أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامح عسكر - السبيل إلى الثقافة.. مداخل وتعريفات (1)















المزيد.....

السبيل إلى الثقافة.. مداخل وتعريفات (1)


سامح عسكر

الحوار المتمدن-العدد: 6331 - 2019 / 8 / 25 - 12:07
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


إعلم أن الثقافة تعني المعرفة دون حواجز ، وأن هدفها العلوم كافة بصفتها قوانين مخلوقة، والقوانين منها معلوم ومنها مجهول..والمعلوم منه صواب ومنه خطأ، وظيفة المثقف هي تحرير الصواب من المعلوم ، ومراجعة الخطأ منه باكتشاف المجهول ، إينشتاين قام بمراجعة خطأ نيوتن (المعلوم) فوصل لقانون النسبية (المجهول) أما الآن أصبح قانون إينشتاين معلوم فيخضع فورا لقاعدة الخطأ والصواب فيُبحَث فيه باكتشاف أخطائه ، ومن يقوم بتلك المهمة يجب أن يحيط ويستوعب أولا فكرة إينشتاين وتطوراتها التي وصلت الآن لقمة الهرم بمبدأ الربط بين العلوم..

إذن الثقافة الآن لم تعد مهمتها الأولى هي فهم الماضي..بل فهم الحاضر وفقا لمبدأ الربط المشار إليه بين العلوم..وهو ربط يعد من أحد منجزات الاتجاه البنيوي والتفكيكي في عالم ما بعد بعد الحداثة، واختصار ذلك أن كل العلوم النظرية والتجريبية دون استثناء بينها روابط مشتركة يجري اكتشافها لفهم الكون والإنسان، لم يعد الدين حكرا على المتدينين بل له علاقة بالطب البشري والنفسي والأنثربولوجي والفيزياء والأحياء..إلخ، فعلى من يريد فهم الدين عليه أن يكون ملما بتلك العلوم في مبادئها الأولى واكتشافاتها اليومية دون الحاجة للتفاصيل.

شخصيا أقدم نفسي باحثا في التاريخ والفلسفة والدين بكل فروعه ..وهذا يلزمني بفهم تفاصيل كل تلك العلوم الدقيقة ومراجعة أخطائها واكتشافاتها أولا بأول، بينما لم أقدم نفسي أبدا على أنني طبيب أو فيزيائي أو عالم أحياء ونباتات ورياضيات..إلخ، لكن يكفيني العلم بمبادئ وطبيعة تلك العلوم الأولية التي تصلح للتعليم في المرحلة الأساسية ومراجعة جديدها واكتشافاتها كل يوم، ولهذا الاتجاه مصدر عند الفلاسفة الأوائل عند اليونان والمسلمين الذين تخصصوا في عدة علوم دون أخرى ثم وصلوا لتكوين فكرة نهائية لديهم عن الدين، وهذا يعني أن هدف الثقافة عند الإنسان هو الجواب على أسئلته الوجودية الخاصة بالدين ومعنى حياته تحديدا كفكرة شمولية مترابطة.

في السابق قلت أن الإصلاح عدة أنواع منها إصلاح سياسي وديني واقتصادي واجتماعي إلخ، لكن الإصلاح الديني هو البوابة الرئيسية التي ستسهل لنا فهم طبيعة وتحديات الصنوف الأخرى من الإصلاح، وشبّهت ذلك بالمدرسة التي تحوي بين جدرانها العديد من المواد الدراسية، لكن البوابة التي لا يمكن لأي من أصحاب تلك المواد الدخول والخروج إلا من خلالها يجب أن يمروا أولا بتجربة الإصلاح الديني، والسبب المباشر في كون الدين يمثل اللبنة الأولى وجوهر الإنسان في تفسير معنى وجوده والغاية من تصرفاته..ثم الأهم إرضاء ذاته العاقلة التي ترى العدل شرط أساسي في الحياه وبدونه لا معنى للوجود..

فمن ضمن شرائط العدل مثلا أن يُحاسَب الإنسان على أخطائه، فوصلوا أولا لفكرة القوانين المنظمة دنيويا، ولإيمانهم بحياة أخرى عند الآلهة وصلوا لفكرة الثواب والعقاب الأخروي المتعدد في تفاصيله بين الأديان بين عالم محسوس أو مجازي مفارق أو عالم يدخل في صلب الحياة الدنيوية فيثيب الصالح ويعاقب المخطئ.

فالثقافة إذن تعني المعرفة..لكن وقع الخلاف بحقها في رؤية الكمال والنقص بين الشعوب، كمن يرى أن العرب قاصرين بذواتهم عن اكتشاف معنى الحرية أو الوصول للعلم بمفردهم دون وسيط أو سليط، وفيها وقع خلاف كبير وشهير بين الجابري وطرابيشي، لكن الذي لم يتم تحريره في هذا الخلاف الطويل هو دور الصدفة البحتة أو الحظوظ في الاستنارة، فتعريف الحظ اصلاحيا أنه أمرُ يجري دون ترتيب وتخطيط تتفاعل عناصره كما لو كانت مرتبة، وهنا الحظ قد يلعب دور كبير في الإصلاح بالقياس إذا آمنا أن صعود الإخوان للسلطة في مصر لم يكن مخططا له من قِبَل الجماعة الآن، لكن الحظ خدمهم بانهيار وضعف خصومهم تباعا فوجدوا الفرصة سانحة لاقتناص العرش.

ولأن الحظ سلاح ذو حدين لم يتوقع الإخوان ولا أعتى خصومهم أن ينهاروا بتلك النهاية الدراماتيكية والتي اقتلعت جذورهم الفكرية عند الشعب حتى أصبحت مرادفات أهدافهم – كالخلافة والشريعة – تعني الشر والكذب والحماقة، ساهم الدواعش في تسريع نتائج هذا الحظ بختام الضربة القاضية التي لن تعطي لأي جماعة سياسية في مصر الحق في الدين والشريعة ربما لعدة عقود مقبلة..حتى بدون إنجاز أي تنوير حقيقي..لاسيما أن تجربة الحظ الإخوانية لم تدم طويلا كمن أنفق أمواله كلها في اليانصيب على أمل ضمان الفوز ثم يخسر فجأة دون ربح واحد بسيط.

لا شك أن حظ الإخوان السئ قارب فكرة التنوير للشعب ومؤسسات الدولة بشكل كبير، لاسيما لو علمنا أن الجهد الذي أنفق على سلفنة وأصلنة وتديين تلك المؤسسات استمر لخمسة عقود تقريبا..ومن الطبيعي أن تتأخر فكرة التنوير عنها بعض الشئ لحين نُضج بعض المسئولين ووقوعهم أحيانا بين خيارين كلاهما مر، إما إرضاء ذواتهم الدينية السلفية وما ينتج عنها من مشروع الإخوان السئ، وإما الاستسلام لضغوط الحداثة ومخاوف عودة الإخوان في ظل احتمالية نفعهم بطبيعة مؤسسات الدولة الدينية.

ومن هنا يتجلى المعنى الأشمل للثقافة الذي يهتم بشمول المعرفة كما اهتم الإخوان بشمولية برنامجهم السياسي، فحسن البنا عندما أراد تعريف جماعته وصفها بالحقيقة الصوفية والطريقة السلفية والجماعة الرياضية والدينية والسياسية..إلخ، فالرجل وضع فكرة كانت عبقرية في زمنه لإشمال دينه وبرنامجه بالعلم والثقافة والمجتمع في ظل حرصه على عدم حصر جماعته في الدين والمنابر، ومن هنا يتجلى المشروع المقابل للثقافة في دراسة الصوفية والسلفية والتربية الرياضية والسياسية والاقتصادية..إلخ، على الأقل للرد على مشروعه الفاشل في مصر وإقناع عناصر الإخوان ومواليهم على الأقل من الذين ينشطون بين الجماهير تلك الأحيان لاستغلال أخطاء السلطة..خصوصا في الجانب الاقتصادي.

تبدأ الثقافة أولا بتحرير العقول كي تتحول لثقافة منتجة..فالثقافة على نوعين منتج وغير منتج، الذي لا ينتج من المثقفين هو العالم ببعض الجوانب كالخرافات الشعبية والأدب مثلا..بل يعد العلم بالمعارك الشخصية والدينية فرعا من فروع الثقافة غير المنتجة، ولأنها ذات طابع عنيف تحمل في طبيعتها فكرا هدّاما فوضويا لا يؤمن بالمجتمع وناقم على كل شئ إلا على نفسه، فالنقمة لو كانت على النفس تؤسس فورا لفكرة التواضع والمراجعة الذاتية..لكن النقمة الدائمة لو ظلت في اتجاه المخالفين دون إنصاف تتحول لمشروع شرير يهدف للهدم والانتقام وتصفية الحسابات الشخصية أحيانا.

تحرير العقول هو الذي يؤسس لثقافة منتجة باستطاعتها أن تحيط بتطور الأفكار والنظريات وعدم محاسبتها إلا في سياقها الزمكاني، وأن جودة الأفكار تُقاس بعاملٍ واحد هو ابتكارها لحلول عصرية ومشكلات صعبة..أو تنجح في تقريب بعض المشكلات لفهمها بعيدا عن العاطفة والموقف الوجودي، كحرب اليمن مثلا..هذه مشكلة صعبة يعمل المثقف على فهمها بعيدا عن عاطفته القومية والدينية والسياسية، ثم يشرع في تكوين معلومات من كل الأطراف ليصل إلى فكرة نهائية عن طبيعة المشكلة والحلول المطروحة، وقد حذرت كثيرا في بدايات تلك الحرب أن أي موقف وجودي أو ديني أو عاطفي أو أيدلوجي وسياسي من تلك الحرب سيصبح موقفا مدلسا لا مصير له سوى الفشل، لاسيما أن أغلبية البشر يجنحون لتفسير الأحداث بالعاطفة والميول خشية الصدام مع الأقوياء والنافذين..بالتالي فما يريده القوي سيحصل بالجماهير ولو كان مخطئا.

مهمة المثقف هي الانعتاق من رؤية الأقوياء وسلطانهم أولا، بيد أن المفكر لا يمكنه التفكير بطريقة صحيحة وسط الضغوط أو الأمنيات التي تحمل في مجملها طابعا ضغوطيا نفسيا يتعلق بالمصالح، وبالتالي فكرة الصدام مع المرجعيات الدينية أو السياسية هي فكرة أساسية للمثقف لا يجب أن يخاف أو يقلق منها كونها رافدا طبيعيا لثقافته ، وتعرضه للهجوم والتوبيخ الدائم علامة على صحة طريقه الثقافي واتخاذه موقفا عقلانيا تجاه الأشياء، إنما ولكي لا يُفهم كلامي خطأ فليس معنى العُرضة للهجوم والتوبيخ هو سلامة تفكيرك كمثقف دائما، أحيانا أو غالبا نفكر بطريقة خاطئة أو نتسرع في عرض معلومات غير مؤكدة، ومن هنا يأتي الشرط الأساسي الذي يجب توافره في المثقف وهو (الإيمان بالآخر وحرية الرأي).

إنما الذي يمكن التأكد منه أن الهجوم (الدائم) الذي يتعرض له المثقف هو علامة على صحة اتجاهه كمبدأ، وكلمة الدائم بين قوسين تشير إلى أن فريقا من النقاد الدائمين تخلوا عن إنصافهم وعقلهم ثم شرعوا في شيطنة الخصوم واحتقارهم بشكل مستميت وكأنه لا مشكلة في العالم سوى في ذلك الخصم الذي يحرص على إسقاطه، مما يضفي على اتجاهه طابعا شخصيا يحجبه كمثقف عن المعرفة ثم ينهار عقليا مع الزمن..

إلى اللقاء في الحلقة الثانية





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,519,185,953
- رحلة في عقل الفيلسوف كيركجارد
- أضواء على الهندوسية
- جدلية ولاية الفقيه..رؤية نقدية
- حتمية البروباجاندا السوداء
- رحلة نقدية في سيكولوجيا المرأة
- نظرية المصيدة
- معضلة التحيز الديني..القرآنيون نموذجا
- العلمانية وأزمة مفهومها التآمري
- لماذا فشل العرب والأمريكيين في التواصل مع إيران؟
- بساط الريح..وخرافات القرطبي
- حديث خير القرون ونظرية التطور
- هل الإسلام بعث للعالم أجمع أم للعرب فقط؟
- ليبيا الموحدة ليست مصلحة مصرية
- التصعيد الإعلامي والديني لن يحل مشكلة اليمن
- الشروط العشرة للتأثير والحوار
- حكم ضرب الزوجة في الإسلام
- معضلة الأخلاق والسلوك في العقائد
- هل يعتذر المسلمون عن تاريخهم ؟
- ديكارت في مواجهة الإخوان
- ضغط عالي..والسينما الهادفة


المزيد.....




- بعد.. استهداف معامل تكرير البترول..نائب رئيس الإفتاء بالسويد ...
- وزير الشؤون الإسلامية السعودي يلتقي مبعوث رئيس الوزراء البري ...
- الإيغور: فيديو يثبت استخدام تقنية التعرف على الوجه في المساج ...
- الإخوان المسلمون.. لا يتذكرون شيئا ولا يتعلمون شيئا (1)
- السفير السعودي بالكويت: قادرون على حماية أراضينا والدفاع عن ...
- أمين عام رابطة العالم الإسلامي: الإسلام السياسي يمثل تهديدا ...
- جامعة القرآن الكريم بالسودان تُكرِّم عضوًا بـ”الشئون الإسلام ...
-  وزير الشئون الإسلامية السعودي: الرئيس السيسي “مجاهدا” حافظ ...
- بالصور... ابنة قاديروف تفتتح متجرا للأزياء الإسلامية في موسك ...
- حركة مجتمع السلم الإخوانية بالجزائر: الانتخابات الرئاسية ممر ...


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامح عسكر - السبيل إلى الثقافة.. مداخل وتعريفات (1)