أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان حسين أحمد - ربيع التنّومة: سيرة مدينة مُنتفضة، وشخصيات مُثقَلة بالعُقَد















المزيد.....

ربيع التنّومة: سيرة مدينة مُنتفضة، وشخصيات مُثقَلة بالعُقَد


عدنان حسين أحمد

الحوار المتمدن-العدد: 6326 - 2019 / 8 / 20 - 15:06
المحور: الادب والفن
    


تنفرد رواية "ربيع التنّومة" لقصي الشيخ عسكر بمقاصصة الذهنيتين القامعة والمقموعة في آنٍ واحد، إذ ينهمك المؤلف بتفكيك طرَفَيّ المعادلة من دون التركيز على الضحيّة وإهمال الجلاد. كما تُعدّ هذه الرواية أنموذجًا للأدب"السوداوي" الذي يفحص الشخصية العراقية ويضعها على مِحك الاختبار لدراسة عُقَدها النفسية والاجتماعية والثقافية أو تلك الإشكالات التي تنبثق من التاريخ والجغرافية مثل "عُقدة السندباد" الذي يركب المخاطر والأهوال من دولة تمتلك بالكاد منفذًا بحريًا صغيرًا على الخليج العربي. لا تسلمْ الشخصيات الأخرى من العُقد النفسية وربما يكون عبدالله عبدالرحيم، الموظف في مديرية العدل هو الأنموذج المثالي الحامل لعُقدة النقص، فهو أعرج لكنه تنكّبَ بندقية خالية من الرصاص ونزل بها إلى شوارع "التنّومة" المنتفضة مثل بقية المدن الجنوبية التي ثارت عن بكرة أبيها ولعله أخذ بنصيحة المعلِّم كامل الرامي الذي يقول:"ليس بالضرورة أن يشعر كل ذي عاهة بعقدة، تيمورلنك الأعرج احتلّ العالم، وموشي دايان "دحر" 150 مليون عربي في ستة أيام حسوما" فليس من المستغرب أن يُهزِم عبدالله الأعرج لواءً مدرّعًا بكامله لأنه استعمل كلمات حماسية بسيطة من قبيل "أيها اللواء البطل، لقد انهار الجلاد والثورة تشتعل" ليتوراى الجنود والضباط في لمح البصر.
تنطوي "ربيع التنّومة" الصادرة عن مؤسسة المثقف العربي في سيدْني بالتعاون على سيرة مدينة منتفضة، وسيرة مواطن قرّر أن يناهض حكومة البعث لكنه سقط في فخّ الجلادين وأوشك أن يفقد حياته لولا مصادفة انتقال "أبو درع" إلى سجن الرضوانية، الضابط البدوي الذي يجمع في طوّيته بين ازدواجية العنف والطيبة، وهذه عُقدة أخرى تنضاف إلى العُقد السابقة لشخصيات النص السردي الذي يتناول مرحلة دقيقة وحرجة من تاريخ الشعب العراقي الذي انسحق غير مرة بسبب صراع الأحزاب السياسية على السلطة والثروة.
تسترجع الرواية القادة العراقيين الذين طالبوا بتبعية الكويت إلى العراق أمثال الملك غازي، والزعيم عبدالكريم قاسم لكن صدام حسين هو الذي ضمّها بساعات معدودة، شبّهها الراوي بملخّصٍ لحرب دامت ثماني سنوات، ووصفها ساخرًا بمُقدمة لكتاب اسمه "تحرير فلسطين"! إنّ ما يهمنا من الأحداث التاريخية في هذه الرواية هو الانتفاضة التي انطللقت شرارتها من "ساحة سعد" بالبصرة في 3 آذار 1991 وامتدت مثل النار في الهشيم إلى 14 محافظة عانت الأمرّين من حُكم الطاغية الذي قمع كل العراقيين الذين وقفوا في الخندق المناوئ له ولحزبه الفاشي الذي تخلّق بأخلاق الجلاد.
ومن بين حوادث الثأر والتصفيات الجسدية الكثيرة ركزّ الراوي على مسؤول الفرقة الحزبية راجي المزروع الذي لم يتوارَ مثل بقية البعثيين وإنما ظلّ في داره وكأنه يتحدى الجميع رغم انهيار المؤسسات الأمنية والعسكرية فتعرّض للقتل حتى أنّ جسده أصبح منخلاً لكنهم لم يأخذوا العائلة بجريرته فتركوها تلوذ عند الأخيار. لابد من التوقف عند عنف الشخضية العراقية وقسوتها، فبعد أن أصبح المزروع جثة هامدة تغرق في بِركة من الدماء بدأ أحد المنتفضين يدعك وجهه بحذائه، وآخرون يبصقون عليه، وثالث موتور، فقدَ خمسة من ذويه بتُهم متعددة يرقص على صدره، ويزعق متشفيًا من دون وعي:"أديروا وجوهكم فلن أجد مرحاضًا أبول فيه غير هذا". ومع أنّ المجتمع العراقي يقرّ بأنّ "إكرام الميت دفنه" إلاّ أنّ المنتفضين بالغوا في الإساءة إلى الميت الأمر الذي يُذكِّرنا بالمصائر المُفجعة للعائلة المالكة وما عانوه من قتل وسحل وتشويه امتدّ بعد بضع سنوات ليطال الزعيم نفسه ومئات اليساريين الذين عمّدوا بدمائهم تراب الوطن. غير أن الراوي يدين هذا التصرّف الوحشي الفظ حين يقول:"أشحتُ بوجهي عن المشهد، وآمنتُ حقًا بأنّ صفحة معتمة لطفولتنا تنتهي وفق تلك الطريقة البشعة من العنف".
يتسع الفضاء السردي شيئًا فشيئًا، وتتعدد الشخصيات رغم أن الأحداث تتمحور حول عبدالله "الأعرج"، الشخصية الرئيسة التي تحضر بقوة منذ مستهل الرواية حتى نهايتها، فنتعرف على أبيه عبدالرحيم الذي مات في أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وعلى أمه جميلة التي لا تتذكّر شيئًا سوى ابنها أحمد الذي ذهب في بعثة دراسية إلى ألمانيا قبل الحرب ولم يعد، وسوف تموت بعد أن تعرّض مُلحق المستشفى إلى ضربة جوية. وهناك شقيقتاه الكبرى والصغرى وصهره. ولو خرجنا من نطاق الأسرة ستُدهمنا شخصية المعلّم كامل الرامي الذي يرى الحياة من زاويته الخاصة التي لا تتناغم مع رؤية الآخرين وتصوراتهم. فبينما كانت الناس تنهب في دوائر الدولة ومؤسساتها كان هو يفتش عن كتاب مهم أو وثيقة سريّة. لم تتضح نتائج الانتفاضة ففي يومها الثاني غطّت صور المعمّمين العراقيين والأجانب حيطان المدينة، وبعد مقتل المزروع وضابط الأمن التكريتي، وقصف جسر التنّومة بدأت ملامح القصة الغامضة تتضح بعد أن تصافح الجنرالات في "خيمة صفوان" بينما كان المنتفضون يعتقدون أن الأميركان "سيلتقطون صدام مثلما تلتقط البوم جرذًا من ذيله". لكن العكس هو الذي حدث تمامًا، فقد عاد البعثيون بشراسة أكبر، وعادت صور صدام إلى الجدران الأمر الذي دفع عبدالله وصهره لأن يُلقيا البنادق في بالوعة المرحاض. لقد اندحرت الانتفاضة، وبدأت المجازر من جديد. لم يهرب عبدالله وعائلته إلى إيران مثلما فعل بعض العوائل فقد آثر البقاء، وأصبح ضحية لرجال الفرقة الحزبية، والعناصر الأمنية التي تفتش في ضمائر المنتفضين وعقولهم.
يتعرّض عبدالله "الأعرج" في القسم الثاني من الرواية إلى الاعتقال بعد أن دهمه عناصر الأمن واقتادوه إلى السجن. وفي التحقيق يُتهم بأنه مسؤول عن إذاعة شط العرب، وأنّ اعترافه بهذه التُهمة يعني الإعدام، وتأكيد جريمة صهره، ومعلّمه كامل الرامي، فلم يكن أمامه إلاّ الإنكار رغم بنيته الواهنة، وقدمِه العرجاء المتنمِّلة. يمرّ عبدالله بثلاثة سجون تتشابه في قسوتها وهي سجن "شط العرب" وسجن "البصرة المركزي" وسجن "الرضوانية" في بغداد وثمة سجن فرعي في مستشفى تابع للرضوانية يُديره نائب ضابط أكثر وحشية من السجون الثلاثة التي حُشِر بها وذاق مرارتها، فهذا الجلاد يُوسع ضحاياه ضربًا حتى يسقط لاهثًا على الكرسيّ من الإعياء. لم يتركوا نوعًا من التعذيب إلاّ ومارسوه مع عبدالله الأعرج إلى أن يظهر "أبو درع"، وكيل المسؤول الأمني في السجن فيدقق ملفه من جديد ويخلي سبيله لأنه وجد صفحته بيضاء ناصعة رغم التُهم الموجهة إليه فيستعيد عبدالله حريته ويدرك بأنه أمضى أقسى ثلاثة شهور في حياته.
قبل أن نختم المقال لابدّ من الإشارة إلى ملحوظتين أساسيتين، الأولى تتعلق بتجريد العراق من الإطلالة البحرية مع أنّ القاصي والداني يعرف جيدًا أن مدينة الفاو مطلّة على رأس الخليج العربي وأنّ خورعبدالله هو المنفذ الوحيد على البحر، فليس من المعقول القفز على هذه الحقيقة التاريخية والجغرافية بالقول إنّ العراق لا ساحل له منذ زمن هارون الرشيد حتى الوقت الحاضر. أما الملحوظة الثانية فتتعلّق بأبي درع الذي يجمع بين الطيبة والعنف في سجن الرضوانية الذي كان يضم المناوئين لحكومة البعث فأقول لك بثقة شبة تامة بأنّ النظام السابق لا يسمح بوجود جلادين يمكن أن يتعاطفوا مع الضحايا مهما كانت درجة براءتهم وأن وجود هذا الشخص يُربك مصداقية العمل الروائي.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,568,008,980
- مراجيح الناثر بدر شاكر السيّاب. . دمامة اللغة بعيدًا عن وهج ...
- فيلم نباح يرصد تفكّك الأُسَر المهجّنة في بلدان الشَتات
- صمتُكَ كثيرٌ وظهيرتي لزجة: شطحات شعريّة تخرق المسكوت عنه
- البنتُ التي لا تحِّبُ اسمَها رواية تُراهن على قوّة الخيال
- وردة الأنموروك رواية تستعيد الإبادة الجماعية للأرمن
- إكس عدرا ترصد قصص الناجين من الموت الممنهج لنظام الأسد
- رواية الاغتيال. . دعوة لتنظيف البيت العربستاني
- أزاهير الخراب رواية تنسف التيمة وتراهن على اللعبة السردية
- أكثر من 100 عرض على مسرح دار الأوبرا السلطانية مسقط في موسمه ...
- أنبياء سومريون.. بحث رصين يدحض النظريات المُضللة
- أربعة فنانين يلجون متاهات المدن والأساطير الأذربيجانية القدي ...
- سيدات القمر رواية بريئة من الغزل المزعوم للقيم الأوروبية
- العلموي. . رواية كابوسية بين الجد والهزل
- رحيل فوزي كريم، الأيقونة الباسمة، وصيّاد الأفكار المراوغة
- انعتاق الرغبة رواية جريئة ترصد العبور إلى الجنس الآخر
- سواد . . . محاولة لتدوين الأحلام والكوابيس
- أديب كمال الدين: أخلصتُ للحرف حتى أصبح بصْمَتي الشعرية
- بغداد في أخاديد الذاكرة
- ديسْفيرال. . حياة ناقصة تستعير ذاكرة الآخرين
- معالجة جديدة لثنائية الشرق والغرب في فيلم تبّولة وباي


المزيد.....




- -أنتج أفلاما جنسية للجميع .. وليس للرجال فقط-
- المرشحة لخلافة إلياس العماري.. طردتها الصحافة واحتضنتها الس ...
- الوزيران أمكراز و عبيابة أمام أول امتحان بمجلس المستشارين
- عقب أيام من طعن ابنها... فنانة عربية تتعرض لحادث سير
- عازفة الكمان صاحبة واقعة الهاتف تعاود الهجوم
- سفير تركيا لدى أوزبكستان يؤكد على وجود خطأ في ترجمة تصريحات ...
- بنشعبون: الحكومة حرصت على اتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على ...
- في تصريح جديد… عمار سعداني يتمسك بموقفة إزاء مغربية الصحراء ...
- انتقد القرآن وأوجب الغناء وألف الكتب -الملعونة-.. هل كان ابن ...
- فنانة سورية تعلق على أنباء ارتباطها بزوج الفنانة أصالة


المزيد.....

- عالم محمد علي طه / رياض كامل
- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان حسين أحمد - ربيع التنّومة: سيرة مدينة مُنتفضة، وشخصيات مُثقَلة بالعُقَد