أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - المصطفى حميمو - العبر والدروس من تاريخ الشعوب الحرة















المزيد.....



العبر والدروس من تاريخ الشعوب الحرة


المصطفى حميمو

الحوار المتمدن-العدد: 6347 - 2019 / 9 / 10 - 03:10
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


اليوم أكثر من أي وقت مضى، ومنذ سنة 2011، صرنا نرى في عالمنا العربي مظاهرات وثورات تطالب بالحرية. وما يزال يُعتقد أن مجرد تغيير الدساتير يمكّن من إقامة أنظمة حكم ديمقراطية، كما هي معروفة بالعالم الحديث، مكان الأنظمة الاستبدادية، ومن تغيير أحوال الشعوب، فتستقيم أمورها. وهذا وهم، ودل الواقع على أنه مجرد وهم. وذلك ما يزكيه المؤرخ لابولاي بقوله : "إذا لم يكن المواطنون أولا متعودون على الحرية في حياتهم اليومية، ثم إذا لم تكن الحرية عندهم حاجة من حاجيات القلب، فالدستور الأكثر كمالًا ولبرالية هو وهم خطير. وتجربة أمريكا اللاتينية تكفي لإثبات ذلك." . لماذا ؟ تاريخ الشعوب الحرة يؤكد أنه لا يمكن لشعب وضيع أن يقيم دولة الحق والقانون. وفقط الشعب المتحرر من داء الوضاعة يمكنه أن يقيم بنفسه نظام حكمه الديمقراطي. حالة الشعب هي التي تحدد طبيعة الحكم الذي يليق به. وذلك ما يؤكده المؤرخ فرنسوا ڭيزو بقوله : "إنها حالة الشعب التي ينبغي فحصها أولاً وقبل كل شيء، لمعرفة نظام الحكم الذي يليق به، ولمعرفة طبيعة الحكم القائم في واقعه" .

بالأمس القريب، وفقط خلال النصف الثاني من القرن الماضي، انتقل نظام الحكم في كل من إسبانيا والبرتغال واليونان من الاستبداد العسكري إلى الحكم المدني الديمقراطي، من دون ضجيج ولا مشاكل تذكر. في حين كل ثورات ما سمي بالربيع العربي سنة 2011 باءت بالفشل، وتحولت إلى فوضى وحروب طاحنة، اللهم ثورة الياسمين بتونس التي، مع الأسف الشديد، لا تزال ديمقراطيتها هشة، وكأنها على كف عفريت. لماذا ؟ الجواب يُستقى دائما من تاريخ الشعوب الحرة.

تاريخ الشعوب الحرة قد أشبِع بحثا في أوروبا منذ القرن الثامن عشر، ولا سيما طوال القرن التاسع عشر. وقد أدى دوره الثقافي والتربوي هناك، فكف البحث فيه. وهذا ما يفسر قدم المراجع التي اعتمدناها في تدوين هذه المقدمة. لكنه مجال لا يزال البحث فيه عندنا حتى اليوم مهملا. من تاريخ الشعوب الحرة، نستنتج أن كل شعب وضيع لا ينتظم ولا يستقر سوى تحت نيْر الاستبداد، فيطلبه وحتى أنه يحب المسبدين به كحب الأسرة للأب المستبد بها. ومنه نستفيد أيضًا بأن الشعب الوضيع لا يستطيع إقامة دولة الحق والقانون سوى من بعد تحرره من وضاعته. فتحرير العقول من داء الوضاعة شرط ضروري لتحرير الأبدان من الاستبداد. ويعطينا نفس تاريخ الشعوب الحرة أمثلة رائعة على ذلك. فماذا عن بعض منها ؟ لكن قبل ذلك ما المقصود بالوضاعة ؟ ولماذا لا ينتظم ويستقر الشعب الوضيع سوى تحت نيْر الاستبداد ؟

وضاعة الشعوب تعني ذلك الخضوع المطلق، الذي يرى فيه الإنسان الحر والشعب الحر إهانة للكرامة الإنسانية. ومنه وضاعة العبيد والأقنان. لكن الشعب الوضيع لا يرى في وضاعته سوى الخضوع الواجب للرجل القوي الذي باستبداده يحتكر القوة فيؤمن له استقراره بعيدا عن الاحتكام إلى قوة أفراده لفض النزاعات فيما بينهم، وإلا ساد بينهم قانون الغاب حيث القوي يفترس الضعيف. مجتمع يستسلم للاقتتال بين القوات الفردية في غياب القوة العمومية التي تقمعها . اقتتال مستمر يغذيه الجشع، بين من لهم أموال وممتلكات وأعراض للدفاع عنها من جهة وبين من يريدون الاستحواد عليها بالحيلة أو بالسلاح من جهة ثانية. والوضاعة لا تقتصر على فئة من الشعب، بل تخترق كل فئاته، فتصيب حتى عليّة القوم. هكذا الشعب الوضيع يقدس الشخص القوي المستبد به، بل قد يحبه بكل صدق. وإذا ما كرهه وعزم على خلعه ففقط لاسنبداله بمستبد آخر أقل منه قسوة عليه. وذلك بدلا من تقديس الحق والقانون الذي بسبب وضاعته لا يؤمن به ولا بجدواه. بل بحسب جان جاك روسو، وكما سنرى ذلك لاحقا، الشعب الوضيع لا يطيق الامتثال الطوعي للقانون الذي تتطلبه أجواء الحرية.

وفي حديثه عن الصينيين قال مونتسكيو : "على الرغم من مناخ الصين، حيث يميل المرء بشكل طبيعي إلى الطاعة المُذلة ..." . والطاعة المذلة هي بالضبط الوضاعة. لكنها مذلة فقط من وجهة نظره كإنسان مستنير ومتطلع للحرية في بلده، وليست كذلك من وجهة نظر الشعب الصيني الذي يعتبرها طاعة واجبة للمستبد به من أجل أمنه وسلامته من الفوضى في بلده. لكن مونتسكيو الذي كان يعرف جيدا الشعوب الحرة من حول بلده كشعوب كل من سويسرا وهلندا وأنڭلترا، كان من المفروض فيه أن يدرك تواجد العديد من الشعوب الوضيعة في أوروبا نفسها، وبخاصة في وطنه فرنسا، حيث بلغ الاستبداد ذروته في عصره مع الملك لويز الرابع عشر. ويؤكد ذلك طوكڤيل بقوله : "على الرغم من خضوع شعب النظام القديم l’ancien régime لإرادة الملك، فقد كان عندهم نوع من الطاعة المطلقة التي لم يكونوا يشعرون بها. لم يعرفوا معنى الخضوع لسلطة غير شرعية ومعترض عليها ولا تستحق التقدير بل محتقرة. الإحساس بهذا الخضوع المهين ظل غريبًا عن وجدانهم" . هكذا وضاعة الشعوب لا علاقة لها بالمناخ كما يتصور ذلك منتسكيو. بل هي حالة مرضية تصيب أي شعب على وجه الأرض، لما يغمره عنصر من عناصرها الثقافية والعقدية.

وصحيح أن هناك إحراج في توصيف أي شعب بالوضاعة. إحراج كالذي حصل لطوكڤيل نفسه لما قال في حق شعبه الفرنسي من قبل الثورة : "علينا ألا نهين آباءنا، ليس لنا الحق في ذلك" . وهو الذي وصفهم بالوضاعة كما تقدم، فصار يبحث لهم هنا عن أعذار حتى لا يظهر بمظهر المسيء لهم. لكن المؤرخ الفرنسي ڭيزو لا يجد حرجا في ذلك لما يقول : "يجب على الشعوب الوضيعة أن تتحمل تبعات مصيرها. فلا ينبغي أن يُنسب كل شيء إلى السادة أصحاب القطيع. الكراهية التي يستحقها الطاغية لا تُنجي من الاحتقار الأمم غير القادرة على الحرية" . وطوكڤيل يعترف بأن المستبدين أنفسهم يقدرون قيمة الحرية حق قدرها لكنهم يرون أن شعوبهم لا تستحقها. وذلك لما يقول : "المستبدون أنفسهم لا ينكرون أن الحرية ممتازة. هم فقط يريدونها لأنفسهم، ويصرون على أن غيرهم لا يستحقونها" . معنى ذلك أن المستبدين أحرار ويحتقرون وضاعة شعوبهم بقدر ما يحتقر السيد الحر عبيده.

لكن الشعوب الوضيعة لا تعي وضاعتها، فلا تحتقر نفسها. تحتقرها فقط المستبدون بها والشعوب الحرة التي تحكم نفسها بنفسها. فوضاعة الشعوب داء مثل الأمراض التي لا يشعر بها ولا يعيها المصاب بها كما أكد ذلك طوكڤيل. فليس من شتيمة في توصيف الشعب الوضيع بالوضاعة. الشعب الوضيع ليس مذنبا بل هو ضحية وضاعته. وليس في توصيفه بالوضاعة كذلك من تبخيس لقدره. فهو بوضاعته مثل العبد، لكنه لا يشعر بذلك. فليس له من قدر أصلا، حتى يُبخّس. لكن يبقى في ذلك التوصيف قسوة. إلا أنها قسوة المرض وليست قسوة من يشخص المرض. في ظل الاستبداد غالبا ما تتميز الشعوب الوضيعة بالطيبوبة. لكن ما أن تزول قبضته من فوق رقبتها حتى تعمه الفوضى ويسقط في المحظور الذي لا يطاق.

وقد يُستضعف الشعب الحر ثم يصير وضيعا. يقول روسو في ذلك : "عندما يستبد رجل واحد بالسلطة السيادية، يسقط الشعب في حالة الوضاعة الرهيبة. حينها الرجل الحر حقًا، والمواطن السيّد souverain الذي لا يخضع لإرادات وأهواء الناس بل للقوانين، لا بد من أن تضمحل عزّته وأنفته من يوم لآخر حتى تختفي تماما" . لكن يحصل ذلك للشعب الحر فقط لما لا يكون محصنًا بما يكفي من القناعات والمعتقدات كي يحافظ على كرامته وعزته بالرغم من الاستبداد به. وإلا ما أن يصير وضيعا حتى بفقد نضجه ويصبح غير أهل للتمتع بالحرية من جديد. بل لما يصير وضيعا فقد يفقد أمنه وسكينته كلما زال نيْر الاستبداد من فوق رقبته. حينها تجده يبحث عن مستبد جديد ليعيد له هدوؤه واستقراره. وهذا ما يؤكده المؤرخ الفرنسي فرنسوا ڭيزو لما يقول : "عندما لا يمكن للناس أن يجدوا الحماية والأمن سوى مع أفراد آخرين أقوياء، أمران يفرضان نفسهما، هما الاستبداد الأرستقراطي والوضاعة" . بل الاستبداد الفردي كذلك. فلا يمكن إرساء دولة الحق والقانون إلا عندما يتحرر الناس من داء الوضاعة ويصبحون ناضجين بدرجة كافية ليكونوا شعباً ذا سيادة. وإلا سقطوا في الفوضى والتسيب، لأنهم ليسوا ناضجين بما فيه الكفاية كي يتصرفوا كشعب راشد ومسؤول في بيئة تسود فيها الحرية.

ونسوق مثالا على ذلك من تاريخ الأندلس من خلال شهادة الأمير عبد الله بن بلقين رابع وآخر ملوك الطوائف بغرناطة. نسوق لك حديثه عن حال أهالي مدينة البيرة، كأنموذج على حال باقي أهالي مدن وحواضر الأندلس سنة 422 هـ لما أعلن الوزير أبو الحزم بن جهور سقوط الدولة الأموية بسقوط دولة الحاجب محمد بن أبي عامر المنصور. فصارت البلاد من دون مستبد بشعبها ليقودها، كالسفينة من دون ربان فسقطت في الفوضى. يقول عبد الله بن بلقين : "كان أهل البيرة في بسيط من الأرض. وكان بهم من الغش بعضهم لبعض ما إن الرجل منهم ليتخذ بإزاء داره مسجدا وحماما فرارا من جاره. لا يرجعون إلى طاعة ولا حكم وال . وكانوا مع هذا من أجبن الناس" . فصار كبار القوم بالمدينة يستجدون استبىداد قائد حامية الجيش من البربر حينها، كي يحمي الناس بسلطته المطلقة من شر و بأس بعضهم على بعض. وقال في ذلك الأمير بن بلقين : "فجاؤوا شاكين مما هم فيه. ويقولون إن كنتم جاهدتم قبل اليوم فهذا الجهاد آكد عليكم : أنفس تحيونها، وديار تحمونها، وعزة تأوون إليها. ونحن شاركوكم بأموالنا وأنفسنا. لكم منا الأموال والسكنى، ولنا منكم الحماية والذب عنا " .

للمزيد من التدليل على ذلك نسوق مثالا آخر من تاريخ فرنسا هذه المرة. عاش الفرنسيون تحت نيْر الاستبداد منذ أن غزى بلادهم الجنرال الروماني يوليوز القيصر عقودا قبل الميلاد. كانوا من قبل الثورة سنة 1789م ومن بعدها ينبهرون بما يرونه من بريق التقدم في كل المجالات، كلما زاروا بلدان الشعوب الحرة من حولهم، كجمهورية البندقية والأقاليم السبعة بهولندا وسويسرا وبريطانيا. لكن كانوا مثلهم مثل غالبية الشعوب اليوم عندما يزورون أو يقيمون أو يتجنسون بجنسيات الشعوب الحرة. ليس من المستبعد أيضا أن العامة من أولئك الزوار الفرنسيين كانوا يتوهّمون أن طبيعتهم مختلفة عن طبيعة تلك الشعوب الحرة من حولهم. لكن النخبة الفرنسية المثقفة كانت تدرك جيدا أن الذي صنع الفرق بين بلدها وتلك البلدان من حولها هو الحرية، وفقط الحرية. تلك النخبة هي التي قادت الثورة. لكن لما ظلت ثورتها تتعثر أدركت أن الحرية التي تدافع عنها كانت قضية النخبة وما كانت قضية الأمة الفرنسية بأكملها. لم تعرف أمتهم منذ قرون سوى التقلب بين سوء الاستبداد ومآسي الفوضى مع استفحال الفقر والأمية بين أبنائها. كانت تجد بين يديها تأويلات للنصوص الدينية التي تبرر لها وضاعتها بالافتراء على صحيح الدين لما كانت تعلمها أن الملوك يحكمون بالحق الإلهي، فلا يصح الاعتراض عليهم مهما فعلوا.

فأي ثورة تقودها النخبة المستنيرة من الشعب الوضيع لتخليصه من نير الاستبداد وإقامة دولة الحق والقانون محكوم عليها بالفشل. هذا ما أكده روسو بقوله ساخرا : "أضحك من الشعوب الوضيعة التي تنجرّ من وراء صخب وحماس الثوريين، وتجرؤ على التحدث عن الحرية دون أن يكون لديها أية فكرة عنها. في حين قلوب ناسها مليئة بكل رذائل العبيد. وتجدهم يتخيلون أنه يكفيهم أن يكونوا متمردين كي يصبحوا أحرارا" . ثم بنفس الأسلوب الساخر للغاية، ينتقدهم وهو يخاطب الحرية ليقول لها : "أيتها الحرية العزيزة والمقدسة، لو كان بإمكان هؤلاء الناس المساكين أن يعرفوك، وأن يعرفوا بأي ثمن يتم الحصول عليك والحفاظ عليك، لو أدركوا مدى صرامة قوانينك ألأشد عليهم من نيْر الطغاة، فإن أنفسهم الضعيفة، والخاضعة للأهواء التي يجب خنقها، سوف تخشاك مائة مرة أكثر من خشيتها للعبودية. ستهرب منك وكأنك عبء ثقيل من فوقها جاهز ليسحقها" .

فبمجرد الانتهاء من الإطاحة بالمستبد، سيجد الثوار أنفسهم قد ورثوا من ثورتهم شعبا وضيعا تائها وهائما على وجهه لا يدري معنى الحرية التي وجد نفسه فيها، فيبحث عمّن يستبد به من جديد. لا يعرف معنى الحرية، فلم يبادر بطلبها، وإنما انساق بأعين مغمضة من وراء المنادين بها حتى وجد نفسه في حالة من الفوضى. حينها، تدخل النخبة الثورية في صراع فيما بينها، يدمر بعضها البعض حتى يصبح الأقوى مستبدًا معينًا من أجل استعادة السلم والهدوء للشعب المسكين. وهذا هو ما آلت إليه الثورة الفرنسية، فقامت المقصلة بعملها في حق الثوار وعلى يد الثوار أنفسهم. وهذا ما نشهده منذ عام 2011 في العديد من بلدان ما سمى بالربيع العربي. فالرغبة في إقامة دولة الحق والقانون مع شعب وضيع، يعني وضع العربة أمام الحصان. ينبغي البدء بتحريره من وضاعته.

فمن الضروري البدء بتحريره من الوضاعة المعششة في عقول أفراده وهم لا يشعرون. وهذه هي وجهة النظر الحكيمة لنفس الفرنسي روسو، لما قال : "إن تحرير الشعوب عملية نبيلة وعظيمة. لكنها جريئة ومحفوفة بالمخاطر. فيجب على المرء ألا يخوضها بتهور. ومن بين الاحتياطات الواجب اتخاذها، هناك عملية لا غنى عنها، وقد تستغرق وقتًا طويلاً. في البدء ينبغي أن تصبح تلك الشعوب جديرة بالحرية وقادرة على تحمل كل متطلباتها" . ثم يخاطب النخب الثورية ليقول لها : "لكن أيا كان الأمر، ففكروا في أن أناسها رجال مثلكم، وأن لديهم نفس المقومات كي يصبحوا على ما أنتم عليه. فلا تعملوا على تحرير أجسادهم إلا من بعد أن تحرروا أرواحهم. من دون هذه المقدمة الأولية، تحسّبوا أن مآل عمليتكم هو الفشل" . ولكن كيف يمكن تغيير حال الشعب الوضيع ؟

كيف يمكن له أن يتحرر من وضاعته كي يصبح ناضجًا بدرجة كافية يستحق معها أن يكون صاحب السيادة في وطنه ؟ ليس هذا ممكنًا فحسب، بل قد حدث بالفعل. لقد حدث ذلك مع اليهود مثلا، بحسب جان جاك روسو. وحدث كذلك بفضل الإصلاح البروتستانتي وفق ما جاء به تاريخ الشعوب الحرة. وله قصة في تاريخ المسلمين مع الرسول الكريم بمكة ثم بالمدينة. لقد حدث ذلك التحوّل في الحالات الثلاث بفضل معتقدات دينية وليس بفضل الفكر التنويري والفلسفة. شيء مذهل، ولكنه حقيقي. مذهل، لأن الثقافة الفرنسية المسيطرة عندنا تريد كل الأديان رجعية، وفقط الفكر وفلسفة الأنوار يشكلان طريقا سالكا للحرية والخلاص من نيْر الاستبداد. لكنه أمر حقيقي بحسب تاريخ الشعوب الحرة. فماذا عن كل من تلك الحالات في تاريخ اليهود ثم البروتستانت وأخيرا المسلمين من حول الرسول الكريم ؟

بالنسبة لليهود، يقول جان جاك روسو: "تجرأ موسى على جعل هذه الجموع التائهة هيئة سياسية. جعل منها شعبا متحررا. بينما كانت هائمة على وجهها في الصحارى من دون حجر تضع رأسها عليه لتستريح، أعطاها موسى هذه المؤسسة الدائمة التي لم تتمكن من تدميرها ولا حتى من تغييرها خمسة آلاف سنة من نوائب الدهر ومغريات الثراء وضربات الغزاة. وما تزال موجودة حتى اليوم بكل قوتها حتى عندما لم يعد جسد الأمة موجودا" . وفقًا لروسو، كان موسى بالنسبة لليهود رسول التحرر من الوضاعة كركن من أركان الإيمان بالله. تلك كانت القناعة الدينية التي غيرت حالتهم من شعب وضيع إلى شعب متشبع بعشق الحرية في ظل هيئة سياسية كمؤسسة قوية بما يكفي لتتحمل اختبار محن الدهر ومغريات الثروة واضطهاد الغزاة، وأن خمسة آلاف عام لم تكن قادرة على تدميرها أو على حتى تغييرها، والتي لا تزال قائمة حتى اليوم.

وما كان روسو ليتصور كم كان محقا في ذلك. في الواقع، كل ملّاح وفي جميع أنحاء العالم، كان بمثابة بلدية عاش فيها اليهود كهيئة سياسية حرة تدير شؤونها العامة في استقلال عن سلطات بلدهم في الشتات. غالبا ما كان اليهود في بلدانهم مستضعفين سياسيا، ولكن لم يُهضموا أبدا روحيا وعقديا ونفسيا. بذلك لم يكونوا راضين بوضعهم تحت نيْر الاستبداد، فلم يكونوا وضيعين. فلم يذوبوا في الشعوب التي كانوا يرونها مستأنسة بالاستبداد من حولهم. تلك هي الصورة المعبرة التي اعتمدها روسو عندما كان يتحدث عن بولندا المحتلة، لما قال : "كانت هذه البلاد في أغلال الحديد الروسية. لكن البولنديين ظلوا أحرارا. كانوا في القيود، لكنهم ظلوا يناقشون طرقا للحفاظ على أنفسهم أحرارا" . ثم يخاطب البولنديين ليقول لهم : "لا يمكنكم منع الروس من استضعافكم، ولكن اعملوا على الأقل على ألا يهضموكم" . وهذه هي بالضبط الطريقة التي عاش بها اليهود دائمًا في أحيائهم الخاصة بهم في كل العالم. لقد عاشوا فيها أحرارا فيما بينهم من دون أن تستطيع السلطات القائمة هضمهم. وذلك بفضل الدين الذي اعتبروه رسالة للتحرر السياسي بحسب روسو. بفضل معتقدهم عاشوا معتزين بالنفس ويدركون مدى وضاعة الشعوب من حولهم. فتعجب ممن كانوا يريدون لهم أن يتحولوا إلى مذاهبها الدينية ويذوبون فيها، وعندهم معتقد يجعلهم يشعرون بعزة النفس وبأنهم أفضل منها، وإن كانوا مستضعفين سياسيا ؟

فكان كل ملاح بمثابة جمهورية حقيقية تتمتع بالحكم الذاتي. واليهود فيها كهيئة سياسية وفق معتقداتهم الدينية عملوا قدر المستطاع على إبعاد النظام القائم عن التدخل في شؤونهم الخاصة. وعملوا بقدر الإمكان على تجنب التعامل مع الشرطة أو العدالة في بلدان الشتات. حتى ما كان هناك في الغالب من سجناء يهود، لأنه ما كان في صالح أي منهم أن يسجن فيها بسبب جرم ما. مثل الجزر الموجودة في وسط محيطات من الشعوب الخانعة، كانت الأحياء اليهودية شبه بلديات ديمقراطية غير رسمية وتشتمل على ما يكفي من المؤسسات الخدماتية المشتركة والممولة ذاتيا من قبل المجتمع اليهودي.

باختصار شديد، في بيئات معادية في كثير من الأحيان، تعلّم اليهود من خلال معتقداتهم التحررية أن يعيشوا مسؤولين عن مصيرهم في أحيائهم، في ظل مؤسسات بلدياتهم الديمقراطية. فهذا هو ما يفسر لماذا أقاموا كيانهم الصهيوني منذ اليوم الأول سنة 1948 وحتى يومنا هذا على أسس ديمقراطية. الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين، ظل ولا يزال ديمقراطيا، فلم يعرف ولا انقلابا واحدا بالرغم من كونه كيانا عسكريا بامتياز. ومن دون تبجيله، فقد تشكل من مجموع أفراد وأسر الأحياء اليهودية الديمقراطية في العالم. هكذا يكون اليهود قد تحرروا من الوضاعة بفضل قناعاتهم الدينية كما جاءهم بها موسى عليه السلام وكما يعتقد ذلك جان جاك روسو. فكونهم عاشوا أحرارا فيما بينهم الذي مكنهم من إقامة دولة الحق والقانون. وفي ذلك دليل على أن الشعب الحر هو فقط القادر على إقامة دولته الديمقراطية. أما الرغبة في إقامتها من أجل شعب وضيع من قبل تحريره من وضاعته فيعني مرة أخرى وضع العربة أمام الحصان.

شعوب أخرى تمكنت من تغيير حالها بفضل معتقداتها الدينية. يتعلق الأمر هذه المرة بالمسيحيين البروتستانت. كانوا في البدء مجتمعات كاثوليكية. ومن بعد قراءتهم للإنجيل مباشرة وبلغاتهم الخاصة، اكتشفوا أيضًا أن المسيح عليه السلام كان مثل موسى من قبله رسولا للتحرير من الوضاعة. فانقلبوا على كل الموروث الكاثوليكي، وكفروا بكل الكنائس الأسقفية، باعتبارها آليات لإذلال المسيحيين واستضعافهم لصالح الأنظمة الاستبدادية. قال في ذلك المؤرخ أستي: "الكاثوليك يرون السيادة في البابا والأساقفة. أما البروتستانت فقد وضعوها في كل شعب الكنيسة" .

بالنسبة للكاثوليك يسترسل أستيي قائلا : "تعاليم الكنيسة تأمر بالطاعة المطلقة للملوك. وتسلم لكل ملك وورثته بالسيادة في مملكته. وبحكم سلطاته المطلقة، الملك فوق القانون. لذلك يجوز له أن يغير أو يوقف أي قانون معين يبدو له مضراً بالصالح العام" . وبالنسبة للكنيسة الأنڭليكانية الأسقفية في إنڭلترا، حيث كان الملوك منذ عام 1215 مقيدين بمواد الماڭنا كارتا الشهيرة، يقول أستيي : "حاشية الملك الدينية تشجعه على المثابرة في سبيل استرجاع الحكم المطلق بالحق الإلهي. الملك ليس ملزماً بمراعاة قوانين المملكة فيما يتعلق بحقوق وحريات رعاياه. لكن في المقابل، وتحت وطأة اللعنة ، يدفع رعاياه الضرائب التي تُسعد جلالته، والتي يراها هو من المناسب فرضها عليهم من دون إذن من البرلمان. الملك يفعل ما يشاء. ومن يجرؤ على سؤاله : ماذا تفعل؟" .

بينما في مذهب البروتستانت، يقول نفس أستي: "يتم استبدال نظرية حكم الملوك بالحق الإلهي بسيادة الشعب. الشعب هو مصدر كل القوانين. الشعب هو أول مؤسسات الحق الإلهي. وفي هذا الصدد بالتحديد، كون الشعب متدينًا، فإنه يقدم أول مثال على الخضوع لله. يسود الله من خلال الشعب الذي فوّض له الحق في الحكم وفقًا لإرادته المتجلية في الكتاب المقدس. فهذه ثيوقراطية ديمقراطية وتمثيلية" . هكذا مرة أخرى وبحسب أستيي دائما : "سيادة الشعب من سيادة المؤمنين. كنيستهم بلا أساقفة ومن دون كهنة. فتقع السلطة بين أيدي المؤمنين. هل يمكن أن يؤدي هذا إلى شيء آخر غير الديمقراطية؟ عندما يكون كل مسيحي كاهناً وكل مسيحية كاهنة، أين يمكنك أن تجد عناصر الامتياز ؟ وكيف تنشأ سلطة من دون تفويض؟" . وبفضل هذا الاعتقاد الديني المتحرّر، ومثل اليهود، نجح البروتستانت منذ القرن السابع عشر في تأسيس دولهم الديمقراطية في سويسرا، وفي الأقاليم السبعة المتحدة بهولندا، وفي إنڭلترا وفي المستعمرات الإنڭليزية بشمال أمريكا.

أما في البلدان اللاتينية، فالكنيسة الأسقفية الكاثوليكية، ابنة ووريثة الإمبراطورية الرومانية، حاربت المذهب البروتستانتي وقهرته. فبقيت فيها فقط المُثل العليا والفلسفية التنويرية كأدوات لتحرير شعوبها من الوضاعة. لكن من الواضح أن الفلسفة قد فشلت حيث نجحت الديانة المسيحية الإصلاحية واليهودية القديمة قبل فترة طويلة. وهذا ما أكده الفرنسي طوكڤيل عندما تحدث عن المستوطنين البروتستانت في شمال أمريكا وقال : "في أمريكا، الدين هو الذي أدى إلى التنوير. احترام القوانين الإلهية هو الذي قاد فيها الإنسان إلى الحرية" . بنفس المثل العليا للحرية، لا يمكن للفلسفة التنويرية أن تلمس سوى النخب العالمة. ليس لها عمق شعبي كما هو للدين. فيبقى تأثيرها سطحيا، لما لا تصل إلى بقية فئات الشعب الوضيع، فيظل غير جدير بدولة الحق والقانون وغير قادر على إقامتها. وذلك كان السبب في فشل الثورة الفرنسية عام 1789 فشلا ذريعا. يؤكد ذلك طوكڤيل بقوله : "إن الاعتقاد بأن المجتمعات الديمقراطية معادية للدين بشكل طبيعي فيه ارتكاب لخطأ كبير. لا شيء في المسيحية، ولا حتى في الكاثوليكية، يتعارض تمامًا مع روح هذه المجتمعات. بل هناك أشياء كثيرة مواتية جدًا له. دلت التجربة عبر جميع العصور وفي كل مكان أن جذور الغريزة الدينية الأكثر حيوية ظلت دائما مغروسة في قلوب الشعوب. جميع الديانات التي تم اضطهادها ظلت تجد ملاذها الأخير هناك. وسيكون من الغريب أن المؤسسات التي تميل إلى أن تسود أفكار وعواطف الشعوب سيكون لها بالضرورة الأثر الدائم في دفع الروح الإنسانية نحو الكفر" . ويضيف قائلا : "يقول ميرابو في عام 1787، إنه من الأفكار المسبقة الخاطئة والمنتشرة عمومًا في ألمانيا، القول بأن المقاطعات البروسية ممتلئة بالملحدين. والحقيقة هي أنه إذا كان هناك بعض المفكرين الأحرار، فإن الناس مرتبطون بالدين كما هو الحال في البلدان الأكثر تقوى من غيرها، بل هناك عدد كبير من المتعصبين" .

وفي حديثه عن رسوخ قيم الحرية ومؤسساتها في أمريكا وعن فشل الثورة الفرنسية في ترسيخها ببلاده، يقول المؤرخ لابولاي : " تجذّرت الحرية في روح المواطن بفضل الدين والتعليم ونظام حكم البلديات والاعتماد على الميليشيا الوطنية . فهذه هي الركائز الأربع التي تدعم الدستور". ثم يسترسل في شرح آثار تلك الركائزالأربع في حياة المواطنين وفي ترسيخ روح الحرية بينهم ليقول : "أولا انفصلت الكنيسة عن الدولة. وبالتالي انتفى الشجار الداخلي وانتفت المتاجرة بالدين. ثانيا التعليم ليس بيد الدولة، لكنه مفروض على البلدية، ويعتبر مسألة حياة أو موت للجمهورية. ثالثا تواجد الميليشيا الوطنية، وضع صلاحيات الشرطة والدفاع عن البلد في أيدي المواطنين، واستبعد كل سياسات المغامرة والغزو. ورابعا البلدية هي المتمكنة الوحيدة من مصالحها، وهي المسؤولة والمحاسبة عن أخطائها وعن أغلاطها. هذه هي الشروط الأساسية الأربعة للحرية في الولايات المتحدة. وهي الشروط التي ظلت تنقصنا". وبقوله ظلت تنقصنا، يعني أنها ظلت تنقص في فرنسا من بعد الثورة، التي اعتمدت على فلسفة الأنوار ومعاداة الدين كله، لما انتصر فيها المذهب الكاثولكي على المذهب البرتستنتي منذ سنة 1685.

فسواء أحب أم كره، الإنسان بطبيعته مخلوق متدين. الدين كيف ما كان يجيب بحق أو بباطل على تساؤلات الإنسان الميطافزيقية الثلاث، وهي : من أين جاء ؟ ولماذ ؟ وإلى أين هو ذاهب وما هو مآله من بعد الموت ؟ تساؤلات تطرحها الفلسفة أيضا، لكن تتحفظ عن الإجابة عنها من دون براهين ملموسة تؤيدها. ولهذا يبقى للدين وحده الذي يشبع الروح بإجابته عن تلك الأسئلة، فيكون له عمق شعبي. ولما يحمل الدين المثل العليا للحرية، فإنها تصل بسهولة إلى عموم الناس وتستهويهم فيقدسونها ويتشبثون بها. ويصح ذلك أكثر عندما يتم دعم تلك المعتقدات الدينية التنويرية بتعليم عمومي إلزامي وعلى نفقة المجتمع. ويقدم لنا الفرنسي طوكڤيل في هذا الصدد صورة واضحة في نفس الكتاب الذي يتناول الديمقراطية بين أوائل المستوطنين الإنڭليز البروتستانت في أمريكا الشمالية. كان أحد قوانينها الأولى التي سُنت في بدايات القرن السابع عشر، يتعلق بالتعليم العمومي الإلزامي. وهذا ما جاء في ديباجته : "بما أن الشيطان عدو الجنس البشري، فإنه يجد في جهل الناس أقوى أسلحته. ومن المهم ألا تبقى العلوم التي أوجدها آباؤنا مدفونة معهم في قبورهم. لهذا فإن تعليم الأطفال هو واحد من المصالح الأولى للدولة، ..." . ومما جاء في مراسيم ومذكرات تطبيقه ما يلي : "الأحكام التي تنشئ المدارس في كل البلديات، تلزم السكان، تحت طائلة الغرامات الثقيلة، بفرض ضرائب على أنفسهم لتموينها. ويتم إنشاء مدارس عليا بنفس الطريقة في المناطق الأكثر اكتظاظا بالسكان. ويجب على قضاة البلديات التأكد من أن الآباء يرسلون أطفالهم إلى المدارس. ولديهم الحق في فرض غرامات على أولئك الذين يرفضون القيام بذلك. وإذا استمرت المقاومة، فإن المجتمع يضع نفسه في مكان الأسرة، فيتمكن من الطفل، ويزيل بذلك من الآباء الحقوق التي أعطتها لهم الطبيعة، والتي لم يحسنوا استخدامها" . وفي غياب التعليم العمومي والإلزامي يتشكل الشعب حتما من الدهماء والغوغاء بدلاً من أن يتشكل من مواطنين أحرار وجديرين بأن يكونوا أصحاب السيادة في وطنهم. وفي المحصلة يبقى تخلّص الشعوب من نيْر الاستبداد مشروطا بتحرير عقولها من داء الوضاعة. فتحرير العقول يسبق تحرير الأبدان، وإلا جُعلت العربة أمام الحصان.

لكن هل من قصة للحرية في تاريخ المسلمين ؟ بالتأكيد نعم. لكن لا ندركها حتى نتتبع تاريخ الشعوب الحرة. كل الرسل جاؤوا بنفس قيم الحرية التي من دونها يستحيل قيام الناس بالقسط كغاية الغايات من إرسالهم. يقول تعالي : "لقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ" (الحديد 25). وقيام الناس بالقسط لا يتحقق سوى في دولة الحق والقانون. تلك الدولة التي تتطلب بدورها أن يكون الشعب حرا معافى من داء الوضاعة، أي من داء الخضوع المذل لكرامة الإنسان،. فلا يخضع الشعب فيها بالمطلق إلا لله وللقوانين التي سنها هو بنفسه مباشرة أو بصفة غير مباشرة لتحقيق العيش المشترك والحر فيما بين أفراده. الشعب الحر له كامل السيادة في وطنه وهو مصدر كل السلطات التي يفوض ممارستها لمن يثق فيهم باختيار حر منه لولاية محددة وبشروطه. فيراقبهم ويحاسبهم على تصرفهم فيها. ثم يجدد ثقته فيهم أو يستبدلهم بغيرهم في نهاية كل ولاية. وتلك هي طاعة أولي الأمر الواردة في القرآن الكريم. "أولي الأمر منهم" يعني الذين اختارهم الشعب من بين أفراده وفوض لهم ممارسة سلطاته شروطه، كصاحب شركة مثلا لما يفوض تدبيرها لمن يثق فيهم وبشروطه. ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله، أن الشعب الحر سيد في وطنه، وليس لمخلوق الحق في الاستبداد به.

هكذا مثل موسى وعيسى عليهما السلام، كان محمد صلى الله عليه وسلم آخر رسل الحرية. الحرية التي تعتق الإنسان من داء الوضاعة. وهي نفس الحرية التي يطالب بها اليوم كل من الشعب السوداني والشعب الجزائري والتي تحققت للعديد من الشعوب عبر العصور. وهي نفس الحرية التي تحققت وعاشها شعب المدينة من حوله صلى الله عليه وسلم. فكيف حصل ذلك بالمدينة ؟ لكن كيف كان البدء بمكة ؟ مكة كدولة في حجم مدينة cité-Etat، كانت تتشكل كباقي الدول من أرض وشعب وحكم. والحكم فيها كان من نصيب طبقة الأشراف من دون غيرهم، كما كان عليه الحال بروما العتيقة حتى بدايات عهد الجمهورية. ذلك هو حكم الأخيار أو الحكم الأرستقراطي بلغة العصر، حيث لم يكن للعوام فيه حق المواطنة. فكانوا فيه مجرد رعايا، وكانوا وضيعين بخضوعهم المذل للمستبدين بهم فيه. وكان مقرّه بدار الندوة كنادي سياسي واجتماعي خاص بعليّة القوم. وذلك في مقابل المسجد لاحقا بالمدينة، الذي كان مفتوحا في وجه كافة فئات شعبها، على غرار الآڭورا l agora بأثينا اليونانية، والمنتدى le forum بروما.

فكان شعب مكة يتشكل من فئتين اجتماعيتين، الأشراف أو النبلاء المستبدون بالحكم من جهة، والعوام la plèbe الخاضعون لحكمهم والمستأنسون به من جهة ثانية. فالحرية فيها كانت من نصيب أسر الأشراف من دون غيرهم. والحرية التي جاء بها الإسلام مع مختلف الرسل تعني كون السيادة للشعب بالتساوي بين كل أفراده كمواطنين أحرار بغض النظر عن كونهم فقراء أو أغنياء، وعن كونهم ضعفاء أو أقوياء. لكل منهم نفس النصيب في الحق في التشريع، إما مباشرة في حال دولة في حجم مدينة مثل مكة وروما العتيقة، أو عن طريق مجلس تشريعي منتخب يمثل بقية الشعب، لما تكون الدولة شاسعة الأطراف. والحرية بهذا المعنى السياسي والديني هي التي تعني حكم الشعب نفسه بنفسه. وهو حق طبيعي لكل بني البشر الذين لا يمكنهم من دونه أن يقوموا بالقسط ويعيشوا كما ينبغي العيش الكريم في دولة الحق والقانون.

فلم يعترض نبلاء قريش على كون الله ربا بوصفه على كل شيء قدير، يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويستعان به، إلى غير ذلك من صفات الربوبية. وحسبنا في ذلك قوله تعالى : "وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ" (الزمر 38). وكانوا يتقربون إليه عن طريق الأصنام كما لا يزال ذلك شائعا بين المسلمين لما يزعمون أنهم يتقرّبون إليه بالتمسح بقبور الصالحين. فما كان عند قريش من إشكال في التخلي عن عبادة الأصنام، ولا في الصلاة والصوم والزكاة والحج، وحتى على الشكل الموروث والمضخّم حتى اليوم.

الذي اعترضوا عليه هو كون الله إلها ينهى ويأمر، وليس مجرد رب يخلق ويرزق. إله يشرّع لعموم الناس بمكة بدلا من التشريع المفروض عليهم من دون رضاهم بدار الندوة. إله يأمرهم بالعدل والإحسان، فيقول : " لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ". وكلمة الناس كانت تعني في آذان نبلاء قريش، وكما ينبغي، كل أفراد شعب مكة من دون تمييز. وقيام الناس بالقسط يتطلب حتما أن يكونوا كلهم أحرارا أصحاب السيادة في وطنهم. إله يفرض على النبلاء المساواة في الحقوق السياسية بين كل أفراد شعب مكة، كما تحقق ذلك لاحقا بالمدينة بالنسبة لكل أفراد شعبها بما فيهم اليهود الذين احتفظوا بكامل حريتهم السياسية بأحيائهم وبدينهم وبتشريعهم فيما بينهم، مع الحرية في ولوج المسجد كمنتدى ومجلس بلدي لكل أفراد الشعب لتداول الشأن العام الذي كان من شأنهم جميعا، اللهم من اختار الابتعاد عنه بمحض إرادته.

من أجل ذلك حارب أشراف قريش بمكة العقيدة الجديدة التي تبتغي الحرية المسوية بين كل أهلها في الواجبات وفي الحقوق. شعب مواطنين أحرار من دون لا عوام ولا عبيد ولا غوغاء ولا دهماء. فتجمّع من حوله صلى الله عليه وسلم نفر من المؤمنين الذين تعافوا من وضاعتهم وصاروا يطالبون بالمساواة في الحقوق والواجبات. شكل ذلك ثورة سياسية واجهها نبلاء قريش بالرفض وبالعنف الشديد. فزعموا أن الرسول الكريم كذاب مفتري على الله. وأنه ليس هناك من بعث من بعد الموت ولا حساب ولا جنة ولا نار. فلا داعي لتخويفهم بذلك. حتى قال أحدهم : "من يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ " (يس 78)، ثم قالوا : "مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ" (الجاثية 24). وانتهوا بالعزم على اغتياله صلى الله عليه وسلم واستئصال أتباعه من مكة.

فكان لا بد للفئات المستضعفة والمحرومة بقوة السلاح والاضطهاد من التمتع بحقها الطبيعي في حرياتها لما أصبحت تعي معناها من بعد ما كانت تجهلها. كان لا بد لها من مأوى تلجأ إليه وتمارس فيه حقها الطبيعي في الحرية. كان عليها التحرر من الاستضعاف الذي يطالها، حتى لا يقال في حقها : "إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ" (النساء 97).

لكن ما فرض الرسول الكريم نفسه على أي قوم آخر، وما كان ليُؤمر بذلك حتى في حال ما كان قويا يستطيع. وذلك صونا لمبدأ الحرية. بل صار يعرض ما لديه من قيم ومبادئ سامية على مختلف القبائل في كل موسم حج. إلى حين وافق وفد المدينة على عرضه في ما سمى ببيعة العقبة الأولى. لكن بمقتضى نفس مبدأ الحرية الذي جاء به، كان لا بد من رضا وموافقة على الأقل غالبية فئات شعب المدينة. وذلك حتى لا يقول لاحقا : "وُليت عليكم"، بمعنى ولاني غيركم عليكم من دون رضاكم المسبق. بل يقول : "وليتموني عليكم بمحض إرادتكم" أي بكل حرية. وفي ظرف سنة من التعريف بعرضه بالمدينة جاءه منها في موسم الحج اللاحق وفد أكبر من الأول ومفوّض من شعب المدينة ليخبره بقبول غالبيته به كإمام ورسول، وبمن كان معه من المستضعفين الفارين بدينهم وبحريتهم من استبداد واضطهاد أشراف قريش. وتلك كانت بيعة العقبة الثانية.

فصار فيها من سُنّته صلى الله عليه وسلم أن الولايات لا تتم إلا بالموافقة الحرة من غالبية أفراد الشعب. فمن يكون أعلى منه مقاما حتى يتولى الأمر من بعده من دون تفويض حر من غالبية أفراد الشعب وبشروطها ؟ لكنها سنة جليلة غمرتها الصراعات السياسية من بعده على الاستبداد بالشعوب التي تفشى وساد فيها داء الوضاعة من جديد، حتى ما عادت تعرف لا طعم ولا رائحة لنعمة الحرية التي جاءها بها الإسلام. تلك الحرية التي تشبث بها اليهود في أحيائهم في الشتات، والتي استعادها البروتستانت لما رجعوا إلى الإنجيل مباشرة كي يأخذوا منه دينهم الذي ارتضاه لهم الله، فأقاموا دولهم الحرة.

وقد ولاه صلى الله عليه وسلم على نفسه شعب المدينة الحر كإمام وكرسول، مع علمه بأن الرسول الكريم يأتيهم بتشريع من رب العالمين. بذلك يكونون قد قبلوا حتى بالله إلها مشرّعا، وبإرادتهم الحرة. فصار من سُنته أيضا أن ممارسة السلطة التشريعية لا تتم إلا بالإرادة الحرة من غالبية أفراد الشعب. فمن يكون أعلى مقاما من الله تعالى حتى ينتصب مشرعا من بعد انقطاع الوحي من دون الرضا الحر من الشعب ؟ ومن هنا ستبدأ مرحلة قصة الحرية بالمدينة، من بعد مرحلة قصتها الأولى بمكة. فماذا عن تتمتها بالمدنية ؟

قدوم المهاجرين ثم الرسول الكريم من بعدهم، كان بموجب عقد بيعة العقبة الثانية وبرضا من غالبية شعب المدينة. وكان في ذلك صون لحريتهم وتأكيد عليها كقيمة من أهم القيم التي جاء بها الإسلام مع كل الرسل. وأول عمل تم القيام به هو بناء المسجد، ليس كمصلى فقط، بل بالأساس كمنتدى اجتماعي وكمقر للمجلس البلدي الذي يجتمع فيه كل من أراد من شعب المدينة للتداول في شؤونها العامة. فكان مفتوحا للصغار والكبار والذكور والنساء مسلمين وغير مسلمين، كي يتربوا فيه علي التشبع بالحرية. بلغت فيه حرية التعبير حد رفع الأصوات على صوت الإمام صلى الله عليه وسلم الذي كان يستحيى من أصحابها حتى لا يظهر بمظهر المستبد بهم. فنزل القرآن الكريم ينهى عن ذلك، بقوله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ" (الحجرات 2).

فمن سنته صلى الله عليه وسلم إنشاء مجلس بلدي في كل مدينة وقرية يمارس فيه شعبها الحر كل سلطات السيادة. وليس بالضرورة أن يكون مقره هو المسجد. كونه مسجدا في عهده صلى الله عليه وسلم راجع لكونه إماما رسولا. بتدخل الوحي في الحكم كان نظاما تيقراطيا وديمقراطيا. أما من بعده صلى الله عليه وسلم وبانقطاع الوحي يبقى الحكم مدنيا ديمقراطيا. فليس من حق أحد أن يُنتخب باسم الدين ولا أن يتولى الحكم باسم الدين. تلك خاصية الرسل. فلا يُتخد الحكم باسم الدين ذريعة للاستبداد بالشعوب وتحويلها إلى شعوب وضيعة من بعد ما كانت حرة. فذلك كان موقف البروتستانت الطهرانيين بشمال أمريكا، وقبلهم بهولندا وبسويسرا.

وثاني عمل كسُنّة لم يُقتضى بها من بعده صلى الله عليه وسلم، كان هو تحريره لوثيقة المدينة كدستور خاص بعهده كإمام ورسول يوحى إليه. وعلى أساسه ظل شعبها يفرق بين ما هو وحي فيستسلم له، وبين ما كان من تدبيره كإمام مفوّض للحكم، فكان يراجعه فيه متى ما اقتضى الحال ذلك. ومنه على سبيل المثال، تدخل الخباب بن المنذر كجندي بسيط بخصوص موقع المسلمين بمعركة بدر التي خاضها صلى الله عليه وسلم مع المهاجرين أصحاب الحق المبتغى من اعتراض قوافل قريش من دون الأنصار. وكان منه أيضا استشارة السّعدين من الأنصار أصحاب الحق في المدينة من دون المهاجرين، في قضية اقتراح صلح مع غطفان على ثلث ثمرها كي تنسحبوا من الحصار في غزوة الأحزاب. ثم جاءه صلى الله عليه وسلم الأمر من الله تعالى باستشارة شعب المدينة في كل أمورها العامة، وبألا يتخذ أي قرار إلا من بعد استشارته، فقال تعالى : " وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ"(آل عمران 159). وتأكيدا لمبدأ الحرية دائما، نزل قوله تعالى : " وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ " (الشورى 38). والأمر يعني الشأن العام. فمنه كلمة أمير وكلمة إمارة. والضمير "هم" في الآية الكريمة، يستغرق كل أفراد شعب المدينة كمواطنين أحرار، كي يشارك ويساهم كل من أراد منهم بنصيبه الطبيعي في الاستشارة في تدبير الشأن العام. لأنه ليس من بين الشعب الحر لا عوام ولا غوغاء ولا دهماء. ذلك شأن الشعوب الوضيعة.

كل ذلك وغيره كثير، يدل على أن شعب المدينة عاش حرا في عهده صلى الله عليه وسلم وتمتع بكل من الحرية الدينية والحرية السياسية، مع القبول والتسليم الحر دائما بتدخل الوحي في تدبير بعض شؤونهم الخاصة والعامة، إيمانا ويقينا بأنه وحي من رب العالمين، وليس من تدبير الإمام. والوحي المسلم به عن إيمان كان يحكم كلّا من الإمام والشعب الحر معا. بذلك ظل الشأن العام شأن كل فرد بالمدينة كمواطن حر، ويتم تداوله بالمسجد كمجلس بلدي أو برلمان لا يستثنى من ولوجه أحد من نساء ورجال، وحتى من الصغار ومن اليهود، كي يمارس فيه حقه الطبيعي في الحرية كسيد حر بموطنه.

ومن بعد التمكين جاء دور تحرير مكة من استبداد أشرافها. وبمنظار الحرية كما يمكن تتبع قصصها في تاريخ البشرية، فكلمة "الفتح" في القرآن الكريم تعني تحرير المستضعفين من استبداد وطغيان المستبدين. أما غزو قوم حر أو شعب وضيع ثم استضعافه واستعباده فهو، بمنظار مبدأ الحرية المقدس في الإسلام، احتلال ظالم وبغيظ. ففرق إذا بين الفتح والاحتلال الذي من بعد فقدان منظومة القيم الإسلامية كان يتعمّد الخلط بينهما لتبرير هذا بذاك.

ولما تم تحرير مكة، تحررت معها قبائل باقي الجزيرة العربية. فجاءت الوفود إلى المدينة مطمئنة على نفسها من الخوف من قريش الذي كان يخنقها. جاءت تستفتي وتسأل عن فحوى الرسالة المحمدية. وما استدعاها أحد ولا أجبرها أحد على الإيمان بها. وبقيت من بعد ذلك مستقلة وحرة في اختياراتها. فما شكلت فدرالية موثقة مع المدينة. وحسبنا في ذلك وفد اليمامة الذي ما أن وصل إلى موطنه حتى تنكّر لما آمن به. ومع ذلك ظل شعبها مستقلا وحرا. فما أشهرت في وجهه السيوف بحجة الردة. والآيات القرآنية التي تؤكد كما يجب على حرية المعتقد عديدة وبصيّغ لا تقبل النسخ بأي حال من الأحوال. حرية المعتقد في الإسلام مع الحق في الحرية السياسية صنوان لا يفترقان. لكن حصل التفريط فيهما فكانت النكسة من بعد ما عادت الوضاعة لتأخذ مكان الحرية في النفوس والتي لا يزال المسلمون يعانون من تبعاتها حتى اليوم. ومن شأن قراءة متجددة للقرآن الكريم وللسيرة الشريفة على ضوء تاريخ الشعوب الحرة أن تعيد الأمور إلى نصابها.

بقيت نقطة ينبغي التطرق إليها. ففرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية. توحيد الربوبية يعني الإيمان بأن الله هو وحده رب العالمين من دون غيره، يخلق ويحيي ويميت ويرزق وهو على كل شيء قدير. فمن يتوسل إلى غيره يشركه مع الله في الربوبية. وتوحيد الألوهية يعني أن الله وحده الإله الذي ينبغي ألا يُعصى له أمر. فالعبد لا يعصي أمرا ليسده بالحق أو بالباطل، فهو إلهه. أما الموحد للألوهية فهو المؤمن الذي لا يعصى لهر أمرا بحق. توحيد الربوبية أمر مفروغ منه بالنسبة لكل مخلوق، سواء آمن بذلك أم كفر. أما توحيد الأولوية فبمحض اختياره. إن شاء فعل وكان مؤمنا، وإن شاء رفض. كذلك شاء الله أن يكون الإنسان حرا حتى في اتخاذه إلها من دون غيره، على أن يتحمل تبعات اختياره. والرافض يكون قد كفر باتخاذه لنفسه أو لغيره إلها مع الله أو من دون الله. فيستبد بالناس أو يسلم لغيره أن يستبد بهم. فيكون بذلك قد أشرك نفسه أو غيره في الألوهية مع الله. وهكذا المستبد بالناس هو مشرك بالله في الألوهية. والشيء نفسه بالنسبة لمن يُستبدّ به ويستأنس بذلك فلا يشعر بالاستضعاف. توحيد الألوهية يعني أنه لا حق لمخلوق في الاستبداد بالناس وأنه لا ينبغي للمستبد بهم أن يسلموا له بذلك ولو بالقلب. فتوحيد الألوهية بشهادة لا إله إلا الله يعني سيادة الحرية بين العباد. ومن يحكمهم ففقط برضاهم وبتفويض منهم مع حقهم في المراقبة والمحاسبة والتثبيت والعزل.

لكن لماذا وقع التركيز في القرآن الكريم على الشرك في الربوبية، من مثل التوسل إلى الحجر أو البشر وتعظيمهم بدلا من التوسل لله وحده وتقديسه من دون غيره؟ لأنه يمهد للشرك في الألوهية. يمهد لوضاعة الشعوب ولاستبداد المستبدين بها. الطاعة المطلقة من حق الرب وحده. لكن فرعون ادعى أنه من حقه أن يكون إلها مستبدا بشعبه لما قال "مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ " (غافر 39). فاعترض موسى على ذلك بأن ليس له الحق فيه لأن الألوهية من حق الرب وحده. وقد اعترض إبراهيم كذلك على من ادعى الألوهية أن آتاه الله الملك، بحجة أنه ليس برب. لكنه ادعى بأنه أيضا رب من دون الله. فقال له أبراهيم " رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ" (البقرة 258). معنى ذلك أنه ليس من حق الإنسان أن يستبد بغيره لأنه ليس برب. فلا يُحكم الناس إلا برضاهم وبتفويض منهم. والمخالف مشرك في الألوهية لقوله تعالى : "أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ" (الجاثية 23). ومثال ذلك فرعون، وغيره كثير في تاريخ البشرية. وشعوبهم الوضيعة مشركة أيضا في الألوهية. وذلك لاستئناسها باستبدادهم أي بالتطبيع مع اتخاذ المستبدين بها آلهة من دون الله، لقوله تعالى : "فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ" (الزرف 54).

فمن يسلم بالربوبية لمخلوق من حجر أو شجر أو بشر، سيسلم حتما لمخلوق غيره بالألوهية. المشرك في الربوبية إنسان وضيع بالنظر لما فيه من استعداد للشرك في الألوهية لمّا يسلم لمخلوق أن يستبد به ويكون إلها من دون الله. ولذلك تجد المستبدين يشجعون دائما الشرك بالربوبية، ومنه تشبث قريش بعبادة الأصنام. والأصنام تتنوع بتطور العصور. وخلاصة القول أن كل الرسل جاؤوا بنفس الحرية التي يطالب بها اليوم السودانيون والجزائريون والتي تحققت لغيرهم من الشعوب في العالم وعبر العصور. وفي تقديرنا فقط تاريخ الشعب الحرة من شأنه أن يمكن من قراءة القرآن الكريم والسيرة الشريفة قراءة متجددة كي تُبرز ما تضمناه من قيم الحرية والكرامة الإنسانية التي من دونها يتعذر قيام الناس بالقسط في ظل دولة الحق والقانون كغاية الغايات من إرسال كل الرسل.

على ضوء هذه المقدمة، التي نعتذر للقارئ الكريم عن طولها، سنتناول في هذا الكتاب قصة الصراع بين الحرية والاستبداد في روما العتيقة. فشعبها كان في تاريخ البشرية من الشعوب الحرة بدرجات متفاوتة في عهد الملكية ثم في عهد الجمهورية. كعرب ومسلمين لا زلنا في حاجة للإلمام بتاريخ الشعوب الحرة حتى يتضح لشعوبنا العربية والمسلمة لما في دينها من تعاليم نبيلة لا تقبل من المؤمنين سوى التشبع بالحرية كركن أساسي من الدين. وحتى لا تبقى سجينة لموروث ثقافي مصبوغ بقداسة الدين فلا ترى نفسها كابن خلدون حتى عصره في حال لا يليق بها سوى العيش في ظل الاستبداد.

فابن خلدون، على جلال قدره، يقول في المقدمة إن : "الانفراد بالمجد من طبيعة الملك" . ثم يجد لذلك الاستبداد الفردي بالحكم تبريرا بتأويل قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}(الأنبياء 22). مع العلم أنه ليس من حق الملوك وغيرهم أن يكونوا آلهة من فوق العباد، لما في ذلك، كما تقدم، من شرك في الألوهية من جهة المستبد ومن جهة الشعب المسبد به. وابن خلدون معذور، ولا يلام على ذلك، لأنه ما أتيحت له الفرصة للاطلاع على نظام حكم الجمهورية الرومانية قديما حيث كان الشعب حرا سيد نفسه. وكان المُلك فيه من نصيب قنصلين منتخبين من طرف الشعب ولولاية سنوية. وما اطلع أيضا على نظام حكم حاضرة إسبارتا اليونانية حيث كان الشعب حرا كذلك. وكان المُلك فيها شركة بين ثلاثة ملوك في آن واحد. والدولتان دامتا مستقرتين وقويتين قرونا طويلة تحت سيادة شعبين حرين. وقال ابن خلدون في المقدمة أيضا إن تولي السلطة لا يتم إلا بالغلب. وهذا صحيح أيضا، كما تقدم، مع كل شعب وضيع، ما عرف المؤلف غيره، بالرغم من أن عصره تزامن مع وجود جمهورية البندقية حيث كان تولي السلطة يتم كل مرة بانتخاب دوق جديد مدى الحياة ومن دون توريث، وليس أبدا بالغلب. وبفضل ذلك عرفت تلك الجمهورية مائة وعشرين دوقا منتخبين على امتداد أحد عشر قرنا.

ومع ذلك لم يسلم العالم الجليل ابن خلدون من نقد الدكتور عبد الله العروي لما قال في حقه : "لا يحق لنا أن نؤاخذه، بما جاء بعده، من الاكتشافات الجغرافية والمكاسب في مجال الحفريات واللغويات. لكن أي عيب في مؤاخذته بما كان قبله، بتلك المراجع التي كانت جاهزة، في متناوله لو توافرت الشروط ؟ ما العيب أن نقول متأسفين آه، لو اطلع في النص على أخبار اليونان وروما ؟" ويسترسل الدكتور العروي عتابه لابن خلدون مع التماس بعض الأعذار في حقه، وذلك بقوله : "اعتمد هو الآخر منهج المقارنة، لكن بين من ومن ؟ بين البدو والحضر، العرب والفرس، العرب والترك، العرب والبربر. استخلص من ذلك ثنائية العمران البدوي والعمران المدني، وتابع نتائج تلك المعارضة على كل المستويات. فعل ذلك ببراعة وحذق وجرأة. لم يحجم عن ربط هذه الثنائية بأخرى ذات طابع سياسي. فميز بين حكم مدني مطلق عادل سديد يتوخى خير الجميع، أو متهور جائر يستهدف إشباع الشهوة، وبين حكم شرعي يضمن سعادة الفرد في الدنيا والآخرة. أمسك بهذا الاستنتاج لأنه تيقن أن الجمهورية، حكم الغوغاء، فاسد من الأصل، ينتهي حتما إلى الفوضى وعموم الظلم. هذا ما وجد في كل مراجعه، من فلاسفة متأخرين ومؤرخين مسيحيين. ماذا لو اطلع على نصوص الأوائل، وعلى أقوال قدماء اليونان والرومان دون تأويل الوسطاء وتحريف التراجمة ؟ ماذا لو أتيح له ما أتاحته الأقدار لمونتسكيو؟ قد يقال، اطلع على جانب من أحوال الروم والإفرنج المعاصرين له، عبر آداب الرحلة، على أوضاع الصين والهند والسودان، كما تدل على ذلك عبارات «المقدمة». لا ينفع في هذا الباب السمع المبهم، لا بد من تلمس الأصول وفحصها بمثابرة وانتظام. يعترضنا هنا ذلك السقف المعرفي الذي أوضحنا في مناسبات عدة آثاره على المفكرين المصلحين" .

وتسعة عقود من الزمن تقريبا قبل الدكتور العروي تعرض الشيخ الأزهري علي عبد الرازق لنفس الموضوع لما قال: "من الملاحظ البيّن في تاريخ الحركة العلمية عند المسلمين أن حظ العلوم السياسية فيهم كان بالنسبة لغيرها من العلوم الأخرى أسوأ حظ، وأن وجودها بينهم كان أضعف وجود. فلسنا نعرف لهم مؤلفا ولا بحثا في شيء من أنظمة الحكم ولا في أصول السياسة، اللهم إلا قليلا لا يقام له وزن إزاء حركتهم العلمية في غير السياسة من الفنون... وقد كانت كتب اليونان التي انكبّوا على ترجمتها ودرسها كافية في أن تغريهم بعلم السياسة وتحبّبه إليهم. فإن ذلك العلم قديم، وقد شغل كثيراً من قدماء الفلاسفة اليونانيين، وكان له فلسفة في اليونان، بل في حياتهم، شأن خطير." .

و أضاف الشيخ متسائلا : "فما لهم أهملوا النظر في كتاب الجمهورية لأفلاطون وكتاب السياسة لأرسطو، وما لهم رضوا أن يتركوا المسلمين بجهالة مطبقة بمبادئ السياسة وأنواع الحكومات عند اليونان، وهم الذين ارتضوا أن ينهجوا بالمسلمين مناهج السريان في علم النحو، وأن يروّضوهم برياضة بيدبا الهندي في كليلة ودمنة، بل رضوا بأن يمزجوا لهم علوم دينهم بما في فلسفة اليونان من خير وشر، وإيمان وكفر؟ " . ثم أجاب الشيخ أخيرا على تساؤله ذاك ملتمسا لهم العذر بقوله : " الغيرة على المُلك تحمل المَلك على أن يصون عرشه من كل شيء قد يزلزل أركانه، أو ينقص من حرمته، أو يقلل من قدسيته. لذلك كان طبيعيا أن يستحيل الملك وحشا سفاحا، وشيطانا ماردا، إذا ظفرت يداه بمن يحاول الخروج عن طاعته، وتقويض كرسيه. وإنه لطبيعي كذلك أن يكون الملك عدوا لدودا لكل بحث ولو كان علميا يتخيل أنه قد يمس قواعد ملكه أو يريد من تلقائه ريح الخطر، ولو كان بعيدا. من هنا نشأ الضغط الملوكي على حرية العلم، واستبداد الملوك بمعاهد التعليم، كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا. ولاشك أن علم السياسة هو من أخطر العلوم على الملك، بما يكشف من أنواع الحكم وخصائصه وأنظمته إلى آخره. لذلك كان حتما على الملوك أن يعادوه وأن يسدوا سبيله على الناس. و ذلك هو تأويل ما يلاحظ من قصور النهضة الإسلامية فى فروع السياسة، وخلو حركة المسلمين العلمية من مباحثها، ونكوص العلماء عن التعرض لها، على النحو الذي يليق بذكائهم، وعلى النحو الذي تعرضوا به لبقية العلوم" .

في نفس السياق وبالنظر لما احتواه كتاب المؤرخ الروماني تيت ليڤ من صراعات سياسية طويلة بين العوام والنبلاء بروما العتيقة ومن انتصار للحرية على الاستبداد، فقد حصل له الشيء نفسه مع الإمبراطور الروماني كليݣولا Caligula (ت 41م) لما شبّه مؤلفه بهومير وبڤيرجيل اللذين كان يحقد عليهما. فأمر بإبعاده عن كل المكتبات. أما بابا الكنيسة ݣريݣوار السابع (ت 1085م) ، ولنفس السبب المناصر للحرية ضد الاستبداد، فقد أمر بإعدام كل النسخ من نفس الكتاب بدعوى أن فيه تمجيدا للوثنية .

وبخصوص ترجمة القدماء للثرات اليوناني والروماني إلى اللغة العربية يقول الدكتور عبدالله العروي : "يعتمد ابن خلدون فيما يتعلق بالتاريخ القديم... على نصوص معربة، لا لفظا فقط، بل مفهوما كذلك، وهنا مكمن الخطر. لكي تكون المقارنة مفيدة حقا، لابد من المحافظة على أصالة وفرادة المواد المزمع مقارنتها. لم يكن هذا الأمر متاحا لابن خلدون ولغيره من المفكرين المسلمين" . لكن حتى في حال ما كان ذلك متاحا لأحد منهم فما كان بوسعه الجهر بمختلف أنظمة الحكم بكل من روما وأتينا المفعمة بالصراع العمودي بين عشق الشعوب للحرية وتشبث الكبار بالهيمنة. وذلك، كما تقدم مع الشيخ علي عبد الرازق، خوفا من سيوف المستبدين المتغلبين والغيورين على استبدادهم. لنفس السبب تعمد منتسكيو الغموض والتلميح في عهد صاحب الحكم المطلق الملك لويز الرابع عشر، وهو يكتب عن تاريخ الرومان. ذلك ما أكده الدكتور العروي نفسه بقوله : "يكون مونتسكيو قد تعمد الغموض خشية الرقيب، إذ كان متهماً عند رجال الكنيسة والدولة... نشر مونتسكيو كتابه أولا في أمستردام بعيداً عن الرقيب سنة 1734" .

الذي كان يخيف الأنظمة الاستبدادية في اطلاع شعوبها على تاريخ الشعوب الحرة هو تقليدها وشفاؤها من وضاعتها من بعد التشبع بقيم الحرية. والذي كان يخيف الأنظمة الاستبدادية كان هومبتغى الحكومة الفرنسية من بعد خمس سنوات فقط من قيام الثورة سنة 1789. وذلك لما أدرك الثوار أن الحرية كانت قضيتهم وحدهم كنخبة ولم تكن قضية الأمة الفرنسية التي ظلت وضيعة تحن للاستبداد من جديد كي تستقر من بعد ما عمت البلاد الفوضى بسبب وضاعتها. ولإخراجها من منها فكر الثوار في فرض تعميم وإجبارية التعليم، وفي فرض تدريس تاريخ الشعوب الحرة انطلاقا من المستوى الابتدائي. ذلك هو ما تجده بالحرف في قانون Lakanal الصادر .

وفي أقل من سبعين سنة على سَن ذلك القانون، ظهرت نتيجته في شهادة المؤرخ فوستيل دو كولانج في كتابه : "الحاضرة العتيقة". وذلك لما قال : "نظامنا التعليمي الذي يجعلنا نعيش منذ الصغر ما بين اليونانيين والرومان، يُعوّدنا على مقارنتهم دائما بنا، وعلى الحكم على تاريخهم من خلال تاريخنا، وعلى تفسير ثوراتنا بثوراتهم. وما ورثناه منهم وما تركوه لنا يجعلنا نعتقد أننا نشبههم. ويصعب علينا تصورهم كشعوب غريبة عنا. ونكاد نرى دائما أنفسنا فيهم" . فمن خلال هذه الشهادة ندرك جيدا أن هذا المؤرخ الفرنسي غير متفق مع تلك النتيجة لأسباب سياسية تخصه. لكن نلمس من نفس الشهادة أن حال المزيد من الفرنسيين قد تغير بتغير ما بأنفسهم، بفضل فرض تدريس تاريخ الشعوب الحرة للناشئة انطلاقا من مرحلة السلك الابتدائي. قد أصبحت الحرية أخيرا وبدرجة ما قضية نخبة متعلمة أوسع من دي قبل، لكن ليس بعد قضية أمة. لم تبلغ مبلغ ما حققه الإصلاح الديني عند البرتستانت بدول شمال أوروبا وبشمال أمريكا. ومن شأن الاطلاع على تاريخ الشعوب الحرة وتدريسه أن يشجع على إصلاح ديني شبيه بالإصلاح الذي نتج عنه مذهب البرتستانت. إصلاح حصل من بعد قراءة متجددة للدين الذي أساسه الحرية اللازمة لقيام الناس بالقسط كغاية الغايات منه.

الحضارة العربية المسلمة ببغداد، بقرطبة وبعموم الأندلس استحقت وستظل تستحق الانبهار بها عبر العالم. لكنها حضارة ثقافية. وإذا كانت الحضارة الثقافية من الحاجيات فالحضارة السياسية من الضروريات لتكريم بني البشر. تأمل معنا ذلك في ما جاء في حديث المؤرخ الفرنسي لابولاي، وهو يعرّف الحضارة، لما قال : "أنها مركبة ومعقدة، من حيث تشمل عناصر مختلفة، من تشريع وفنون وعلوم وصناعة وتجارة ونوع من الذوق العام ونوع من التفاعل الاجتماعي. وهي الأمور التي قد توجد عند مختلف الشعوب متفرقة وبدراجات متباعدة جدا. فتساهم كل منها في تشكيل آداب أجيال أو أمة. هكذا نقول بأن حضارة اليونان كانت أرقى من حضارة روما لما أخضع الرومان اليونانيين لسلطانهم. في حين كانت المؤسسات السياسية الرومانية أرقي من نظيراتها اليونانية. وهكذا نجد اليوم أن عشق الحرية والاستئناس بفنون الحياة العامة هما أعظم وأقوى ببريطانيا مما هما عليه بفرنسا وألمانيا وإيطاليا . ومع ذلك من يجرأ على الادعاء بأن مدينة لندن البريطانية أرقى حضارة من مدينتي باريز الفرنسية وفلورنسا الإيطالية ؟ فهؤلاء الآلاف من الأجانب الذين يزورون بلدنا (فرنسا) كل سنة بحثا عن سحر مجتمع أكثر نعومة، سيحتجون على مثل هذا الادعاء" . ذلك لأن الحضارة الثقافية غالبا ما تبهر عقول الشعوب فتحجب عنها الحضارة السياسية، التي هي بالنسبة لعموم البشرية نعمة بفضل نور الحرية الذي يبدد ظلم وظلمات الاستبداد، مهما ارتقت فيه الحضارة الثقافية.

ومن يقرأ كتب تاريخ شعوب الغرب، ككتب ميكيافلي ومنتسكيوه وغيرهما، سيلمس فيها ثراء الآثار الفكرية والسياسية التي خلّفتها في تلك الشعوب التقلبات السياسية في مختلف أنواع الحكم بسبب الصراع الذي احتدم فيها بين المستضعفين المطالبين بالحرية وبين فئات السادة من كبار القوم الميالين بطبعهم البشري للاستبداد على حساب حرية الرعية. فأنتج ذلك الصراع الطويل وعبر العصور وعلى مراحل هذا الواقع الذي يميزها اليوم عن باقي شعوب العالم. فلا تجد مؤرخيها يتكلمون فقط عن الأحداث والأشخاص، كما هو حال الإخباريين بباقي العالم، بل سرعان ما تجدهم يتعدّونها إلى الحديث عن الظروف والآليات والقواعد والقوانين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي كانت ولا تزال تتحكم فيها وفيهم. فخلقت عندهم وعيا سياسيا قل نظيره بباقي العالم. لذا تجدهم ينظرون للحياة السياسية في كل مكان وزمان كما ينظر الطبيب بعقله إلى داخل جسم المريض من بعد ما رأى بعينه مظهره الخارجي.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,518,979,955





- نتنياهو: علينا أن نمنع إقامة حكومة تتكئ على الأحزاب العربية ...
- بالفيديو.. لاجئتان سوريتان تلهمان الشباب العربي بقصة كفاحهما ...
- -لم يكن متاحا-... صحفية تحاول التواصل مع ميت -للتعليق على خب ...
- ترامب ينتقد رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي لخفض أسعار الفائدة ...
- -يحاولون التأثير على معنويات الشعب-... رغد صدام حسين تنشر وص ...
- -EEE- يحتجز سكان ولاية أميركية في منازلهم
- -فقاعات عملاقة- في درب التبانة تحير العلماء 
- ترامب: قد تحدث أشياء قاسية بالشرق الأوسط.. وبومبيو وبن سلمان ...
- الحوثي عن رفع الكويت حالة الاستعداد القتالي: هل أصاب الأمير ...
- اتفاق أميركي-سعودي على -محاسبة- النظام الإيراني على -سلوكه ا ...


المزيد.....

- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا
- حول دور البروليتاريا المنحدرة من الريف في ثقافة المدن. -3- ا ... / فلاح علوان
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الرابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- إيران والخليج ..تحديات وعقبات / سامح عسكر
- رواية " المعتزِل الرهباني " / السعيد عبدالغني
- الردة في الإسلام / حسن خليل غريب
- انواع الشخصيات السردية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الغاء الهوية المحلية في الرواية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الابعاد الفلسفية في قصة حي بن يقظان / د. جعفر جمعة زبون علي
- مصطفى الهود/اعلام على ضفاف ديالى الجزء الأول / مصطفى الهود


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - المصطفى حميمو - العبر والدروس من تاريخ الشعوب الحرة