أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عادل امليلح - المرجة والحراث















المزيد.....



المرجة والحراث


عادل امليلح

الحوار المتمدن-العدد: 6335 - 2019 / 8 / 29 - 16:35
المحور: الادب والفن
    


.. إنها الخامسة إلا ربع صباحًا، بالكاد يداعب ضياء الفجر ظلمة الليل المنزوي، ووحدها النجوم الكبيرة ماتزال تتظاهر بالوجود في قوس السماء، يهب نسيم قارس يجمد الدم في العروق.. وصيحات ديوك صحوة تنبعث هنا وهناك، إنه منتصف شهر اذار مارس، في هذا الوقت يستيقظ سي العربي، وقبل أن يتوضأ يتوجه في تثاقل صوب غرفة الخزين "غرفة المؤن" يملأ قفةً من الشعير ويعود أدراجه متوجهًا صوب الزريبة التي تأوي بغلين كبيرين، يقدم لكل واحدٍ منهما نصيبًا من الشعير، ولكن كعادته دائمًا يتحيز إلى بغله الأسود الذي يسميه "الحراث"، بغل أسود ممتلئ، كيف لا وهو فخره في المدشار "القرية" فإذا ما تجادل بعض الناس حول الحرث وصلابة الأرض تحدثوا عن بغال السي العربي، وخاصة الحراث، يقول لسان بعضهم لو كان لك الحراث لأنهيت ذلك الفدان في نصف يوم.. يربت عليه يهدهده في أسفل عنقه، وهو غارق في قضم ما يلتقطه من حفنات الشعير من المعلف، عندما ينهي سي العربي مهمته يعود ليقظ زوجته "علالة" لكي تقوم بإشعال النار في الكانون "حفرة تضرم فيها النار" لتسخين الماء وإعداد وجبة الفطور.
عندما ينتهي سي العربي من أداء صلاة الفجر تكون علالة شارفت على الإنتهاء، حينها يهم لإقاظ إبنه أحمد درعه في العمل، يطرق باب غرفته لمرة أو مرتين، وعندما يستجيب الإبن، يخبره سي العربي أنهم تأخروا، وأن النهار بدأ يفقد روحه..
على مائدة الطيفور تنتظم بعض الكؤوس المزينة وإبريق للقهوة وآخر للشاي، وفي الوسط صحنان، الأول للزيت والثاني فيه زيتون اسود، إلى جانبهما خبزة بلدية مشطورة إلى نصفين ينبعث منها بخار ساخن، يرتكن الثلاثة حول المائدة ويشرعون في تناول الفطور، ما إن ينتهي سي العربي يقف ويتوجه صوب الزريبة ليخرج البغال، فيضع لجامها ومطيةً فوق ظهورها، ويحمل عليها ما استلزم من أدوات الحرث، فأسين ومحراث خشبي وسوط ذو طرف حديدي معقوف، بالإضافة إلى قنينة ماء وبعض الحاجيات الأخرى، أما أحمد فيرتدي ثيابه المخصصة للحرث، وحذاء بلاستيكي تعلو مقدمته بقع طين يابس، بينما سي العربي يرتدي جلبابه الصوفي الأبيض، وتلف علالة على رأسه الأصلع عمامته الصحراوية الزرقاء، يتناول قبعته المصنوعة من الحلفاء، ويهم بالرحيل وهو يمرر أصابع يده اليمنى على شاربه الكث..
تودعهم علالة "اعونكم ربي".
يمتطي سي العربي الحراث ويتبعه أحمد ممتطيًا البغل الآخر، المسافة من المنزل إلى المرجة قرابة ساعة تقريبًا، والطريق شديدة التعرج تمر عبر مسالكٍ وعرة، ضيقة ومنحدرة، تتراسى صخور كبيرة على جنباتها، وأحيانًا أشجارًا وأشناتٍ تتدلى على الجوانب مما يقتضي أخذ الحيطة والحذر، ولكن الحراث يعرف أن يضع أقدامه، فلعله حفظ تفاصيل الطريق لكثرة ما مر منها..
يصل السي العربي وإبنه إلى المرجة، أرض تركب سفح جبل متوسط الإنحدار فيها تفاوت في الوسط بين السافلة والعالية لعل ذلك شاهد على إنزلاق ترابي ليس بقديم، تتخلل هذا السفح أشجار زيتون كثيرة، وبعض أشجار التين واللوز وأحيانا الكرم، تظهر أيضا كتل صخرية منفردة ومتفاوتة الأحجام منبعثة من وسط النباتات الموسمية، تلك النباتات التي يلقي عليها السي العربي جام غضبه، لأنها تعلق في محراثه وتحيد به عن مساره، فهي بمثابة نباتات مقاومة،ٍ ووجودها بكثرة معناه بذل المزيد من الجهد والوقت.
يربط أحمد البغلين إلى المحراث مسويًا إياهما، بينما ينتحي سي العربي جانبًا، يخرج غليونه القصبي، يلقمه ثم يشعله، ليُسكن غليله ويدفيء صدره، وعيناه مصوبتان في تجاه أحمد، لبرهة من الوقت يستفسره
- هل كل شيء جاهز؟
- أجل
لكن سي العربي ينهظ ويتأكد بنفسه، ومع بعض اللمسات البسيطة والكلمات التي توحي بخبرته، يكون كل شيء جاهزًا، هنا يزيح سي العربي عمامته الصحراوية ويخلع جلبابه الصوفي معلقًا كلاهما على جذع شجرة زيتون بري، ويضع قبعته التقليدية على رأسه لتقيه شر الحر، على الرغم من أن قرص الشمس مايزال غائبًا، وكتل الضباب ماتزال مخيمة على أسفل الجبل متتبعةً مسار الوادي العميق..
يمسك سي العربي بالمحراث ويسمي الله بصوت صادح، ثم يطلق العنان لصيحاته أمرًا بغاله بالتقدم، تستجيب البغال في البداية ببطء ورطانة، تاركةً خلفها خطًا رماديًا يتخلل مساحة النباتات تلك، وأما أحمد الإبن فيتبعه بالفأس باحثًا عن نبتةٍ أو بقعةٍ غافلتها سكة المحراث، وبهذا الشكل تكون الحرث قد إنتظمت في هيأتها..
خطًا من وراء أخر، وعلى مهل تظهر أسفل المرجة بقعة داكنة مستطيلة الشكل.
هذا هو دأبه منذ أن فتح عيناه في هذا المدشار، وجد أبائهِ وأجدادهِ يفعلون ذلك، ولم تتسنى له الفرصة ليفكر في بديل غيره، فهو يعلم أن الأمر مضني وشاق، ولكن السنون نحتته حتى إعتاد الحال، وفهم أن لا مهرب له من الصبر، فهذه مشيئة الله فينا، كما يقول.
تتعالى الصيحات متقاطعةً أحيانًا مع صداها المرتد عبر الوادي "أرَّى سير.. أرَّى دين موك" وعندما لا يجدي الصياح تنطلق من السوط ضربات ملهبة للبغل الذي يتماطل، فهذه العادة أصبحت مرسخةً في ذهنه ويقوم بها دون وعي، الصياح النابي والضرب بالسوط لا بديل ثالث لهما، ولعله صادق من قال (( إن المحراث ليس مجرد أداةٍ خشبيةٍ تقليديةٍ تغرينا بصنعتها وغرابة شكلها، فهو مسؤول بشكل مباشر او غير مباشر عن بناء الوعي الرمزي للقرويين، وبذلك فإنه يعيد تشكيل العديد من المصطلحات النابية والسلوكيات العنيفة التي تطبع العديد من القرويين، فالحرث إذًا مطبخ سيكولوجي وسوسيولوجي بامتياز)).
ومع أول شعاع شمس يظهر زوارٌ جدد، طيور البلشون التي تبحث عن وجبةٍ صباحيةٍ دسمة، تتربص الحشرات والزواحف الصغيرة بعيون ثاقبة، وسرعان ما تدخل مع بعضها في منافسة شرسة بغية رسم مناطق نفوذها، فذلك يزيد من الحظوظ، وكلٌ هنا يفهم وظيفته ودوره، لكن الكل يستفيد..
عندما يغالب سي العربي التعب يعوضه إبنه أحمد، يلجأ تحت شجرة الزيتون البري أخذًا قسطًا من الراحة، ومدخنًا وساقيًا نفسه في آن، فالحر شديد والضباب انبلج، وهكذا يتناوب كل منهما على المحراث، وفي بعض الأحيان يتركان فسحة للبغال لكي ترتاح هي الأخرى أيضًا.
مع أولى تهليلات آذان الظهر تظهر علالة ممتطية حمارًا أشهبًا، ما ينفك ينحني ليقضم ما تيسر له من نباتات، وعلى الرغم من شتم علالة له ومحاولتها المستمرة لشد لجامه، إلا أنه يغافلها عادةً، وعادةً عنادًا منه، إن الحيوانات هنا كما البشر يمكنها أن تتحايل وتتخادع، ويمكنها أيضًا أن تنتقم هكذا يعتقد!!
ما إن تقبل عليهم تتفوه قائلة:
اعونكم ربي
يردون: أمين يارب
علالة بجسدها النحيف المكور في ثنورة خضراء، وأسفل خصرها يلتف منديلًا أحمرًا تتخلله استقامات بيضاء، وعلى رأسها قبعةً كبيرةً انتظمت عليها تكويرات صوفيةٍ في أشكال و ألوان مختلفة "ترازة"، أما ملامحها فهي ملامح نساء هذه المناطق تحكي معاناتهن أكثر مما توحي بجمالهن.
تُنزِل قفةً ضمت فيها وجبة الغذاء، وفي الطرف الاخر من المطية تخرج إبريق شاي شد باحكام وقنينة ماء، فهي تعلم أن سي العربي لا تحلو له الكماية "بمعنى التدخين" إلا مع رجفات الشاي المنعنع، تُعلِّق القفة في نتوء من جذع يابسٍ حتى لا يختلسها الكلب الذي لحق بالحمار، ومن ثم تعود وتقود الحمار إلى فسحة نباتية، تضع الحبل في قدمه وتربطه إلى صخرة بارزة، تاركةً إياه يلتقط ما طاب له من النباتات والحشائش.
تحمل فأسًا لقطع ما استلزم من الحطب، يُوجِّهُها سي العربي نحو شجرة زيتون بري ويحدد لها العرائش التي يتوجب عليها جزها، أخذًا في الحسبان امكانية تطعيم العرائش الأخرى مستقبلا، فلا تعود علالة إلى المنزل إلا مع رزمة كبيرة من الحطب مشدودة على ظهر الحمار، وغالبا ما تنقل الرزم على ظهرها إذا كانت المسافة قريبة من المنزل...
ومع مجيء علالة يختفي الصمت ويشتد الكلام، هي ولا شك إلتقت بقرائن لها وسمعت أخبارًا متنوعة، ورأت مشاهدًا من صميم الخطاب اليومي، ومع بعض اللمسات الذاتية تسرد علالة ذلك على مسامع زوجها وإبنها، يأخذ السرد في التوسع حتى تتداخل فيه الأحداث والأزمنة، وتختلط فيه الأسماء والشخصيات بالأشياء الكثيرة، وذلك طبعا بحسب المزاج..
يجلس الثلاثة في الظلال الورافة لشجرة الزيتون البري تلك التي علق في جذعها سي العربي جلبابه وعمامته، يدك أحمد بقعة الأرض في الوسط بصخرة مسويًا إياها لتكون مناسبة للمكان الذي سيوضع فيه الصحن، أنئذ يملأ سي العربي كأس شاي، ويلقم شقف غليونه بالكيف "القنب الهندي".. فيبادل رجفات الشاي بنثرات الغليون، أما علالة فتخرج الصحن، تركنه في مكانه وتملأه بالبيصارة "أكلة شعبية مغربية" مضيفة إليها الزيت البلدي..
إن الغذاء ليس كالإفطار فالصمت هنا يتم تطليقه، فتكثر الأحاديث والاسئلة وكذا المجادلات، لأن الغذاء يعيد الحيوية والنشاط إلى الفلاح، وبينما تواصل علالة سرد أخبارها الإعتيادية، تعود سي العربي الحديث عن المرجة، عن ذكراياته الجميلة والحزينة فيها، عن أيام عطائها وشحها، يثير مسامع الجميع بصوته الجهوري الصادح وعبراته القوية النبر، وكأنه يقدم مسرحية، أو يسرد قصة شفاهية في وسط حلقة بساحة جامع الفنا..
- إه إه!! على المرجة وأيامنا الخوالي معها
يتوجه بعينيه صوب إبنه
أول يوم أمسكت بالمحراث في حياتي كان هنا، لقد جاء بي جدك إلى هنا مباشرةً عندما رفضت إتمام دراستي في المسجد، لم نكن أنئذ نستخدم البغال في الحرث كما اليوم، بل بواسطة ثورين ضخمين وقويين، يكفي الواحد منهم أن يرفص عليك بقدمه ليرديك قتيلا، ولكن رغم ذلك كنا نحن أيضا أقوياء، فالناس لم تكن تأكل سوى منتوجات طبيعية من عسل وتين وعنب.. ليس كشباب اليوم شأنهم شأن الديك الرومي! لم يترك لي جدك الفرصة للخطأ، كان قويًا وعنيفًا، فما إن يخرج المحراث عن مساره، أو يلتف أحد الثورين هاربًا.. حتى ينهال علي بالصفع والركل، أما الشتائم فلم أعد أهتم بشأنها لشدة ترديدها، لكنه كان إنسانا عطوفًا وكريمًا لم يحرمني يومًا، أو طلبت منه طلبا ولم ينفذه لي.. وما إن تعلمت أنا الحرث واشتد عودي حتى طلقها جدك وإعتكف المسجد..
كانت المرجة في عزها تُدِّر أزيد من مائه مود " مود= ربع قنطار" من القمح، وفي أسوأ الحالات في سنوات القحط من ستين إلى سبعين مودًا، ولكن كما كان يقول جدك: إن المرجة أرض معطاء، وعلى الرغم من صعوبة حرثها فهي تستحق، إنها لم تخيب امالي قط، فأي شيء تبذره فيها يثمر..
كانت هذه الأرض في السابق ليهودي سكن في المدشار، لكن مع جلاء اليهود لفلسطين إشتراها منه جدك بألف ريال "خمسين درهما" كانت ثمنًا كبيرًا في ذلك العهد، ولكن لم تكن هكذا، بل تنتشر فيها أشجار العليق والبلوط الأخضر والزيتون البري، نزع جدك أشجار العليق والبلوط الأخضر وطعم أشجار الزيتون البري حتى سارت هكذا جنةً، كما تراها الآن.. بعد موت جدك حاول كل أعمامك الحصول على المرجة، وبالخصوص عمك "المختار" الذي وصل الأمر بيننا حد الخصام، إلا أنني تنازلت له عن نصيبي في الساحل، وكذلك فعلت مع عمك "السايب" تركت له نصيبي في أرض الريحان..
إن ما يميز المرجة خصوبتها وغلتها الوافرة من الزيتون.. فهي أرض رطبة وقرص الشمس سرعان ما يلتف عنها ثم هي أرض شاسعة، فحرثها يستغرق من ستة إلى ثمانية أيام.
والأكثر من ذلك ياولدي أجد راحتي وسجيتي عندما أحرثها، أشعر أن حنينا ما يربطني بها، وهي ليست مجرد أرض كأي أرض، بل منبع تاريخينا وهويتنا، فهي قبل أن تكون لليهودي كانت لجدك الأكبر "الوالي الصالح سيدي محمد العربي" يقال إنه هو من أهداها لجد اليهودي الذي كان خماسا لديه..
يستمع أحمد بحماسة لفيض ذكريات أبيه.. أما علالة فمشكلتها مع الحاضر، فلا قدرة لها على عصر أعصابها من أجل رواية لا تثير مسامع النسوة بجانب بئر،ٍ أو في مجلس.. ما يفهمه النساء أن المرجة ملك لسي العربي.. أما الباقي فلا يهم..
لذلك يصيب علالة التذمر والقنوط عندما يسترسل زوجها في أسطوانته السردية التي تطول أكثر مما ينبغي..
يبادره أحمد قائلا:
ولكن يا أبي إنني أتذكر، وليس ذلك ببعيد، أن المرجة كانت تدر علينا من سبعين إلى تسعين حزمة من الكيف "القنب الهندي" أما اليوم فلا يكاد يتجاوز ذلك الخمسة عشر حزمة.
- إن الأرض الطيبة عندما تفتح صدرها للحرام تبور وتصاب بالشح.
النية، أجل النية يا بني، فلم تبقى نية لدى الناس، وأصبحوا مهمومين بملذات الحياة، وانساهم الشيطان الله وشكر نعمه التي أنعم بها عليهم، إنه ما منع غزارة المطر عنا، إلا جزاءًا لذنوبنا، وما يسقط على شحه هي رأفة الرحمن ببهيمته ونباته..
- لعل أخي الوفي كان صادقا
- فيما صدقه
- قال إن هذا الركود مرده لأمرين، الأول حدوث تغيرات مناخية عالمية مما أدى إلى تزايد حرارة الأرض وشح في الأمطار، والثاني كثرة الأسمدة الصناعية والتركيز على زراعة احادية كل ذلك إستنزف طاقة الأرض..
- من أين لذلك الصعلوك أن يعرف، هل حمل فأسًا، أم قادا بغلاً؟
- ولكنه يدرس ذلك في الجامعة!!
- هكذا يقلون: إنهم يستمدونه من تلك الفلسفة التي أعمت بصيرتهم وحادت بهم عن طريق الله
يلتزم أحمد الصمت، فهو يعلم يقينا أنه لو تفوه بكلمة أخرى فإن سي العربي سيعيد قراءة أسطوانة الوفي، وكذلك علالة.
الوفي هو ابن سي العربي البكر، حاصل على شهادة الماجيستير في الفلسفة الحديثة.. شاب في عقده الثالث، ولقد وضع فيه سي العربي ثقته منذ أن كان صغيرًا، وعزم له أن يصبح جنديًا مثل عمه "السايب وإبنه عبد العزيز" لكنه عصى رغبة أبيه تلك، والأكثر من ذلك إعتبر أن الناس هنا، لايستطيعون النظر الى ما هو أبعد من الجندية، متهما إياهم بالجهل متهكما عليهم وعلى أعرافهم.. لقد تمرد عندما أعلن أمام سي العربي قائلا "أنا الذي درست وكابذت، وأنا هو المسؤول عن مصيري ومستقبلي، إن الجندية يا أبي حلمك أنت وليس حلمي أنا، ولو كان عمي السايب وزيرًا لكنت طلبت مني أن أصبح مثله"
- حاول سي العربي إقناعه مرارًا، أن ذلك هو السبيل للإستقرار والحصول على عمل مع الدولة وأجر مدام، ضرب له أمثلة عديدة من المدشار وخارجه، ولكن لما إستعصى عليه إقناعه، وتشبث الوفي برغبته في الدراسة بالجامعة، وأمام إلحاح علالة، قبل سي العربي مرغما..
بيد أن وبعد سنتين سيمقت سي العربي إبنه عندما تناها إلى مسامعه أن إبنه يدرس الفلسفة، سأل الفقيه ماذا تكون الفلسفة؟
رد الأخير عليه: إنها طريق الكافرين والخارجين عن رحمة الله، وأهلها أهل بدع وفتن..
كان جواب الفقيه قاطعًا، فهو صاحب حق وقوله فوق الجميع، ولو أرسل الله رسولا ليبطل هذا الجواب، لكذبه سي العربي، كل شيء يمكن مجادلته، وكلام الفقيه لا جدال فيه.
سيحقد منذ تلك اللحظه على الوفي، وتحين الفرصة، عندما عاد هذا الأخير في عطلة الربيع، وفي إحدى وجبات الغذاء إستفسر سي العربي، ماهية ما يدرسه إبنه في الجامعة..
أجاب الوفي على سجيته: الفلسفة
- وما هي الفلسفة؟
- هل تفكر في الموت والحياة؟ في حجم هذا الكون وشساعته ومصدر ما يزخر به من جمال وأشياء.. هل تحكم على الناس في سلوكهم وأفعالهم.. وتحاول أن تفهم هل هذا صحيح أو باطل، أو ربما تساءلت يوما لماذا أوجدك الله... تلك هي الفلسفة.
- إذا كنت أنا أستطيع أن أفعل ذلك، فلماذا تضيع وقتك في دراستها، ما هو الفرق؟
- الفرق شاسع، أنت تفكر في كل ذلك بعفوية، أما أنا فأحاول تبيان ذلك من خلال قواعد صارمة ومحكمة..
- قل لي يا بني ما علاقة الفلسفة بالإسلام؟
- هذا السؤال يأبي هو فلسفة، وجوهر بعض قضاياها.. وهي علاقة تكامل وانسجام، فكلاهما يسعيان الإبراز حقيقة الوجود ويدعوان لاستخدام العقل في تبصر الحقائق..
إنتفظ سي العربي في غصب شديد
- هل تضحك علي، أتعتقد أنني أرضع أصابعي، هل ربيتك لتكذب علي..
إندهش الوفي لردة فعل أبيه ولم يفهم دوافع ذلك
- ألستم تلة من الكفرة الذين ينكرون وجود الله؟
- إن ما تقوله باطل
قاطعه بصفعة قوية على خده، ثم بزق عليه، وخرج في فوران من الغضب والسخط.
إستفسر الوفي أمه
- ماذا بأبي هكذا؟
- لم أتخيل يوما أني سألد مسخوطًا مثلك، حتى تسول له نفسه الكفر بالله
- من أخبركم أنني كذلك؟
- الفقيه أخبر أباك
فما كان من الوفي سوى أن توجه صوب المسجد، كان الفقيه هناك يُحفظ أطفال المدشار القرآن، طلبه للحديث على انفراد، فاستجاب..
- قل لي، أسي الفقيه، من أخبرك أن الفلسفة مجرد كفر وخروج عن طاعة الله؟
- لقد قال شيوخنا: من تفلسف تزندق، وهذا واضح
- هل تفهم معنى الزندقة؟ هل تعرف قيمة الفلسفة ودورها في تطور مذاهب شيوخك الفقهية؟
- ما أعرفه أن الذين يتعاطون الفلسفة خارجين عن طاعة الله وجزاء كل من يفعل ذلك النار. ولولا إتباع الناس لهذه الفلسفة لما غضب الله علينا، وجعلنا على ما نحن فيه.
- أعطيني برهانًا على ما تزعمه.
- إذهب إلى كتب الصالحين وستجد ذلك.
- حسنا من هم هؤلاء الصالحين؟
- من فضلك لا تضيع وقتي لدي إنشغالات ومسؤوليات..
ثم إنسحب، وإثر ذلك قال الوفي:
- إن أمثالكم هم من جعلونا نعيشوا في هذا الإنحطاط والركود، فأنت لا تعرف حتى معنى الفلسفة، وتحكم عليها، وأنت تعلم أن بعض الظن إثم مبين..
في مساء ذلك اليوم إلتقى الفقيه بالسي العربي، أخبره أن إبنه جاء إليه وقدحه بأقدح الأوصاف، متهما إياي بالجهل..
- أيتطاول إبني على حرمة الفقيه؟
فما كان منه إلا أن طرده من المنزل، لمدة تزيد عن سنة، لكن سيقبل سي العربي بعد ذلك بالوفي في منزله، وإن كان، فقد وطنه في خاناتٍ معينة وسقط من عينه، حتى أصبح وجود الوفي ثانويًا، فلا أحد يهتم بكلامه باستثناء أخاه الأصغر، وأذيع في المدشار أنه مجنون، جنته الفلسفة... غير أن سي العربي لديه أمل في إبنه "عبد السلام" ذي الستة عشر ربيعا، سيكون جنديًا، وما ينفك يذكره بفضائلها ومميزاتها، ويضرب له مثالاً بأخيه الوفي، الذي تنكر لنصيحة أبيه، واتبع هواه فكان حزاءه البطالة والجنون..
تتدخل علالة قائلة:
- هل تعلم ان عائشة بنت جارنا قد خطبت البارحة؟
- من طرف من؟
- جندي من القنيطرة، يمتلك منزلاً وسيارة، ياله من حظ، أخيرًا سيعفو عنها الله من الشقاء والقهر..
- لقد يسر الله عليها..
((هنا يحلم الناس بتزويج بناتهم لأزواج موظفين وعلملين مع الدولة خاصة العاملين في القطاع العسكري، فلذلك رمزية كبيرة بين سكان المداشير، ويصيب البعض بالغيرة.. وغالبا ما يأخذ هؤلاء زوجاتهم معهم، أو يخصصون لهم جزءًا من راتبهم الشهري.. والمدينة تعني الكثير للقرويين، فعلى الرغم من أنهم يعتبرونها مكانا للإنحلال الأخلاقي، فإنهم ما ينفكون يتحدثون عن فضائل العيش فيها والسفر إليها... ))
ترمقُ علالة سي العربي، وهو يفهم ما تعنيه بالضبط، وعند ذلك تبدأ علالة في التأثيث لما ستقوله، تنطلق في الثناء على بنت أختها، عن محاسن جمالها، وفطنة عقلها وكذا خفة يدها.. تقول إنها تتقن كل فنون الطبخ، وتقوم بتأدية كل أشغال المنزل من حطب وتنظيف وسقي.. وتغرق في سرد تفاصيل ذلك.
صحيح أن أحمد أصبح رجلًا، فقد إشتد عوده وكثة لحيته، إن رِجالًا وشبابًا أقل منه سنًا تزوجوا وأنجبوا أطفالًا.. وسي العربي فكر في هذا كم من مرة، لكن هناك هواجس تسربت إلى تفكيره، فقد يكون الزواج سببًا في إستقلال إبنه عنه، وقد يطالب بنصيبه من الأرض ليحرثها بشكل مستقل.. فلا يعود له معين، لكن سرعان ما يطرد ذلك، فأحمد مرضي والديه، فهو لم يعصي لهم أمرًا، وكما أن علالة شاخت وفقدت نشاطها، ومن الصعب أن تتحمل وحدها كل الأعمال المنزلية المضنية، فلن تكون هناك من هي أجدى لها في ذلك من بنت أختها..
يدور أحمد صورة بنت خالته في رأسه، لكنها سرعان ما تضمحل أمام صورة، أخرى تشغل باله وتجيش أحاسيسه، خديجة بنت الراضي، زمردة المدشار وتاجه، فتاة جميلة يتهامس عليها كل شباب المدشار عازبين ومتزوجين، دائمة التأنق بشعرها البني الفاتح، وعينيها الواسعتان العسليتان تملأهما زرقة خلابة، وشفتيها الراقدتين في تناسق عجيب، ووجهها الدائري المائل للسمرة قليلا، وما ينحدر عنه كله تراكيب جميلة، صدر بارز، وخصر رقيق يمنحها فتونة ساحرة، ثيابها الضيقة وعطرها الفواح، كل شيء فيها بهاء.. يستعيد أحمد التفاصيل كلها، ما لها وما يقال حولها، يعلم يقينا أن الوفي كان أكثر حظًا من كل المهتمين بها، لكن ذلك لا يهم، فهو لن يتزوج مجرد زوجة عادية، فمعنى ذلك أنه سيصبح محط اهتمام الجميع، وسيخطف آنية العسل من بين مخالب الذببة الحالمة، ويصبح صهر سي الراضي، هذا إمتياز إجتماعي كبير، الحب والسلطة جوهر كل شيء!!
إلا أنه ما ينفك يستعيد ملامح أبيها ذلك الرجل العنيد، والصعب المراس، كيف يقنعه بأن يزوج ابنته له؟ وهو لا يفعل ذلك إلا إذا رأى مصلحة له تقربه من أصحاب الجاه والمال.. على الرغم من أنه ميسور، تبدو مهمة مستحيلة كل الأسباب تسير ضده، بيد أن سببًا واحدًا هو ما يبقيه راغبًا، الراضي حج السنة الماضية ولربما تاب، بل يجب أن يكون كذلك.. ثم لو قدر الله لي زواجها، لا الراضي ولا غيره بمقدوره أن يمنع ذلك..
ما تزال علالة تعد فضائل بنت أختها، يأخذ أحمد زفيرًا عميقًا، ثم يتفوه بعدما ركب محياه الخجل وطرأ رأسه،
- أنا إذا كنت سأتزوج، فلن أتزوج إلا خديجة بنت الراضي!!
تفغر علالة فمها، وترمي بعينيها في اتجاه سي العربي، الذي بدوره توقف عن مضغ الطعام، ونظر إليها في استغراب شديد.. ثم بلع ريقه وقال:
- هذه هي مشكلتكم يا أبناء اليوم، تغريكم المظاهر الخداعة بسهولة، هل تتغافل عن ما يقال عنها وفحش صنيعها، نحن أهل أصل ونسب، ولن نتزوج إلا بنات الأصل، ثم أبيها الذي كان يشتغل قوادًا للمخزن، كم من نفوس بريئة دخلت السجن بسببه، وكم من أرضٍ ومتاع إغتصبه عنوة..
- ولكنه يا أبي أصبح حاجًا ويلازم المسجد..
- من طبع الله قلبه على ظلم الناس لن يغيره شيء ولو حاج الف مرة، أنا أعرفه جيدا، إنهم يرثون الظلم أبًا عن جد.
- أليس من حق الإنسان أن يتزوج ممن يحب؟
تعدل علالة من جلستها وتقول: إن الحب يا بني لا ينشأ إلا مع بنات الأصل العفيفات والمرضيات، إنك تحتاج الى إمرأة تسمع كلامك وتهتم بشؤونك وشؤون بيتك، أما بنت الراضي، فهي تستغرق وقتا أمام المرآة ولا تعرف حتى قلي البيض..
- لا يهمني ذاك، المهم أن أتزوج بمن أحب..
حاول كل من السي العربي وعلالة إقناعه بالعزوف عن قراره، ولما تبين لهم تشبثه برأيه وعناده، لجأت علالة لورقتها الأخيرة وكذلك سي العربي.
قالت علالة: إذا فعلت ذلك ستأخذ سخطي معك إلى قبرك، ولن تفلح في حياتك أبدا..
أما سي العربي فأخبره في حزم: لا تأمل أن قدمك ستطأ منزلي بعد ذلك.
وأمام هذا الحزم لم يعد أمامه سوى الرضوخ لأنه قد وضع، أمام إختيار صعب للغاية، فأن تسخط عليك أمك وتلعنك، معناه سخط الله أيضا وعدم فلاحك في الدنيا والأخيرة، فالوفي درس طويلا ولم يحظى بعمل، والسبب هو سخط أبي عليه، لست مستعدا لذلك..
((تمارس العديد من الأمهات والأباء هذا التهديد ضدا الأبناء الذين يعصون أوامرهم، والأشخاص العاقين لهم سمعة سيئة، فلا يذكر أحدهم في مجلس أو مجمع إلا وذكر عقوقه، والحقيقة أنه يمكن أن تشتري رضى أهلك، فالعديد ممن هاجروا إلى الخارج حملوا معهم سخط أمهم أو أبيهم، ولكن أغلبهم عندما يعدون مع سيارة مرقمة بالخارج، وبعض المال الذي هو كثير في نظر القرويين، يتحولون إلى مفخرة أهلهم، ويضرب به المثل، ويكسب الإحترام، ولا يستمر العقوق إلا بفعل الفقر!!"
وأحمد لايدرك هذه الحقيقة، لذلك يذعن للأوامر والتهديدات، يعيد صورة بنت خالته فتاة مكتنزة قصيرة القامة كثيرة الثرثرة.. لكن لابأس بها، رضى الوالدين فوق كل شيء، ربما تكون خديجة من نصيب الوفي!!
تقول علالة: هل ترضى أن نخطب لك بنت خالتك، لن تجد أحسن منها ولو ذهبت لطنجة..
- متى؟
- من الغد إن شئت.
يقول سي العربي: دع الأمر حتى ينتهي موسم الحرث، فقط أخبر أمها لئلا يتقدم أحدًا لخطبتها، وأبيها كذلك.
لسبعة أيام متواصلة وتحت لهيب الشمس الحارقة وبعد جهد جهيد، ها هو سي العربي يشارف على الإنتهاء، ويخط خطوطه الأخيرة، يزيح بسبابته الخشنة قطرات العرق من على جبينه ثم يلتف ناظرًا لأسفل المرجة، تنفرج ملامحه لتنم عن رضى ما، ربما بالانتصار، ومن ثم يحلو له الغناء، مرددا بعض الأهاجيز ونغمات من فن العيطة الجبلية، يداعبه هذا الشعور الطفولي، وكذلك أحمد يثني عليه لحنه ونشاطه.. فليست المرجة هي النهاية، لا، ولكنها عقدة فصل الحرث..
لن يعكر صفو سي العربي سوى "البريدي" رأه أحمد قادمًا في اتجاههم، قال مخبرًا ابيه، وجه السوء قادم، لابد أنه يحمل في جعبته أخبارًا سيئة. لم أعهده أن حمل لي ما يسر، الله يسمعنا أخبار الخير..
يقبل بجلباب رمادية مكورة على كتفه، يمسك بها بيده اليسرى، في حين يمسك بيده اليمنى عكازًا خشبيًا يتكئ عليه.. بسرواله الفضفاض العربي، وقبعته الحمراء وبلغته التي طفحت عليها رقعات الزمن.. ولحيته الشقراء التي تلتف حول ذقنه الرصاصي...
يقبل عليهما ويفشي سلام العادة
يرد كلاهما عليه، ثم يبدأ حديثه عن الأرض وصعوبة الحرث وتأخر المطر، يعلم سي العربي أن البريدي يمهد الساحة ليلقي بجمرة ويرحل..
هل تعلم من أين قدمت؟
- من أين
- من المحيطة
- هي خطوتنا القادمة إنشاء الله بعد غد سنصبح هناك.
- لقد مررت من أرضك، ألم تكن شجرة التين هي الحد الفاصل بينك وبين الراضي؟
- كلا شجرة التين في أرضي، والحد بيننا يبعد عنها خطوتين ونيف
- لقد كانت أرضك، فقد تخطاها الراضي بخطوة وأكثر.. وجز بعض عرائشها..
- أحقا ما تقول؟
- لسنا أطفالًا إذهب وعاين ذلك بنفسك، أنا فقط أخبرتك والأمر يعود لك..
كم يمقته أحمد، يعتبره شيطانًا من شياطين الإنس، وها هو عكر صفو المساء الجميل "وجه النحس"
يستشيط سي العربي غضبًا، لاعنًا ومرددًا "إبن القحبة سولت له نفسه التطاول على أرضي" ليس بيني وبينه إلا الشيخ والمخزن، وإذا بطلت عدالتهم، فحينذاك الكل حسب ذراعه.
ما إن ينتهيا من الحرث، وتأخذ البغال قسطًا من الراحة، حتى يحرر سي العربي الحراث من المحراث، ويُعِّدُ مطيته، ثم يوصي أحمد بأن يحمل ما تبقى من عتاد إلى المنزل.
- إلى أين أنت ذاهب يا أبي؟
- إلى المحيطة لأرى ما فعله ذلك القواد
- دع الأمر للغد فقد شارفت الشمس على الأفول.
- لن يهنأ لي بال ويطرف لي جفن حتى أرى ما فعل..
ها هي خديجة تتشظى وتضمحل، يعني ذلك عداوة طويلة مع الحاج الراضي، الثعلب ذي التسع ديول..
"في القرية كل الأخيار ستصلك فالتلغراف هنا نشيط جدًا"..
وصل سي العربي الى المحيطة، أشد إنحدارًا من المرجة وأقل مساحةً منها، أرضها شبه صخرية، ربط الحراث الى جذع يابس، ونظر، وبزفرة طويلة قالها: لقد غير القواد معالم الحد وجز عرائشًا من شجرة التين.. كان البريدي على حق..
يرفع تلابيب جلبابه إلى خصره ويلقي لاطما عمامته إلى الأرض، ثم يشرع في مد خطواته ليقيس مقدار المسافة التي زحفها الراضي على حساب أرضه..
ليست فعلة الراضي هي ما تنغص شعور سي العربي، ولكن المهانة، ماسيقوله الناس، قيمته الإجتماعية وكرامته ستمس، الراضي تطاول على أرض العربي لاتفهم هكذا منفردةً، سيصبح سي العربي لقمة صائغةً للإنتهازيين، سيقلون ليس إلا سي العربي أو "العريبي" وكذلك يفعلون، يركل الطوب بقدمه ساخطًا ويبزق لعنا الراضي وجذوره..
يرفع عمامته ويركب بغله ويعود أدراجه، وهو يقول يجب أن يكون الشيخ في المسجد الآن، ينبغي أن أجده هناك..
يصل ويلج المسجد يرمقه جالسًا هناك إلى جانب الفقيه وشخصين آخرين من بينهما الراضي، صاحب دعوته، والذئب الذي استباح أرضه..
كانوا يقهقهون فيما بينهم جميعًا، لكن ما إن رؤوه مقبلا، حتى إشرأبت وجوههم جميعا نحوه.
يفشي السلام ودون أن يصافح أحدًا وذلك ما ليس من عادته، فيطالبه الراضي بالجلوس بابتسامة خبيثة مرحبًا به، غير أن سي العربي حدجه في مقت، يطلب الحديث إلى الشيخ على إنفراد، تاركًا للمجمع توجسات وأسئلة، والحديث مع الشيخ على إنفراد يحول الناس إلى ديكارتيين..
لما سار عائدا الى الخارج وفي إثره الشيخ، يسأل الراضي الفقيه عن الدواعي التي تجعل العربي يحادث الشيخ على انفراد، على الرغم من أنه الوحيد الذي يعرف دوافن هذ المسرحية..
يقول سي العربي في غضب، إبن القحبة
- من هو هذا الذي تتحدث عنه
- من يكون غيره، الراضي
- ما شأنك وشأنه
- لقد انتهك حرمة أرضي في المحيطة إذ وسع أرضه على حساب أرضي..
- سي الراضي الحاج يفعل ذلك، أمر لايصدق
- كلا صدق إنه ثعلب ماكر، وشيطان في هيئة إنسان، يقول هذا وهو يعض بقوة على شفته السفلى..
- إسمع أسي الشيخ أنا أبلغك بهذا، لأنني سأرفع شكوى إلى القائد ضده وقد أذهب إلى ما هو أبعد من ذلك.
يحاول الشيخ امتصاص غضبه وتهدئته، فعلى الرغم من أن الراضي صاحب جاه وسلطة، فإبنه الخليفة الأول لرئيس الجماعة، وله علاقات قوية مع السلطة المحلية، إلا أن الشيخ يدرك أن الراضي له أعداء كثر، والعربي شخص معروف فما ينقصه من جانب المال والسلطة يعوضه في حب الناس له، لما فيه من عدل وكرم، والصراع لايبقى صراع أفراد، بل صراع عائلات وأسر وغيرها..
والراضي صديق مقرب للشيخ، لكنه يدرك أن أي تحيز له، وإذا ما فتضح أمره، قد ينقلب عليه، فالأمور لم تعد كما كانت من ذي قبل..
يستفسر العربي
- وماذ تريد مني أن أفعل..
- أريدك أن تنادي على الراضي الآن، ليذهب معي إلى المحيطة قدمًا بقدم، لنسوي المسألة اليوم قبل الغد.. إنّْ بالحق أو بالدم..
- ألا ترى أن الوقت قد تأخر كثيرًا، من الأفضل أن تترك الأمر ليوم غد..
ألح سي العربي باستعجال الأمر، ولكن الشيخ أقنعه وأعطاه وعدًا بأنه سيجلب الراضي إلى المحيطة غدًا صباحًا.. فرضخ لذلك وركب بغله ثم رحل.
لما عادا الشيخ إلى المجلس كان كل الحضور يتلمحه، بنظرات مستفسرة، وما إن يقرفص يبادره الفقيه متسائلا:
- نظرات سي العربي اليوم لم تعجبني لم أعهده إلا باسمًا منفرجًا، هل كل الأمور بخير؟
يشير الى الراضي
- لقد أخبرني أسي الحاج بأنك تطاولت على أرضه في المحيطة، وبلغني أنه سيقدم شكاية ضدك.. لكنني هدأت من روعه وأخبرته أننا سننظر غدا في الأمر.
- ينتفظ الراضي، أهو مجنون، ألم يعد لي من شيء في هذه الدنيا سوى أن أتطاول على أرض ذلك الرجل الكريه، ما هذا الخرف؟
- أكدت له أننا سنوفيه غدًا إلى هناك جميعًا..
- من أين لك بهذا ومع من تشاورت، معنى ذلك انني ظلمته، ما هذا الباطل، لم تطأ قدمي المحيطة لأزيد من سنة..
على الرغم من أن الجميع يعلم أن الحاج الراضي كان هناك صباحًا، لكن الكل يلتزم الصمت حيال الأمر.
يستوى الفقيه في جلسته ويقول: أسي الحاج، ما شأنكم وشأن أي دعوة فذلك مستنزف للمال والوقت، وكذلك قد يمس بصمعتك كرجل زارا مقام النبي.. من الأفضل أن تسوي معه المسألة، فسي الشيخ على حق فيما قال.
رويدًا رويدًا يقنع الحضور الحاج الراضي بضرورة الذهاب لتسوية الأمر مع سي العربي
يقول الراض مفترضا: لربما حرث إبني محمد هناك اليوم ولم يكن لي علم بالأمر، ولكن لا أظن أن إبني سيتطاول على أراضي الغير.
يقول الرجل الآخر: لربما فعل..
يرد الراضي لا لا.. إنني أعرفه
العاشرة صباحا بالمحيطة، أحمد يحرث بالمحراث وسي العربي خلفه بالفأس، وفي ذهنه عشرات السيناريوهات، توسوس له شكوكه أن التسوية مع الراضي لن تكون سهلة، يذكر تجاربًا سابقةً عاينها بنفسه، لما كان الراضي عضوًا في الغرفة الفلاحية، لم يكن يأخذ خطوة أو خطوتين، وإنما كان يسلب الفلاحين البسطاء أراضي شاسعة، فدادين باكملها، يحاول اقناع نفسه بأنه مختلف عن البقية، فكل شئ يمكن المساومة عليه، ماعدا الأرض، وكلما إشتد الحر ومر الوقت يعتمر بركانٌ متفجرٌ صدره، لن يهدأ حتى يلقن الراضي درسًا، وكذلك أحمد هو الآخر يعيش سيناريوهاته الخاصة به!! لم تعد خديجة تعني له شيئًا بعد الآن، إن الكرامة، ورد الإعتبار لأبيه وعائلته هو ما يطفح على مخيلته الآن.
فجأةً يبدأ نباح الكلب، فيتراءى لسي العربي نفرٌ من الناس قادمين ببطء، الشيخ والفقيه في المقدمة ومن بعده الراضي وخادمه وإبنه محمد بالإضافة إلى ثمانية أشخاص آخرين يعرفهم سي العربي، سيكون الأمر كما توقع، قد تنشب حرب طاحنة هنا..
يفشي الفقيه عبارة السلام بلسانه الفصيح، وكذلك فعل الآخرون، ويرد سي العربي في صوت مبحوح.
يقول الشيخ مبتسمًا: ها أنا كما وعدتك، أرينا لب المسألة..
يلقي سي العربي بالفأس على كتفه اليمنى ويتقدم في اتجاه الحد، إنظروا يا عباد الله!! هنا كان شاهد الحد، وهذه الشجرة كانت في أرضي، إنظروا ماذا فعل..
يقاطعه الراضي في غضب، بالله عليكم هذا بهتان عظيم، هذه الشجرة ملكي والناس كلها تعرف ذلك، فالشجرة كانت في أرض "بصويلح" لما إشتريتها منه، "أسي العربي راك بقيتي كتخرف"
- من الذي يخرف أنا أم أنت؟
تتعالى الصيحات والشتائم يمسك سي العربي بالفأس بينما يعتلي أحمد مكانا مرتفعًا ممسكًا بصخرةٍ في يده تحسبًا لأي حرب، وكذلك الخادم والإبن منتبهين ومستعدين بهراوتهم، يتدخل الحاضرين، مثنين كلا الطرفين، للانضباط للغة الحوار والتفاهم.
يقول سي العربي: اسمع الراضي إن الإنسان يموت لسببين إما على أرضه أو أهله..
يتدخل الفقيه زاجرًا: أسيدنا! لقد أتينا إلى هنا لنجد حلاً يقبل به الجميع، وليس لتأجيج الأمر واثارة النعرات، وبما أنكما تدعيان الأمر ذاته فلا خيار سوى اللجوء لتأدية اليمين.
يوافق الطرفين على تأدية اليمين، وكلاهما أقسم بأغلظ الأيمان أن الأرض أرضه..
تفاجأ سي العربي من قسم الراضي، مما أجج غضبه فرد عليه لعنة الله عليك، إن كنت أنت حاجًا، لماذا تريد أن تلوث رزقك بالحرام؟
يرد الراضي أني أديت القسم على أرضي، فأنت من تكذب..
يثير ذلك إمرأة عجوز كانت تجمع الحطب، ولما تناهى إلى مسامعها الصياح والمشدات أخذت تتابع ما يحدث
لم تتحمل ذلك فتقدمت صوب المكان وقالت "خاير الجماعة"، ماذا يقع هنا؟
يشرح لها رجلا هناك ما يحدث
لما تأكدت تقدمت قائلة: أنا أعرف أرض بصويلح جيدًا، لقد حرثناها من قبل ولم تكن فيها هذه الشجرة أبدًا، بل كانت في أرض سي العربي، وكم من مرة وجدت علالة تقطف ثمار التين منها..
يرفع سي العربي كلتا يديه صارخًا، اللهم فشهد اللهم فشهد، اللهم فشهد ظلم هذا الظالم، لقد ظهر الحق وزهق الباطل..
أما الراضي فيجد نفسه في موقف محرج، وعلى الرغم من شهادة العجوز، ظل متشبثا برأيه، قال إذا كان من أحد قد وسع أرضه فهو بصويلح، ولا شأن لي في ذلك، أنا دفعت أمولًا، في سبيل ذلك..
- تقدم الفقيه مرة أخرى قائلًا، حتى الآن ليس هناك مشكلة لنسأل بوصويلح..
- سارع الراضي ملحًا على الشيخ الإتصال به، فبصويلح كان خاتمه وربما مايزال على الرغم من أنه يعيش في مراكش
اتصل به الشيخ ووضح له القضية، ثم رفع سماعة الهاتف حتى يتسنى سماع ذلك من لدن الجميع، قال إن الشجرة كانت في أرضه وأن الحد يتخطاها بأربع إلى خمس خطوات.. يتفاجأ الكل بما فيهم الراضي، جواب أكثر من متوقع، وربما تسائل البعض من الذي يجعل رجلا في مراكش لم يعد إلى المدشار منذ عقد من الزمن يكذب.. أي مصلحة وأي منفعة؟
أندهش سي العربي كما المرأة العجوز، التي أقسمت أن بصويلح يكذب، لكن الراضي اتهمها بالكذب والنفاق وحشر أنفها فيما لايعنيها..
تعود الأمور لبدايتها، وتشتد الشتائم والإتهامات، وتفتح نوافذ عميقة على الماضي.. ليس بين العربي والراضي فقط، بل وبين أحمد ومحمد أيضا..
لكن نظرًا لجرأة الفقيه وديبلوماسية الشيخ، أرغم الطرفين على قبول حل وسط، بجعل الشجرة حدًا فاصلًا بينهما، ولكي لايقع خلاف، طلب الشيخ الشابين بجزها، إن الراضي رابح رابح أكانت الشجرة أو ما بعد الشجرة، فليس لديه ما يخسره، فقد كان هدفه الضغط على سي العربي ليبيع له أرضه، لكن تأكد له الآن أن العربي مستعد للقتال، ولكنه رغم كل شيء يعد هذه الخطوة إنتصارًا، إنها من أرض العربي..
تم مد الحد بينهما وأقسم سي العربي بأغلظ الأيمان أنه لو تكرر الأمر فإنه لن يلجأ إلى الشيخ أو القائد، بل سيحرث أرض الراضي من القطر إلى القطر..
يدرك الحاضرين أن الراضي لربما يقيم وليمة الليلة، فعلى الرغم من أن الكل يعلم بما هو حق، فإن اللحم الطازج فوق الحق، والناس هنا مستعدين لبيع كرامتهم من أجل رغيف خبز..
سيستغرق سي العربي أيامًا طويلة ليهن عليه الأمر، وينسى ولو برهة فعلت الراضي تلك، وما شجعه على ذلك دخول إبنه الأصغر القوات المساعدة، وحصول إبنه البكر الوفي على منحة دولية لمتابعة دراسته بكندا، بينما عرس إبنه أحمد على الأبواب..
أما الراضي فهو كعادته ينسى بسرعة لآنه متعود، فالطبع الإستغلالي الذي يمارسه، يجعله يحس بالذنب على عدم الإستغلال أكثر من الذنب على الإستغلال، إنه مرض مزمن لاشفاء منه، إذ لا يمكن للمصاب به، أن يغمض له جفن إن لم ينتهك حرمات الآخرين!!
المال لا يضع طريقا في البحر وحسب، بل ويشتري البحر كله..






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,558,049,792





- الفنانة لبلبة تكشف عن الحالة الصحية للزعيم :”عادل بخير وزي ا ...
- وسط حرائق لبنان.. فنانون لبنانيون يهاجمون الحكومة
- القاص “أحمد الخميسي”:لا أكتب الرواية لأنها تحتاج إلي نفس طوي ...
- عالم مليء بالمستعبدين والمجرمين.. الجرائم المجهولة في أعالي ...
- في حفل بالدوحة.. تعرف على الفائزين بجائزة كتارا للرواية العر ...
- الأمانة العامة لحزب المصباح تثمن مضامين الخطاب الملكي ونجاح ...
- الرئيس يعدم معارضيه.. مشهد سينمائي محرّف يشعل حربا ضد ترامب ...
- هاتف يعمل بالإشارة وسماعة للترجمة الفورية.. تابع أهم ما أعلن ...
- -مفتعلة.. حولها إلى رماد-.. كيف تفاعل فنانون لبنانيون وعرب م ...
- يوسف العمراني يقدم أوراق اعتماده لرئيس جنوب إفريقيا


المزيد.....

- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عادل امليلح - المرجة والحراث