أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - إبراهيم جركس - الوجودية[11]: الوجود يسبق الماهية















المزيد.....

الوجودية[11]: الوجود يسبق الماهية


إبراهيم جركس

الحوار المتمدن-العدد: 6332 - 2019 / 8 / 26 - 02:06
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يجادل سارتر في عمله المهم "الوجودية مذهب إنساني" بأنّ مجمل الفكر الوجودي مختصر في مقولة "الوجود يسبق الماهية". ولكن لا يتفق مع الجميع حول هذه التسمية (ومنهم هيدغر) ولكنه بالتأكيد مفهوم هام جداً. ولكي نكون أكثر دقةً، مايقوله سارتر هو أنّ __ وجودنا يسبق ماهيتنا... لنوضّح أكثر.
سيكون الأمر أوضح إذا وضعنا على مفهوم الجوهر. فعندما نقول أنّ شيئاً ما أمر جوهري، فمعناه أنه أمر حيوي وضروري. إذا صنعنا حساء بالفطر، ولم نضع فيه فطراً، عندها لن يكون هذا الحساء حساء الفطر. فالفطر جزء حيوي وجوهري بالنسبة لحساء الفطر ليكون الحساء حساء الفطر، وليس حساءً آخر. إنّ جوهر الشيء هو مايجعله على ماهو عليه. لذا من خلال القول أنّ الوجود يسبق الماهية يقصد سارتر أنّ الكائنات البشرية توجد أولاً _أي تولد وتعي حياتها_ قبل أن يصبحوا على ماهُم عليه. وليس هناك أي مكوّن أساسي وجوهري يحدّد ماهية الكائن البشري. لاشيء، باختصار، يمكن اعتباره جوهراً أو طبيعةً تجبر جميع البشر على أن "يكونوا" وفقاً لصورة مسبقة ما. ليس هناك طبيعة بشرية، وليس هناك كينونة محدّدة سلفاً تحدَد ماهيته. فالإنسان يبدأ حياته بصفته لاشيء، كشيء مجهول وصفحة بيضاء تماماً.
سأشرح بعد قليل معنى ذلك كله ومدى أهميته، وبالأخص بالنسبة لمسائل كالحرية الإنسانية والمسؤولية والقيمة. يمكنك التفكير في الحرية كنموذج أبيض خام عليك أنت أن تعبّئه. إنّه موجود، لكنه موجود فقط لتتمّ تعبئته بشيء آخر. وفي حالة الكائنات البشرية، ذلك الشيء الآخر هو ماهيتك وهويتك.

#كائن بشري وليس مجرّد ساعة
--------------------------------------
يشرح سارتر معنى أهم عبارة من عباراته من خلال المقارنة بين الكائنات البشرية وآلة مصنّعة. ونحن سنستخدم مثال الساعة هنا، أمّا سارتر فقد استخدم مثال قطّاعة الورق، لكنّ النقطة التي نريد توصيلها هي نفسها تماماً. الساعة لها وظيفة محدّدة: إنّها موجودة لك تخبرنا الوقت. ومع أنّ بعض الساعات تكون ذات عقارب أو قد تكون رملية أو حتى رقمية أو مرفقط بسكين للقطع، فإذا كان الشيء لايخبرنا عن الوقت لا يمكن أن نقول عنه أنه ساعة. بإمكاننا القول (بطريقة فلسفية إن أردت) أنّ الإخبار عن الوقت هي سمة جوهرية ليكون الشيء ساعة، وهذا مايجعل من الآلة ساعة. علاوةٌ على ذلك، هذه الوظيفة موجودة مسبقاً في ذهن صانع الساعات قبل صناعة أي نوعٍ من الساعات. لا أحد يصنع ساعة دون أن يدور في خلده مايلي: ((سأصنع شيئاً يخبرنا بالوقت)). لكنّ جوهر الساعة مايجعل منها ساعةً فعلاً _يسبق وجودها الفعلي لأنّ ذلك الجوهر، ذلك الغرض منها، كان موجوداً داخل عقل المصمم قبل أن صنع الساعة ويصبح لها وجود في هذا العالم.
لذا هناك خاصيتان مثيرتان بالساعات هما:
1) إنّ لها جوهر ثابت أو تعريف محدّد يحدّد ماهيتها. وهو جزء ممّا يجعلها ساعة، أي أنّها شيء يخبرنا عن الوقت. فالإخبار عن الوقت يعتبر سِمة جوهرية في أي ساعة.
2) الجوهر موجود قبل الساعة الفعلية. الجوهر موجود كفكرة أو مخطط قبل أن تُصنَعَ الساعة، ويلعب دور المُرشِد في صناعتها.
يشير سارتر بصورة دراماتيكية أنّه إذا لم يكن الله موجوداً، فإنّ هذه المعادلة تصبح معكوسةً تماماً، أو على ألأقل بالنسبة لكائن واحد موجود في هذا العالم. لأنّ الله لم ُصَمّمنا أو يخلُقنا، فإنّنا لم نُخلَق ولنا خطّة مُسبَقَة موجودة داخل عقولنا، كحال الساعة. وعلى عكس مثال الساعة، لم يكن هدفنا أن نعيش وفق وظيفة محدّدة ـأو تُدرِكَ نَمَطَاً معيناً، فعندما نولد، نوجد في هذا العالم ببساطة، بدون أي سبب أو هدف أو غاية. ليس هناك أي خالق لديه تصميم أو ماهية مسبقة ف عقله بشأننا، لذا فنحن موجودون قبل أن يكون لوجودنا أي معنى أو هدف أو غاية.
لذا، وحسب سارتر، نحن خلاف الساعة بطريقتين مختلفتين:
الأولى: ليس لدينا جوهر ثابت أو تعريف محدّد. فكوننا بشراً لايعني هذا أنّ هناك أيّ معنى أو غاية أو مغزى من وجودنا، "فالطبيعة البشرية" مفهوم خاطئ ولاوجود له.
الثانية: نحن نوجد قبل أن تكون لنا ماهية أو تعريف أو هدف أو غاية.
مع أنّ الساعة تبدأ وجودها كأداة لإخبارنا عن الوقت، فإنّنا كبشر نبدأ كلا شيء إطلاقاً، كخواء أو قشرة خاوية، مجرّد جسد خام. ماهيتنا الوحيدة هي أنّنا كائنات تفتقر إلى أي ماهية مسبقة.
ولكن لاحظ معي عزيزي القارئ، الكلمتين الغريبتين "ثابت/محدد" و"قبل". إنّ الماهية والفرض والمعنى _بالنسبة للبشر، هذه الأمور تأتي لاحقاً. فنحن نولَد من دونها، لكننا علينا تقع مسؤولية صنعها وتطورها بطريقة خاصة بنا وحدنا.
لهذا السبب نجد أنّ "الوجود يسبق الماهية". إنّ الكائنات البشرة من الناحية الجوهرية هي مخلوقات تصمع جوهرها الخاص بنفسها. عليك أن تحدد وتعرّف نفسك عن طريق خياراتك وأفعالك. فبعد ممارستك لحريتك وإرادتك الخاصة واختيارك طريقة تصرّفك في هذا العالم الذي تبدأ فيه بتعريف ماهيتك وتطوير أو خلق المعنى لوجودك الخاص.
=======================================================
# من كتاب القاموس التاريخي للوجودية Historical Dictionary of Existentialism (Stephen Michelman).
_الوجود يسبق الماهية:
----------------------------
عبارة صاغها جان بول سارتر في مقالته الطولة "الوجودية: مذهب إنساني" لتعرف الأساس الفلسفي للفلسفة الوجودية. ومع أنّ سارتر أقصى نفسه تماماً عنها لاحقاً، إلا أنّ هذه الصيغة أصبحت من أشهر وأكثر الصيغ تداولاً. في هذه المقالة، يوضّح سارتر مقصده من خلال فكرتين أساسيتين: 1) "الإنسان ليس سوى مايصنعه هو بنفسه" و2) "لايكون للإنسانية شيء اسمه الطبيعة البشرية، لأنّه لايوجد الرب الذي تَمَثَّلَ وجود هذه الطبيعة وحققها لكل فرد". وبذلك صبح معنى هذه العبارة أنّ البشر يعرفون أنفسهم ويحدّدون ماهيتهمعن طريق أفعالهم وخياراتهم في معرِض عملية الوجود بدلاً عن طريق الكينونة المسبقة من خلال طبيعة مقرّرة مسبقاً أو جوهر محدّد، بطريقة الصناعة البشرية، أو الأشياء الرياضية، أو أي كائن إلهي غيبي مفارق.
إنّ صيغة سارتر الوجودية تسري في الفلسفة التقليدية القديمة على التفريق بين ماهية الشيء أو "جوهره": "وجوده". تقليدياً، الجوهر هو الطبيعة أو الشكل أو الفئة الثابتة والكلية التي يوجد وفقها شيءٌ ما. وتُفهَم الجواهر تقليدياً بوصفها الشيء الأكثر ملائمةً للبحث الفلسفي، لأنها تعبّر عن الجوانب الضرورية والثابتة للواقع. بينما يؤخذ الوجود للتعبير عن كل ماهو طارئ وعابر. المثلث الموجود في ورقتي لأنني رسمته هو أقلّ الأشكال واقعيةً _أقلّ كمالاً، وأقل اكتمالاً، وأكثر قابلية للزوال_ من جوهر المثلث الذي أتمثّله في عقلي. على غرار جميع الموجودات، إنّ المثلث الموجود على الورقة هو إنشاء ناقص شبيه بالمثال الموجود داخل عقلي,
يشرح سارتر كيف يتم عكس هذا الوضع في حالة البشر. إذ يختلف البشر عن الموجودات الأخرى من ناحية أنّهم لايملكون جواهر ثابته مقرّرة مسبقاً بالمعنى التقليدي، ولاطبيعة محدّد مسبقاً أو غاية أو هدف، كالتي تضفيها التعريفات الكلاسيكية القديمة على الإنسان، بوصفه "كائناً عاقلاً" أو "كائناً مخلوقاً". "فماهية" الشخص ماهي إلا نتاج الطريقة التي يختارها أو تختارها لممارسة الوجود، إنّها مجموع أعماله/ها وقراراته/ها. وبالتالي يكون معنى عبارة "الوجود يسبق الماهية" أنّه لايمكن معرفة خصائصي أو "جوهري" قبل وجودي، لأنّ نوع الشخص الذي أنا عليه يتحدّد بالالتزامات التي أختار متابعتها في حياتي. إنّ الخصائص الإنساني الشاملة المزعومة كالعقلانية والأخلاق هي _بالنسبة لسارتر_ نتائج وأعراض وليست علل للوجود. الوراثة والظروف الاجتماعية، أيضاً، هي في النهاية "ما أصنعها أنا" من خلال مشاريعي والتزاماتي.
على الأغلب إنّ مصدر صيغة سارتر هو عبارة لمارتن هيدغر ف كتابه "الكينونة والزمان" بأنّ ("جوهر" الدازاين يكمن داخل وجوده). ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ هيدغر لم يشارك سارتر فهمه للوجود، والذي اعتبره _مخطئاً_ بأنه مرتكز حول الإنسان وذاتي النزعة. لذلك انفصل بشكل واضح وصارخ عن وجودية سارتر في رسالته "رسالة حول الإنسانية".





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,520,464,898
- الثالوث النصيري: {المعنى علي، والاسم محمد، والباب سلمان ج2}
- الثالوث النصيري: {المعنى علي، والاسم محمد، والباب سلمان ج1}
- الشيطان [2]: روبرت غرين إنغرسول
- الشيطان [1] روبرت غرين إنغرسول
- النظام العقائدي النصيري: {ألوهية علي بن أبي طالب ج2}
- النظام العقائدي النصيري: {ألوهية علي بن أبي طالب ج1}
- عَزاء أبيقور [2]: عن الموت ومواجهة فنائنا الخاص
- عَزاء أبيقور[1]: الكائن الخالد وما يشوب الإنسان من مشاعر وعي ...
- النظام العقائدي النصيري: {مفهوم الإله ج2}
- النظام العقائدي النصيري: {مفهوم الإله ج1}
- الفلسفة النصيرية-العلوية [4]: المكوّن الفارسي في العقيدة الن ...
- الفلسفة النصيرية-العلوية [3]: المكوّن الفارسي في العقيدة الن ...
- الفلسفة النصيرية-العلوية [2]: العلاقة بين المعنى والاسم
- الفلسفة النصيرية-العلوية [1] طبيعة اللاهوت النصيري-العلوي
- الوجودية [10]: نظرة تاريخية
- الوجودية [9]: نظرة تاريخية
- الوجودية [8]: نظرة تاريخية
- الوجودية [7]: نظرة تاريخية
- الوجودية [6]: نظرة تاريخية
- الوجودية: فلسفة إنسانية نحن في أمسّ الحاجة إليها [5]


المزيد.....




- بالصور.. من داخل محطات لندن المنسية؟
- ما عليك معرفته عن الأسلحة التي اخترقت دفاعات السعودية بهجوم ...
- التحالف يعلن قصف مواقع شمالي الحديدة
- خيارات الرد العسكري على هجوم -أرامكو- على طاولة ترامب
- شاهد: ماذا قال التونسيون عن رئيسهم المخلوع زين العابدين بن ع ...
- كيم كارداشيان تكشف تفاصيل مرضها الخطير... صور
- ردا على تصريحات بومبيو بشأن -الحل السلمي-… ظريف يحصي مبادرات ...
- خطوة مهمة في تعزيز مكانتها الدولية… السعودية تنضم إلى معيار ...
- الحريري: فرنسا وافقت على منح لبنان قرض بقيمة 400 مليون يورو ...
- موسكو حول التحالف الأمريكي في منطقة الخليج : إجراءات واشنطن ...


المزيد.....

- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى
- العود الأبدي ديانة مشركة وميتافيزيقا مادية ؟بعض التساؤلات حو ... / الحسن علاج
- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار
- مجلة الحرية العدد 3 / محمد الهلالي وآخرون
- كتاب الفيلسوف بن رشد / عاطف العراقي
- راهنية العقلانية في المقاولة الحديثة / عمر عمور
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في مجتمعاتنا العربية / غازي الصوراني
- مفهوم المجتمع المدني : بين هيجل وماركس / الفرفار العياشي
- الصورة والخيال / سعود سالم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - إبراهيم جركس - الوجودية[11]: الوجود يسبق الماهية