أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطيب عبد السلام - بين العرب و المغول - تأملات جديدة في حاضر التاريخ















المزيد.....

بين العرب و المغول - تأملات جديدة في حاضر التاريخ


الطيب عبد السلام

الحوار المتمدن-العدد: 6346 - 2019 / 9 / 9 - 17:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بين المغول و العرب..
تأملات في حاضر التاريخ


منذ فترة بعيدة و انا اتأمل العلاقة بين الفتوحات العربية الإسلامية و الفتوحات المغولية في القرن الثالث عشر، نيتي في هذا التأمل ليس ذكر الأسماء و التواريخ كما يفعل مدرسو السير التاريخية، ولا حتى إجراء دراسة تاريخية مقارنة بل نيتي هي فتح هذه السهوب المغولية و الصحراء العربية على عين التأمل الحاضر، منتقلين من حاضرنا إلى ماضينا و من ماضينا إلى حاضرنا بكل خفة تأملية فلا نتوهم ان تلك القرون كانت قرون جهل و أن قروننا هي قرون حداثة، مدفوعا بنية معرفة الإنسان في أفق إنسانيته بعيدا عن اي تعالي نظري تطرحه نظرية الإستشراق، و مقتربا في ذات الاوان من حرارة الحدوث و كأني العب لعبة "فيديو قيم" للحرب الإستراتيجية فيتحول الهاتف في يدي إلى سيف او رمح او سرج خيل أقاتل به في الايام البعيدة.
دعونا نذهب إلى هناك تحت سؤال آني و هو العلاقة بين المدينة و حياة الريف، بين الرعاة و المزاراعين، بين موظفي المعرفة من اساتذة و باحثين و علماء نفس و بين المخترعين و المفكرين و الشعراء الملهمين،بين مؤسسات الجيش و عصابات الغابات و الجبال، بين قطط المنازل و قطط الشوارع، بين اللفظ و المعنى.
قاصدين تتبع روح الطبيعة الحرة و هي تتصير رويدا رويدا في صورة المؤسسة، باحثين عن ذلك البريق الملهم الحر و الأصيل، البريق الذي لو دجن في مهده لما برق، ملهمين بتتبع ذلك الذي لم يأتي بعد.
احب هذه الافكار و هي تتراكض امامي بهكذا شاعرية و سمو، لكنني ساهبط على السهوب الأسيوية الوسطى في القرن الثالث عشر متأملا مسارا توسعيا شاسعا غمر جناحي الشرق و اسباب خفوت تلك التجربه مقارنة بتجربة شبيهة حدثت في القرن السابع عشر و استمرت متألقة حتى يومنا هذا.
لن اكرر المكرر، لكن كما هو معلوم فالقبائل التي إستوطنت اسيا الوسطى هي قبائل المغول و التتار و هم اقرباء الاتراك، و هي قبائل رعوية إعتمدت في حياتها على الصيد مما اكسبها مهارة فطرية في القنص و ركوب الخيل، لم يكن لهذه القبائل الشرسة و المتنقله اي أثر حضاري إلى ان ظهر الفتى جنكيز خان الذي كان يتيم الأب بعد ان قتل التتر والده الذي إختطف أمه من زوجها و تزوجها.
هذا الجنكيز خان كان مدفوعا بذلك الحلم المغولي الساكن في كل العقول الرعوية في إمتلاك العالم، حتى لا يضطروا لإنتظار مواسم الرعي و التنقل في مسارات معينة، العالم في ذهن الرعوي ممتد و عليه ان يبقى ممتدا، حياة الرعوي هي حياة نبوية بإمتياز عامرة بالوحدة و الشجن الخاص و موسيقى الفلوت، حياة قاسية و باردة كسهوب اسيا الوسطى، حياة تندر فيها الطاقة المزروعة فتتحول برمتها إلى صراع شرس على الطاقة المتنقله، حياة اخطار و لقاءات بالذئاب و الأسود و الافاعي، كل ذلك سيقودنا لتخيل احد الجنود المغول و هو يقطع رأس طفل خائف، قاصدين بذلك معرفة "نوع ذلك العنف"، عنف البادية، يديها الخفيتين في عجن مكوناتها و إعادة توزيعها في صيرورة إستيلادها و إفنائها المستمره.
ثم لقاء البادية بالمدينة، اللقاء الشرس اول الأمر الذي سيحول البادية في النهاية إلى اسد مروض، اندفاعة من الدماء الجديدة في رحم المدينة، انياب الطيب صالح في جسد جين موريس.
متأملين في ذلك كله تاريخ الحركة لا تاريخ الوقوع و الشواهد و الاسماء و "كان".
للمدينة عنفها كذلك، عنفها المدروء بطواحين عنف أخرى، حفلة إدارية تقام على شرف مواطنها المنقاد في ساقيتها البطيئة.
عنفها القاتل ضد حرية الروح و توثب المعنى، عنفها الشرس الذي لا يحتمل الإحتمالات و الصيرورات و الخيالات و الإندفاعات المباغته، عنف جامعاتها و سينماها و مطابعها، عنف تحويل الحقيقة إلى منتج إستهلاكي.
الحلم الوحدوي المغولي تجسد في روح جنكيز خان، انها وحدة كان ثمنها الدم، لإن اليدين الخفيتين للبرية في الجمع و التفرقه إسمها ظهور الخيل و السيوف، اليدين الخفيتين للمدينة اعقد من ذلك، فالمدينة ماكينة ضخمة و معقدة من العلاقات و صيرورتها حساسة و متغيرة و إن كانت مكبوحة في سقف معين اقول ذلك و في ذهني دون شك الديموقراطيات الغربية، لكنها ليست بوضوح البادية في التمزيق و الجمع.
نجح جنكيز خان في إمتلاك الشرط الخفي الذي تحدد به البرية من يملك زمامها، و كان له حلمه بإمتلاك العالم.
نقصان جنكيز بعكس تجربة النبي محمد أن جنكيز لم يطور حلمه، لم يبلوره كتشريعات مقدسة، هذا راجع إلى روح اسيا الوسطى تجاه مسألة الدين المغايرة للروح الشرق اوسطية في النظر إلى الدين بوصفه "كل شئ".
هذا نراه واضحا في الديانة البوذية مثلا المنتشره في تلك السهوب، لم يكن تدينا مفارقا للعشب الذي تأكل منه مأشيتهم، كان تدينا مشابها لتلك السهوب من حيث الشساعة و تأمل الصيرورة و هي تفعل فعلها بجلاء، لذلك فلم يكن للغيب حضوره المطلق في أذهانهم، كان غيبهم مكشوفا.
اقصى ما وصل المغول إليه هو قانونهم "الياسا" و هو قانون العشيرة، القانون الذي لم تصقله اي تجربة نبوية ليصبح قانون الله، كان يطبق بمنطق القوي المنتصر، لا بوصفه قانون يطبقه المنتصر عليه على نفسه تقربا إلى الله.
فلا عجب ان خفت المغول بمجرد خفوت جيوشهم بعكس الإسلام الذي حملت رسالته حضارتين كبيرتين بعد خفوت العرب و سقوط بغداد.
بسرعة البرق تمكنت تلك القبائل البدوية من إجتياح الكوكب و هنا تعقدت القصة أكبر.
الماء المغولي وجد نفسه مصبوبا في اواني مشرقية إلاههها و مسيحها و كعبتها بالنسبة لها كل شئ، سدت عليهم البيبان التي لم يذاكروها جيدا، و وجدوا نفسهم في قاعة الايكزام حيارى و لا حل لهم سوى ان ينقلوا ممن كانوا جوارهم...احسنت..العرب.
الإسلام كان هو الأقرب للمغول لإنه هو الأخر نشاء و ترعرع في جو رعوي مع فارق أن الإسلام يمتلك تاريخا مشتركا و لاهوتا عميقا عبر إنخراطه في فضاء الحوار اليهودي المسيحي و مقترحاته التجديدية و التوافقية على هاتين الديانتين، الرسول كان مثقفا جدا و كان صديقه ورقة بن نوفل احد المسيحين الأبيونيين، الرسول نشاء في ثراء معرفي عبر رحلاته التجارية صوب الشمال و الجنوب حيث تنتشر صوامع الرهبان و مطوياتهم.
مشروع الرسول كان أنضج لإنه لم يبداء بالغزو و الجهاد بل لإنه ذاكر جيدا و سد باب غار حراء عليه جيدا، الرسول إبن البادية و حرارتها و الملتقي بالمدينة و همومها الروحية، بثقة نقول أن التجديد النبوي كان شبيها بتألق طائر خرج من قفصه و حلق في السماء.
اعاد ترتيب الاسماء و القصص على رمل مكة الشاسع، هناك حيث يكون الفرد حرا في أن يعتنق او ان لا يعتنق فالكل مسئول عن نفسه و عن رزقه، فلم يكن مجبرا على أعتناق نظرية معينة ليعين خلفا لإستاذه في الكلية، او مصدقا بتصور معين للرب و المسيح او تفسير بعينه للقرأن ليعين قسا او قاضيا شرعيا.
نهل الرسول من ثقافة المدينة ناشرا اياها في شساعة الصحراء، فلما عاد إليها إستقبلته على أفرع النخيل و في يده المحلول الكيميائي السحري لمداوة اللاهوت الإبراهيمي في تجليه المحمدي العربي، لم يعودوا اغرابا على الله فمرحبا يا خير داع.
كان إندفاعا ينقصه التأطير الفلسفي و التجربة الروحية الحق التي تجعل جنكيز معبود قومه، الرجل كان مشبعا بالحلم المغولي دون ان يشتغل على ذلك الحلم و يدأب على نحت صخوره.
القرآن كانت لديه هواجس قديمة تجاه هؤلاء القوم، ذلك و أن القوم هم أبناء عمومتهم و ابناء ذات جغرافيتهم و خيلهم و ماشيتهم و إبلهم، القرآن يرى نفسه في وجوه الأخرين لإنه جزء و جزء مهم من الشهادة على الوقائع و التواريخ من جهة و على إتصال خيط المنطق في كل الأزمنة، منطق النفس البشرية.
تجلى ذلك في سورة الكهف و هو يتحدث عن ياجوح و ماجوج الذين يظهرون عند البحيرة الزرقاء و يجتاحون الصين و سورها ثم يصلون إلى بغداد و يدخلون كل الاماكن عدا مكة و المدينة، ذلك و أن القرآن هو إبن ذات القبيلة و فيه من الإستبصار ما يجعله فاهما لمسيرة أشباهه في ضوء مسيرته هو.
و ما زال السؤال القديم الجديد قائما، لإن الحياة ما زالت قائمة، السؤال عن الذي لم يأتي، بارق الضوء الساطع الخارج من بادية المدينة او مدينة البادية، من فضاء القبيلة لفضاء الدولة و من فضاء الدولة لعصبية القبيلة التي لولاها ما بنيت الدولة، من الطاقة المهولة إلى الكتلة المحدودة.
الدفعة القادمة من مكة او من دكة في شارع حميم، الحركة الخاطفة في الإمتداد التي ستخرج الشوارع من مللها و المؤسسات من ركود الحقيقة المدجنة فيها.
الحقيقة التي لا تظهر نفسها إلا في الحركة تاركة لما ورأها عبء تقليد تلك الحركة ظنا منهم انها الحقيقة و ما دروا ان الحركة هي الأثر.. أثر الفوتون.. أثر الحقيقة.
إذا هو تكرار غبطتنا بالقديم الجديد، بحثا و تنقيبا عن الخفي المفارق، ممارسة لإنفسنا في الحياة بوصفنا منذورون لغيرنا، لإننا ب الأساس غيرنا.


إحالات :
اللاهوت العربي و اصول العنف الديني/يوسف زيدان.
عصر المغول / جورج لاين.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,523,159,983
- فوكو نيتشويا
- من حداثة التقليد إلى حداثة التأويل
- تأملات في مشروع محمد أركون
- الاحتفاظ و الإنتشار.. تصور جديد للمرأة و الرجل
- تأملات في سورة القدر
- الحزب الشيوعي السوداني من المؤسسة إلى الرمز
- الوحي
- الوجه الباطني للإسلام
- سلطة الجسد الأنثوي.. بين ميشيل فوكو و عابد الجابري
- تأويل الجنس
- قراءة ما بعد بنيوية للقران....هكذا فهمت محمد اركون
- سورة الكهف..قرأة ما بعد بنيوية
- ما بعد الليبرالية...ما بعد الحداثة
- وهم العصيانات المدنية
- قداسة التدوين القرآني و ارادة السلطة
- نقل اللفظ القرأني الى المعنى العلماني
- الجنس في الجماعات الطهرانية -اتباع محمود محمد طه مثالا-
- الدين الصالح لكل زمان
- من عقلية الشورى الى عقلية الديموقراطية
- التغريبة العلمانية


المزيد.....




- الانتخابات الاسرائيلية: أحزاب عربية تدعم بيني غانتس في مواجه ...
- تلاميذ مدارس ثانوية.. عقدوا العزم أن تحيا الجزائر
- بالفيديو... الصحف العالمية تبرز إنقاذ حارس إنبي -الخرافي- أم ...
- كيف يتعامل الأميركيون مع صحتهم؟
- حجب جزئي لموقع -الحرة- في مصر 
- أمير قطر يزور أمير الكويت في مقر إقامته بنيويورك
- سناتور مقرب من ترامب يقول إنه يحاول إعادة تركيا لبرنامج المق ...
- فرنسا تقول إن الحد من التوتر بين أمريكا وإيران على رأس أولوي ...
- نصر الله: النظام السعودي في مراحله الأخيرة
- -رويترز-: السعودية ستقدم أدلة في نيويورك لاتخاذ إجراء منسق ل ...


المزيد.....

- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثامنة: القطاع ... / غازي الصوراني
- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا
- حول دور البروليتاريا المنحدرة من الريف في ثقافة المدن. -3- ا ... / فلاح علوان
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الرابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- إيران والخليج ..تحديات وعقبات / سامح عسكر
- رواية " المعتزِل الرهباني " / السعيد عبدالغني
- الردة في الإسلام / حسن خليل غريب
- انواع الشخصيات السردية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الغاء الهوية المحلية في الرواية / د. جعفر جمعة زبون علي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطيب عبد السلام - بين العرب و المغول - تأملات جديدة في حاضر التاريخ