أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - فاروق عطية - في ذكرى الجنيه الذي حانت منيتة















المزيد.....

في ذكرى الجنيه الذي حانت منيتة


فاروق عطية

الحوار المتمدن-العدد: 6334 - 2019 / 8 / 28 - 06:46
المحور: كتابات ساخرة
    


قررت التوقف عن الكتابة في السياسة عما حدث وما لم يحدث وما يجب أن يحدث، قررت أن آخذ فسحة لالتقاط الأنفاس وأروح عن نفسي بالرجوع للماضي الجميل، استعرض شريط ذكرياتي عن الماضي الذي ولّى وفات، أيام الصبا والشباب من بداية الاربعينيات وأتحسّر على أيام جميلة ليتها تعود ولكنها أبداً لن تعود لأن الزمن لا يتوقف عن الجريان وبالقطع لا يمكن أن يعود، وعلى رأى ثومة حين تصدح قائلة "عايز الزمان يرجع زي زمان قول للزمان ارجع يا زمان" ولكن هيهات فألذى فات فات وفي ديله سبع لفات.
أتذكر أن الناس فى الأربعينيات كانت تعتبر الأسعار مبالغ فيها وأن سبب ذلك يرجع للحرب العالمية الثانية التى انتهت ولكنها خلفت دمارا تبعه ارتفاع أسعار بعض السلع، وبالرغم من ذلك فقد كانت الأسعار ثابتة ولم تتعير منذ بدأنا أطفالا نتعامل بالشراء حتى قيام حركة الضباط في بداية الصبا والشباب. كانت بعض السلع شحيحة وتوزع بالبطاقات مثل الكيروسين والسكر وبعض الأقمشة الشعبية كالكستور والدبلان والزفير. وكان الفرق بين سعر السلعة بالبطاقة وسعرها الحر لا يتجاوز بضع قروش، مثلا كانت أقة السكر الحر 3.5 قرشا وبالبطاقة 2.5 قرشا، وكان لتر الكيروسين بقرش واحد وعلى كل بطاقة عدد من كوبونات الكيروسين يخفض السعر إلى خمس مليمات للتر.
كُنت فى بداية الاربعينات تلميذا بالمدرسة الابتدائية وكان اليوم الدراسى سبع حصص يومية يتخللها فُسحتان، فُسحة صغيرة ربع ساعة بعد الحصة الثالثة وفُسحة كبيرة مدتها ساعة بعد الحصة الخامسة (لوجبة الغدا). وكان مصروفي اليومي الذي كان يحسدني عليه الكثير من التلاميذ قرشا كاملا، كنت أنفق نصفه فى الفسحة الكبيرة بشراء سندوتش طعمية ساخنة وباذنجان مقلى مع السلطات نصف رغيف مليئ من الصعب على طفل مثلى أن يأكله فكنت أقتسمه مع صديق يعطينى بعض الحلوى فى المقابل. وكنت أشترى بنصف مليم لب ونصف مليم حمص وسودانى للتسلية ويتبقى معى أربعة مليمات كاملة أقتصدها حتى يتكون عندى مبلغ كبير كخمسة قروش لاشترى كرة قدم ألعب بها مع الأتراب.
كنا نشترى ثلاث بيضات بقرش ورطل اللحم بقرشين وأقة السمك من أفخر الآنواع بقرش ونصف، وكان لتر اللبن بخمس مليمات، ورطل الزبد البلدى بقرش وحزمة الفجل بمليمين وأحيانا ثلاث حزم بتعريفة (خمس مليمات). ورغيف العيش البلدى اللذيذ الطعم وجيد الصنع كبير الحجم بنصف قرش، وكان يوجد منه أنواع عديدة منها الطرى والملدن والمفقع والمحمص، ويتبارى أصحاب المخابز فى توصيل الخبز للمساكن، وكانت الفاكهة والخضروات تباع بالشروة وليست بالميزان مقابل مليمات أما البلح فكنا نشتريه بطرح النخلة بما لا يزيد عن الخمسة قروش. وكان إيجار البيت من بابه أو الشقة المتسعة ثلاث عرف نوم تؤجّر بخمسين قرشا شهريا.
وكان الجنيه المصري يساوى مائة قرشا والقرش يساوى عشرة مليمات والمليم يساوى برونزتين، وكان الجنيه المصري عملة محترمة بل سيد العملات، تفوق سطوته عملات دول العالم الكبرى، فقد كان الجنيه الاسترلينى الذهب يساوى 97.5 قرشا والدولار الأمريكى يساوى 20 قرشا. وكانت العملة المصرية الورقية ذات فئات مختلفة أكبرها الورقة ذات المائة جنينه، والورقة ذات الخمسون جنيه، والجنيه المصرى الأخضر اللون، ثم نصف الجنيه وربع الجنيه وعشرة قروش وأصغرها الخمسة قروش. أما العملات المعدنية فكانت كالآتى: عملات فضية من الفضة الخالصة وهي الريال (20 قرشا) ونصف الريال (10 قروش) وربع الريال (خمسة قروش) وأصغرها عملة ذات القرشين، وهناك العملات المعدنية من النيكل وهي القرش ونصف القرش (التعريفة) ونصف التعريفة (عشرة فضة) والمليمين (النكلة)، أما العملة النحاسية فكنت المليم ونصف المليم (البرونزة) وحدثنا الأجداد عن السحتوت (2.5 بارة) والبار (ربع المليم). وكانت العملات المعدنية كالقرش والتعريفة باسم السلطان حسين والملك فؤاد والملك فاروق ومنها العملات المخرومة والغير مخرومة. وفى مرحلتّي الطفولة والصبا لم أتشرف بالتعرّف على فخامة الجنيه المبجّل ولم التق به وجها لوجه إلا فى مرحلة الدراسة الجامعية، فقط تعرفت على العملات المعدنية من الفئات الصغرى أكبرها لا يتعدى العشرة قروش.
ظلت الأسعار ثابتة لا تتغير منذ الأربعينات حتى منتصف الخمسينات بعد قيام حركة الضباط. وبدأ الارتفاع التدريجى للأسعار فى منتصف الخمسينات وكان سبب ذلك تشدق عبد الناصر برفع أجور العمال فى كل عيد من أعياد الثورة دون دراسة أو إيجاد موارد للصرف على هذه الزيادات غير التضخم التمويلى بطبع المزيد من العملات بدون أن يقابلها أرصدة حقيقية. وللحقيقة فقد كانت الزيادة فى الأسعار غير كبيرة وغير متلاحقة بالصورة البشعة التى نراها هذه الأيام وذلك لأن الدولة كانت تدعم الأسعار بالاستدانة والقروض حتى لا يحس المواطنون بهذه الفروق، وعندما انتهت الحقبة الناصرية ورث السادات إرث مثقل بالديون.
والبداية الحقيقية لتوحش وجنون الأسعار كانت بعد الهزيمة المرة فى 1967م حين بدأت العمالة المصرية فى السفر حيث يوجد الرزق فى بلاد النفط لدويلات الخليج والعراق ويعودون بوفرة المال التى تمكنهم من قدرة الشراء حتى قيل إنهم السبب في غلاء المِش على الطبقات المطحونة. وازدادت الأسعار توحشا بالانفتاح الغير مخطط فى عصر السادات وظهور مافيا التوكيلات وسماسرة التجارة وحيتان توظيف الأموال، وزاد غول الغلاء توحشا فى عصر بسلامته (المخلوع) وسيطرة الحزن الوطني على مقدرات شعب أعزل مهيض الجناح تطحنه الأمراض والجهل وتمسك بتلابيبه عوامل الفقر وكثرة العيال وقلة الحيلة والبركة فى مجلس سيد قراره المليء بنواب القروض ونواب المخدرات والقمار والتهريب وماصى دماء الشعب من نمور وحيتان وصقور وغيلان.
وأتذكر أيضا ما كان يقصه علينا الأجداد ويصفون أيامنا بالغلاء الفاحش حيث كانوا يشترون العشر بيضات بقرش صاغ ورطل اللحم بعشر مليمات وحزمة الفجل الكبيرة بمليم، ويتعاملون بالسحتوت والبارة التي انقرضت والحمد لله علي أيام طفولتنا. وفي هذا الصدد أتذكر زجل المجلس البلدي لعمنا بيرم التونسي، وبيرم هذا رغم أنه تونسي الأصل لكنه مصري حتي النخاع وابن بلد من الدرجة الأولي، قاسي الأمرين حين نفي إلي فرنسا أيام الملك فؤاد حتي عاد لعشق روحه وموطنه الحقيقي مصر أيام الملك فاروق. ويقول في زجله المجلس البلدي الذي انتقد فيه المجلس البلدي ومدي جوره علي الغلابى والمساكين، كما أرخ فيه لسعر حزمة الفجل الذي وصل سعرها هذه الأيام الغبرة لجنيه كامل أي 1000 مليم، مما يؤكد أن جنيه اليوم لا يساوي أكثر من مليم الماضي الجميل:
قد أوقع القلب في الاشجان والكمد .... هوى حبيب سمي المجلس البلدي
أمشي وأكتم أنفاسي مخافة أن .... يعدّها عامل المجلس البلدي
ما شرد النوم عن جفني القريح سوى ... طيف الخيال خيال المجلس البلدي
إذا الرغيف أتى فالنصف آكله ... والنصف أتركه للمجلس البلدي
وإن جلست فجيبي لست أتركه ... خوف اللصوص وخوف المجلس البلدي
وما كسوت عيالي في الشتاء ولا ... في الصيف إلا وكسوت المجلس البلدي
كأن أمي بلل الله تربتها ... أوصت وقالت أخوك المجلس البلدي
أخشى الزواج إذا يوم الزفاف أتى ... أن ينبري لعروسي المجلس البلدي
وربما وهب الرحمان لي ولدا... في بطنها يدعيه المجلس البلدي
وإن أقمت الصلاة قلت مفتيا ... الله أكبر باسم المجلس البلدي
أستغفر الله حتى في الصلاة عدت ... عبادتي نصفها للمجلس البلدي
يا بائع الفجل بالمليم واحدة ... كم للعيال وكم للمجلس البلدي ؟





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,523,727,468
- المشكلة الأهليزملوكية
- ماذا لو لم ينجح انقلاب 23 يوليو جدليا ؟
- الأقباط ودولة المماليك البرجية
- دولة المماليك البرجية (الشركس)
- حريق القاهرة
- الأقباط في عصر المماليك البحرية -2
- الأقباط في عصر المماليك البحرية-1
- دولة المماليك البحرية -3
- دولة المماليك البحرية-2
- دولة المماليك البحرية -1
- فضائح أكليروسية في الدولة الأيوبية
- فقراير والسولار المتطاير
- الأقباط والدولة الأيوبية
- صلاح الدين الأيوبي بين النبل والحقارة
- مصر والدولة الأيوبية
- الأقباط والدولة الفاطمية (الجزء الخامس)
- الأقباط والدولة الفاطمية (جزء رابع)
- الأقباط والدولة الفاطمية (جزء ثالث)
- الأقباط والدولة الفاطمية (الجزء الثاني)
- الأقباط والدولة الفاطمية: (جزء أول)


المزيد.....




- «الخارجية الفلسطينية» تستدعي نائب رئيس الممثلية الأسترالية ع ...
- الفنان التشكيلي المغربي المهدي قطبي
- -قلب خساية-... بشرى تحذف سخريتها من فستانها في -الجونة السين ...
- مصر.. بلاغ عاجل للنائب العام لسحب الجنسية المصرية من الفنان ...
- موسيقار مصري يخاطب الشاعر الراحل صلاح جاهين
- مهرجان المسرح الأمازيغي بالحسيمة يكرم الفنانة المقتدرة سعاد ...
- زمن العرب في صقلية.. رحلة الشعر من ظلال الأمراء إلى بلاط الن ...
- -تبييض السينما-.. لماذا ترفض هوليوود اسم -محمد- في فيلم بميز ...
- العثماني: التعديل الحكومي سينطلق بعد عودتي من نيويورك
- جلالة الملك يشيد بعلاقات البلدين في العيد الوطني للسعودية


المزيد.....

- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم
- التكوين المغترب الفاشل / فري دوم ايزابل
- رواية ساخرة عن التأقبط في مصر بعنوان - البابا / الصحفي الراحل في جريدة البديل اليسارية المصرية/ محمد ربيع
- رواية ساخرة عن التأسلم بعنوان - ناس أسمهان عزيز السريين / الصحفي الراحل في جريدة البديل اليسارية المصرية/ محمد ربيع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - فاروق عطية - في ذكرى الجنيه الذي حانت منيتة