أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جعفر كمال - عبدالفتاح المطلبي.. في.. تخصيب مبنيات الدلالة















المزيد.....



عبدالفتاح المطلبي.. في.. تخصيب مبنيات الدلالة


جعفر كمال

الحوار المتمدن-العدد: 6347 - 2019 / 9 / 10 - 18:23
المحور: الادب والفن
    


لاشك أن المبنيّات الحسية مرتبة كما لو أنها مجرى الماء عند الشاعر عبدالفتاح المطلبي، حيث يظهر مكنون فيض تخيير رفعة إيلاء النص إلى إبانة يستهويها المتلقي لتبقى في ذاكرته يتعشق معانيها، وهذه إحدى أهم ميزات نجاح الشاعر أيا كان، لأنه وبهذا الإيراد نجده يخلق روحا تتسم بالأصالة والمناعة، ولا أشك أن انصراف المطلبي إلى إضاءة لغته بأدوات مبتكرة غير تلك التي كنا نقرؤها في قصته القصيرة، بدءا من سياق المجرى في فصاحة الألفاظ، أو ما اسميه بيان الظاهرة الشعرية المزدانة حبكة النظم الثنائي كأسمى تحديث ألا وهو التضاد بعنوان ملقحة اللفظ بمدلولاته، كما فعل دانتي عندما احتسب مفهوم "الثالوث" على أنه حالة ذات مجد وهو "البطولة، والحب، والموت" وفي ثالوث المطلبي نقرأ توظيفات الرموز الدالة على إخراج المعاني ولصقها بحيز الوضوح والتجلي، وكأن الشاعر ميال إلى بنية اكتمل جنينها فحانت ولادته، ومنذ زمن بعيد وأنا أرصد واتابع فنونه الشعرية، خاصة بعد أن وجدتها تنحدر من أصلاب دائرة أديب أحاط قصيدته بالواقعية الجدلية المرشدة بالمجاز، فاصبحت القصيدة أشبه باشتقاق يتستفيض تحرير جناسهِ، وما أن يندلق ذلك الخزين حال فضائه حتى ينتشر الخيال على أوسع مديات المحسوس النوعي، فأكون أنا الشاعر، وأنت الناقد، وهو القاص والروائي نتابع جناسه المختلف، لأننا نقرأ نصا فطنا برويته، بحساب استنهاض فكرته المعلومة من غير مباشرةٍ.
ومن أجل ما تقدم نجد دواخلنا يستفيق فيها النص كما يدلنا الوهج الشعري النابض في ثناياه، المضمن بمواءمة فنية تنظم الوحدات الداخلية باسترخاء معيون، لأنه متصالح مع ذاته بالتركيز على قناعات مجازاته المصوِّرة، المبنية على مبدأ حساسية الاختلاف، إذ لا يمكننا فصل المحسوس من نداء هجينه الذاتي المُوَلِدْ لغايته المنظومة بعناية تحترف في تقنيتها المُنزَلَة بعَفَويَتها، يدلنا الحسن بن بشر الآمدي إلى أنَّ: "كل لفظة تقتضي ما بعدها، فهذا هو الكلام الذي يدلُّ بعضه على بعض، ويأخذ بعضه برقاب بعض، وإذا أنشدت صدر البيت علمت ما يأتي في عَجزه، فالشعر الجيد أو أكثره على هذا مبني.*" وطبعا يستديم شعره بواسطة سلطة التأويل ودلالاته المبنية على التخصيص، الذي يكشف عن وحدات المبنى الباطن للمعاني بدءا من سياق قيمتها الفنية المُحكمة بفاعليتها الشعرية، خاصة وأن شعريات المطلبي منزوعة منزلتها من واقعه الصادق الملبي لتحقيق ملمس البيان الدلالي ودفاعه عن أبناء جلدته، المضاف إلى تخصيص حالته المعنية بالأسرار والرموز، تأكيدا لأحوال تتوضح بحسب اختلاف وظيفة نظمها الأقرب إلى ما وُضعت له من دفقه العاطفي المحسوس في تخيلاته المبنية على تصوير مجتمعه بحالته العرفانية.
وبالتالي فهو وفي هذه المناقلة المجازية يكون قد خلق له شخصية ترتكز على المنطقة الناجعة بمثاليه تختص به، لأنه يكون قد استحقها واستحقته، بينه وبين منزلة التمييز في خصوصيته التي أوقعت تأثير شعره على الآخر المتلقي الجاد بفاعلية جديده، والحق يقال أنني معجب بتمام قدرات المطلبي التوليدية في أعماله الشعرية، ومدى تأثيرها على قناعاتي النقدية، حيث انني وجدته يزيد من صعود وظائف فن الخطاب اللغوي تمعناً بالقيمة التي يطلبها القارئ، تلك التي تستوحي طبيعته حلماً لأمنية الحرية التي يمارسها النص على أن لا تكون مصبات التغاير الفني فصامية، خاصة إذا أحيَّت لغتهِ بمعيار يمنح موهبة السبك حالته البديعة، مبتعدا عن الإلحاح بوضوح يتجاوز مسيرة الانكسارات المولدة للأخطاء، بين صحة التفكير، وعبثية المقاربة المسالة من واقع حزين، بمحمول أن تحاكي أفكار الشاعر صيغ تقارب الرؤى الداخلية مما
يطرحه الفعل العام لعصبة وصلت السلطة على متن دبابة أمريكية كما هو واضح، فيكون التاريخ شاهدا على منزلة إبداعية تناولها الشاعر بمعرفة يحسد عليها، حققت له منزلة قيمية بين مجموع الأدباء العرب،
1- بشر الآمدي، الحسن: كتاب الموازنة، مكتبة دار المعارف، الطبعة الرابعة القاهرة 370هجرية، ص299 .
من خلال مهارته الذاتية التي تلائم بين المقاربات اللفظية، وبين المعاني التي تسعر لهيب النظم فتجعله يبلغ النفوس غاياته، ولا أنكر أن الأعمال الشعرية عند المطلبي أثارت بي مثل هكذا لطائف تطرب الجوانح، ولأجل هذا النبوغ الذكي سخرت نقدي أن يسرح مع اسلوبيته كما تشتهي قوة الظهور المعنوي بقصد يجنح إلى الموجب البلاغي، وكأنما الإيحاء بتشبيهاته أستثمر فنون المجاز والمستعار المحكم بتثوير النفوس، على اعتبار أن المراد التقني يأتى من حيث منجز الوحي العاطفي بجواز فصيحه، وليس رغبة بالتمني، فالتمني عند المطلبي أشبه بالتنصيص الذي يحرر موعظة لا غير، وهو ذا ما لمسته بحدسي عنده من بعض نصوص سابقة وهي قليلة جدا، التي تكون فيها البنى الداخلية أنعكاسا للتأويلات الظاهرة في إضافة التمليك المعنوي الحسي، بمكانة فيض مقاربة تكاد أنْ تدور ضمن أميبيا مضاءة بفطنة ذات الشاعر، أي التّدْوار المنثور حيث تأخذ الأسرار وجهات غايتها.
فالذي أود أن أبينه أن المطلبي كتب الشعر كما يبدو بعمر متأخر، عندما ولدت ارهاصاته تتمسرح على علامات مستقبل شاعر سيكون له الأثر البالغ على الحركة الأدبية العربية، فجاءت مادته الشعرية أشبه بالتخليق الحياتي المعبر عن قواعد تميزت بخاصيتها التي تحترف التجديد في النص الفني المجدد لشعر التفعيلة، ولا غرابة في منطق يسمو بسياقات الأفكار المركبة أن يكون وعيَّها يمثل الدالة الفاحصة عن رؤيته الواضحة للوضعية المنطقية التي يدعمها الشاعر وهذا يمثل انتقالا صحيحا في اتجاهه الشعري في مجموعته الشعرية "تباريح"، يقول والتر سيتس: "أنه برغم أن الوضعية المنطقية تتغذى مع التجريبية على عصارة فكرية واحدة، إلاّ أنها تعد في نظرنا أكثر تقدما من التجريبية غير المؤرخة*" فهو ناتج عن إفاضة المشاعر التصويرية في مادته المنسكبة في القرار الحولي المؤلم، باعتبارها حقيقة الحياة الخاصة التي توصل ارتباطها بالعام، فعقيدة الشاعر المتمردة أكملت عنده الشجاعة الأدبية في تحدٍ بالغ الأهمية، فدخل الواقعية المعيونة من نزاع مع الأفعال المذمومة بالرفض تارة، والقبول بها تارة أخرى على ما يدل فعل بقرينه، وبهذا فهو يمثل مواجهة تقترن بكشف الآخر بأعماله، وخاصة المصير الذي ينتظره الاستاذ الواعي لمبادئه، وهنا نتذكر قول جرير: "خلائق بعضُهم فيها كبعضٍ – يؤمَّ كبيرهم فيها الصغير*".
لاشك أن المطلبي تملك الحس المقاوم للرذيلة، فأخذ يتفاعل بالشفقة على وطنه وما يحيط به من لعنات خارجية وداخلية، وقد أبى إلاَّ أن يجعل من نصه الشعري يتنعم بموازين استقر فيها متاع نشاط الذم لم يستحق، وعليه أقترن شعره بما يرشد إلى كونه نقدا مبنيا على الفنتازية المفكرة، حيث جاء نصه مقبولا من المحيطين به من أصدقائه، والقراء الذين امتعوا انفسهم بقراءات فيها من الحيوية الرافضة للحرام تحت شعارات دينية وقحة وهو ما يفيد توجهات القارئ المثقف، وبهذا عندما نقرأ قصائده نجده متصلا بالأفعال المعيونة بتعابيره، لكنه تعمد المجاهرة بصور تكشف عن أدق التفاصيل سواء أكان ضمن المحور المجازي أو من خلال الموازنة اللغوية، ومهما كان الثمن الذي يدفعه يمكنه أن يغني تجربته من بقايا حلم سوف يولد بما يشيعه جديده، فهو يؤمن أن الكفاح لتأسيس مجد ما عليه أن يتخذ من المواقف الصلبة الخاصة بها مادة تميزها وتفوقها لتديم استمرارية اشتقاق الصعوبة من جيناته الخاصة بها، أي أن ولادة النص سواء أكان سياسيا أو عاطفيا سيمنحهُ عنوانا يناسب إعادة الماضي الجميل إلى مكانته، فالشعر هو تكريم تحظى به مكانة الشاعر بالقيمة والمنفعة الغنية التي يرِثُهَا من نَصِه، وهذا بالتأكيد سيكون مفعولاً يميزهُ بعيون ما يريدهُ الوطن أو الحبيب، وتلك فلسفة الشاعرة المعنية بخلق وجود الوطن بنفسها، وكأنها تقول ما قاله النحاة:
"وقصيدةٍ تأتي البلاغة بحكمةٍ - قد قُلتُها ليُقال من ذا قالها*"

1- سيتس، والتر: فلسفة سيتس والتر، مكتبة التنوير بيروت، الطبعة الأولى 2009، 67.
2- بن حمزة، يحيى: كتاب الطراز، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة السادسة1948، ص 85.
3- جماعة من العلماء النحاة: كتاب الفقه وعلوم اللغة، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى 1956، ص213.
إذن يكون المطلبي قد أحكم تخصيص أسرار صنعته المعشوقة، التي أتسعت بحولها مكانته بعد أن أخذ يعاكس الأوضاع المتخلفة سواء أكانت سياسية أو دينية أو أدبية، فخلق نصوصا مولدة ترتكز على انسجام المتلقي مع المنصوص الشعري، لذا يمكن وصف ثقافة المطلبي الأدبية بأنها تتعدد فيها الثقافات المتداخلة عربياً، والتي تحوي مزجا من الحضارة الغربية، بمعنى أوسع تقوم ثقافته على أساسين من الجناس الأدبي وهي القصة القصيرة والشعر بكل جناسه، كما فعل العبقري جاك ديلو بتوسع هويته الثقافية التي أحدثت تأثيرا ثقافيا واسعاً يعود ذلك إلى بنيته التنويرية الأدبية المبكرة، وبمصاحبة النهضة التحررية في العالم العربي، وخاصة في منح بعض الحريات التي أعطيت للأدباء أن يدلوا بدلوهم، بعد أن توسعت الحركة الأدبية بقياسات مختلفة منها الأدب السياسي والجنسي "الأيروتيك"، تلك الإبداعات التي بان تأثيرها على أساس مكانة تحمل في ثناياها كل ما عارضه الناشر في بداية القرن المنصرم، المولد لقهر العلم الأدبي والفني، وغاية هؤلاء سحق مجتمع تطوري أخلاقي يؤمن بحرية الفرد ضمن قوانين تتقدم بتطور علومها، ومن أعماله الشعرية التي حاكى بها المجاز على أوسعه بعد أن جعل من نهر دجلة شيخا يحاجج التاريخ في تكوينه.
القصيدة:
يانهر دجلة:

يا نهرَ دجلَةَ لم تسأل كما سألـوا؟
وفيكَ مثلـي همومٌ كلّهـا جـلــلُ
العاهرونَ كما تدري بلا شرفٍ
ما لاحَ فوقَ جبين عاهرٍ خَجَلُ
فيمَ السؤالُ وقد أضحَتْ خناجرُ
تُسَنَّ أنصالها فينا وتنصقلُ
جُرحي وجُرحُــكَ نزّافان بينهما
قَرحٌ بمـــــــا يستجدّ الآنَ يكتملُ

يستدل الشاعر بهذه الفاتحة في معيونه الشعري إلى الاستعارة الممدودة من قواعد علم المجاز، خاصة في ما يختص في جمالية التشبيه والتنزيل في ما يراه الشاعر واقعا، فالمستعار هو "إبليس" والمستعار له رجالات الحكم في العراق، الذي لم يسمهم الشاعر بأسمائهم لكن الإشارة عقلية، والقول هنا أختيار الشاعر لنهر دجلة لأنه أراد الاستعارة العقلية والمستعار لها هم من سرقوا الوطن فأهانوا أهله، ومن ثم لأن نهر دجلة والأسم مؤنث، وجريانه يمتد وسط العاصمة بغداد، وقد قال في دجلة الكثير من الشعراء ومنهم الشاعر محمد مهدي الجواهري، إذن هو الماء محمول إلى الكائنات بالوعد، وكأن دجلة أمام خلق روحاني توحي بجلاليتها، وقوله: " جُرحي وجُرحُــكَ نزّافان بينهما - قَرحٌ بما يستجد الآن ليكتمل" نلحظ الشعور الفيزيولوجي وإن تهكم وهو ما يخرج المرء عن حد الاستقامة، مع أن الشاعر أراد التهكم في ما يعني على أنهم قبل الحاكمية كانوا أذلة مهانين، ولكن الأمر تغير أمام مواجهة خزينة الدولة، ويبقى خوف الشاعر على نهر دجلة موضوعاً يخيف أصحاب الثقافة والمعرفة، ذلك النهر الذي كان يجتمع حوله السمار بالسهر والمرح وصحبة المدام، وزمن القصيدة معكوس على مرده، فاليوم أصبحت دجلة ضبابية إقصائية، مع أن شعور الفردية الموفية يتفق بالعهود الموقية بأن الضمير الإنساني سوف يزدهر يوما ما بالخصب والمعرفة، وتعود دجلة لأهلها وجلاسها المحبين، هذا لأن الخطاب الموجة إلى دجلة يستعين بالنقد النفسي، والصِّحَاح الأخلاقي، فتكون دجلة كنص تختزل المفهومية التاريخية من جهة، ومن جهة أخرى يكون التأويل رابطا واقعيا من خزين جوانيات الذاكرة اللغوية، فالمزية التي اعتنى بها الشاعر من واقع هويته الخاصة بكونها قلق التأثر بحواسه إذا اعتبرنا أن الشعرهو ديالكتيك منفتح على التصانيف في جنسه الأدبي، ومن ذلك ما أتى في قوله:
"دعنا نرى أيّنا قد فاض فيه أسىً - أو الذي لصرير الحزن يحتملُ"
التركيز الذي خصه الشاعر بحكم قدسيته يكشف عن سؤال فاض في نفسه أسى وحزنا، وهذه المشهدية التي استدل استحسانها في صوّرها المعبرة عن المأساة المنشأة عمداً، لأن شاعرية الموضوع جاءت تهذب الإشارة إلى العاطفة المُمَوَلَةِ بالمجريات السلوكية عند الحاكم المستورَدْ، وهذه المحاكاة تتعالى بواقع الزمان والمكان، يقول الناقد الثقافي يوسف سامي اليوسف: "يتعامل الشاعر مع كل من فكرة الزمن الإنساني، وفكرة مجرى الوعي.*" ومن أجل هذا فطبيعة النقد الشعري تحكمه الرموز والإشارات والأمثال والتشذيب في طرح المفاهيم المثالية والأفكار الرومانسية، التي لم تدوّن حقيقتها التحريض على الثورة، وهذا ناتج يهذب محدودية النشر كما ينبغي، بعد أن يجرد الذات العامة من العمل بموجب ما جاء به الشاعر، وهكذا فإن نصا موزونا بوصفه اللاَّعادي بمجراه يعالج مصير الوطن المسلوب من جماعة لا تظهر فيها التبدلات الإنسانية على نحو ايجابي كما يقول فرويد: "إنّ هذا اللاعادي في الحقيقة ليس شيئاً جديداً أو غريباً، ولكنه شئ مألوف ومكرس في العقل، أُقصى فقط عبر عملية الكبت*"، ودجلة لم تشأ لأنها أقصيت عبر عملية ما تحت يدي ليس للوطن.
وعلى ما بسط الشاعر المتشابهات المتضادة بعكس جنسها كما يقول ما بين: ، "العاهر ، والخجل" أو بين "النزيف ، والقرح" والفرق ملموس بين المحسوس منه وغير ذلك، وغاية الشاعر هو النقد الإشاري المنبثق من الذات المتهيئة لِمّا تفرزه تخيّلات الحالة الموحية بصيغة جواب الآخر، لأن الظن بالخلاف على ما هو علية يكون ناتجه تصغير الشيء لطرف معين، وفي حالة أخرى علو شأن طرف آخر، أمّا إذا كان التوظيف يدل على بلاغة لا تخفي نوعها فهذا غير مذموم، لأنه أي الشاعر حرك الماهية باتجاه إبانة صروف الحكم الدال على سلوك الجهات التي يناشدها ليضع حقيقة الأشياء أمام الناس، كونها صورة مشبهة بالواقع على اعتبارها تصويراً لأحداث معلومة، حتى لا يتوهم القارئ على أن هذا التخليق غير معني بالتقريب الإشاري وحسب، فإذا قلنا المقصود من هكذا تحويرات علاجية يحاصلها فن الأمثلة المادية، هذا لأنه حقق الاستطراد في المعاني التي تتأمل علم صدق الدعوى، ومن خلال هذا فالحوار بين الشاعر والماء أصبح حوارا روحانيا، كما فعلت الشاعرة العراقية ناهضة ستار في حوارها البلاغي مع الماء حول واقعة مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب وحرمانه من شربة كف من الماء المحيي والمميت.
وهذا ملموس في ألم الشاعر الذي جاءنا بالبينات، في محاكاته الرضوانية المنقحة بالعاطفة الحاسة، التي نتبينها في عصاب الجملة الشعرية المرتبطة ربطا معرفيا بخليلتها الدالة على أمر بمضمونها وظاهرها، والجواب الذي ينتظره الشاعر من دجلة، بصمتها الروحي المنظور في جريان قدسيتها الأزلي، يجده وكما لو أن الجواب يأتي أشبه بشرنقة تنزع وجودها وتبسطه للحياة العامة، فيكون التأكيد لازماً للمعني، وملائما للظاهره، حتى يصبح القول وكأنه شديد الأنفاس على جهة التصوير، كما يقول: " يا نهرَ دجلَةَ لم تسأل كما سألـوا؟ وفيكَ مثلـي همومٌ كلّهـا جـلــلُ" وهنا يؤكد أن كل مظهر روحاني يقارب الإشارات الحسية لا يمكن التحقق منها إلاّ كما لو تتصورها القيمة العرفانية، فيكون النص الشعري الموزون بمعانيه ممولاً لتوظيف تمظهر الإتلاف الذي يجمع وحدة التساؤلات بين الذات الشاعرة ببعضها المعرفي، لأن الجواب من دجلة مجاز خاص إذا كانت المفاهيم تدور بوحداتها بين الجمل، ولا تترك وراءها نقصاً أو عيوباً، لأنها إنما تسلط الضوء على حالة يرمها الشاعر ببلاغته بتأنٍ يحترز سياق المجازات الواقعية المخزونة بمراميها، وناتجه يؤسس لضبط ما اشتق من التأويل، وما يعنيه التصرف الذكي على ما هو وارد على جهة الإقناع.
1- جيرونشن و بروفرك: كتاب ت.س. إليوت، دراسة وترجمة يوسف سامي اليوسف، دار منارات عمان، الطبعة الأولى 1986، ص69.
2- فرويد، سيجومند: كتاب: حياتي والتحليل النفسي، مطبعة دار المعارف، بيروت، الطبعة الأولى 1945، ص216.
أمَّا من جهة ما ذهب إليه الشاعر من توليفات معنوية ممتدة الهواجس بإقامة الحد على البرهان العقلي ليكون الرأي لازما على جهة: أمّا الاستحالة، أو التقريب المنزه بقوله: " دعنا نرى أيّنا قد فاض فيه أسىً - أو الذي لصرير الحزن يحتملُ". أو قوله: "ما كان سائغه مثل الإجاج ولا – من ارتوى كالذي قد مسه بللُ " أو "طائر يلعب بطقسي وعقيدتي".
المجرى الأول الذي أسميته صراع المتضادات تحت عنوان تأويل الظواهر المقرونة مع ضدها من سياق مادتها، سواء أكانت تلك المادة مخالفة لغايتها أو تتفق بشيء منها بحذرٍ، كما هو الحال بين: "البلل.. والارتواء"، وهنا يحصل الفارق إلى التطرق إلى ما هو معيون على جهة التصوير الحاصل بوارد ضبطه ومسعاه، وما هو يتجه بنظمه وسبكه اتجاه المجاز، حتى يكون الشاعر قد أجاد المقارنة بالتشبيه من منظور واقعيتها، لأنه حصل وعاشق الضد بضده، ومن أجل هذا نقول أنَّ الشعر يقتله التخصيص كقول الشاعر "كل على بئره يُدلي وينتهلُ" أو بجمل أخرى شبيه من ذلك.

أقامَ موسمُها فيــــــــنا سرادقَـهُ
والغافلون على جهلٍ به احتفلوا
جاءت بأصنامها السُعلاةُ نعبدُها
نطوفُ من حولها سبعاً ونبتهـلُ
قد صنفتنا كما تهوى شريعتها
ذئباً وحملان ثم استحكم الجدلُ
إني رأيتُ رؤوساً فوقَ أعظُمِها
كأنمـا جُرُزٌ مـن فوقهــا بَصــلُ
صُناعُ فَخٍّ ولا زلنـــــا نُنَزّهُهـمْ
نُلقي على بعضِنا لوماً وننتصلُ
يا نهر دجلةَ حتى الماء فيك ذوى
لا يطفئ النارَ إن شبت بنا وشَلُ

إذن وبنفس الروح سعى الشاعر أن يحرر الفنتازيا من ثوبها القديم كما ورد في أعمال إدجار آلان بو، وهنري جيمس الخيالية، ويُلبسها علم الكناية الذي يعني الدال على ما أريد به بالحقيقة والمجاز معا، لكون الفعل أصبح منظورا وملموساً، مع أن الاستعارة هي الأساس الذي جعل من المجازية الأمر الذي يقيم التوافق مع الواقع المعيون بحقيقته، فأصبحت معرفة معانيه مقرَّرَة تحتمل تأويل علم البيان بلون يختلف في التفصيل والبنية والكناية، كما هو الحال ما أشار إليه يحيى بن حمزة اليمني، وهو ما أخذه الشاعر فانشأ علاقة أو ملقحة بين الماضي "عصر النهضة الأوربية" على يد دانتي، وبين الحداثة المعاصرة التي اتجه الشاعر بها إلى إعادة علوم اللغة إلى النص الشعري، كما كان يتباهى بها شعراء الجاهلية، فكان الاستدعاء يطابق علوم اللغة في مكانة بالغة التأثير، وما نقرأه في هذه القصيدة واضح في تناص علم أقسام اللغة، بقوله:

كمْ قد عرفنا الأسى ذئباً يساورُنا
ولو تغاضى فذاكَ الأمرُ مُنتحَـلُ
تاريخُنا بائسٌ قد أفســــدتهُ يدٌ
تعودتْ بدمِ الأوطــانِ تغتسِلُ

بهذا المعنى ثمة استخدام مسميات مباشرة تحقق الظاهر من غرض الشاعر المنظور في بنية قصيدته الجديدة المنفتحة بدلالتها على استعارة "الذئب للأسى" وهذا معمول به في تحويل المعنى باختلافه إلى المجاز بالاضافة، أي أنه أشار إلى غدر الذئب مكثور القبح عند البشر، حيث تشير التمثيلات القائمة على أساس سيناريوهات الواقع المنظور، وإذا تعمقنا أكثر في قراءتنا لهذا النص المركز من زاوية مفهومية التاريخ الماورائي المستوحى من الخطاب: "يا نهر دجلة" نجدها تشكل للمطلبي توثيقا شعريا ديالكتيكياً، حيث يتخذ من الابتكار إعادة إستزادة الخلق الإشاري على وجهين كلاهما مر، خاصة في قوله "يدٌ.. تعودت بدم الأوطان تغتسلُ" قول بليغ بدلالاته، وحكيم بصدقه، "فاليد.." هي أميركا، التي اعتادت على صناعة الموت للشعوب بحجة أو بأخرى، وكأنه يطرح أمام المتلقي حقيقة الخراب العظيم الذي سوف يحل على أرض العراق، وهذا التنظيم الفني نجده تارة في حالة انقباض مشار إليه بالويل والثبور، وفي أحايين أخرى يجعل المعنى منبسطا في جوانبه بواسطة كنايته الحسيَّة، خاصة بعد أن أفاض إلى مشاعر الموروثات الطائفية التي يعمل عليها الأمريكي "الذئب"، وبإشارة عرفانية بتأثيرها الانفعالي ما أتضح في كتاب القرآن من أحداث يعرفها الإنسان على امتداد التاريخ، وهي نواتج التفكير البصري، تلك الثلاثية الروحانية القائمة سلطتها: "إبليس، والتفاحة، وآدم"، مع أن المطلبي لم يطرق أبواب الناقد بالمباشرة المفعمة بالحيوية مع: "يعدهَّ لهم عدًّ" كما ورد في كتاب المولى، بعد أن يفرض نظمه ومحاكاته وسمفونيته على النقد الفني، أو ما أتفق في نقودات الموروث العربي والأوروبي عند طلاب الأرسطية، أو الظاهراتية في المدرسة النقدية المصرية، أو النقد الفني عند الناقد العراقي، فشعر القضية ليس كالشعر الرومانسي، أو العجائبي المحض أو الخالص أو الغريب كما وصفه نوفاليس، مع أن الاختلاف موزون بتأثير التعريض وأسلوبيته، والسيرة بين الحالتين.. أن القصيدة التي تطير بأجنحة الرضوان، ليس كتلك التي تؤسس بالخيال الامتاعي، ودليلنا في وضوحه يدلنا على أن المطلبي حرر الذات من مما اعترض عليه بين المادية والمثالية، وهذا وارد في قوله:

ما عادَ إبليسُ فرداً بل غدا أمماً
رايـاتُـهُ خفقت يحدو بهـا هُبَــلُ
قابيلُ يسكنُ في بيتي يبيحُ دمي
هذا أبــي آدمٌ يُغـوى ويرتحــلُ
تفاحةٌ أنزلتهُ للحضيـــض فإن
كانتْ سلالاً منَ التفاحِ ما العملُ؟
يقول الشاعر أحمد ابن محمد الميداني: أشوقاً ولمّا يمض لي غير ليلة– فكيف إذا خب المطي بنا عشرا*
إذا قلنا أن المطلبي يعيد صياغة الوعي من جديد بوجدانية الأسس الجادة في خلق معيار من الناجز المكتسب، إذن هو تأويل الاستدعاء بين إبليس في الجملة الأولى في هذا المقطع، وبين التفاحة في الصورة العددية غير المعلومة، لكنها جرسية بصوتها ورشاقتها، وهذا السياق غايته التغلب على عملية نقد التشابه بي المشبه والمشبه به، في حالة استخدام الدين كورقة يراد بها الاستطراد، وهم يعرفون حق المعرفة أنهم يخالفون على جهة الاستواء في شخصية "إبليس" الذي خضع إلى عملية التكاثر في ثيمة: "أمماً"، وبه تم تشبيه توليد الفرد بالأمة "اللصوص"، وهو ذا المقصود به في علم الاطراد، وبهذه القيمة الفنية يكون قد حقق قوة فعل الاستعارة بكون "إبليس" هو الشخص الموروث، وفي الوقت ذاته تم أحياء الرمز "هابيل وقابيل" على انهما من يطرق باب الموت ويستجوبان ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يفارق ذلك الرمز المتمثل بالملكين حتى يبقى يطرق أبواب الخرافة باعتماد القصيدة الناقدة، وبعلمي فإن فنية المطلبي الشعرية لا تميل إلى التسجيع،

1 -محمد، أحمد: معجم الأدباء، الجزء الخامس، دار إحياء التراث العربي، بيروت،الطبعة الأولى 1889، ص49.
خاصة من معيون مصبات انسياب الكلاسيكية المرنة التي أخذت تؤسس لنداءات يتوزع صوتها البديع على الصورة النفسية، هذا لأن نظمه أفلق في البلاغة على نحو موفق، وفي هذا قال النحاة أن السبك الرشيق لم يفارق قارئه لفترة طويلة، لأن الشاعر جعل من المستعار يحقق مبتغاه بحكمة وبلاغة فآدم أب البشرية أنزلته التفاحة للتخصيص، بكونه احتدامي في صورته المذلة كما ورد في الرواية الأزلية الملغية علمياً،
فكيف إذا كانت تلك التفاحة تملأ ملايين السلات، إذن ما العمل؟ السؤال الدال على المعنى أصبح واقعاً، بينما في معتقداتهم فهو غير معابٍ، والاختلاف هنا واضح بين الأمس واليوم، بكونه اختلاف في الدرجة النفسية التي كان يتمتع بها إبليس باختلافه مع الرب، وبين مريدي إبليس وعددهم لا يعد ولا يحصى في حيِّل الانقلابات الفجائية في الحياة المعاصرة.
يستمر الشاعر يحقق إثارة سياق الأنا الأعلى الممهدة لربط المعنى الرمزي بمستعاره "جند الله"، بكونه أجاد تحريك مقدوره الموسوعي كإعادة إنتاج المقاييس الإلهية إلى منظورها الروحاني، حتى يلفت انتباه ما غفل عنه النقاد العرب ممن اختصوا بالحداثة، بوصفه شاعراً صُقلَ بخاصية المريد، وكأنه يمشي على نفس المجد الذي سار عليه أبو القاسم الشابي، كشاعر فضاء الصوت مع ما اكتنى في فلسفة لغته الفنية من الأوليين لتبقى ملهمة للآخرين صورته الصوتية منظورة على مدى الدهر بخصوصية عظيمة تحققت في شاعريته، فنقول أن المطلبي عندما تناول الماء إنما أراد أن يشير إلى رمزية الحياة، وما في تلك الرحمانية من أثر على وحدانيته بمعزل عن المحيطين به، ليمنح متخيله الكلاسيكي فسحة أوسع للموحي إليه، حتى يبان نقدها في المكان الذي أخذ الشاعر يسامر الجمل بمرأى الزمنية البصيرة التي تولج إلى حد الشيء بذاته، وكأنه ذو صورة فنية تستطيب الصورة العقلية فتنطق حقيقتها التي بنيَ عليها التعريض، ومثال قوله: "تفاحة أنزلته للحضيض فإن – كانت سلالاً من التفاح ما العمل؟" السؤال: "فإن كانت" وصف الغضب الإلهي باستعارة التراث للمعقول المعاصرة أمام رؤية تفاحة واحدة، التي تم تصويرها على أنها أسست للوجود الشيطاني، حتى أصبحت سلالاً من التفاح، تكتمل الصورة وتصار لغتها الناقدة سبرا نحو أنواع علم البديع الذي صاحب هذه القصيدة بكل مفرداتها في ما تحتاج إليها الصورة الحسْيَّة بشكواها وعتابها، وكأن المطلبي يذكرنا بقول أسامة بن مرشد بن عوف:

"وما أشكو تلون أهل ودي - ولو أجدت شكيتهم شكوتُ
مللتُ عتابهم ويئست منهم - فما أرجوهم فيما رجوتُ
إذا أدمت قوارضهم فؤادي - كظمت على أذاهم وانطويتُ
تجنوا لي ذنوباً ما جنتها - يداي ولا أمرتٌ ولا نهيتُ *"

ولي أن أقول أنَّ المطلبي وهبَ الخلقَ الفني بما أشاء الشعر هبة لمن يشاء قراءة مُثلى بجواز مواطن تشكيل المفاهيم الجمالية حتى يتماهى مع حداثتها، فالتمثيل الصوتي يأتي في بنيات النص ويقيمها بواعز سياق ملكية انتساب خاصية الألفاظ من محتواها، فيلزمها بجرس موسيقي شاعري الرنين، كما لو أن ليونتها الرشيقة تحاكي متخيلات الأحاسيس في الصور الظاهرة بتعابير حقيقتها، بدءا من سقاء جذره التوليدي المحرر لغايات تطلق المعنى بمقصد تام مُحَوَّلْ على شهوة حدسيات تتدفق من ينبوع الشاعر نحو القارئ المختلف، أو ذاك الذي يقرأ بوعي أدبي يجر النص باتجاه قناعاته التي تزيد إعادة القراءة والعبور بفائدتها إلى المتلقي الباحث عن النص الذي يُعَيِّنْ سطوعاً معشوقاً، لكن هذا لا يعني أن الشاعر لا يعتمد على مخزونه الثقافي بما نسميه التناص مع الأجناس الأدبية المختلفة، وهذا مشروط بخروج المعاني إلى غير ما أتى به الموروث، خاصة إذا جاءت الصورة المحاكية بصوتها الآثر. وهنا يرشدنا الغزالي إلى رأيه: " الشاعر الحق أشد ابتعادا عن الحق المنطقي، بينما لا يمكن لتجليات القوة أن تكون بالنسبة لأنبياء المعرفة سوى أمثلة طارئة وعابرة وملموسة للإحساس والخيال، لا للبصيرة*" أخذت برضاي كثير هذا الكلام، وقليل رفضته، أمَّا بقاءه في دراستي بطبيعة الإشارة إليه فهو من باب رأي الناقد بواعز اختلافه معي.
وقارئ آخر يحاول أن يصل بثقافته على منشأ قراءة أن لا يصطدم بأن النظم غير نظم يعتد بها، أو نص فقير لم يصل به إلى مبتغاه، خاصة إذا كانت مبنيا الجمل توزعت غاياتها وتعددت أشكالها وكأنها صور متفرقة، فكان لكل جملة شعرية قلمها المستورد من خارج متخيلات الشاعر، كما لو أن القلم أصبح يتفق
1- مرشد، أسامة: كتاب عماد الدين الاصفهاني، المجلد 19، دار احياء التراث بيروت، ص122.
2- الجنابي،ميثم: كتاب الغزالي "التآلف اللاهوتي – الفلسفي - الصوفي، دار المدى للثقافة والنشر دمشق، الطبعة الأولى 1998، ص132.
مع الرأي السلبي باتجاه تعدد الأفكار غير الصالحة لبناء النص. وهذا هو المنشد الذي اختلف عليه المطلبي مبتعدا عن الطباق والتجنيس في قريضه، ولعل ذلك ما هو حاصَلَهُ الشاعر لأن يمثل سر نجاح التحول بين شاعر وآخر، باعتماد الفصاحة بين الشاعر ونصه، حتى يكون دالاً بمضمونه على معنى يثبت الدلالة على الظاهر المشار إليه بتثمين صياغة حققت المهارة الذاتية في مبتغاها المقصود، وهو المفهوم المثبت في سيمائية الشاعر بمقدار الوعي الذي تبسطه النصوص الحرة، وإذ أجدني أتناول هذا الحكم بألم شديد لقوة واقعيته، تجدني في الوقت ذاته دالاً على ما يضعني بين أدق سياقات النسيج الشعري المتوازن عند المطلبي، موغلا بين نص وآخر ألاحق وبدقة سياقات الصوت في محاسن اللفظ، فلو خرصنا التركيبات البينية التي يتلاحق معناها كالخطى الموزونة بدقة فعالياتها الإيقاعية لوجدنا أنَّ الشاعر حريص على تجانس المعاني من خلال استحكام أدواته المهيبة في تجليها المتصاعد في متخيله النوعي، ومثال قوله:

أيامُنــا خُــدّجٌ نقصانـُـــــها وطـــنٌ
لامحضَ أرضٍ عفا من فوقها طللُ
اليومَ تفتقِدُ الألبابُ صحوتــَــها
إذْ نحنُ نمتحُ من وهمٍ ونقتتــلُ
ما من جديدٍ إذا ناحـتْ حمائمُنا
كأن أحزانـَنا يا ســــيدي أزلُ

لا جدل في أن كل قصيدة شعرية لها حضورها لزمن ربما مستقرٍ في أبديته، وربما زائل، في حال أن يكون الغرض دالاً على ما وضع له في أصله من إفادة، فيكون ثابتا على أصوله، بفاعلية خصوصيات تعبر عن ذوقها ومقاييسها الجمالية، فالتشكيل الذي أحدثه هذا المقطع يصب بمعية مفهوم تعريف التثبيت الشرطي، والمقصود في هذا التأشير هو الاقناع بأن الشاعر لا يريد تحقيق الابتعاد عن منطقه الثابت، والرأي المعنون على أن لكل شاعر أو شاعرة دستوراً يعنى بالفنية الخاصة: "به / بها". يقول بلوم: "لقد سُمّي الشعراء بحق بالإلهيين أي النبوئيين*" لأن الخيال يعبر ويوحي إلى الخط الواقع في الإيمان الإبداعي، فالعقل التوليدي يسن القانون المعرفي الذي يحكم تشريعات النص بخاصيته، وفي هذه القصيدة قولة تظهر أكثر مما تبطن، خاصة وأنَّ الدلالة تجعل المعنى النفسي له قيمة تاريخية في التعبير عن الواقع الذي اختص بالمعنى المُعَرَفُ بدواعيه الامتاعية بواعز تأثير المناعة التي حددتها الأحداث، وهو ما يجعل النص خالداً، حتى يكون الصد على الرفض والشكوى والعتاب هو الواقعي،

1- بلوم، هارلود: قلق التأثر، ترجمة عابد اسماعيل، دار الكنوز الأدبية، بيروت، الطبعة الأولى1998، ص67.
2 – حمزة، يحيى: كتاب الطراز، دار الكتب العلمية، الجزء الثالث، بيروت، الطبعة الخامسة 1959، ص360.
3 – بشر الآمدي، الحسن: كتاب الموازنة، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة 1954، ص 441.

أي أن لا تؤلمنا الحقائق المدعومة بصدقها المر في سياق قوله: "أيامُنا خَدَجٌ نقائصها وطنٌ – لا محض أرض عفا من فوقها طللُ" التفصيل الدلالي واضح في أمره بمظهرية العتاب المطروح من لدن إحساس الشاعر، فمتى جاء المنصب للجاهل جاء معه الظلم كما يفعل الدكتاتور بشعبه، وكما هو ذات الحال عند أصحاب العمامة والأحزاب، فكل فئة منهم تستعبدها العمالة لجهة معينة.
وهنا فهو لم يطعن ولم يقدح، بل حجة يضعها بجواز باب تحقيق التعدي، بسياق يلامس الحقيقة، ويصاحب المنظور الواقعي، وهو الاحساس يجيء بخيبة أمل توحي بمرارة لا تخفي الشعور بها، فيكون حاصلها انتاجا توليدا ذاتيا يعبر عن مضمار قد يبان جذره المستفيض في غاياته ومقاصده، لأن الشاعر وهب قدراته الفنية بتحسين أحوال النظم بفنيته الواضحة، متخذا اتجاهاً جديداً نتبين منه كيف أنه بدأ يعالج مشاكل النحو بجناس بليغ ببنيته ودورانه الملقح بوحداته المتصلة ببعضها، والصور تتوزع بإحساسها العميق على هدف تروم لأن تكون حصيلته موصولة إلى القارئ، بوحدة متكاملة السبك والسياق، خاصة في اتحادها الداخلي، ولا أغالي إذا قلت أن قصيدة "يا نهر دجلة" تستثير الفاعل أن يمهد إلى شأن يفيض في ذكر مناقبه باستجادته، لأن التقدير هنا يصاحب الفعل المشار إليه بقرين ما يقتضي به حصول الشيء، وطبعا في هذا فهو يتحمل علم الاطراد، والتضمير، المشار إليه بموصول الحالة، أنّ ما عناه الشاعر بهذه الرباعية المتحدة بما سبقها وتلاها، هو من يقوم بالمحاصلة القائمة في كل أبعادها التحويلية المشار إليها بالمجاز المحسوس، يقول يحيى بن حمزة: "من حق العامل أن يكون سابقا على معموله*". وأمَّا المفعول هو من جاز تقديمه الأصغاء والتلقي والمطابقة، فيكون الفعل كناية يتقبلها المفعول كقول البحتري:
"شجو حُسّادهِ وغيظُ عِداهُ – أن يرى مبصرٌ ويسمع واعي".

الجذر التوليدي في قصيدة:
بلى أيها الليل
سعى الليل بي غُرما فطالت مدارجه
وراحتْ بآلامي تُباهي معارجه
تجيشُ بي من أمنياتي كتائبٌ
يطيحُ بها طوراً وطوراً تحاججُه
نحن أمام ظاهرة شعرية تتناص في ملامحها وندائها مع شاعرية العصر العباسي وأكثرهم شعراء الصوفية حداثة لعصره، ومن أغناهم فلسفة الحلاج في تعاليمه العرفانية بقربه أو بعده من الرب، خاصة في تجلياته ومناشداته الروحانية وكأنه يمزج ما بين الأرض كسكن، والسماء كحالة مقدسة أو صومعة لا يمكن طرق أبوابها كما يراها هو في طلب القرب من جلالته. وهنا يحاول المطلبي إحياء حالة التماهي في صورة المجاز الموغل بالوحدانية، وهو ما أشار إليه باشلار في موضوعة جمالية فضاء الليل، وحقن مناداته أو حواره بخليط من الجلال الخيالي، أو الكَيَّف الانفعالي، وربطه ربطا واقعيا بالحقيقة وإن خفيت من ذاكرة البعض، فتكون حيرته متحدة بمناجاة سرية تلازم حياة الإنسان عندما يجد ذاته المتخيلة في انفصامه عن المحيط به، وفي متخيله تميس الاسئلة عن سر الوجود، أهو طلسم يبدي حقيقة لا تنحسر أو تنعدم؟ لأن وقائع الحوار بين الليل بسكونه، والشاعر بتخيلاته لم تكن وحدانيته تعاين مدارج الليل لأنها طالت، والجملة هنا دعائية بمقصود معناها المجرد، ليس بالقدر الذي كان يتمناها الشاعر، فالليل هو الخلفية التي يجدها المطلبي تمنحه القوة في تحقيق مسعاه، ولكنه لم يفعل، فأخذت الأمنيات تجيش به وقوله: "سعى الليل بي غراما فطالت مدارجه" إذن فالشاعر تلازمه الحيرة بعد أن وجد أمانيه تتوزع بين الأنا وكتائب تحاججه، وكأننا نتناص مع أفكار أراغون في رأيه: "لا أجد اللحظة في نفسي إلا خيطا واحدا تمتزج الشمس فيه بالظلال، لا أجد اللحظة فيَّ سوى صوت وحيد يدوي ليغيطها كلها*"
-هارش شارل: فكرة الحب في مجنون إلسا، أعمال أراغون، دار النمير ، دمشق، الطبعة الأولى 1988،ص78.

ومن خلال تمدن أفكاره نقرأ:
ألا أيها الليل الذي يمنـــع الكرى
أتفتحُ باباً موصدا ضلَ والجُه
وتسألُني ما بي؟ ألســـتَ مكابراً؟
بلى أيها الليل الذي ضجَّ ناشجه
تلك الدلالة التي أشار إليها الشاعر في ثيمة "المكابرة" التي هي صفة من صفات الإنسان وتعني السعي وراء السيادة والسبحانية والمكانة والرفعة والحاكمية، لذا فالشاعر يعني برمزيته "الوجود" وجعله مفاوضاً لطلب الملذوذات التي ربما لا يصلها الإنسان لكنه يناجيها بسره، سواء أكان يحاجج أملاً ما، أو كدراً، أو جنة لا يرومها بقدرته الذاتية التي يطلبها، ففي صورة الشكوى أو جواب المعرفة في مضمون هذه الأبيات مركز هجينها في مدلولاته الذكية، وبواعزها جاء النص يهذب الإشارة لما يجري في الخاص الذي هو الشاعر، ليكون انعكاسا على الجمع بعد أن أحكم الرموزات الظاهرة والباطنة ومنها تمليك الأسرار لقارئه، وبين منزلته الخاصة ومنزلة السر الإلهي، ألاّ وهو الليل، وحال النقد في هذه المحاكاة أصبح أشبه بإصلاح العزة التاريخية التي فقدت على بساط الرذيلة، فجاء الخلق في هذه الشاعرية يعالج الشمل لما ترمز إليه المعاني المناطة بمقصودها. وفي الوقت ذاته فهو يستفتح النفس المبتكرة للشجن ببعضها ولا يضعف، أي أنَّ الشاعرية التي نقرأ صوفيتها تضعنا أمام جلالية التعدية وكأنه يشاجي الرسالات الروحانية ومنها: الإبراهيمية والرضوانية والميكالية والإسرافيلية، فلا شك أن المحاكاة التي أُسرت إلينا تجعلنا نبحث عن سر التملك لمن، ذلك الذي آذنت به قدسية القصيدة وتلك مهمتنا أن نبحث في مضامينها المبتكرة، وغاياتها الحلمية، خاصة مناجاته في فاعلية سر السيادة في حالتها النسبية للزمان "الليل" أي سر الثبات.
يتجه الشاعر إلى المكلف "الليل" يخاطبه أو يعاتبه، أو يساقيه ايلاما وعشقاً، أو ينتظر منه الجواب السرمدي، تلك هي حكمة الممولات الفلسفية التي يعيشها الشاعر في ذاته المتخيلة، ترى هل منح علم الحقيقة أنْ يناجيها في خلوته سر التألي الذي يسكن روحانيته؟ إذن هل الليل عبودية على الإنسان؟ أم رحمانية محض؟ أم أن النص الشعري الذي أتانا به الشاعر يحاجج العلم بإضافة الفن الغرائبي للصورة المتخيلة التي تأولت صوره الجمعية، وتلك دلالة لتنزيل الحقيقة المملقحة في مسلماته الواقعية، كما دلنا النُحات أن مصدر تكوين الليل هي الشمس، فبعد الغياب تبدأ محاميل المتخيلات والوسواس، وفي هذا لا تنكير للعلم ولا إساءة للخالق ولا تعد على الكتب المنزلة كما يقولون، إنما هو طول التأمل وتوشيح مجاذبة الوحي الذي أخذ الشاعر إلى الليل، ولا غرابة في هذا بكونه مهوى الشعراء في المتخيل النوعي، كما يجدها إدجار ألان بو في نصه "سقوط بيت آشر" فعندما يُوغلْ الشاعر في موضوعه يكون هو العارف بأحوال المجاذبة والنظم والمحاكاة والجواب، حيث يورد من الاستعارات ما يقرب ويضمن محاسن الكلام، فلا ضرر أو غَلظ ولا غلط في المعاني والألفاظ، مع أن ما ورد في كتاب القرآن ليس بمهاجمة أو تكفير للشاعر بل هو كشف عن نفسية الشاعر العاطفية عندما قال في نصه المقدس: "والشعراء يتبعهم الغاوون". ومن أجل هذا الحجاج نتبين أحواله تسائل تطورات الأحداث المحيطة بشاعريته تتحرك في الأفق المنظور المدوَّر، بعد أن منحته الحقيقة الصادمة فرصة التجلي بالمعيون الذي يتصوره كما لو أنها لجة خانقة، فاقتصر من القول ما كان محذراً من النفوس الفياضة بالمكاشفة المؤلمة، وفي هذا المحمول البديع نجده وقد أبان الجزء الأكثر حيوية بقراءة الحدث من حيث رضوانيته، فلطائف الانفعالات عند الشاعر المبتكر تترآى له وتستفيق وعياً في أعماق ثورة الرفض الألوهية التي تتوالى على الذات الواهبة اختيارا لرفض الباب الموصد بوجه تمنياته، فأصبح الوطن هو الليل الذي كان مبعث الحضارات في الشرق قد ضجَّ ناشجه، يقول أراغون: "لقد بعثت الماضي كي أتجاوز هذا الحاضر الذي يحول ويمضي سريعاً، إني أحيي الماضي من جديد لأرى جمال المستقبل*"..

1- نفس المصدر السابق. ص207.

وحاله يستدرج التوهم ويكشفه حتى يظهر جليا في مواقفه الناقدة، فكان الليل خاصتة في صورة تقلبه على أمواجها مثل قشة، فقد أدرك جيدا بحصافته وحسه أن تطهير الشعر من التزلف والتقليد الذي لا يجمعه مذهبه الخاص هو خير دليل لنجاحه، وأجدني أمام هذا النص الذي قرأته عشرات المرات، أفكك ذاتي قبل أن أفكك غايات معانيه ومبتغاه وبلاغته الفنية وعقليته الفذة، أجاهد بمقدار "ما استطعت إليه سبيلا" أن أضيف إلى تجربتي النقدية شاعرا سيكون علماً من أعلام الأدب العربي إذا ما تواصل بنفس النشاط الإلهامي، لأنه في هذا النص حقق استبدال التعابير المعادة في كثير من القصائد عند الشعراء العرب بتعابير أكثر مجانسة بحسيته ومتخيلاته، وهنا يحضرني أزرا باوند الذي عمل على تجديد أسلوب الشعر الأوروبي، ومثيله في المنطقة العربية بدر شاكر السياب، الذي غيَّرَ من البنية الشعرية في القصيدة العربية من الأفقي إلى العمودي وسميت حينها بقصيدة التفعيلة، وفي هذا النص المتأول سقت مقدرتي بعد أن أجدني مستأنسا أسبق الكتابة في تحليلاتي وقراءتي للعنوان الذي بدا حاصله الشاعر بالتلبية والاصغاء لحالته المنفصلة في حضرة التجليات الشعرية: "بلي أيها الليل" والتحرير هنا هو ما بَيَّنتَهُ في البدء لأنه المضمون القابل للتغيير والتجديد في قوله:

له لونُ رايات النوى غيرَ أنه
يلذُ إذا ما أثمر الشوق ناضجه
تدافع بي نبض يساكن بعضه
فلا داخل حيٌّ ولا مات خارجه
ولو كان يدري في نواياك أنها
تقود إلى درب وما أنت ناهجه
المعالجة التي تؤدي إلى محاكاة المقصود بالمشبه به "الأنا" المقدسة تحكم ميزات الطبيعة الزمانية الممتدة في المكان أيا كان، وتلك حولية الاستعاره التي بواسطتها يستدل الشاعر أنْ يبسط مشابهته بالمطاوعة، وذلك اعتماده على ما نوى أن يكشف ذلك التمهل الذي أشاءه الليل بالسكينة والحماية من المتطفل، غير مبالٍ لمطلب يسعى إليه القائل الذي يتحدث عنه الشاعر بمشاعرة وهي تستنطق الروح الرحمانية في صورة الليل التي من شأنها أن تُلبس اللجة وشاحا جائلا على تكوينات ثابتة منها والمتحركة، بسياق آخر خصه الشاعر أن يبقى سترا مأسورا للحلال والحرام والمتعدي والعابر، حين تنتشر الظلمة ومنه المحدود على كون واسع بنتائجه وفي ملماته، وهذا يعني أن هجين المعرفة تتدخل في محاسنة الألفاظ فتجعلها تؤنس القارئ وتجعله يردد المنظوم وكأنه قائلها، حسبي أن المطلبي فعل ذلك عند مفاوضة المقصود من المعاني في شعره بأحوال تتعدد غايتها ومفاعيلها، والاشارة إلى "رايات النوى" فالأمر وإن كان كذلك يتراى في مقصده على أنه يفتح بابا لم يكن والجه، وهذا ما شاكله بما يؤثر في المحاورة قوله: "يلذ إذا " فالحالة المرموزة تتوسسع في دلالاته الشيئية إلى قهر المكابر في نفسه، حيث يبقى في النشيج يضج بالنائبات المنفتحة على جذور تزن في دواخلها شدة العُقَد والحلم الرزين، وذلك استنصات الكلم المحتسب يعالج حالاته البينة وهو غمرة وحدانيته، وكأنه يشير إلى صهِال المعنى بالشكوى، عندما نشجت بصيرته الشعرية بالتعبير عن السفر النفسي، فليس منه على فعل أحد من أحد بحال، إنما الفعل بما تحاوره موضعة الخطايا المكشوف عنها الحجاب، وذلك هو فعل الترميز والمجاز الذي يعمق من حرية التأويل الذي يطمح إليه القارئ، خاصة في قول الشاعر حين نقح المعنى بالمعنى إبانة وشأنا:
1- ديلون، جانيت: كتاب شكسبير والإنسان المستوحد، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا، دار المأمون، بغداد، الطبعة الأولى،1986، ص13
2- نفس المصدر، ص13.

بلى أنت من يدري بنيرانِ مهجتي
وأن نزيـــــفا في فــؤادي يُعالجُه
نزيف إذا أوقفته آض فاقها
وإن سال يدعوني إلى اليأس ساذجه
له لونُ راياتِ النــــــوى غيرَ أنهُ
يلذُّ إذا ما أثمر الشــــوقَ ناضجُه
يستمر الشاعر يُفيق التخيَّل بالمعالجة بتسليط الضوء بواسطة تجلي الذات الصوفية على واقعها، وهو مزيج من الأنا والوحدانية المنشدة على انتشار ما يحيط بها من رياء المجتمع والقلق بآن، لأن "رايات" النوى دليلها مخرج للضيق، ووقع للتحجير، الذي يؤسس الخراب النفسي بدوافع سياسية واجتماعية ومادية وعاطفية، لكن أمام كل هذا الخراب العقلي عند الآخرين ما زال الشاعر يتبنى الرجاء الآت الذي تعمده القناعة، بعد أنْ استخدم النقيض علاجا بقوله: "وأن نزيفا في فؤادي يعالجه" مع أن الصورة لا تتفق مع فلسفة العلم الفسيولوجي لأن النزيف لابد وأن يكون سببا يمزق عضو ما في الجسد، أمّا إذا عنيَّ الشاعر بثيمة "النزيف" بمعنى الفيض فمقدورنا أن ننسب "الفيض" إلى المجاز حتى نستطيع أن نحاكيه على هذا المتناول النقدي، خاصة وأن القلب الذي أحاله الشاعر إلى ثيمة الفؤاد وهذا فائض عند الشعراء، أمًّا الصورة البينية التي تساوت فيها الجمل الشعرية أخذت على متنها سعة المعني بالتعميد الفردي، وكأن شكسبير بيننا عندما قال: "أنا من أنا؟*" وتصورات هاملت في الوحدة قوله: "أن مدح العزلة بات شيئاً عاماً*"، وفي الوحدانية يقول ريتشارد الثالث: " ريتشارد يعشق ريتشارد أعني أنا هو أنا*" وهو أنَّ الليل يقوم على تعميد صالح المستحب للنفس البشرية، يناجيها التأثير الانفعالي المعيون في التفكير البصري الذي يتنفسه المعنى بمستواه على ما يدل الفعل على جذر مبتغاه، وهو احياء سلطة تكثير الدلالة على الصورة البصرية :"نيران المهجة" في وحدة المعاني الفياضة بفنتازيتها.
وتبقى أفكار الشاعر تسافر بالحوار مع الليل الآتي بفاعلية ثيمة حسية تطوعها الشاعرية باتجاه يدل على جهة معنى اختيار الزمكان المعنون في النص فتكون أنا الفاعلة تترى بتحرير ألطاف البديع بفعل ميزة نسق العلم اللغوي، الذي يحادث الليل كزمان، ومع الإنسان كمكان مستحب في رحمانيته، حيث يكون مدركاً لجود الفعل المعني بالترجي لواقع أن تكون فيه الحقيقة واضحة دون رياء أو أوهام، وهذا يعني أن الشاعر اردف التفويض نحو حسن مساقه المعنوي، للتأكيد على تكليف المكاشفة في مقاليد السبب، الذي يحرر المعنى من اللبس والتحريف في المفهوم الذي وده الشاعر، فهذان ضربان يبسطان المشاعر الحسية في الكشف عن المعنى القائل: "فجئت إلى الزمان بمعزل". أي أن الحكم الاجتماعي قد أختصك دون غيرك من البشر بالنباهة، هذا لأن المقادير فياضة، لأنها الولادة الوحيدة في الدنيا تبنى من لحظتها الخلقية في التكوين، أمّا من حيث مفهوم الدلالة ومذهب التأويل في محاكاتنا لهذا النص، نقول إذا سلَّمنا أنَّه لا بُدَّ من أن الشاعر يحتاج إلى الإضمار، خاصة إذا اتصف الشعر بمفهومية بلاغة معارف النحو، وفهم فلسفة العروض، أن يكون الفهم حقيقة في بنيته، وهو إسكان ثيمة "موصد" في معنى "المكابرة" حتى تكون الجملة الموحى إليها أن تأخذ بدلالاتها نحو المقارنة بين تطور بنية المشاعر المجتمعية وبين تطورات إثارة النص لإحساساته بالصورة الناقدة، وهذا التلازم يأخذ بتباين التجديد الحاصل في سياق يوحي إلى جمالية التصرف المبني على أساس الفهم العام للمحاكاة المعلنة. أمَّا المعاني المركبة تجدها وكأنما النبض الذي يدوَّر الصورة بحكمة تولج بمصاحبة القارئ أن لا يستطيع إلاّ أن يتم ما يقرأ وهي: "الكرى / الولوج / المكابرة / النشيج " ودورها في إبانة للفاعل وتأويل للتهكم، وأمَّا المعنى في ما أورده الشاعر فذاك هو أنَّ كل ما يحيط "بأنا" وهو المشار به إلى الذات العليا، والمقصود بها ما بيني وبين الواقعية التي تساقطت جوانبها فأصبحت تتغيّر أحوالها، والنداء الذي يطلقه الشاعر يمثل الرؤية التي تزجها المعاناة في الجسد المنهك، وتعبيره النسبة في الانتماء إلى الطريق الرحبة والأمان والحق والاخلاص للحقيقة والإنسان، وذلك هو حال الاستقرار في الأمر الهَيّن، حتى لا يبقى التخلف سائدا كما الليل في سديمه، وقوانين التخلف لا ترحم ولا تذر، خاصة وأن إسكان المذهب القيمي اشتغل على جذره الشاعر بتمعن يحسد على تركيباته المحاط باستحضار تظاهرات الصورة المشار إليها بالاضاءة.
كقول عمر بن أبي ربيعة:
تهيم إلى نعمٍ فلا الشمل جامعٌ - ولا الحبلُ موصولاٌ ولا أنتَ تقصرُ

فلا الماءُ مجلوبُ ولا الريح ترعوي
وما زال فـي دربِ المُحبين عائجُه
وهل مذنبٌ لـــــو ذاب قلبٌ صبابةً
ألا إن مـــا يحلو من الـكرمِ رائجُه
وما حاجـــة الملهوف للكاسِ مزحةً
وكلّ امرئٍ يدري بما هــــو حائجُه

تبدو الرؤية واضحة في الجمل التي يتحكم بها الشاعر بالتضاد الحاصل في المعنى مثل: "بين الماء والريح" وأجد المطلبي عمل على تخصيص الإتيان بالإفادة التي أحاطها بأوصاف المرئ عندما يدرك بما هو هائجه، أي أنه يجمع الأضداد في سياق يؤمه تضمين سياق موحد يعلن عن سياق يوازن نهضته رضى حلمه وما هو رائج في تصوره، وبموجب هذه المعادلة يجيء الرمز يقابل البيان في حاصل تفوق الدلالة بجواز محاكاة الصورة التي أعتمدت عرفانيتها، على أنها مرضية من قائلها وقارئها، وقولنا يبدو هكذا لأن الصراع استفعال حاصل في قياسات المعنى، بسعة خصها الشاعر بينه وبين التاريخ والقارئ.

تمت
http://www.almothaqaf.com/ac/c1d/915858-%D8%A8%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%8A%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D9%84 قصيدة: بلى أيها الليل.

http://www.almothaqaf.com/ac/nessos-14/885907-2014-10-14-09-51-52 قصيدة: يا نهر دجلة.
الهوامش:
1- بلوم، هارلود: قلق التأثر، ترجمة عابد اسماعيل، دار الكنوز الأدبية، بيروت، الطبعة الأولى1998، ص67.
2 – حمزة، يحيى: كتاب الطراز، دار الكتب العلمية، الجزء الثالث، بيروت، الطبعة الخامسة 1959، ص360.
3 – بشر الآمدي، الحسن: كتاب الموازنة، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة 1954، ص 441.
4-بشر الآمدي، الحسن: كتاب الموازنة، مكتبة دار المعارف، الطبعة الرابعة القاهرة 370هجرية، ص299 .
5-سيتس، والتر: فلسفة سيتس والتر، مكتبة التنوير بيروت، الطبعة الأولى 2009، 67.
6-بن حمزة، يحيى: كتاب الطراز، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة السادسة1948، ص 85.7-
7-- جماعة من العلماء النحاة: كتاب الفقه وعلوم اللغة، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى 1956، ص213.
8-- جيرونشن و بروفرك: كتاب ت.س. إليوت، دراسة وترجمة يوسف سامي اليوسف، دار منارات عمان، الطبعة الأولى 1986، ص69.
9-- فرويد، سيجومند: كتاب: حياتي والتحليل النفسي، مطبعة دار المعارف، بيروت، الطبعة الأولى 1945، ص216.
10-مرشد، أسامة: كتاب عماد الدين الاصفهاني، المجلد 19، دار احياء التراث بيروت، ص122.
11- الجنابي،ميثم: كتاب الغزالي "التآلف اللاهوتي – الفلسفي - الصوفي، دار المدى للثقافة والنشر دمشق، الطبعة الأولى 1998، ص132.
12-هارش، شارل: فكرة الحب في مجنون إلسا ةأعمال أراغون، دار النمير ، دمشق، الطبعة الطبعة الأولى 1988،ص78.
13-نفس المصدر السابق. ص207.
14-ديلون، جانيت: كتاب شكسبير والإنسان المستوحد، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا، دار المأمون، بغداد، الطبعة الأولى،1986، ص13
15-نفس المصدر، ص13.
16- نفس المصدر: ص13.
17-محمد، أحمد: معجم الأدباء، الجزء الخامس، دار إحياء التراث العربي، بيروت،الطبعة الأولى 1889، ص49.
18- نفس المصدر ص13.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,518,923,530
- الجارة
- المثقاب
- قطرة تنتظر
- فوتكرافيك معرض
- موسوعة الجنسانية العربية والإسلامية قديما وحديثاً
- تمثيل التأوُّل.. في قصيدة العصبي بو شعيب.
- الرواية العربية / مصاغ المُجَمَل في تركيب الجواز:
- عبدالنبي
- كون تشوف
- العادة الشهرية
- حركية التدوير في الشعر النسوي العربي
- ياريت / إلى رطبة القنطار
- حصيرة البصرة
- الشعر النسوي العربي.. الفصل العاشر
- المؤثرات الوجدانية، وبلاغة النص الهادف، عند الشاعر نبيل ياسي ...
- حوارية المعنى والصورة / الفصل الثاني
- صفقتُ مثقفاً
- البصرة
- حوارية المعنى والصورة / في الأعمال الروائية والقصصية عند الأ ...
- إمتناع يسلط الضوء على تنثر النص غير الوافي


المزيد.....




- من هو الممثل والمقاول المصري محمد علي الذي ينتقد السيسي والج ...
- سيد الخواتم: أمازون تختار نيوزيلندا لتصوير مسلسل تليفزوني جد ...
- أزمة سببها اللغة.. رئيس المفوضية الأوروبية تكلم بالفرنسية فر ...
- افتتاح الموسم المسرحي 244 في -البولشوي- مع دومينغو ونيتريبكو ...
- أعلان عن توقيع رواية / نبيل تومي ‎
- بعد أغانيها السياسية... فنانة جزائرية تهاجم منتقديها برسالة ...
- فنان عربي يثير ضجة: من لا يضرب زوجته ليس رجلا
- شعبولا وآخرون.. السيسي يستنجد بالفنانين خوفا من حملة محمد عل ...
- المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يدخل على خط مراجعة مدونة ...
- -شعر في الشارع-.. حين يلقي شعراء المغرب قصائدهم في الساحات و ...


المزيد.....

- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام
- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جعفر كمال - عبدالفتاح المطلبي.. في.. تخصيب مبنيات الدلالة