذبًا على عكس الحقائق المثبتة علميًا ومنطقيًا، ومن ثم تجعل من نظرية المؤامرة وحدة مترابطة تقدم له إجابة مريحة لكل الأسئلة دفعة واحدة، وتختزن داخلها كل الجزئيات المطلوبة من دون استثناء بما في ذلك دوافع المتآمرين وأهدافهم. وفي نفس الوقت تعبِّر ضمنيًّا وبوضوح عن مخاوفه وتمنياته المرغوبة، وتقدم له تبريرًا لأحواله المتردية وأوضاعه المحبطة، إنها وسيلة ناجعة للتهرب من المسؤولية، والقيام بدور الضحية، والتمادي في الأخطاء المميتة. إنها ذريعة مريحة لتفادي مرارة النقد الذاتي وتأنيب الضمير.
بينما العالم أجمع يقاوم الإيمان بنظريات المؤامرة، والبحث عن توضيح وتفسير للأحداث الجسام، نجد العربان والمتأسلمين وحدهم يبحثون عن تبرير لها، فلا يجدونه إلَّا في نظريات المؤامرة بسبب تأكيد التحيز لأمة لا وجود لها وملَّة وجودها مشكوك فيه، مما يجعلهم شعوبًا وقبائل عنصرية حتى النخاع، ومتخلفة ماديًّا ومعنويًّا إلى أبعد الحدود.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,559,029,127
- كيف تحولت مصر إلى دولة الرعب؟ 2/2
- كيف تحولت مصر إلى دولة الرعب؟ 1/2
- فوضى بناء المساجد
- التلاعب بالمرأة في بلادنا
- هل توجد في العالم أمة غبية؟
- وباؤنا المزمن: ”متلازمة ستوكهولم“
- لماذا يعيش العربان والمتأسلمون في ضلال مبين؟
- رمضان كريم ! كيف ولماذا؟
- عندما يتحَكَّم الرعاع
- مشكلة المتأسلمين في أوروبا
- الديكتاتور النرجسي
- إيه اللي بيحصل في البلد دي؟ (2/2)
- إيه اللي حصل في البلد دي؟ (1/2)
- الإسلاموية وخصوبة العنف الخبيث
- لماذا لا تصلح الديموقراطية في المجتمعات الإسلاموية؟ محاولة ت ...
- لماذا لا تصلح الديموقراطية في المجتمعات الإسلاموية؟ محاولة ت ...
- لماذا لا تصلح الديموقراطية في المجتمعات الإسلاموية؟ محاولة ت ...
- لماذا لا تصلح الديموقراطية في المجتمعات الإسلاموية؟ محاولة ت ...
- لماذا لا تصلح الديموقراطية في المجتمعات الإسلاموية؟ محاولة ت ...
- هل (دحية الكلبي) هو (جبريل محمد)؟!


المزيد.....




- أيتام تنظيم الدولة الإسلامية يواجهون مصيرا مجهولا
- منظمة التعاون الإسلامي تُدين اقتحام المسجد الأقصى المبارك
- -قناصة في الكنائس وأنفاق-... بماذا فوجئت القوات التركية عند ...
- مسيحيون يتظاهرون احتجاجا على غلق كنائس بالجزائر
- عضو مجلس الإفتاء بدبي: الثراء الفقهي المنقول منهل لا ينضب لك ...
- مفتي الأردن: علماء الشريعة الإسلامية وضعوا علوماً وقواعد مست ...
- رحلة لاستكشاف عالم سري أسفل كاتدرائية شهيرة
- كيف يعود أطفال تنظيم الدولة الإسلامية إلى بلدانهم؟
- 611 مستوطنا يتزعمهم وزير إسرائيلي يقتحمون المسجد الأقصى
- مفتي الأردن: علماء الشريعة الإسلامية وضعوا وقواعد مستقلة لإد ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ياسين المصري - نظرية المؤامرة عندهم وعندنا