أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راتب شعبو - ما وراء الطعوم














المزيد.....

ما وراء الطعوم


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6345 - 2019 / 9 / 8 - 16:31
المحور: الادب والفن
    


في الطعوم تعيش أماكن ووجوه وقصص، يختبئ زمن وتفاصيل. في الطعوم توجد ألوان ودروب وأصوات بعيدة، وتنتشر انطباعات سريعة الزوال ولكنها لا تزول. للطعم الواحد امتدادات شخصية خفية.
الإجاصة الناضجة لا تخبئ في انسيابها الرزين مجرد مادة بيضاء هشة تمنحك ذاتها حين تشاء، لتعطيك طعمها المميز، بل تخبئ أيضاً صورة الشجرة التي فاضت عن قسمة الميراث فبقيت ملكية جماعية تجمع أطفال العائلات. صورة شجرة كبيرة بجذع خشن مائل إلى جهة غروب الشمس، وبأوراق سميكة متعبة مشققة الحواف ذات لون أخضر غامق، وثمار تتخلى ببطء، تحت إصرار الصيف، عن قسوتها الحجرية لتتحول إلى خزان لين من طعم فريد لا تجيد صناعته شجرة أخرى.
طعم الإجاص يفتح في لحظة واحدة عالم من الصور. الرجل الذي يتجه إلى الحقول ببارودة صيد وقبعة قش، المرأة التي تسرع صوب النبع وقد علقت طرف فستانها تحت الزنار، كي لا يعيق خطوتها الواسعة، الدجاجة الحمراء الكبيرة التي تتهرب من محاولات المرأة العجوز سوقها إلى القن، الأطفال الذين يفقدون صبرهم من انتظار نضج الإجاص، فيقطفونه فجاً ويحاولون تليين قسوته بالحجارة. الإجاصة في كل مكان تمتلك القدرة على إعادتك في الزمن، وسوف تجد نفسك مأسوراً لعالم قديم متمكن وجميل. طعم الإجاص يحتكر له مكاناً خالداً في داخلك ليس كطعم بل كذكريات تغذيك بمتعة البدايات وبشوق غامض إلى عالم مضى ولكنك تخاله قادماً ووشيكاً.
كل ثمار الخوخ السوداء الريانة، لها منبع واحد. كل ثمار الخوخ تعود في أصلها إلى ذلك البستان المجاور للنهر. وكل شجرة خوخ لا تنحني فروعها تحت ثقل الثمار، على شكل أنصاف أقواس باتجاه الأرض، إنما تخالف وتنحرف عن صورة الخوخ الصحيحة. لا يمكن لطعم الخوخ الأسود العطر أن لا يستحضر إلى الذاكرة نهراً صغيراً، ورجلاً مسناً قاسي الملامح محني الظهر، يلاحقنا بعصاه وبكلامه البذيء وتهديداته، كي يبعدنا عن قطف الخوخ من بستانه الصغير ذاك. لا يمكن لطعم الخوخ الأسود أن يكون بريئاً من هذه العوالق التي تعطيه ما يجعله أكثر من طعم. كيف لطعم الخوخ الأسود أن يكتمل ما لم يحرر في الذهن صورة أطفال يناديهم في الصيف شوق الخوخ فيتجهون راكضين إلى ذاك البستان وينكفئون راكضين تلاحقهم التهديدات والشتائم.
أما الأصل الأول لثمرة الكمثرى الخمرية ذات الزغب، فهي شجيرة ذات أغصان ضاربة إلى الحمرة وأوراق خضراء باهته مطوية على نفسها كقارب صغير، تنتصب قريباً من النبع بكبرياء من يدرك قيمة نفسه. تلك الشجيرة جعلتني أدرك أن في العالم طعم ونكهة على هذا القدر من التميز والأسر. لم يكن لمثل هذه الشجرة وجود في محيطنا، ولا أدري من أين جلب عمي هذه الغرسة التي لا مثيل لها في المنطقة، على قدر معرفة ذلك الطفل. في الزمن التالي صارت مهمة ثمرة الكمثرى أينما كانت، أن تعيدني إلى تلك البقعة من الأرض، وأن تطلق في خيالي صوراً لا تهدأ مثل رف من العصافير اللاهية. طعم هذه الثمرة الساحرة الفريدة بلونها الخمري المتدرج، وبزغبها الناعم وامتلائها، وبالأخدود اللطيف المتشكل من التقاء فلقتيها، وبنواتها القاسية ذات الحفر والتلافيف، يحرر سيلاً من الانطباعات الشخصية. لكل شخص طعمه الخاص من الكمثرى.
كيف يمكن لطعم العنب الأصفر أن لا يعيدك إلى التخوم التي ترسمها أشجار الحور العالية المحروسة جذوعها بشجيرات الآس؟ ما قيمة طعم العنب الأصفر ما لم يفتح لك طريقاً إلى صوت الخرير المتراخي للساقية المجاورة؟ ما قيمة الطعم مجرداً من الذكريات؟ كل عنب أصفر لا ينضج عالياً على أشجار الحور هو عنب ناقص. وكل دالية عنب لا تؤاخي شجرة حور عالية هي دالية ناقصة. تماماً كما أن جمال الحور لا يكتمل إلا حين تتكشف بين أوراقه عناقيد عنب صفراء لامعة. التجاور بين العنب والحور يجعل طعم العنب نافذة على عالم من الأسماء والرسوم المحفورة على الحور. أسماء يابسة على جذوع الحور، لا تريد سوى أن تؤكد حضورها الحيادي، أو حروف لاتينية عاشقة موزعة على أطراف أسهم تخترق قلوباً، أو تشكيلات مبتكرة تجمع حرفين لاتينيين عاشقين معاً دون وساطات.
على أن بين الطعوم ممرات خفية لا تبدو إلا للعين التي يفتحها الحرمان. سوف تكتشف بتأثير الافتقاد أن طعم الخيار حين يذوي يقلد طعم التين الأخضر، وأن طعم الزيتون حين يجف في الصحن يذهب باتجاه طعم البطم الأزرق، وأن نكهة العنب عند نضوجه الأول، أو حين يحاول أن يثمر من جديد في الموسم نفسه، يقلد نكهة الجارنك.
وفي كل حال، تبقى الطعوم نوافذ ومفاتيح ودروب سالكة، وتبقى حافلة بعوالق تعطي للطعوم المعنى والعمق والقيمة التي تبقى من دونها مجرد طعوم.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,523,136,128
- قصتنا العسيرة
- في قصة نزاهة الرئيس وفساد الحاشية
- علمانية على هدي الرسول محمد
- نافذة في النافذة
- جبهة النصرة في تحولها أخيرا
- مقطع من المعارضة في ظل حافظ الأسد
- ماتريوشكا الممانعة
- مأزق لحاق الأقليات بالثورة السورية
- معركة الساحل الثالثة، خيار خاطئ
- لون جديد
- عن الانتفاضات العربية ومآلاتها
- من الرئيس إلى البلد.. والمعنى واحد
- منطقان في الثورة السورية
- من التشبيح الاقتصادي إلى التشبيح السياسي
- نظام قتل عالمي
- رحلة شيوعي صغير
- منكوبون ولامبالون
- تسلية مأساوية
- الخطاب الموالي للنظام السوري: مواجهة الداخل بالخارج (2)
- الخطاب الموالي للنظام السوري: مواجهة الداخل بالخارج (1)


المزيد.....




- موراتينوس يشكر جلالة الملك
- مؤسسة الدوحة للأفلام.. من قلب قطر إلى الأوسكار وكان
- 3 قراءات لاستفسار جلالة الملك للعثماني
- باولو كويلو يستذكر ألم الاختفاء.. حكاية تحذيرية من الدكتاتور ...
- وفاة الممثل والمسرحي احمد الصعري
- حظر فيلم للنجمة جينيفر لوبيز في ماليزيا بسبب -مشاهد إباحية- ...
- خيال وكوميديا.. كيف تناولت أفلام هوليود مرض ألزهايمر؟
- مع الوعد تنطفئ شمعتي
- نزار بركة : الخروج من الأزمة يفرض تفكيرا مغربيا خالصا
- أخنوش من أكادير: باقون في الحكومة.. وها علاش البيجيدي -تاي ...


المزيد.....

- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام
- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راتب شعبو - ما وراء الطعوم