أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شكيب كاظم - ثلاثية شيكاغو.. محمود سعيد يستعيد حنين العراق (2)















المزيد.....


ثلاثية شيكاغو.. محمود سعيد يستعيد حنين العراق (2)


شكيب كاظم

الحوار المتمدن-العدد: 6347 - 2019 / 9 / 10 - 14:58
المحور: الادب والفن
    


يتفنن الروائي العراقي المقتدر محمود سعيد في تقديم سرده الروائي، اذ يبدأ الجزء الثاني الموسوم بـ(اسدورا) من ثلاثية شيكاغو الروائية، من منتصف حوادثها وليس من بدايتها كما دأب الكثير من الروائيين على ذلك، وهناك من يبدؤها من نهايتها، اذ ينفتح فضاؤها الروائي على (ارماندو)، زوج العراقية (اسدورا)، ابنة العراقي (عدنان) السياسي الذي غادر العراق منذ الستينات، من زوجته المكسيكية، وقد دخل الى مخزن العراقي (سعدي) المسمى (مخزن كل شيء بدولار) وهو يقتاد طفيله (ارمانور) و(ارمانورا)، وقد بدا عليه الوجوم والاحباط، بعد ان هربت منه زوجته، بعد تلك السهرة الماتعة مع مجموعة من العراقيين المغتربين، احتفالا بليلة السنة الميلادية 2003، ليصور لنا الواقع المأساوي، الذي يعيشه عراقيو الشتات، الذين اضطروا لمغادرة بلادهم لاسباب عدة: اقتصادية، سياسية، دراسية، فهذا (عدنان) الذي حطمت حياته، تلك المجزرة التي تعرضت لها اسرته، وتحطمه قيميا واخلاقيا وسياسيا، والخوف، كل الخوف من السياسي الفاشل المنكسر، فانه يتحول الى وحش مفترس خائب، وقد درس نجيب محفوظ عالم السياسي الخائب المنكسر، واجاد تصويره في عدد من رواياته: (الشحاذ) او (اللص والكلاب) او (الحب تحت المطر)، وحتى (ميرامار) و(ثرثرة فوق النيل) تحول (عدنان) الى باحث عن المال وكان دائما يحث (سعدي)، الشاب العراقي الطيب والخام، والذي بقي محافظا على طيبته ونقائه، وكأنه امتداد لـ(عمر) في الجزء الاول من هذه الثلاثية الموسوم بـ(حافة التيه) يحثه ان يحصل على شهادة جامعية في الاقل قائلا له: امريكا ميدان صراع. امريكا حسناء يفوز بها المبدع والمتميز. ص18. ناصحا اخته (سعاد) على ترك المثاليات فالمال هو القوة من يملك المال يسيطر على العالم. ص89.
انسلاخ من الواقع
وانتهى بحثه الذي لا يحد عن المال الى ميتة مأساوية بسقوط طائرته الهيلوكوبتر فوق احراش الهندوراس بحثا عن مناجم الذهب، ليترك وحيدته (اسدورا) من زوجته المكسيكية، ولنقف عن الاسم: (اسدورا)، الذي يدل دلالة واضحة على انسلاخه من جذوره بسبب انهيار منظومته القيمية الناتجة عن تلك الحادثة المأساوية، مقتل اسرته، بسبب الاحتراب السياسي الذي عصف بالعراق بعد عام 1958، فهو ما اكتفى بالزواج من اجنبية تختلف عنه دينيا وقوميا، بل نقل هذا الاحباط الى ابنته من خلال اختيارها هذا الاسم المكسيكي اسدورا، نزولا عند رغبة زوجته لكنه اضاف اليه اسما ثانيا، اشبه بالتفسير والتوضيح، انه: ضو النهار فاصبح يناديها: اسدورا ضو النهار، وانسحب هذا التيه والتمزق الى ابنته التي عشقت عاملا من عمال مزارع ابيها يوم كانت تحيا في المكسيك، حتى اذا ارادت عقد قرانها منه، احتارت اين تعقده أفي المسجد ام الكنيسة؟ فهي تعيش تمزقا دينيا وقوميا، فابوها عراقي مسلم، وامها مكسيكية مسيحية وللتخلص من هذا الاشكال، اقترحت ان يتولى شيخ المسجد عقد قرانها من (ارماندو)، كذلك ان يقوم القس بعقد قرانهما في الكنيسة، الامر الذي سبب مشاكل خطيرة لطفيلهما (ارمانور) والطفلة (ارمانورا)، يوم وقعت في براثن العراقي المنهار قيميا (موسى ابراهيم خليل) تاجر المخدرات الشهير، الذي ما اكتفى بهذه المهنة الشائنة، بل غَيَّرَ حتى اسمه، ليشير الروائي محمود سعيد للقارئ الفَطِن الذي يقرأ ما بين السطور، ويقدم قراءة تحليلية تأويلية للنص، الى انهيار القيم، بسبب الخيبة والاَحباط والانتقال الى ذلك المجتمع الامريكي الصاخب المنفلت، الباحث عن اللذائذ والمال ليكون اسمه (موسيس ابرام كاليل) متخلصا من كل ما يربطه بالشرق وبالعراق، وهنا يطرأ على ذهني ما عاناه المفكر الشاهق ادوارد سعيد، بسبب اسم ابيه سعيد، بوصفه اسما عربيا وهو ما فصله في سيرته الذاتية الرائعة التي وسمها بـ(خارج المكان – مذكرات) ترجمة فواز الطرابلسي. نشر دار الآداب – بيروت – ط(1) 2000 وخاصة بعد احداث 11/ ايلول/ 2001 ونظرة الريبة نحو كل شرقي، وما اكتفى موسى العراقي، بهذا: تغيير اسمه، والمتاجرة بالمخدرات، بل رمى حبائله – على (اسدورا) الفتاة رائعة الجمال، ليختطفها من زوجها المُوَّلَه بحبها والمُدَلْه بها، بعد ان جعلها تدمن المخدرات، حتى اذا خفَّ تأثير المخدر، تحولت الى وحش كاسر احالت حياء هذا الشاب المسكين (ارماندو) الذي ظل على عشقه لها، والذي ما انقص زواجه منها من هذا العشق، احالت حياته الى جحيم، بل ما اكتفت بذلك، فغادرته هاربة فجرا بعد تلك السهرة لمناسبة حلول العام الجديد، ومراقصتها لموسى او موسيس، الذي عرف بلقبه (ابن العم) فوضعا خلال تلك المراقصة النقاط الاخيرة لعملية هروبها.
اقول: لقد سبب هذا التمزق القيمي مشاكل خطيرة لطفليهما، بعد ان قدم لقسم الشرطة، شكوى ضد سعدي، بوصفه يتولى حضانة وتربية الطفلين، بعد هروب امهما، وانغمار ابيهما في السكر، هربا من الواقع الذي وجد نفسه فيه، وفراغ حياته من الزوجة التي مات فيها حبا وعشقا، اذ لا يجوز في قوانين الشرطة ان يتولى مسلم حضانة هذين الطفلين من اب مسيحي، على الرغم من انهما عقدا قرانهما – فضلا على الكنيسة، عقداه في المسجد وتولاه شيخ المسجد.
لقد استخدم الروائي العراقي المغترب محمود سعيد، تقنيات عديدة لربط سرده الروائي، من خلال تيار الوعي وانثيال الحوادث واسترجاعها، فضلا على الاستذكار الذي تولته (سعاد)، شقيقة (عدنان) وعمة (اسدورا)، لتقص عليه ايام حياتهما في العراق، ومن ثم قرار عدنان بالمغادرة، ورابطة الجيرة النزيهة الوثيقة التي ربطت بين اسرتي ابي عدنان وابي سعدي، الذي تولى رعاية عدنان واخته، بعد ذلك الحادث المأساوي، واضطراره لمغادرة الموصل، والعيش في بغداد، لتهيئة اجواء آمنة لهما، وقد رد عدنان واخته وقد اصبحا من الاثرياء، بعض هذا الجميل لسعدي وامه يوم قررت الانتقال للعيش مع ابنها في امريكا، بعد وفاة زوجها (صلاح الدين).
مشاهد جنس غير خادشة
وكما كان في الرواية شيء من مشاهد الجنس، التي يكثر محمود سعيد من ايرادها في رواياته (زنقة بن بركة) او (حافة التيه) لكن المِشاهِدْ هذه ما كانت خادشة للذوق، او موغلة في الوصف كما جاء في كثير من الروايات ومنها رواية (المسرات والاوجاع) للروائي العراقي الراحل المبدع فؤاد التكرلي، اذ جاءت ضاجة بالوصف للعملية الجنسية، وصفا دقيقا، يقترب من الفيلم السينمائي، بل كانت المشاهد العاطفية هذه في رواية (اسدورا) لمحمود سعيد، رامزة وموحية يفهمها من يفهم ولا يفهمها الذي لا يفهم ولعل من اروعها تصويرا ولغة لقاؤه ليلة رأس السنة، مع الآنسة ستيسي، خلال الاحتفال الذي اقامته شركة (وجه المدينة) احتفاء بعيد ميلادها. ص23. ص30 او لقاؤه بـ(اُشِلي) مطلقة ضابط الشرطة زانوفسكي المريض ساديا، اذ قرأنا الكثير عن ظاهرة السادية التي تنسب للمركيز الفرنسي دي ساد، او مرضاها الذين يستشعرون اللذة من خلال إيلام اقرانهم، لكننا لم نقرأ وصفا دقيقا للسادي المريض زانوفسكي، كما جاء في الرواية هذه وهو يعذب زوجته اشلي، وصولا الى اللذة، حتى اذا منعته من ممارسة تعذيبها هذا، نراه يحاول التنفيس عن مرضه النفسي، بتخديرها ونهش جسدها بالسياط، واطفاء اعقاب السجائر في اجزاء حساسة منه، مما دفعها لطلب الطلاق من هذا المريض، السادي، لتنعم باللذاذة والبهجة في احضان سعدي العراقي.
وكما كانت نهايات مفتوحة في الجزء الاول من هذه الثلاثية (حافة التيه) فان في الجزء الثاني منها (اسدورا) اكثر من نهاية مفتوحة على شتى الاحتمالات، فبعد ان علمنا بموت (ارماندو) زوج اسدورا حبا ووجدا وعشقا، بسبب معاقرته الخمر حتى الذهول والتسمم ومن ثم الموت، فاننا مازلنا نبحث عن مصير زوجته، التي هربت فجرا تاركة اياه يغط في نوم عميق ولعلها خَدَّرته، وهي تحمل اغراضها على عجل، ثم ما مصير ذاك الذي غير اسمه: موسيس ابرام كاليل، موسى ابراهيم خليل، المعروف اختصارا بابن العم، الذي اغرى سعدي احد القتلة المعروف باسم عبد الله الصومالي، اغراه بقتل ابن العم ثأرا منه وانتقاما لتحطيمه حياة اسدورا بالمخدرات وحياة زوجها ارماندو بهجرها له؟، ثم ما هذا الذي يسرده علينا الروائي المتمكن محمود سعيد في السطور الاخيرة من روايته؟ أهي حقيقة ام اضغاث احلام، اهي حقيقة ان اسدورا قد استعادت طفليها بعد ان اقترنت بابن العم الذي اوقعها في حبائله، وها هي المصادفة تجعل سعدي يراهم؟ يرى الطفلين في تلك السيارة ذات الدفع الرباعي.
(ايهم ان تكون في شارع معين؟ كل الشوارع سواء
– عراقي سعدي
– من؟
صوت ارمانور؟ اهو يحلم؟ التفت سيارة جديدة. دفع رباعي. كل ما فيها اسود. مفتوح فيها شباك واحد. خلفي. تمرق كالسهم، كانت على بعد بضعة امتار ثم جاءت سيارة اخرى ملاصقة. حجبت الرؤية.
– عراقي سعد..
ابتعدت السيارتان. نزل الى الشارع راكضا. ظهرت يد طفل من شباك السيارة السوداء، اقل من لحظة. ثم اختفت. أهو حلم؟ اهي حقيقة. أخُيِّلَ له. اواقع ام اضغاث احلام؟) ص222
ام ان سعاد عمة امهما قد سمعت باوضاع الطفلين، فجاءت من البرازيل، حيث تعمل بتجارة الاحجار الكريمة، ولتنقذ الطفلين مما هما فيه بوصفها القربى اليهما أقرب الناس ولم يبق لهما من يرعاهما سواها بعد موت ابيهما وهرب امهما؟ مع عشيقها تحت تأثير الادمان على تعاطي المخدرات، ولأن سعاد الانسانة الوحيدة القادرة على انتزاع الطفلين بكلمة واحدة منها، وهي الاجدر برعايتهما واخراجهما من دهاليز الشرطة ودار الرعاية الاجتماعية، كونها عمة امهما. ام انها المصادفة وحدها من جعلته يراهما، وقد تولت الشرطة – بعد ان يئست من العثور على من يتولى تربية الطفلين ورعايتهما – نقلهما الى احدى دور الرعاية الاجتماعية؟
احتمالات عديدة، ونهايات مفتوحة، يضعنا الروائي العراقي الحاذق محمود سعيد، امامها، ونحن نقلب الامور على اوجهها، وصولا الى معرفة مصير هذين الطفلين الوديعين، وهي ضربة روائية مكتنزة بالفن والابداع والتألق المُشَغِّل لذهن القارئ والمحفز لانتباهه، وصولا الى الاستمتاع، الاستمتاع بما تقرأ، والاستفادة من هذا الذي تقرأ..
(3)
في الجزء الثالث من ثلاثية شيكاغو الروائية والتي تقع في ست مئة وثلاث وثمانين صفحة التي كتبها المبدع العراقي المغترب محمود سعيد والموسوم بـ(زيطة وسعدان) نجد ان سعدان هذا، هو المعادل الموضوعي لـ(سعدي) في الجزء الثاني الموسوم بـ (اسدورا) وهو (عمر) في الجزء الاول من هذه الثلاثية المعنون بـ(حافة التيه) الروائي محمود سعيد لا يكرر نفسه، لكن تجد في هذه الشخصية شيئا من سعدي وعمر، شاب عراقي تفرض عليه قساوة الحياة العراقية الهجرة الى الولايات المتحدة؛ شيكاغو تحديدا واذا كان (الدكتور واثق) في الجزء الاول الشخصية الايجابية المثقفة والناصحة فاننا نجد في الجزء الثالث (الدكتور موفق).
استعان الروائي محمود سعيد بهذا الجزئ الموسوم بـ(زيطة وسعدان) كما استعان بالجزءين الاولين من الرواية بتيار الوعي وانثيال الافكار لربط عملية السرد التي تأتي على لسان سارد مركزي يحدثنا بضمير الغائب ولا يكاد يختلف هذا الجزء عن الجزءين السابقين من زاوية اكتظاظه بصور الجنس، وهي صورة منتزعة من واقع الحياة الامريكية، فضلا على محاولات بطل الرواية (سعدان) الزواج بعراقية شابة خريجة جامعة مثقفة وجميلة لكنها تبوء بالفشل كما باءت محاولات عمر وسعدي، في الجزءين الاولين.
سيدة المجتمع المخملي
وكما قلت سابقا ان المصادفات هي التي تحدد مسارنا في الكثير من مناحي الحياة، فلولا هذه المصادفة الصاعقة التي وضعتها الاقدار في طريق سعدان، صاحب سيارة الاجرة الليموزين، بان تستأجره ذات الجمال المدوخ الصاعق سيدة المجتمع المخملي (نيكول هيوم) والتي ما كان يعرف عنها شيئا سوى اسمها، تستأجره الى تلك الحفلة والعطر الصاعق الذي دوخه والذي كان يعد العدة للسفر الى دمشق للقاء بامه واخته ولاجراء مراسم العقد والزواج لكن نيكول وقد حطمت عقله بعد ان وجد فيها شيئا من اهتمام اذ طلبت منه لبس ملابس حديثة ما كان سعدان هذا العراقي الطيب قليل التجربة باجواء الحياة الامريكية الصاخبة لاسيما طبقات الاثرياء والمجتمع المخملي، ما كان يعلم سعدان هذا، ان نيكول كانت قد اتخذته وسيلة لاغاظة عشيقها المدعي العام الذي لم يرضخ لشروطها، التي علمناها اخيرا بعد ان طوحت الايام بآمال سعدان وتطلعاته غير الواقعية، شروطها ان يعلن طلاق زوجته، كي ترغب مواصلة العيش مع هذا الموّله العاشق ولعل اكثر ما افجع سعدان البرود الذي قابلت به نيكول الاعتداء الذي اطار بلبه، وهو الذي تدخل دفاعا عنها ازاء تحرشات تعرضت لها لا بل الافجع عتابها له على تدخله دفاعا عنها (اضافت نيكول لائمة: ما كان عليك ان تتدخل. اخطأت.
– لكنه ضايقك
نظرت اليه بحدة: وليكن! لا عليك ابق بعيدا
قالتها بشكل قاطع. احس معها بوطأة الخزي تتضاعف. فعل ذلك لاجلها وهي غير راضية! صَدَقَت. كان عليه ان لا يتدخل. يستأهل) ص216. ص217
طيبة تضيع فرصا
ولانه لا يعرف خفايا هذه الحياة المخملية فانه طوح باكثر من فرصة للتعرف على سيدات ثريات يعانين وحشة ووحدة، وبحاجة الى شاب يمضين معه سويعات من الهناءة حتى انه كان يطوح ببطاقات التعريف التي قدمتها له اكثر من سيدة من سيدات هذا المجتمع الغامض، كان يطوح بالبطاقة في صناديق القمامة
(الا تعتقد ان الجو بارد؟
التفت. امرأة في نحو الخامسة والاربعين. شيء من بدانة تشعل الاثارة ولا تشوه الجسد. تقف قربه وترشف من كأس في يدها. سمراء جميلة التقاطيع، اقصر منه. انيقة. عاد اليه شعوره بالخزي ترى اتتكلم معه لتجبر خاطره ام مصادفة ثم تأكد انها تعنيه: نعم؟
– اظنه ابرد من العام السابق
– هو كذلك نعم ابرد
اهم بالخروج ثم اتردد
(…) اشربي كأسك كله مرة واحدة. تسخنين: ثم اسرعي. تشعرين بالدفء
ضحكت: سأجرب وصفتك
شربت كأسها كله مرة واحدة: ستشعرين بالدفء بعد دقيقتين.
– سنرى
نظرت الى الساعة: لابد انها وحيدة: تبحث عمن تكلمه. ليندمج معها بالكلام (…) اخرجت من حقيبتها بطاقة تعريف: لياناكاستن.
صافحته: الا تحب الرقص.
– لا
– حتى انا. افضل التمشي. السينما. الاوبرا. الطبخ
(…)
– أتسكنين قريبا!
– لا. العنوان موجود في البطاقة
– ضحك لم اقرأها…) ص218. ص219
(اتلعب معي؟
التفت. مشدودة القوام. حلوة التقاطيع لا اثر للتجاعيد في وجهها. على شيء من امتلاء مقبول. ربما في الخمسين لا اكثر! لا يدري. المكياج الماهر يخفي كثيرا من الحقائق.
– ماذا ألعب؟
– ليّ الذراع
(…)
امسكت بكفه. عصرتها. ثم سلمته بطاقتها؟
– أأقدم لك شيئا تشربينه؟
– لا. دع ذلك ليوم اخر
قالت ذلك وغادرته. مع تحديقة عميقة. تناول منها البطاقة وهو يبحث عن نيكول. رماها في القمامة من دون ان ينظر اليها..) ص107. ص108
سعدان في رواية (زيطة وسعدان) شخصية طيبة تحاول تقديم المساعدة للناس، سواء أكانوا عراقيين يعيشون في المهجر، ام من جنسيات اخرى تعيش في شيكاغو حتى انه جعل شقته ملاذا للمفصول حتى يجد عملا، وللزائر حتى يسافر الى مدينته ولمن اختلف مع زوجته او عشيقته وكثيرا ما تبرع بايصال من يعرفهم الى اماكن عملهم او لهوهم لكنه من الجانب الاخر شخصية متأرجحة متذبذبة لا يكاد يستقر على حال فهو شخصية هوائية تفشل قراراته ابسط المعوقات والصعوبات، انه بسيط اقرب الى السذاجة لكنه من الجهة الاخرى مبدئي صارم واخلاقي رصين هو يرمي ببطاقات هؤلاء النسوة الثريات الباحثات عن المتعة في اخريات شبابهن في القمامة، لانه لايجد فيهن شيئا بالرغم من المال الذي قد يغدقنه عليه، الامر الذي يجعل صديقه الحميم يثور بوجهه ناعتا اياه باقذع النعوت.
(هتف هيثم محتدا. غاضبا: لانك زبالة يا سعدان، قضيت على مستقبلك بتصرفك يا غبي: كيف ترمي بطاقتيهما بالزبالة؟
قلت لك ايها القرد ابدأ بالتدريج. خطوة. خطوة (….) من يعمل عملك لا يمكن ان ينجح في الحياة.) ص243
واذ تتوالي النكبات على سعدان: فشل مشروع زواجه وتبخره. اختفاء نيكول هيوم الصاعق من حياته، وارفضاض محبوباته عنه الواحدة تلو الاخرى، بسب تأرجحه، وعدم رغبته في الزواج والانجاب وتحمل مسؤولية طفل يعيش في هذا المجتمع المنفلت لا يستطيع تصور ابنته تعاشر رجلا خارج نطاق الزواج، هذا التصور الذي نغص عليه عيشه، وادى الى تحطمه وربتما موته، فهو بعد سلسلة الهزائم يقرر العودة الى العراق، اذ لم يعد له مكان في امريكا، لكنه الروائي الحاذق محمود سعيد، الذي يلعب على ثيمة النهايات المفتوحة في روايته، قد جعلنا نستعيد ذكرى وداع صديقته (كلاسيا) المكسيكية له، وقد ازمعت الرحيل لبلدها لزيارة اهلها، تُودِع لديه نوعا من الزهور البرية ((اشارت الى زهرتين صغيرتين حمراوين ناريتين فاتنتين محاطتين باشواك بيض ذوات لمعان يتألق كفسفور حليبي متفرد جميل جدا، تلاصق كلا منهما زهرة صغيرة وردية شفافة هشة من دون شك. همست وهي تشير الى شوك الوردة الحمراء النارية وكأنها تخشى كلماتها: لا تلمسه انه سام (…) ابتسمت اشارت الى احداهما: هذه زهرة الحب المقدس عندنا. سأهديك واحدة.
– ستفصلينهما عن السامة؟
– لا. لا تنفصل انهما متلازمتان عليّ اهداءهما كلتيهما. انها هدية الحياة والموت. من يخن الحب عليه ان يموت. يتسمم ويموت لكن عليك ان تقسم انك ستحتفظ بهما (…) ثم حدقت به: لا، لن اعطيك اياها ولن تقسم. اخاف عليك. انت لا تؤمن)). ص68. ص69
ويحتفظ سعدان بالوردتين في دفتر صغير يسجل به بعض الملاحظات، ونسي سعدان الامر، وما مر على خاطره هذا الامر، ولعل الكثير من القراء لم يقفوا ازاء هذه الثيمة او هذه الفذلكة ولعلهم نسوها، او لم ينزلوها منزلتها الصاعقة والمهمة جدا في عملية السرد الروائي الذي يجيده محمود سعيد، حتى اذا استقر في نفسه هذا الامر، وبعد صفحات طويلة من السرد، اراد محمود سعيد ان يختبر ذكاء قارئه، وهل هو حاذق في لملمة وقائع الرواية، والربط الدقيق بين حوادثها مهما ضؤلت وصغرت؟ يفجر في وجه قارئه حادثة قيام صديقتيه السابقتين (ياسمين) و(اولكا) الروسية اللبوة الشقراء التي تمزق من يضاجعها اشتهاء وحبورا، بعد ان تزوجتا، وانجبتا، (ياسمين) ولدا، و(اولكا) الروسية الساحرة بنتا، جاءوا مع زوجيهما ليريا الطفلين ابويهما الحقيقي، الذي بذر بذرته في رحميهما وازاء حث اصدقائه على الاسراع في استقبال الضيوف، وهم لا يعرفون من هم وماذا يمثلون لسعدان، سوى انهم اصدقاؤه، يحدث الذي لم يكن في الحسبان، ويبرز الى الذاكرة تحذير كلاسيا المكسيكية له من وخزة الزهرة السامة، التي تقتل من يخون العلاقة الحبية بين اثنين وتظل النهاية المفتوحة التي يشتغل على ثيمتها الروائي محمود سعيد بفن واقتدار تظل تطل علينا نحن قراءه ترى هل سيموت سعدان الذي وخزته شوكة الزهرة المسمومة لتشكل نهاية لخيباته وتأرجحه وعذاباته؟ ام سينقل الى المستشفى سراعا وهناك يجرى له ما تحتاجه حياته، فيعود يواصل خيباته وانكساراته ولذاذاته؟
(فجأة تذكر محفظته. بدأ يبحث عنها (…) وجد دفترا (…) فتحه وجد وردتين جافتين (…) لم ير الوردة. لا شك انها سقطت على الارض. انحنى ليأخذها (…) احس بما يشبه غرزة دبوس حاد في اصبعه (…) عندئذ تذكر كلمات كلاسيا: (زهرتا الحب المقدس (…) من يتمتع بالحب عليه ان يراعيه لا يخونه ابدا ومن يخن الحب عليه ان يدفع الثمن غاليا، ان يموت يتسمم (…) ان نكثت قسمك ستموت. كاد يضحك. غرزة شوكة تميته (…) لطع قطرات الدم النازف من سبابته، ثم ضغط على موقع الغرزة بابهامه ثم تناول ورقة كلنكس وضعها فوقها (…) اخذ الصداع يشتد ضغط على جبهته بكلتا يديه (…) صداع قوي (…) رأسي ينفلق (…) هتف (رياض) وهو يمسك بورقة الكلنكس: من اين جاء الدم؟ نظر سعدان اليه بعينين ذابلتين. لكنه لم يستطع فتح عينيه ثم هوى بجبهته على منضدة المطبخ) ص246. ص255





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,518,924,146
- ثلاثية شيكاغو: محمود سعيد يستعيد حنين العراق على ضفة الارض ا ...
- عناد غزوان 1936-2004الموسوعي الذي تخصص في نقد الشعر
- الأديبة الفرنسية فرانسواز ساغان تروي أطيب ذكرياتها
- رحلة إلى تونس الخضراء
- روايات الإجهاز على الباشا نوري السعيد... جثمان من أحرق عصر ي ...
- ثقافة نخبوية باهية..نجيب المانع يكتب في الموسيقى والأدب
- القرامطة والعدالة الاجتماعية ... مناقشة هادئة مع ياسر جاسم ق ...
- عزيز السيد جاسم؛ مفكر رفض التأطير ودعا لمواءمة بين الروح وال ...
- ه‍ل كان سقوط طائرة الرئيس العراقي الأسبق عبد السلام عارف سنة ...
- ملحمة قلقميش
- التاريخ يتماهى مع السرد.... (قسمت) رواية العصف الذي ضرب الكر ...
- هل تأثر المعتزلة بفلسفة اليونان؟ وهل قرأ الجاحظ (فن الشعر) ل ...
- فاضل العزاوي والبحث عن المنزلة النبوئية للشعر والشاعر
- الدكتور عبد الإله الصائغ في بحثه الشاهق -الزمن عند الشعراء ا ...
- ذكريات التلمذة على يدي الطاهر
- يا لخسارتنا الفادحة برحيل فوزي كريم
- مؤسف رحيل جاسم العايف بصمت قاس
- حين تسفح أعوام العمر..غانم الدباغ في عمله الروائي الوحيد (ضج ...
- هل تأثر المعتزلة بفلسفة اليونان؟
- يوم كان العراق يتحضر ويتقدم الطبيبة العراقية سانحة أمين زكي ...


المزيد.....




- من هو الممثل والمقاول المصري محمد علي الذي ينتقد السيسي والج ...
- سيد الخواتم: أمازون تختار نيوزيلندا لتصوير مسلسل تليفزوني جد ...
- أزمة سببها اللغة.. رئيس المفوضية الأوروبية تكلم بالفرنسية فر ...
- افتتاح الموسم المسرحي 244 في -البولشوي- مع دومينغو ونيتريبكو ...
- أعلان عن توقيع رواية / نبيل تومي ‎
- بعد أغانيها السياسية... فنانة جزائرية تهاجم منتقديها برسالة ...
- فنان عربي يثير ضجة: من لا يضرب زوجته ليس رجلا
- شعبولا وآخرون.. السيسي يستنجد بالفنانين خوفا من حملة محمد عل ...
- المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يدخل على خط مراجعة مدونة ...
- -شعر في الشارع-.. حين يلقي شعراء المغرب قصائدهم في الساحات و ...


المزيد.....

- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام
- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شكيب كاظم - ثلاثية شيكاغو.. محمود سعيد يستعيد حنين العراق (2)