أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالرزاق دحنون - كان الحمام يطير محترقاً














المزيد.....

كان الحمام يطير محترقاً


عبدالرزاق دحنون

الحوار المتمدن-العدد: 6324 - 2019 / 8 / 18 - 11:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


نهضت قطعة طباشير في الصف، وقفت أمام الكرسي, قالت: سأغدو معلماً, رفع كرسي يده, سأل: عمَّ يتحدث درسنا؟ حكّتْ قطعة الطباشير البيضاء رأسها بالسبورة السوداء, تساقطت الأحرف, تجمعت, ثمَّ هتفت: عاش الحمام, عاشت الأنهار, عاشت القطط, عاشت الأشجار, عاشت أختي وأخي, ولتسقط الدبابة.
(الشاعر شيركو بيكه سه)

يجوز أن تختلف الأديان في طرق العبادة, و يجوز أن تختلف الصلوات من مذهب إلى أخر, و يجوز أن تتناقض اشكال الايمان من كتاب إلى أخر, و يجوز الاختلاف بين القرآن والانجيل والتوراة اسماً وكتاباً واعتناقاً. لكن المقدسات تتساوى في جميع الأديان من حيث قيمتها ومكانتها المقدسة. ففي كل حروب العالم, الضارية والوحشية, العادلة والظالمة, القديمة والحديثة, ظلَّ نور دور العبادة أقوى من شرارة القذيفة, وطغى وهج الايمان في المقدسات على ألوان الحروب القاتمة.

كانت تقوم القيامة إذا ما انتهكت حرمة دار عبادة. حتى في زمن الكفار والوثنيين اُحترمت بيوت الدين على اختلاف أنماطها. فأنت ترى إلى اليوم في المدن الأثرية المنسية في الشمال الغربي من سورية صروحاً وثنية قائمة ما تزال من آلاف السنين, وإن زال البعض منها, فقد بقيت قيمها حيَّة في قلوب الناس. فأهل الإيمان من كل الملل والنحل كانوا يشعلون الشموع للتكفير عن ذنب ما, أو لتحقيق أمنية, ويمشون حفاة إذا ما تحقق النذر, ويوزعون الخبز على الفقراء والمساكين وأهل السبيل إذا نزلت بهم نازلة. وكانوا من خلال هذه الأشياء الرقيقة البسيطة الناعمة والعميقة يستثيرون الهمم كي تكون حياة الإنسان في هذه الدُّنيا أكثر عدلاً, وأوفر سلاماً, وأقرب رشداً.

ولكن الإنسان هو الإنسان, يهتدي ويضل, ويسعد ويشقى, ويصيب ويخطئ, وإنَّ أسوأ فكرة خطرت للإنسان أن يكون بطلاً في الحروب, وهناك ألف مكان آخر يمكن أن يكون فيها بطلاً حقيقياً.على حدِّ تعبير صديقنا الشاعر والروائي إبراهيم نصر الله.

ما لون هذه النازلة التي ابتليت بها بلدنا؟ وأين هي الشريعة التي أوصت بما حدث ويحدث وسوف يحدث؟ ما هو الكتاب المقدَّس الذي تنبأ بما حصل ويحصل وسوف يحصل؟ ماذا سيكتب التاريخ عنَا؟ يا كاتب التاريخ ترفَّق بنا فنحن عُصاة. كنائس ومساجد شملتها الحرب, وجنَّ الرصاص في أرجائها, فكان الناس يذبحون على أبوابها, وكان الحمام يطير محترقاً في سماء صحونها. سكت صوت الجرس والمئذنة, وعلا صوت الكفر في بيوت الدين.

انظر بعينيك ما أصاب المسجد الأموي في حلب, وما أصابه؟ وتسأل ما أصابه؟ لم يخلق الله وحوشاً كالبشر, ولم يخلق البشر وحوشاً كالحروب, فقد ناهز عمر هذا المسجد أكثر من ألف ومئتي عام. ومرَّت على أبوابه محن شداد, فأحجاره تحكي تاريخ المدينة, ومع تلك القامة الشامخة فتكت آلة الحرب الوحشية بأحجاره.

بماذا كان يفكر سليمان بن عبد الملك حين بناه, وتأنق في بنائه؟ هل ليضاهي ما عمله أخوه الوليد في الجامع الأموي في دمشق؟ فإذا عرفنا أن المسجد الأموي الكبير في دمشق قد تم العمل فيه سنة 96من الهجرة, قدَّرنا أن مسجد حلب قد بُني في نهاية القرن الأول, أو في السنوات الأولى من القرن الثاني الهجري. يُحكى بأن منارته كانت أجمل منارة في مدينة حلب, كانت؟ نعم كانت, فقد قوضتها القذائف والمُتفجرات. كنتُ أقف إلى جوارها و تعتريني الدهشة من مهارة تلك الأيدي التي صنعت هذه التحفة الفنية. نقف أنا وزوجتي في ظلِّها نشرب عصير الرمان المثلَّج من دكان صغير على الكتف الأيمن من أحد ازقة أسواق "المدينة" التجارية القديمة في وسط حلب الشهباء.

يُقال في الكتب بناها محمد بن يحيى الخشاب قاضي المدينة سنة 1090 ميلادية وتأنق في عمارتها. وقد كتبت ليلى السيد وهي من أهل حلب عن منارة الجامع الأموي تقول:
ترتفع مئذنة الجامع الأموي الكبير في وسط مدينة حلب القديمة, وتتوضع في الركن الشمالي الغربي من صحن الجامع, وتقع على قاعدة مربعة الشكل, طول ضلعها خمسة أمتار تنقص سنتيمترات, ويبلغ ارتفاعها 45 متراً, وتضم سلماً حجرياً يتكون من 174 درجة, وتحيط ببدنها الباسق أربعة أدوار من الكتابة الكوفية البديعة, تقسمه بعد ركن القاعدة إلى أربعة أقسام متساوية, يزدان القسمان العلويان منها بحنيات زخرفية, ويتخلل كل حنية منها نافذة مدورة أو مربعة, وينتهي القسم الرابع أعلى الأقسام جميعها بدورين يشكلان بروزاً عن مستوى البدن لتكون عليه شرفات المؤذن, وتكون قاعدة الجوسق الذي يحمل قوس المئذنة.

نعم, مرت أيام عصيبة على هذا المسجد, بل قُل كوارث, فقد نقض بنو العباس ما كان فيه من الزخارف والآلات, ونقلوها إلى جامع الأنبار في العراق, ثم أحرقه الرومان حين دخلوا حلب سنة 315 من الهجرة, ثم أُحرق مرة ثانية في زمن نور الدين زنكي, وأحرقه التتار أيضاً سنة 658 من الهجرة. وكان الفضل في إعادة بنائه في هذه المرات إلى سيف الدولة الحمداني صاحب حلب، وابنه أبي المعالي, وإلى نور الدين زنكي الذي زاد فيه من الجهة الشرقية حين ضم إليه سوق البزر وجعله أقرب إلى التربيع, وإلى الملك الظاهر, والملك المنصور قلاوون وفيه تجديدات تمت في العهد العثماني, وفي أوائل القرن العشرين .

تم تجديد الباب الشمالي والواجهة الشمالية الخارجية واقيمت أمامه حديقة واسعة في أواخر عام 1953. وكانت آخر أعمال الترميم في المئذنة عام2010 والتي كانت أجمل منارات حلب. وتلفّت التاريخ لي باكياً, فقلت: يا كاتب التاريخ مهلاً, الكل مروا من هنا, الكافر والمؤمن, الظالم والعادل, الجندي والشاعر, الغني والفقير, ورغم تتابع النكبات يجد الحمام دربه دائماً ليحط على ما تبقى من أحجار المسجد الأموي في حلب.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,517,179,583
- يهشّون عند المائدة
- الكانطيون الجدد وعمي أحمد
- أين أنت يا جهاد أسعد محمد؟
- استعمل مخَّك و إلَّا فقدته
- فدائيون في جدارية بيروت آب 1982
- نساء بيكاسو الجميلات
- الجسارة في مشروع طيب تيزيني الفكري
- فيتامين الأشعة الشمسية
- هل كان لينين شيوعياً؟
- قومي إذا ما أيسروا أنا موسر
- فيلسوف معرة النعمان بين سجع الحمام وزئير الأسد
- ستالين شيوعياً
- خمس شهادات في عبد الباسط الساروت
- عندما كانت أمي صغيرة
- رَجُلٌ تُرفع له القُبَّعات
- في مفهوم الكفر
- رَجُلٌ اسمُهُ غَسَّانْ كَنَفْاني
- الشيخ إمام ...حادي قوافل الضمير
- حدثنا عن الملوك يا بَيدبا
- كيف يفكِّر الجنرال؟


المزيد.....




- بالفيديوغراف.. موقع انطلاق الهجوم على أرامكو وفقا لمحللين
- -قردة في البرلمان البريطاني-.. بانكسي يضرب مجدداً؟
- نائب عراقي يتهم قاسم سليماني برفع الحصانة عنه: أهنئك على الن ...
- إيران تتبرأ من الهجوم على -أرامكو- وتتوعد برد حاسم على أي اع ...
- الشرطة الإسرائيلية تعلن مقتل فلسطينية أشهرت سكينا عند حاجز ق ...
- سنودن يطلق كتابه "سجل دائم".. والحكومة الأميركية ت ...
- سنودن يطلق كتابه "سجل دائم".. والحكومة الأميركية ت ...
- روحاني: هجوم "اليمنيين" على موقعي أرامكو بمثابة &q ...
- نتائج غير نهائية: تعادل الليكود و”كاحول-لافان” والمشتركة 12 ...
- الناخب التونسي قال: الأَمْرُ.. لِي / محمد خروب


المزيد.....

- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا
- حول دور البروليتاريا المنحدرة من الريف في ثقافة المدن. -3- ا ... / فلاح علوان
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الرابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- إيران والخليج ..تحديات وعقبات / سامح عسكر
- رواية " المعتزِل الرهباني " / السعيد عبدالغني
- الردة في الإسلام / حسن خليل غريب
- انواع الشخصيات السردية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الغاء الهوية المحلية في الرواية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الابعاد الفلسفية في قصة حي بن يقظان / د. جعفر جمعة زبون علي
- مصطفى الهود/اعلام على ضفاف ديالى الجزء الأول / مصطفى الهود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالرزاق دحنون - كان الحمام يطير محترقاً