أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - امال الحسين - الدولة البرجوازية التجارية والصراعات الطبقية بالمغرب















المزيد.....


الدولة البرجوازية التجارية والصراعات الطبقية بالمغرب


امال الحسين
(Lahoucine Amal )


الحوار المتمدن-العدد: 6322 - 2019 / 8 / 16 - 23:14
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


موقع الفلاحين في الصراعات الطبقية

في الكثير من كتابات لينين، خصص للفلاحين الصغار فصولا طويلة، وذهب في كثير منها إلى نعتهم بالطبقة، فخلال الحرب الأهلية بروسيا لعب التحالف الحربي بين العمال والفلاحين دورا كبيرا في هزم تحالف البرجوازية والكولاك، وأصبح في روسيا في نظر لينين طبقتين فقط "... وجود طبقتين فقط منذ عدة سنوات : البروليتاريا ...، وطبقة الفلاحين الصغار الذين يؤلفون الأغلبية الساحقة من السكان"، مختارات الجزء الرابع، من خطاب في المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية في 22 يونيو ـ 13 يوليوز 1921.
ولاحظ لينين بعد الحرب الأهلية أن نسبة الفلاحين الصغار بروسيا تشكل نسبة عريضة من السكان وأن نسبة "طبقة صغار المزارعين" في إنجلترا قليلة جدا، بينما نسبة "العمال والمستخدمين الذين يعيشون عيشة برجوازية صغيرة" بإنجلترا قد ارتفعت جدا، ذلك "من جراء العبودية الفعلية التي يعانيها مئات الملايين من الناس في المستعمرات التي "تخص" إنجلترا"، من خطاب في المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية في 22 يونيو ـ 13 يوليوز 1921.
لقد نتج ذلك ما سماه لينين "التطور اللامتكافيء" الذي تتسم به الرأسمالية، والذي يظهر بشكل بارز في التناقض بين قلة قليلة من الدول الإمبريالية المسيطرة على خيرات الغالبية العظمى من بلدان العالم، الشعوب المضطهدة في عصر الإمبريالية.
وكان اهتمام الاشراكيين ـ الديمقراطيين بقضية الفلاحين بارزا في عمل الحركة الماركسية بروسيا منذ تأسيس فرقة "تحرير العمل" بالخارج في 1882، التي وضعت في أول برنامجها في 1884 قضية الفلاحين من بين أولوياتها، وكانت كل مؤلفات الماركسيين بروسيا وصحف الاشتراكيين ـ الديمقراطيين تتناول هذه القضية باهتمام كبير، وأثارت مسألة "الأرض والحرية" التي طالبت بها منظمة "اتحاد الفلاحين" جدلا كبيرا بين الاشتراكيين ـ الديمقراطيين والاشتراكيين ـ الثوريين، وأضحت "قضية الحركة الفلاحية ملحة لا من الناحية النظرية وحسب بل أيضا من الناحية العملية المباشرة"، لينين : كتاب "بصدد تحويل الزراعة الاشتراكية"، البروليتاريا والفلاحون.
وعرفت حركة الفلاحين بروسيا تطورا كبيرا بعد تأسيس منظمتهم الديمقراطية الثورية "اتحاد الفلاحين" التي ظهرت في سنة 1905، وطالبت ب"الحرية السياسية وعقد الجمعية التأسيسية"، وارتكز برنامجها على : إلغاء الملكية الخاصة للأرض وإحالة الأرض للفلاحين بدون تعويض، إلا أن تأثير ممارسات البرجوازية الصغيرة للاشتراكيين ـ الثوريين والليبراليين على هذه الحركة الثورية ساهم في تحريفها عن المطالب الثورية بالميل إلى الحلول التضليلية مما عرقل تطور حركة الفلاحين الثورية، ذلك ما جعل لينين يعطي أهمية كبرى لموقع الفلاحين في النضال الثوري بروسيا في علاقته بالنضال البروليتاري.
لقد حدد لينين مهام البروليتاريا تجاه مطالب الفلاحين في قوله :"فماذا يطلب الفلاح من الثورة ؟ وما عساها أن تعطيه ؟ ذانك هما السؤالان اللذان يجب أن يحملهما كل رجل سياسي وخاصة كل عامل واع يكون رجلا سياسيا بخير معنى الكلمة لا بمعنى السياسة النفعية البرجوازية المبتذلة."، وقد أجاب لينين عن هذين السؤالين عبر تحليل مطلبي "الأرض والحرية" اللذين طالبت بهما منظمة "اتحاد الفلاحين" بروسيا، حيث أكد على أن جميع العمال الواعون يجب عليهم أن يدعموا الفلاحين الثوريين وبالتالي دعم هذين المطلبين الأساسيين وذلك من أجل "أن يظفر الفلاحون بكل الأرض وبالحرية التامة، ويناضلون في سبيل هذا الغرض"، لكن دون تنازل، أي أن لا يتم ذلك بالتفاهم مع الملاكين العقاريين بل "الاعتماد على إلغاء ملكية الملاكين العقاريين للأرض". لينين : كتاب "بصدد تحويل الزراعة الاشتراكية"، البروليتاريا والفلاحون.
وحدد لينين الشروط المادية لتحقيق مطلب "الحرية التامة" التي طالب بها الفلاحون الثوريون الذي يعني حسب لينين "انتخاب الموظفين والمدراء المكلفين بشؤون الدولة والمجتمع"، مما يعني بالدرجة الأولى "القضاء كليا على كل سلطة للدولة لا تنبع بكليتها وبوجه الحصر من الشعب"، ويعني كذلك خضوع الموظفين للشعب لا العكس، غير أن مسالة أساسية أثارها لينين هي :"...ليس أن جميع الفلاحين الذين يناضلون في سبيل الأرض والحرية يدركون هذا النضال إدراكا جليا كاملا"، ولهذا يعتبر مطالب الفلاحين مطالب ديمقراطية حيث لا "يبلغ بهم الأمر حد المطالبة بالجمهورية"، ومساندة البروليتاريا لهذه المطالب أكيدة كما يجب على الفلاحين أن يعلموا أن "الراية الحمراء التي ترفع في المدن إنما هي راية النضال في سبيل المطالب المباشرة والملحة التي لا ينادي بها العمال الصناعيون والزراعيون وحسب بل أيضا الملايين وعشرات الملايين من صغار المزارعين". لينين : كتاب "بصدد تحويل الزراعة الاشتراكية"، البروليتاريا والفلاحون.
لقد استخلص لينين موقع طبقة الفلاحين الصغار في الثورة البروليتارية في فترة 1917 ـ 1921 خلال الحرب الأهلية التي كونت "أساس العلاقات الصحيحة بين البروليتاريا والفلاحين في روسيا السوفييتية"، في هذه الفترة القصيرة جدا والمليئة بالعبر النضالية الثورية بين طبقتين أساسيتين في الصراعات الطبقية ضد الرأسماليين والملاكين العقاريين الكبار تمت بلورة "التحالف الحربي" بينهما، مما دحض جميع أوهام البرجوازية الصغيرة عبر أحزابها الديمقراطية البرجوازية الصغيرة، وأكد لينين ذلك.
وهاتين الطبقتين بفضل "التحالف الاقتصادي" بينهما في دولة ديكتاتورية البروليتاريا باستطاعتهما القضاء على المجاعة بعد الحرب الأهلية، حيث أن "من دولة العمال، تلقى الفلاحون كل الأرض والحماية ضد الملاكين العقاريين وضد الكولاك، ومن الفلاحين تلقى العمال قرضا من المنتجات الغذائية، بانتظار بعث الصناعة الضخمة" كما قال لينين، وانتقلت هاتين الطبقتين من "التحالف الحربي" إلى مستوى "التحالف الاقتصادي" بروسيا السوفييتية مما غير الأساس الاقتصادي للدولة في ظل الثورة الاشتراكية بروسيا.

الأسس المادية التاريخية للصراعات الطبقية بالمغرب

منذ أواخر القرن 14 شكلت طبقة الفلاحين الصغار نسبة كبيرة من سكان المغرب التي عمرت البوادي بالجبال والسهول إلى جانب قلة قليلة من الشيوخ رؤساء القبائل الإقطاعيين المستغلين للفلاحين الفقراء، في مجتمعات سماها إنجلس "المجتمع المنظم على أساس القبائل (العشائر) ..."، تسود فيها قوة "منظمة السكان المسلحة العاملة من تلقاء نفسها"، يقودها شيوخ القبائل ضد الفلاحين الصغار.
وتشكلت "أرستقراطية قبلية" بالبوادي تملك الأرض والعبيد و"الجنود" في شكل بسيط من تنظيم "الحكم الذاتي"، في علاقتها ب"أرستقراطية مدنية" بالمدن تملك "الرأسمال التجاري" وترأس المنظمات المهنية والحرفية وتسير "الإدارات والدواوين" في دولة البرجوازية التجارية.
وكلتا الطبقتين تشكلان عماد الدولة البرجوازية التجارية التي برزت في نهاية القرن 14 مع بداية انهيار دولة الممالك بالأندلس وتطور الرأسمال التجاري بأوروبا في طريق بروز الرأسمال الصناعي، في العلاقة بين دولة البرجوازية التجارية المركزية والمنظمات الحربية للحكم الذاتي بالبوادي، الدولة المرتكزة أساسا على فرض الضرائب على عامة السكان واستخلاصها بالبوادي من طرف رؤساء القبائل، الذين اغتنوا على حساب نهب الفلاحين الصغار واستعباد الفلاحين الفقراء وتشكلوا كطبقة "أرستقراطية قبلية".
وهكذا تشكل الأساس الاقتصادي في دولة البرجوازية التجارية على شكل قوتين كبيرتين متناقضتين طبقة "أرستقراطية المدن والبوادي" وطبقة "الفلاحين الصغار والفقراء" بينما يمثل المهنيون والحرفيون خدام الطبقة السائدة.
وكان لانهيار دولة البرجوازية التجارية في نهاية القرن 19 وبداية القرن 20 أثر كبير في بروز موقع طبقة الفلاحين الصغار في الثورة على دولة البرجوازية التجارية بعد المطالبة بتغيير الدستور، واندلعت ثورات الفلاحين بالبوادي لم يتم القضاء عليها إلا بعد تحالف البرجوازية التجارية والإمبريالية ودعم من الأروستقراطية، في حرب ضد ـ ثورية شاملة ضد ثورة الفلاحين الصغار أسفرت عن الاستعمار القديم.
وعمل الاستعمار بالمغرب على تحديث دولة البرجوازية التجارية دون تجاوز مستوى وضعها في خدمة مصالح الإمبريالية، حيث ركز منظور الدولة القديمة بالبوادي عبر منح جزء من السلطة للإقطاع الذي يمثله رؤساء القبائل، الشيوخ، الذين اقتسم معهم البرجوازية التجارية سلطته التي فرضت عليها الإمبريالية وصايتها، وذلك بتركيز نمط الإنتاج الرأسمالي التبعي على المستوى الاقتصادي والحفاظ على البنيات السوسيو ـ ثقافية القديمة ما قبل ـ طبقية، وبالتالي الحفاظ على مضمون دولة البرجوازية التجارية التيوقراطي المدعومة بسيادة ثقافة القبيلة والعائلة التابعة للثقافة القومية العروبية الإسلاموية وإقصاء الثقافة القومية الأمازيغية.

الصراعات الطبقية وحركة التحرر الوطني

كانت تجربة الثورتين، الأولى بالجنوب والثانية بالشمال، اللتين قادهما الفلاحون الصغار ضد الاستعمار، قد حددتا موقع هذه الطبقة في الحرب الثورية، هذا الموقع الذي تغير بعد إعادة هيكلة مراكز التناقضات الطبقية بالمغرب بعد دخول الإمبريالية بشكل مباشر في الصراعات الطبقية بالمغرب، البلد المستعمر.
خلال حركة التحرر الوطني الثورية ضد الاستعمار في سنوات الخمسينات من القرن 20 برزت حركة الفلاحين الثورية كتنظيم، بعد تأسيس جيش التحرير بالجنوب والشمال والتحامه بالمقاومة المسلحة الثورية للعمال بالمدن في معسكر واحد، في حركة ثورية شاملة بدعم من حركة التحرر الوطني بشمال إفريقيا التي أسسها محمد بن عبد الكريم الخطابي بالمنفى، ضد الاستعمار وتحالف البرجوازية التجارية والملاكين العقاريين الكبار وبقايا الإقطاع، واستطاعت الحركة الثورية للعمال والفلاحين قطع الطريق أمام الاستعمار الذي يهدف إلى فك الارتباط بين الحركتين الثوريتين للشعبين المغربي والجزائري من أجل محاصرة الثورة الجزائرية الصاعدة والقضاء على الحرب الثورية بالصحراء الغربية، وكانت المقاومة المسلحة للحركة العمالية الثورية بالمدن سندا طبقيا للحركة الفلاحية الثورية بالبوادي مما ساهم في تغيير موازين القوى في الصراعات الطبقية بالمغرب لصالح التحالف الطبقي الثوري، بعد أقل من 20 سنة من إسكات فواهات المدافع الثورية للفلاحين بانتصار نسبي للاستعمار على ثورة الفلاحين بالجنوب والشمال وثغور جبال الأطلس في 1934.
وكانت الحركة السياسية الإصلاحية ـ الرجعية للبرجوازية الصغيرة بالمدن التي تأسست على أنقاض إبادة المقاومة المسلحة للفلاحين في 1934 قد امتدت إلى البوادي بعد تأسيس حزب الاستقلال في 1945، من الشمال إلى الجنوب لتغطية جميع مناطق حركة الفلاحين الثورية والتحكم فيها وتوجيهها في اتجاه مشروعها الإصلاحي ـ الرجعي، فبعد تغلغل الفكر السلفي الإصلاحي لحزب الاستقلال في أوساط الحركة العمالية بالمدن خاصة بالدار البيضاء بعد تأسيس نقابة الاتحاد المغربي للشغل في مارس 1955، من أجل قطع الطريق عن الفكر الثوري الذي كان يحمله المناضلون الماركسيون ـ اللينينيون بالحزب الشيوعي المغربي إلى الطبقة العاملة بنقابة CGT، وتطويع الحركة العمالية الثورية ومراقبتها وتوجيهها في اتجاه الإصلاحية بعيدا عن حركة الفلاحين الثورية بالبوادي، عمل حزب الاستقلال على لعب دور صمام أمان البرجوازية التجارية في أوساط جماهير العمال والفلاحين برفع مطلب "رجوع السلطان" على رأس شعاراته الديماغوجية حول "الاستقلال والحركة الوطنية"، بالدعاية للنضال "السياسي الديمقراطي" والالتفاف حول هذا المطلب الإصلاحي ـ الرجعي من أجل "الاستقلال".
واستمرت المقاومة المسلحة بالبوادي بإصرار من حركة الفلاحين الثورية الرافضة للحلول الإصلاحية ـ الرجعية إلى حد الالتحام بالثورة الجزائرية والحرب الثورية بالصحراء الغربية، مما أربك التحالف الطبقي للبرجوازية التجارية والملاكين العقاريين وبقايا الإقطاع المدعومة من طرف الإمبريالية في بداية مرحلة الاستعمار الجديد، التي أحبكت أطواره بعد مؤامرة 1956 باتفاقية إكس لبان من أجل المطلب الإصلاحي ـ الرجعي لحزب الاستقلال "رجوع السلطان" والقضاء على المقاومة المسلحة للعمال والفلاحين، التي استطاعت تحقيق انتصارات باهر بالجنوب بالتحامها بالحرب الثورية بالصحراء الغربية ضد جيوش الاستعمار في طريقها إلى دعم حركة التحرر الوطني بالجزائر والغرب الإفريقي.
لقد تبخرت كل الشعارات الثورية للتحالف الطبقي للعمال والفلاحين في حركتهم التحررية الثورية بالمغرب ضد الاستعمار القديم، نظرا لفقدان حركتهم الثورية لمنظور أيديولوجي وسياسي ثوريين مناهضين للإمبريالية بقيادة الحزب الثوري، فالحزب الشيوعي المغربي المرتبط أساسا بالحزب الشيوعي السوفييتي التحريفي لم يكن في مشروعه النضالي تنظيم الطبقة العاملة على أسس تحررية ثورية، مما جعل المشروع الإصلاحي ـ الرجعي لحزب الاستقلال يسيطر على نضالات العمال في نقابة الاتحاد المغربي للشغل وتوجيهها في اتجاه المطالب الاقتصادية، وفي نفس الوقت تم نزع سلاح الفلاحين وتعريضهم لاستغلال الملاكين العقاريين الكبار وإقصائهم من التنظيم النقابي بعد تأسيس نقابات العمال والمأجورين وتعريض العمال لاستغلال الباطرونا المرتبطة مصالحها بالبرجوازية التجارية، بعد سيطرت القيادة البرجوازية الصغيرة لحزب الاستقلال على نقاباتهم التي تحولت إلى نقابات بيرقراطية في خدمة مشروع الاستعمار الجديد.
ولم يتم تحقيق المطالب الثورية التي رفعتها حركة التحرر الوطني التي قادها تحالف العمال والفلاحين نظرا لافتقادها للطليعة الثورية البروليتارية التي باستطاعتها بناء الحزب الثوري القادر على قيادة الحرب الثورية ضد الاستعمار، من مستوى البعد الوطني للحرب الثورية إلى مستوى الحرب الطبقية الثورية في الصراع بين البروليتاريا والفلاحين ضد البورجوازية التجارية والملاكين العقاريين الكبار، من الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية إلى الثورة الديمقراطية البروليتارية، من المطالب الديمقراطية للفلاحين إلى المطالب الاشتراكية للعمال، ورغم أن الفرز السياسي للتناقضات الداخلية لحزب الاستقلال أفرز حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، إلا أن الفكر البرجوازي الصغير الذي يحكم قيادات هذا الحزب الجديد لم تسمح له بالخروج من المنظور الوطني لمشروعه السياسي إلى بناء مشروع اشتراكي، مما أوقعه في فخ تسيير أزمة دولة البرجوازية التجارية فيما يسمى حكومة عبد الله إبراهيم قائد الحزب، التي تمت في ظلها تصفية جيش التحرير وقمع انتفاضات الفلاحين بالشمال والجنوب وحل الحزب الشيوعي المغربي.
هكذا تم تطبيق المضمون الطبقي لمشروع الاستعمار الجديد بالمغرب الذي ساهمت البرجوازية التجارية بتعاون مع البرجوازية الصغيرة الحزبية والنقابية في بلورته، عبر تفكيك البنيات التنظيمية السياسية الثورية للعمال والفلاحين بالمدن والبوادي التي بلغت حد المستوى التنظيم العسكري في الصراعات الطبقية من أجل السلطة، ويعتبر إفشال هذا المشروع الثوري أمرا حاسما في تحديد أفق الصراعات الطبقية التي حددت أفق الحركة السياسية الثورية بالمغرب، والتي نعيش اليوم أطوارها أزمتها المتقدمة في ظل تاريخ اليسار الثوري الحافل بالنكسات السياسية في مرحلتين مهمتين من تاريخه، الأولى بعد تطويع المعارضة الاتحادية الثورية بجناحها العسكري بقايا المقاومة المسلحة في صفوف حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي اختار ما يسمى النضال السياسي الديمقراطي منذ فشل حركة 3 مارس، الثانية بعد فشل مشروع التغيير لما يسمى "اليسار الجديد" المشروع الثوري للحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية في السبعينات من القرن 20، التي تنازلت عن المشرع الثوري واختارت ما يسمى النضال الديمقراطي الجذري واستحالت المنظمات السرية إلى أحزاب برجوازية صغيرة بعد فشلها في تحقيق هدفها الاستراتيجي وهو تأسيس الحزب الماركسي ـ اللينيني المغربي.

الحركة الثورية والصراعات الطبقي

شكل دخول الرأسمالين الصناعي والمالي منعطفا كبيرا في تحول الأساس الاقتصادي لدولة البرجوازية التجارية بالمغرب عبر :

أولا بعد تركيز منشآت صناعية رأسمالية وأبناك بكبريات المدن.
ثانيا بعد إنشاء منشآت فلاحية رأسمالية وفتح المناجم لاستغلال المعادن بالبوادي.

وتشكلت طبقة عاملة صناعية بالمدن وطبقة عاملة زراعية ومنجمية بالبوادي، إلا أن صفة الطبقة العاملة هذه ظلت مرتبطة بالبوادي وبجذور الفلاحين الصغار، ولم تستطع الطبقة العاملة بالمغرب التطور في اتجاه طبقة مستقلة أيديولوجيا وسياسيا عن طبقة الفلاحين الصغار نظرا ل:

ـ كونها متعلقة تاريخيا بالبوادي ولم يكتمل لديها مستوى الوعي السياسي الطبقي رغم أنها تشكلت كقوة أساسية في الإنتاج، نظرا لأوضاعها الاقتصادية التي لا تسمح لها باستقلالية اجتماعية وثقافية، مما جعل جل العمال مرتبطين بالبوادي وبالإنتاج الزراعي العائلي الذي يذر عليهم بعض الأموال لسد بعض المصاريف التي لا يمكن تغطيتها بأجورهم الهزيلة.
ـ كونها معزولة عن العمل السياسي والنقابي ومقيدة بقوانين شغلية قمعية استعبادية تجعلها لا تفكر إلا في المطالب الاقتصادية التي تكون مسطرة لها مسبقا من طرف البيروقراطية النقابية، مما جعل وعيها حبيس النضال الاقتصادي وظلت حبيسة الوعي بذاتها مما يحول دون قدرتها على تجاوز النضالات الإصلاحية المحدودة الأفق والرقي إلى مستوى الوعي لذاتها.
ـ كونها تفتقد لأيديولوجيا ثورية أي الماركسية التي تقود طليعتها الثورية نحو بناء الحزب الماركسي ـ اللينيني المغربي القادر على قيادة نضالاتها الثورية في اتجاه حسم السلطة السياسية والاقتصادية والعسكرية لصالحها.

وبقيت الطبقة العاملة المغربية مرتبطة أشد ارتباط بجذورها الفلاحية بالارتباط بالفلاحين الصغار نتيجة السياسات الاستعمارية، التي عملت على فك البنيات الاقتصادية التقليدية بالبوادي التي أسفرت عن نشأة طبقة الملاكين العقاريين الكبار، بينما البنيات الاجتماعية والثقافية بقيت حبيسة نمط التفكير ما قبل ـ رأسمالي مما عمق التناقض بين البنيات الاقتصادية والسوسيو ـ ثقافية، بعد هيمنة البرجوازية التجارية والملاكين العقاريين الكبار على السلطة السياسية والاقتصادية والعسكرية في مرحلة الاستعمار الجديد، وأصبحت الطبقة العاملة والفلاحون الصغار في تبعية تامة لهاتين الطبقتين السائدتين بالمدن والبوادي.
ولم تستطع الطبقة العاملة المغربية التطور كطبقة مستقلة أيديولوجيا وسياسيا في ظل هذا الوضع الهجين الذي لم تتضح فيه مستويات الصراعات الطبقية، نظرا لكون البرجوازية الصغيرة الناشئة بالمدن قد سيطرت على المجال السياسي من منطلقات قومية دينية تنسجم مع أيديولوجيا دولة البرجوازية التجارية، مما ساهم بشكل كبير في عرقلة تطور الوعي السياسي الطبقي لدى العمال وتشكلهم كطبقة مستقلة أيديولوجيا وسياسيا عن الفلاحين الصغار، ذلك ما يمكن أن نستنتجه خلال حرب التحرير الشعبية ضد الاستعمار التي تحالف فيها العمال والفلاحون الصغار في حرب ثورية، قادها بشكل كبير الفلاحون الصغار بالبوادي والعمال بالمدن في ظل عدم قدرة الطبقة العاملة على قيادتها في اتجاه حرب طبقية، مما جعلها لم تتجاوز مستوى البعد الوطني القومي، الشيء الذي سهل على البرجوازية الصغيرة السيطرة عليها سياسيا وتوجيهها لصالح دولة البرجوازية التجارية.
لقد فشلت جميع التجارب الثورية في بناء استراتيجية ثورية نظريا وممارسة تكون كفيلة ببناء الدولة الوطنية الديمقراطية الشعبية، بدءا من مجموعات الاختيار الثوري والجناح العسكري الاتحادي، منظمات الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية والمناضلون النقابيون التابعين لها، نظرا لفشلها في بناء الحزب الماركسي ـ اللينيني نتيجة عدم الحسم في المسائل الأيديولوجية والسياسية العالقة إلى حين، ورغم اجتهادات الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية خاصة منظمة إلى الأمام إلا أن كل هذه الاجتهادات لم تتوج بالبناء الاستراتيجي الثوري في علاقته بالبناء الحزبي.
فخلال ثلاثة عقود من القمع الأسود استطاعت الدولة البرجوازية التجارية التبعية للإمبريالية السيطرة على الشأن السياسي وتطويع الإصلاحية والتحريفية لخدمتها، التي استحالت إلى أدوات لتمرير السياسات الطبقية للدولة في إطار الخطوط الحمراء التي سطرت لها في حدود التنافس في مستوى تنفيذ وتطبيق السياسات الاقتصادية الطبقية، ولم تعد الأحزاب السياسية تشكل بالنسب للدولة هاجسا أمنيا بقدر ما تشكل أدوات وقائية من كل تسربات منظمة أو غير منظمة للخارجين عن النظام العام، إلى حد تدافع فيه عن النظام القائم بشكل أعمى وتهاجم كل من يخالف السياسات الطبقية السائدة ويحاول انتقادها حتى من منطلق حرية الرأي الذي تقره الديمقراطية البرجوازية.
وأصبحت الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية في نظر كل الأحزاب خارجة عن النظام العام في صك اتهامها كل الجرائم السياسية الممكن تلفيقها للمناضلين الماركسيين اللينينيين، الذين لا يتحركون إلا في سرية لا تقيهم في أغلب الأحيان من الهجوم عليهم واعتقالهم خاصة في صفوف الحركة الطلابية.
لقد أكدت حركة 20 فبراير وكل الانتفاضات الشعبية فيما يسمى "الربيع العربي" خلاصات المنظور الماركسي حول "قوة الدولة وفصائل رجالها المسلحين" في قمع المظاهرات وفتح المعتقلات الرهيبة، وبروز الدولة كقوة للضبط الاجتماعي في سبيل حماية الرأسمال من نار هشيم الشوارع المشتعلة ومحاصرتها في كل المواقع التي تغذيها، وكان آخرها مواقع الحركة الطلابية وبالأخص فصيل الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية كآخر معاقل الصمود بحكم توفره على شرطين أساسيين : الشباب والتثقيف كعنصرين أساسيين في كل حركة ثورية، هذه المعاقل التي صارت تتقلص هي الأخرى شيئا فشيئا بحكم غياب الحزب الماركسي ـ اللينيني.

إن من بين المهام الأساسية للماركسيين اللينينيين :

ـ مباشرة النظر في مسألة فشل المشروع الثوري المغربي المرتبط بالحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية، عبر دراسة تطور شروط الحياة المادية الجديدة للمجتمع المغربي في ظل التحولات السياسية والاقتصادية العالمية وتداعياتها على تطور الاستراتيجيات الثورية العالمية، ضمن مشروع ثوري شامل مناهض للهيمنة الإمبرالية العالمية ودعمها لدول البرجوازية التجارية بالبلدان المضطهدة خاصة بإفريقيا، موازاة مع بلورة استراتيجيات جديدة لبناء الحزب الماركسي ـ اللينيني المغربي في علاقته بالتحالفات الاستراتيجية الإقليمية والعالمية في الحركة الماركسية ـ اللينينية الإقليمية والعالمية، خاصة وأن المغرب يعتبر قاطرة الحركة الثورية بإفريقيا القارة التي تعتبرها الإمبريالية العالمية مجالا خصبا للاستغلال الرأسمالي في الأفق المتوسط والبعيد.
ـ العمل على بلورة مفهوم الطبقة في أوساط العمال والفلاحين بالعمل على رفع مستوى الوعي السياسي الطبقي لديهم، من أجل تطورهم في اتجاه تشكلهم كطبقة مستقلة أيديولوجيا وسياسيا عن طبقة البرجوازية التجارية والملاكين العقاريين الكبار، مع الحفاظ على مستوى التحالف الطبقي فيما بينهم من أجل إعادة بناء التحالف بينهم في ظل شروط ثورية جديدة، تكون فيها الطبقة البرجوازية الصغيرة بعيدة عن تحالفهما الطبقي في اتجاه بناء الطريق الثوري الجديد، الذي يجب أن يتم فيه تجاوز المفهوم الوطني القومي للثورة إلى المفهوم الثوري الطبقي مما يتطلب بناء الحزب الماركسي ـ اللينيني المغربي على أسس المرور من الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية إلى الثورة البروليتارية الاشتراكية، ولن يتم ذلك إلا عبر الدراسة المادية التاريخية للحرب الثورية عالميا، إقليميا ومحليا.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,682,842,553
- الأساس الاقتصادي للاستراتيجية الإمبريالية الجديدة وبناء الاس ...
- التجربة الثورية الفيتنامية : تأسيس جيش - المسيرة في اتجاه ال ...
- عن المفهوم التاريخي للينينية
- الأسس الأيديولوجية والسياسية لبناء الحزب البروليتاري الثوري
- الحزب البروليتاري الثوري وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية ال ...
- التجربة الثورية الفيتنامية : تأسيس جيش - المسيرة في اتجاه ال ...
- التجربة الثورية الفيتنامية : تأسيس جيش -الحركة تتعسكر- المسي ...
- التجربة الثورية الفيتنامية : تأسيس جيش -الحركة تتعسكر- سرد ا ...
- التجربة الثورية الفيتنامية : تأسيس جيش -الحركة تتعسكر- سرد ا ...
- التجربة الثورية الفيتنامية : تأسيس جيش -الحركة تتعسكر- سرد ا ...
- مأساة يغود - الجزء الثاني - الحلقة الخامسة
- مأساة يغود - الجزء الثاني - الحلقة الرابعة
- مأساة يغود - الجزء الثاني - الحلقة الثالثة
- مأساة يغود - الجزء الثاني - الحلقة الثانية
- مأساة يغود الجزء الثاني الحلقة الأولى
- لماذا المذهب الماركسي اللينيني أعلى مراحل الديالكتيك الماركس ...
- مأساة يغود - الثورة والثورة المضادة - ج 2
- مأساة يغود - الثورة والثورة المضادة
- مأساة يغود - الزاوية
- مأساة يغود - القسم الأول، الفصل الأول، القبيلة


المزيد.....




- شرطة ذي قار: طاردنا مهاجمي المتظاهرين في الناصرية
- الأمم المتحدة بشأن العراق: مقتل المتظاهرين بعد سنوات من الوع ...
- مع تصعيد احتجاجات العراق.. مقتدى الصدر يدعو لاحترام مطالب ال ...
- لبنان: إصابة عشرات المتظاهرين في بيروت خلال مواجهات عنيفة
- عمليات بغداد تفتح جميع الطرق وتشكر المتظاهرين
- مع انتهاء مهلة تصعيد الاحتجاجات.. مقتدى الصدر يدعو لاحترام م ...
- ارتفاع أعداد المصابين في اشتباكات الأحد بين قوات الأمن والمت ...
- الفصائل الفلسطينية تنفي مشاركة أبناء المخيمات باحتجاجات بيرو ...
- جولة جديدة من المواجهات بين المتظاهرين والأمن وسط بيروت
- حزب التقدم والاشتراكية باليوسفية يناقش الخطة التعبوية تجدر و ...


المزيد.....

- حول الانتفاضة والمرحلة الانتقالية / الحزب الشيوعي اللبناني
- الإنتفاضات الشعبية العربية من منظور قانون تفاوت التطور اللين ... / هيفاء أحمد الجندي
- «مسؤوليّة الحماية» و«الحقّ في التدخّل الإنسانيّ» / نعوم شومسكي
- دراسة الدولة والثورة في المنطقة العربيّة من منظورٍ ماركسي / جلبير الأشقر
- حول فلسفة الإنسان الأعلى / ليون تروتسكي
- الثورة المستمرة من أجل الحرية والرفاهية والتقدم لكل البشر / عادل العمري
- إختراقات - الإختراق التاريخي لماركس و مزيد الإختراق بفضل الش ... / بوب افاكيان
- الديمقراطية في التاريخ / محمد المثلوثي
- أولرايك ماينهوف المناضلة الثائرة و القائدة المنظرة و الشهيدة ... / 8 مارس الثورية
- الخطاب الافتتاحي للحزب الشيوعي التركي في اللقاء الأممي ال21 ... / الحزب الشيوعي التركي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - امال الحسين - الدولة البرجوازية التجارية والصراعات الطبقية بالمغرب