أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كاظم الموسوي - وصمة الإحتلال وصناعة الفشل















المزيد.....


وصمة الإحتلال وصناعة الفشل


كاظم الموسوي

الحوار المتمدن-العدد: 6340 - 2019 / 9 / 3 - 16:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


(1)
هذا عنوان كتاب من تأليف الدكتور گوران طالباني، وعنوانه الفرعي، اسرار وخفايا الحملة الأمريكية لإسقاط صدام، صدر اواخر عام 2018 عن الدار العربية للعلوم- ناشرون اللبنانية، في جزأين في 966 صفحة من القطع الكبير. وهو عنوان ملفت للإنتباه، في معناه ودلالته، وفي دور مؤلفه، واضعه ومقدمه للناس بعد تجربة وممارسة أوصلته إليه. حيث لا يتفاجا القاريء بعد القراءة للكتاب، عرض التجربة، بما انتهى إليه مؤلفه، أو اشترك مع غيره في الوصول اليه، وصمة الإحتلال وصناعة فشل السياسة الأمريكية خصوصاً. إذ لا يختلف اليوم على وصمة الإحتلال، اسما وفعلا، ولكل من اوصل البلاد اليها، من مهد الطريق أو يسر السبيل أو أسهم في التخطيط والتنفيذ، وصولا إلى الصدمة/ الوصمة ومن ثم اكتشاف الفشل والخيبة وما أنتج بتأثيرها من دمار وخراب وضحايا، مازالت سباباتها مرفوعة تلعن وتطالب بالقصاص لها، لشعب ووطن.
وضع المؤلف في تقديمه مبررات اختياراته، وانشغالاته التي نقلته من اختصاصاته العلمية الطبية المتفوق بها إلى السياسة والعمل التنظيمي، رغم أنه ابن عائلة حزبية يسارية تاريخيا. ولخص الفصول التي ضمها في كتابه، شهادته. وسرد في تقديمه الأسباب التي أوصلته الى تسجيل هذه الصفحات للتاريخ. وفي الفصول الثلاث عشرة تفاصيل كثيرة عن تلك الفترة وما سبقها وصولا اليها، وعودة إلى ماض واستمرار الى حاضر أسهم بدور له فيه، اي انه حاول في هذه الصفحات تسجيل مرحلة تاريخية له فيها شهادته.
اختصر ما أورده في فصوله في المقدمة ايضا، إذ تناول في الفصل الاول التاريخ الحضاري العميق لبلاد الرافدين الذي كان مهد الحضارات البشرية الأولى والذي انبثق منه مقومات التقدم البشري اللاحق. وتناول في الفصل الثاني التاريخ العربي الإسلامي على العراق وبضمنه تأثير الدولة العثمانية في خمسة قرون كاملة. حيث "يعتقد المؤلف بضرورة سرد هذه الخلفيات الحضارية والتاريخية المهمة من أجل فهم الواقع العراقي ورؤية الأحداث العراقية من هذا المنظور المهم". وفي الفصل الثالث كتب عن إعادة تأسيس العراق الحديث بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية والتعقيدات التي رافقت الحدث وما تركته على العملية السياسية والدستورية في الدولة المتشكلة، "فهي الدولة الوحيدة في العالم التي تشكل فيها الجيش قبل الدولة نفسها بثمانية أشهر". واستمر الفصل في الكتابة عن تعاقب الحكومات التي توالت على العراق حتى الغزو الاخير. أما الفصل الرابع فتناول الحروب التي أشعلها نظام صدام حسين والممارسات الاستبدادية والأسلحة الكيمياوية التي استخدمها في عمليات الانفال واستمرارها في قمع الانتفاضات الشعبية، في جنوب الوطن أو شماله. وتابع في الفصل الخامس "تعافي صدام ونظامه خلال السبعينيات بالرغم من جرائمه وشنه حربين كبيرتين على جيرانه", وتطرق إلى الأسباب الرئيسية لذلك بدءاً بعدم فاعلية قوى وأحزاب المعارضة العراقية وانقساماتها على نفسها وتبعيتها للقوى الإقليمية وميوعة المواقف الدولية. وسرد في الفصل السادس أحداث تشكيل المؤتمر الوطني العراقي وتشابك العلاقات في التسعينيات. وتطرق إلى "كيفية اقتصار علاقات أحزاب المعارضة بالأجهزة الاستخباراتية لمختلف الدول واعتماد صيغة العلاقات السرية"، واحداث الحرب الكردية الداخلية وشرذمة العمل العراقي المعارض. مستخدما مصطلح احتلال في استنتاجه، " التي أدت إلى احتلال اربيل والانحسار شبه الكامل للمعارضة واشتداد أزمة الثقة بين القوى العراقية". وشرح الفصل السابع حالة الإنهيار والإحباط شبه الكامل التي هيمنت على القضية العراقية بعد الانتكاسات والاخفاقات التي نكبت بها في منتصف التسعينيات. وواصل شرح نشاط مجموعة صغيرة من العراقيين لإحياء العمل المعارض على أسس ومقومات جديدة. وهي المجموعة التي عمل المؤلف ضمنها وسماها بمجموعة المؤتمر ودورها في ترك العمل السري الى علنية العلاقات مع أصحاب القرار في المؤسسات الأمريكية.
أما الفصل الثامن فتناول صعود الحزب الجمهوري الى الحكم في الولايات المتحدة، و"استلام بعض الشخصيات المهمة التي كانت قريبة جدا من مجموعة المؤتمر، (حيث قامت المجموعة بمعاونتها في رسم سياسات الحزب تجاه القضية العراقية)." واسهب الفصل التاسع في شرح تطورات الأحداث خلال السنة التي سبقت الحرب، كما يسميها المؤلف، على الأصعدة المختلفة. أمريكيا حول الصراع بين الدوائر التي لها خططها في التغيير والتحولات، وعراقيا داخل اوضاع المعارضة والنظام. وهو ما ذكره الفصل العاشر، في تفاصيل الأحداث في الأيام الأخيرة قبل الحرب، وما دار بين معسكرين في القرار السياسي، وسير العمليات العسكرية عموما، ومواقف بعض الأحزاب العراقية من التطورات والمستجدات. وتناول الفصل الحادي عشر ما سماه المؤلف، العراق " المحرر" المحتل من قبل سلطة التحالف، وظهور بوادر هيمنة المجموعة الأمريكية المعارضة لاستلام العراقيين السلطة في المرحلة الانتقالية، وتحويل "عملية التحرير (التي أعلنها الرئيس الأمريكي في بداية العمليات الحربية) إلى عملية احتلال ليعيد الامريكان بذلك الخطأ نفسه الذي ارتكبته بريطانيا قبل ثمانين عاما، واعتبرها المؤلف النقطة الحاسمة في فشل المشروع الأمريكي.
في الفصل الثاني عشر شرح المؤلف الدور الرئيس للحاكم الأمريكي بول بريمر في "صناعة الفشل وقراراته الاعتباطية وفشله في كل شيء ابتداء من معالجة الوضع الأمني واستئناف الخدمات العامة ودوره في تعثر وتشويه العملية السياسية من جهة وانتهاء باستخفافه بالأحزاب السياسية وقادتها". وتناول تأسيس مجلس الحكم وتفاصيل أعماله. بينما تناول الفصل الثالث عشر حيثيات وتفاصيل انتقال السلطة إلى العراقيين بأمر من واشنطن فرض على بريمر، وتعيين مندوب امريكي لتسريع النقل ومراقبة بريمر، وكذلك ممثل للأمين العام للأمم المتحدة. كما تطرق إلى "بعض الأحداث كاعتقال صدام والهجوم على الفلوجة ومحاولة اعتقال مقتدى الصدر، وعرقلة التحقيق في برنامج النفط مقابل الغذاء وفضيحة ابو غريب "، وانتهى الفصل بخروج بريمر من العراق، " الذي برع في صناعة فشل المشروع الأمريكي في العراق".
ووعد المؤلف بوثائق مهمة وصور لم يتمكن من نشرها بسبب حجم الكتاب، إلى إصدارها منفصلة لإكمال الصورة وتوثيقها. وختم بعد هذه الصفحات بأن كتابه محاولة "لعرض الأحداث والحقائق الكاملة"، ومنها " الأسباب الحقيقية لفشل المشروع الذي كان مؤملا أن يكون البداية لبناء العراق الجديد وهي أسباب معقدة ومتداخلة ناشئة من قرارات أمريكية قاتلة من جهة ومن مواقف غير صائبة واخفاقات كبيرة من القيادة العراقية التي فشلت في فهم الواقع السياسي الأمريكي والدولي".
(2)
بالعودة للعنوان الكبير، وصمة الإحتلال وصناعة الفشل، واسرار وخفايا الحملة الأمريكية لإسقاط صدام، يطلع القاريء على محاولات المؤلف في الكشف والسرد والعرض كما رآها هو وفي إطار مشاركته في مجموعة عمل عراقية، نشطت في برنامج عملها مع برامج وخطط امريكية، خاصة بعد مجيء الحزب الجمهوري للبيت الأبيض وقيادة ما سمي بالمحافظين الجدد لإدارة ابرز الأجهزة والمؤسسات التنفيذية الأمريكية. ولهذا سنتجاوز الفصول الخمسة الاولى، 260 صفحة من الكتاب، لنصل إلى ما يتصل مباشرة بالعنوان، رغم أهمية صفحات التاريخ التي استعرضها المؤلف، والتي قد يناقش فيها ايضا، الا أن السير إلى العنوان المباشر يعطي معلومات إضافية للفترة التاريخية وللقاريء المتابع.
اهتم المؤلف بإبراز الصراعات الداخلية، سواء داخل المؤسسات الأمريكية أو فصائل المعارضة العراقية، وكشف طبيعتها وتاثيرها على العمل السياسي، والعلاقات الأمريكية العراقية، من جهة وعلى نشاط مجموعته وباقي القوى العراقية المعارضة من جهة اخرى. مشيدا بعلاقة مجموعته لأبرز عناصر المحافظين الجدد الذين استلموا مواقع مهمة في مؤسسات الإدارة الأمريكية والسياسات التي تمكنت مجموعته من الاستشارة بها والدفع إليها. واضعا في الخلافات والصراعات وتفرد قيادات أو رهان صلات او تخادم أسباب الفشل أو صناعته. ولعل هذه الانقسامات والصراعات التي يمكن تسميتها وتقسيمها الى الداخلية والخارجية من أهم أسباب ما وصل إليه المؤلف والمشروع الأمريكي. وهي خلافات وقناعات وممارسات لها نتائجها على ما حدث ويحدث في العراق، عرضها المؤلف أو وثقها بالاسماء والتاريخ والنتائج، وفيها أو عليها أسئلة وتساؤلات، تبدأ بكيف ومَن ولماذا ولا تنتهي بكل ادوات الاستفهام. وتركز على مرحلة من تاريخ العراق ودور كل طرف ممن أراد أن يكون في إطار المشهد العام في العراق.
مثلا ذكر المؤلف في صفحة 492 "كانت إحدى تداعيات عداء الخارجية ووكالة المخابرات للتعاون مع عراقيي المنفى هو موضوع تشكيل حكومة عراقية مؤقتة والتعاون العسكري والامني والسياسي معهم. وفي آذار 2002 رجعت هذه الفكرة إلى الصدارة بمبادرة من بول ولفويتز حيث أقترح أن يتم إعداد دراسة حول تدريب العراقيين لمساعدة القوات الأمريكية أثناء الحرب ومن ثم قيامهم بواجبات حفظ الأمن وكذلك فكرة تشكيل حكومة عراقية مؤقتة تستلم السلطة بعد الاطاحة بالنظام". ثم كتب في ص500 "ختمت رايس (مستشارة الأمن القومي) التقرير بالقول المتناقض بأن امريكا يجب أن تدخل كمحرر ولكن رجعت للقول بأنه يجب على امريكا أن تقود السلطة في العراق في البداية، بالرغم من أن العراقيين سيرون هذه الخطوة كاحتلال امبريالي جديد، حسب تعبيرها". وهذا أمر يلفت الإنتباه، ولم يحلل سياسيا أو يسلط ضوء اوسع عليه بسبب نتائجه الكارثية، أو نقد وتفنيد الخطط التي أضرت بمصالح الشعب العراقي الاستراتيجية ونهب ثرواته، وتحميل المسؤولية القانونية والتاريخية للجهات التي أقدمت أو ارتكبت ما آل إليه الوضع والأحداث. رغم أن الصفحات وثقت بعض مواقف داخلية وبالاسماء ولكنها ظلت في مجالها أو محيطها غير المؤثر اساسا.
حاول المؤلف التأكيد على وجود صراعات داخل المؤسسات الامريكية، وبالمقابل صراعات داخل المعارضة العراقية، في صفحات أو فصول عديدة من خلال المواقف والرهانات والارتباطات الخارجية، (ص 634 مثلا وما بعدها) وفيها صور ومشاهد عن تحضيرات وتخادمات ورغبات سهلت الغزو والاحتلال وكشفت النوايا والتوجهات. وفي كل الأحوال تم غزو العراق واقرار احتلاله. وهو ما ثبته الكتاب في فصوله، أو يومياته وما آلت إليه الأوضاع في العراق. لاسيما بعد استلام السفير بول بريمر مهامه في السيطرة على العراق، وتصريحه خلال مقابلة مع التلفزيون البريطاني في 29 حزيران 2003 "نحن نسيطر على المشهد ونحن سنواصل فرض رغباتنا على هذا البلد" (ص727 ). وفعلا حكم بريمر احتلال العراق بقراراته وبمشاركة او رضا المتعاونين معه أو مع أسياده. ورغم الخلافات بين الأطراف السياسية الا ان الوقائع تشهد وتوصم. وهو ما سرب ونشر في8 تشرين الثاني بالتفاصيل عن أعضاء مجلس الحكم في جريدة واشنطن بوست، "حيث قالت بأن معظم أعضاء المجلس لا يحظرون الاجتماعات النصف أسبوعية ولا يعرفون ما يقوم به وزراؤهم وهم غافلون عن القوانين التي تم تشريعها وان أعضاء المجلس عينوا اقرباءهم كوزراء حيث أن مسعود بارزاني عين خاله هوشيار زيباري كوزير وجلال طالباني عين عديله لطيف رشيد كوزير وان اياد علاوي عين قريبه نوري البدران وأحمد الجلبي عين قريبه علي علاوي كوزير للدفاع ومحمد بحر العلوم عين ابنه أبراهيم كوزير للنفط ونصير الجادرجي عين قريبه هاشم الشبلي كوزير للعدل بينما عين غازي الياور ابن عمه عبد الباسط تركي وزيرا لحقوق الإنسان" (ص(826 . ومع كل هذا اختصر المؤلف في الخاتمة وجهة نظره الشخصية أو رغبته في مسار أو سير الأحداث وكيف اصبحت وصمة وانتهت الى الفشل.
ختم المؤلف برسم صورة تراجيكوميدية في صفحة 898 عن المقرر والمفروض أن تقام مراسم احتفالية في بغداد في 30 حزيران بمشاركة الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني لتسليم السلطة إلى العراقيين وتاجيل اجتماع قمة حلف الناتو السنوية ليتسنى للرئيس الأمريكي الحضور، بينما ما حصل هو تسليم بريمر رسالة التنازل عن السيادة الى رئيس المحكمة العراقية العليا في طقوس سرية دامت 10 دقائق فقط في مكان سري. ومن عمان التي وصلها بطائرة سي 130 كتب إلى زوجته فرانسيس يخبرها بأنه "سالم وحر وفي طريقه إلى البيت". وسجل المؤلف "أنهى بريمر بذلك حكمه العراق الذي تسبب بمآس ستبقى آثارها السيئة لأجيال عديدة قادمة"(ص898). من هذا الحكم وما ضمته الصفحات العديدة عن المسؤوليات وما حدث وجرى في العراق والضحايا الأبرياء ومحنة الحرب وتوابعها وتداعياتها، تبرز أسئلة أخرى مثل مَن يتحمل المسؤولية واين هي العدالة والقانون الإنساني الدولي، وحقوق الشعب العراقي وهل تكفي الإدانة اللفظية؟.
قال حينها أمين عام الأمم المتحدة كوفي عنان، بلا شرعية الحرب على العراق، وأكد مثله النائب العام البريطاني في رسالته إلى رئيس الوزراء البريطاني كما عارض البرلمان البريطاني والشوارع العالمية. أن المأساة لا تنتهي بالقول أو التعبير عنها إذ لابد من المحاكمة لها، ولعل ما أورده المؤلف من توثيق يقدم دليلاً، أو بعض دليل وشهادة.
3))
يلخص المؤلف في فصل الخاتمة الذي يبدأ من صفحة 901 ما عرضه أو أراد الختام به ومن قراءته يتوضح تاثره بمثل ما أشار عن السياسة الأمريكية وأغلب السياسيين الأمريكان في تناقض الخطاب وتعارض المواقف. فيبدأها بالقول عن الحرب على أفغانستان واحتلاله وتدمير دولته بقرار من مجلس الامن الدولي. بينما الحرب على العراق لم تحصل على قرار دولي كما أشرنا واعتمدت الغزو ومن ثم الإحتلال على أسباب لخصها المؤلف بأربعة لم تثبت أو تحاكم اغلبها عمليا. ومن هنا تبدأ مأساة العراق الوطنية والعاملين في العمل السياسي الذين يرفعون شعارات لإنقاذه بالتخادم مع قوى إمبريالية عالمية، لها مصالحها واهدافها العدوانية وسياسات الهيمنة والسيطرة بلا أي حدود، وتطرح مواقف لفظية تدعيها أو توظف لها من ابناء البلدان التي ابتليت بها. كما حاول المؤلف شرح تجربته أو توصيفها، وهي صالحة لكل من دخل بمثل هذا المسار من المعارضين أو المعترضين الذين يتورطون في الرهان على دول خارجية وخطط تدمير بلدانهم وشعوبهم في غفلة منهم أو في وعي مريض.
تميز المعارضون المراهنون على غيرهم، بروح المبالغة المنفلتة، وهي ظاهرة عامة، لا تخص العراقيين وحدهم، وفقدان الرؤية الاستراتيجية في عملية التغيير وانهاء الاستبداد والدكتاتورية وبناء دولة القانون والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. ويمكنهم تسطير شواهد كثيرة على ما حدث وحصل قبل الغزو ودوافعهم في العمل السياسي المعارض لنظام وحشي في ممارساته واستبداده إلى درجة كبيرة لا تحتاج إلى توصيف خارجي له. ومهما قالوا عنه لا يضيف كثيرا لارتكاباته وخرقه أبسط الحقوق والالتزامات القانونية، وابرزها تمهيد الطريق لما آل إليه الوضع وما حدث فعلا. وهذه الظاهرة يجب أن توضع في المحاسبة القانونية والوطنية من جهة لدور المعارضة ومواقفها ورهاناتها والعواقب التي أدت إليها ممارساتها العملية، كما هو الحال للمسؤولين المباشرين، العراقيين والامريكان والمتخادمين معهم من كل الأصناف والالوان. ولعل ما كتبه المؤلف في عرضه للأخطاء الاستراتيجية صورة لما انتهى إليه الغزو والاحتلال. فرغم أنه مع الخطط الأمريكية الا ان الوقائع غيرت المجرى ووضعت الأمور بما حل في العراق. كما سجل المؤلف في صفحة 907 ":بالرغم من النجاح الكبير الذي حالف امريكا من ناحية أداء الحرب الا انها أخفقت في احراز أية نجاحات مهمة بعد الحرب، يعود هذا الإخفاق الكبير إلى عوامل متعددة ومتداخلة مع بعضها البعض ولكن السبب الرئيسي يعود إلى ارتكاب امريكا اخطاء جسيمة وقاتلة في إدارة الأمور بعد إسقاط النظام العراقي". فهل هذا الاستنتاج الواضح كان غائبا عن المراهنين على امريكا؟ وما هي مواقفهم من سياستها التي تخادموا معها في الوصول الى هذا الاستنتاج وتحديد الاخطاء وما هو المطلوب منهم حينها وفي أوانها، واين المصداقية في المعارضة والبديل المطلوب؟!. وبالتأكيد ثمة اسئلة كثيرة أخرى حاول الدكتور گوران الإجابة عليها وربما توضحت له، وتوصل إليها متاخرا، ولكن بعد خراب العراق، وليس البصرة، كما في الامثال.
فيرى في الأسباب الرئيسية التي أدت به إلى الوصول إلى عنوان كتابه، ما ذكره:" كان الخطأ الاول الأكبر الذي ارتكبته الولايات المتحدة الأمريكية هو تحويل مجرى الاستراتيجية المتبعة للحرب من التحرير الى الإحتلال وكانت هذه الخطوة وحدها كفيلة بزرع الشك وانعدام الثقة باسباب اندفاع الولايات المتحدة لإسقاط النظام العراقي. لقد مسحت هذه الخطوة وبجرة قلم كل المبررات التي كانت الولايات المتحدة تسوقها لإزاحة صدام من الحكم، بالاخص قيامه باضطهاد شعبه أو شن الحروب العدوانية على الشعوب والدول المجاورة وهما كانا السببان الرئيسيان اللذان يمسان المواطن العراقي بصورة رئيسية" (كما هو نصا في صفحة 908). ورغم هذا الوضوح حاول المؤلف تبرير ما انتبه له، بقوله أكثر من مرة "كان المفروض..." وغيرها من التعابير الواضحة في هذا المجال. ورغم اعتباره الاحتلال وصمة إلا أنه في النص اعتبر مقاومته تمردا، وليس حقا مشروعا، كما أشار إليه في فقرة اخرى، مذكرا الأمريكان باحتلال البريطانيين للعراق في بدايات القرن الماضي والمقاومة الوطنية وثورة العشرين التي أجبرته على الرحيل.
وبعد عرضه لما حل في العراق وما يسميه باخطاء، يشير إلى أن "نتائج هذا الخليط العجيب من الاخطاء أن انتهت العملية، بدلا من أن تكون عملية تحرير العراقيين من نيران ابشع نظام توليتاري عرفوه في التاريخ الحديث ( لتتبعها بناء صداقة حقيقية ومتينة واستراتيجية بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية على غرار ما حدث بين أمريكا وألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية) لتتحول العملية إلى مزيج كريه من الاحتلال من قبل قوة عظمى وحكم دكتاتوري من قبل شخص اجنبي أرعن وجاهل ومغرور مثل بريمر والذي مارس كل خطيئة ممكنة بحق العراقيين" ص915-914 .
الاخطاء الاستراتيجية التي وصفها المؤلف وحملها للسياسة الأمريكية وادائها في العراق شملت العراقيين وخاصة المعارضين المراهنين عليها، وهذا الموقف يصح على تاطير الصورة كاملة، إذ أن من حملوا هذا الاسم أو وضعوا فيه، لا يعفيهم من الإخفاقات والفشل في اتخاذ القرارات السياسية الجريئة والصائبة. "كان هناك عجز واضح لدى بعض أو أكثرية قيادات المعارضة العراقية في فهم تفاصيل وديناميكية السياسة الأمريكية وكيفية صنع القرار الأمريكي ودور مؤسسات الفكر والرأي العام في الضغط باتجاه رسم السياسات وكذلك دور المؤسسات التشريعية..." (ص917 ( وينتقد عمل المعارضين أو بعضهم في وقوعهم تحت تأثير وهيمنة بعض المؤسسات التنفيذية الأمريكية دون غيرها... والامتثال لتوجيهات هذه الجهات لحرف وضع القرارات الصائبة التي تصب في المصلحة الوطنية العراقية"!.
ما كتبه في ختام الخاتمة يقدم أدلة خطيرة على مزاعم المعارضة وادعاءاتها، إذ "كان هناك انعدام واضح للرؤية السياسية الوطنية الصحيحة عند أكثرية الكيانات السياسية ومعظم الشخصيات السياسية المشاركة في مجلس الحكم وكان يتم تغليب التمثيل المناطقي والانتماء الطائفي أو الديني أو القومي الضيق على المصلحة الوطنية العليا...."!. وغيرها من الأحكام الكاشفة والمقررة هنا لما توصل إليه المؤلف في عنوان كتابه، وصمة الإحتلال.. بل جريمة الإحتلال التي لا تتقادم مسؤولية المرتكبين لها.
هل الخاتمة نقد ذاتي ومن المسؤول بعد… لكل ما حدث وحصل وآل إليه وضع البلاد والعباد؟!.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,564,266,104
- الإنقلاب العسكري والحراك الشعبي العربي
- الرئيس ترامب والسفير البريطاني
- الصهاينة الجدد في العواصم العربية
- تحية الى مناضل من الجزائر
- مسيحيو المشرق.. ما المصير القادم؟
- اين النقابات والاتحادات العربية اليوم؟
- لماذا هجمات التخلف وحملات الجهل سائدة في الوطن العربي؟
- عن الحراك الشعبي العربي الجديد
- لماذا هجمة التخلف والتهديدات بالقتل في المغرب؟!
- الإدارة الأمريكية تقدم شهادة إدانة لها
- من الطابق الحادي عشر ارى التايمز
- تظاهرات عمالية في العراق الجديد
- عن رسائل الجزائر الاخيرة
- بغداد يا بغداد*
- فاجعة الموصل الجديدة
- صدمة نيوزيلندا وسياسة التطرف
- معارض الكتب وأزمة القراءة
- عن المثقفين المزيفين وتصنيع الإعلام لهم (2-2)
- عن المثقفين المزيفين وتصنيع الإعلام لهم (2-1 )
- مشاكل الواتس آب


المزيد.....




- شاهد: وزارة الدفاع الروسية تسمح لصحفيين روس بزيارة قاعدة عسك ...
- ما مصير 50 قنبلة نووية بقاعدة جوية أميركية بتركيا مع حديث ال ...
- شاهد: مئات آلاف البريطانيين يخرجون في مسيرة وسط لندن رفضا لل ...
- شاهد: ليلة خامسة عنيفة.. كتالونيا غاضبة وتدعو مدريد إلى مفاو ...
- فيديو: مقتل 15 شخصا نتيجة انهيار سد في منجم للذهب في سيبيريا ...
- شاهد: وزارة الدفاع الروسية تسمح لصحفيين روس بزيارة قاعدة عسك ...
- ما مصير 50 قنبلة نووية بقاعدة جوية أميركية بتركيا مع حديث ال ...
- حتى تلحق به زوجته.. رجل يعطل سير مترو في ألمانيا
- عادل إمام أسير الكوميديا.. لماذا تخلى -الزعيم- عن التراجيديا ...
- بعد ليلة حالكة في برشلونة.. رئيس كتالونيا يدعو مدريد إلى حوا ...


المزيد.....

- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كاظم الموسوي - وصمة الإحتلال وصناعة الفشل