أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - ضيا اسكندر - أوَّلُ مهمّةٍ حزبيّة














المزيد.....

أوَّلُ مهمّةٍ حزبيّة


ضيا اسكندر

الحوار المتمدن-العدد: 6332 - 2019 / 8 / 26 - 17:30
المحور: كتابات ساخرة
    


في ربيع عام 1974 وأنا في غمرة شبابي أشتعل لهفةً وحماساً لتغيير المجتمع والقضاء على الظلم والفقر والاستبداد.. انتسبتُ إلى الحزب الشيوعي السوري وكان عمري سبعة عشر عاماً.
وفي الأول من أيار من ذلك العام حيث اعتاد الحزب على إصدار بيان بمناسبة عيد العمال العالمي، فقد تمَّ استدعائي إلى أحد بيوت الرفاق الكائن في حيّ العنّابة باللاذقية لاستلام البيانات وتوزيعها على المحلات التجارية والدكاكين وعلى المارّة في الشوارع.
ذهبتُ بصحبة أحد الرفاق إلى ذلك الحيّ تخالجني مشاعرُ التحدّي والإقدام على هذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر في تلك الحقبة الزمنية. لا سيما وأن ميثاق الجبهة الوطنية التقدمية المعمول به ينصّ في أحد بنوده على أنه يحظّر على أحزاب الجبهة العمل والنشاط في صفوف الطلبة، فهذا النشاطُ حكرٌ على حزب البعث دون غيره. وبالتالي فإن انتسابي عملياً للحزب الشيوعي يُعَدُّ خرقٌ لميثاق الجبهة!
لدى بلوغنا البيت المقصود في أحد الأزقّة الضيقة من ذلك الحيّ، والذي هو عبارة عن غرفة ومنتفعاتها مبنيّة من الحجر الرمليّ العتيق، والذي مضى على بنائه ما يزيد عن مائة عام. كان في استقبالنا عددٌ من قادة المنظمة في المدينة. الغرفة فيها سرير وطاولة متوضّعٌ عليها أكداس من بيانات الحزب بألوان متعدّدة. ومجموعة من الكراسي يرتاح على بعضها الرفاق.
سرعان ما تمَّ تحديد الأحياء والشوارع المستهدفة بالتوزيع والرفاق المنوط بهم توزيعها. على أن يكون كل فريق منهم مؤلف من رفيقين تحسّباً لأيّ طارئ من اعتقال أو مشاجرة أو أيّ حالة مشابهة. بحيث يقوم أحد الرفيقين على الأقلّ، إن لم يتمكّنا معاً من الفرار، بإخبار قيادة المنظمة عن الأمر الطارئ.
تمَّ تكليفي ورفيق شاب آخر من عمري أراه للمرّةِ الأولى، بالتوجّهِ إلى الشوارع القريبة من مقرّنا وتوزيع البيانات بسرعة. وتمَّ تنبيهنا إلى ضرورة توخّي الحذر وعدم استفزاز الناس والتعامل معهم بمنتهى الدماثة.. وفي حال تعرّضنا إلى أيّ حادث مريب نعود فوراً إلى المقرّ. على أن يرافقنا عن بعد أحد الرفاق من ذوي التجربة والخبرة للمراقبة على حسن تنفيذنا المهمّة. فكلانا يقوم بهذه المهمّة لأول مرّة، ونجهل كل هذه الاحتياطات والتدابير.
خرجنا مندفعين وقد حمل كلٌّ منّا رِزْمةً من البيانات وبدأنا بتوزيعها وفق التعليمات المعطاة لنا. وخلال أقلّ من ربع ساعة فرغنا من مهمّتنا وعُدْنا مُسرعَين نرفل بمشاعر النصر لاستلام المزيد من البيانات.
استلمنا مجدداً الرزم. وإمعاناً في الحذر اقترحتُ على رفيقي الذي يرتدي قميصاً أحمر وبنطالاً أسود أن نتبادل اللباس. فأنا أرتدي مثله بنطالاً أسود لكنّ قميصي لونه أبيض. وافق سريعاً مستحسناً هذه الفكرة "الذكيّة!"، وخلع كلٌّ منا قميصه وأعطاه للآخر ببراءة وسذاجة. وانطلقنا دون أن نفطن بأن هذا "التخفّي" لا معنى له طالما أننا نقوم بذات المهمة، وبذات شخصَينا من دون أيّ تمويهٍ أو تغيير.
لدى عودتنا إلى تلك الغرفة كنّا نومضُ من النشوةِ والفرح. لا سيّما وأنه لم يحدث معنا أيّ حادثة تُذكر إبّان التنفيذ. فقد أنجزْنا المهمّة بنجاح. أخبرْنا رفاقنا القادة بما قمنا به، وختمْنا حديثنا ونحن نتسابق متباهِيَين على تقديم الشروحات عن التفاصيل، بأنْ أطلعناهم على اجتهادنا "العبقري" بأننا تبادلنا قميصَينا لتضليل المراقبين الأمنيين الذين يرصدوننا، بأنّ الفريق الثاني الذي قام بالتوزيع إنما يعود لشخصَين آخرين.. معتقدين بذلك بأننا قمنا بفعلٍ حسنٍ ننتظر على إثره المديح. أثنى علينا بعض الرفاق وقد تغاضَوا عن غفلتنا مقدّرين حداثة تجربتنا. وقهقه آخرون على "إبداعنا النضالي" وسط تعليقاتهم المرحة والساخرة.
دهمتنا رشقة قويّة من الخذلان جعلتنا نسترخي في الحال. وتحوّل وجْهانا مُنْقبِضا الأسارير إلى اللون الأحمر من جرّاء انفجار بركان الحياء فينا. دارَينا خيبتنا بأن امتشق كلٌّ منّا سيجارة كمحاولةٍ منّا لتبديد حالة الدّونيّة التي مرّغنا بها رفاقنا من دون قصد. وبدأنا نتشاغل بإبداء استعدادنا لتكرار ذات المهمة، ونحن نجاهد عبثاً إطفاء خجلنا.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,524,069,779
- هل روسيا «الأمّ الرؤوم» لأصدقائها؟
- سورية إلى أين؟!
- هل الحلفاء أخوة؟!
- «القرضاوي» والمسيحية
- مرةً أخرى عن العلمانية
- ذَكَرُ العجل
- دوامُ الحال، من المُحال..
- المنشور
- جاري والدكتورة
- قراءة في «بالخلاص يا شباب!»
- قراءة موجزة في «زمن مستعمل»
- «العمى»
- «الانفجار السوري الكبير»
- قراءة في «بجعات برّيّة»
- كنّا أشقّاء، وسنبقى..
- معجزة العصافير
- وتساقطتْ أوراقُ الليمون
- المعلّم «الكافر!»
- «المعلوم!»
- المرأة ربيعٌ أيضاً


المزيد.....




- بن إسماعيل.. مصور مراكش الثقافية والفنية منذ ثلاثة عقود
- الأمير مولاي رشيد يستقبل الدوق الأكبر ولي عهد اللوكسمبورغ وع ...
- «الخارجية الفلسطينية» تستدعي نائب رئيس الممثلية الأسترالية ع ...
- الفنان التشكيلي المغربي المهدي قطبي
- -قلب خساية-... بشرى تحذف سخريتها من فستانها في -الجونة السين ...
- مصر.. بلاغ عاجل للنائب العام لسحب الجنسية المصرية من الفنان ...
- موسيقار مصري يخاطب الشاعر الراحل صلاح جاهين
- مهرجان المسرح الأمازيغي بالحسيمة يكرم الفنانة المقتدرة سعاد ...
- زمن العرب في صقلية.. رحلة الشعر من ظلال الأمراء إلى بلاط الن ...
- -تبييض السينما-.. لماذا ترفض هوليوود اسم -محمد- في فيلم بميز ...


المزيد.....

- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم
- التكوين المغترب الفاشل / فري دوم ايزابل
- رواية ساخرة عن التأقبط في مصر بعنوان - البابا / الصحفي الراحل في جريدة البديل اليسارية المصرية/ محمد ربيع
- رواية ساخرة عن التأسلم بعنوان - ناس أسمهان عزيز السريين / الصحفي الراحل في جريدة البديل اليسارية المصرية/ محمد ربيع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - ضيا اسكندر - أوَّلُ مهمّةٍ حزبيّة