أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس علي العلي - رواية (السوارية) ح4 _1














المزيد.....

رواية (السوارية) ح4 _1


عباس علي العلي
(Abbas Ali Al Ali )


الحوار المتمدن-العدد: 6322 - 2019 / 8 / 16 - 00:52
المحور: الادب والفن
    


وجه أخر......
ككل المدن هناك وجه ظاهر يحتفى به من الجميع وكأنه هو الجوهر وهو الكل، وهناك ما وراء الظل يختفي متواريا لأننا لا نريد أن نراه بعيون الناس، يكفي أننا نفعله بصمت وأحيانا مع الشعور بالعار، لكنه في جميع الأحوال هو موجود لا يغير من الحقيقة أننا وإن رغبنا أن نكون ملائكة فالشيطان جزء منا، فنصبح كمن لا يريد ترك الله ولا يرغب بمفارقة إبليس، في الظل المخفي كثيرا ما تحدث أشياء عديدة أولها أننا ننتزع من جلدنا جلد حين نريد أن نقنع ضميرنا أن لا شيء مهم بقدر ما نشعر أننا بحاجة له.
على الرغم من كون السوارية كمدينة وهبها الله نعمة الماء والطين لتكون وطن لإنسان يريد أن ينتج ويتطور بها، إلا أن الحلم هذا يبقى مؤجلا حتى حين مع شعور البعض أن ما في يديه لا يكفي أن يقنع غروره فيمد كل ما في ذاته من أيادي ليستحوذ على ما في يد غيره، المهم أنه ينجح بذلك وتبا للشيطان فهو أيضا له وظيفة وجودية وليس من العبث أن نتركه عاطلا معطلا، الغريب حين تعرف أن غالب الناس تتعامل بأريحية مع الحرام، بائع السمك في الصوب الصغير يغش في الميزان ليسرق بضعة غرامات من الزبون، أما أن يجعل من الميزان وغالبا ما يكون من عصا وكفتين مربوطتين بحبال صغيره فيضغط على العصا لينزل الميزان، أو يجعل من الأوزان ناقصة محفورة من أسفلها أو يستخدم بعض الأوزان من حجارة أو حديد لتكون معيارا للوزن.
مع كل ذلك نجد البعض منهم يقسم بأن الميزان حق والأدهى حينما تكون هناك دعوة أو مناسبة دينيه فهو أول من يشمر عن ذراعيه ليكون رائدا في الحدث، الأمر ليس مقتصرا على طبقة الباعة والكسبة حتى تجار السوق بكل أصناف التجارة من صغيرهم لكبيرهم لا إشكال لديهم أن يفعلوا ذلك بطريقتهم الخاصة، كنت صغيرا وأجلس قرب دكان (محسن أبو إيد) كان مبتور الكف الأيمن ولا يقرا ولا يكتب، أسجل له الحساب على زبائنه في دفتر الديون، حين أجمع له الحساب يطلب مني أن أزيد في المجموع بما لا يقل عن عشرين بالمئة، كان جوابه دائما على أعتراضاتي أنها التجارة وهذا دين وهو يدفع لتجار الجملة نقدا.
في السوارية وأرتباطا بكونها الأولى في البلد من حيث كمية المنتج من الرز العنبر والأعلى جودة بين كل الأصناف التي نزرع في العراق وهو العنبر، بأنواعه المتعددة التي يتربع في قمتها الخضراوي ذي العطر المميز والغالي من بين بقية الأصناف سعرا والأندر في الإنتاج، نشأت تجارة الرز فيها ومعها أعراف وتقاليد لا تجد مثيلتها في المدن الزراعية الأخرى، لكل نمط أنتاج في كل مجتمع ظواهر وأساليب وممارسات قد تتحدد بمجموعة عوامل وليس بالضرورة أن تتشابه من مكان إلى أخر، السوارية قد تكون فيها التجارة والزراعة وحتى نمط الحياة مرتبط بالجغرافية الطبيعية لها، ومرتبط أكثر بالماء والطين تحديدا.
من الأشياء التي تبدأ فيها دورة الأقتصاد المحلي هنا كراب الأرض وكيفية فعل ذلك خاصة وأن الأراضي شاسعة ومترامية الأطراف وليس سهلا أن يتدبر أمرها الفلاح في ذلك الوقت حيث لا مكائن ولا معدات غير المسحاة، العادة هنا أن تتم دعوة مجاميع من الناس للمساعدة تحت عنوان (العونة) فيتجمع الكثير من الأشخاص في مكان واحد وزمان محدد لإنجاز المهمة على أن يتولى الفلاح إطعامهم طوال النهار، كنت في مرة مع البعض من أصدقائي مع مشهد رائع لما فيه من قيمة إنسانية بتفاصيلها وتلقائيتها تحتفر في ذاكرتي، قدمت زوجة الفلاح كل ما تملك من دواجن في البيت ليكون طعاما للعشرات اللذين حضروا في العونة، وقد سبقها زوجها منذ إنبثاق الفجر بالذهاب إلى الطبر لاصطياد ما تيسر من أسماك مختلفة الأحجام، فيما إنشغلت بقية النسوة بالخبز وإعداد الماء واللبن وهن متحزمات بطريقة لم تختلف منذ شاهدت أول قروية تفعل ذلك وإلى هذه الأيام تقريبا في بعض المناطق التي حافظت فيها النساء على ذلك الزي الفلكلوري الذي أظن جازما إنه من عمق تاريخ العراق الطيني.
ما أن حل الضحى ونحن نقترب من أنجاز شيء مهم من مساحة الأرض كرابا وتقليبا حتى سمعنا النداء للأكل، فقد مضت ساعات من الفجر وللأن والرجال منهمكون في إنجاز المهمة، أمتدت الحصائر المصنوعة من سعف النخيل تحت ضلال شجر تين عملاقة قريبا من النهر ووضع عليها ما جادت به كرائم الأنفس، الرجال منهم من دخل النهر ليسبح ومنهم من أكتفى بغسل الأيدي والأرجل والوجه، رائحة الخبز الحار مخلوطا برائحة الدجاج والبط والسمك تنافسها في بعث شهية الرجال منظر اللبن وهو مرصع بقطع الزبدة الذهبية الموزعة في (معجانات) من الصفر (النحاس) لتدعوا الجميع إلى التعويض عن الجهد المبذول في تطويع وجه الأرض لموسم زراعي جديد.
دقائق وقد أختفى ذلك المنظر الرهيب الذي كنت أظن أن لا أحد يمكنه التهام هذه الكمية الكبيرة من الطعام، البعض باشر بعد الأكل بإخراج كيس التتن ليلف سيجارة تداوي إدمانه على النيكوتين، البعض وهذا ما أشاهده نادرا أخرج علبة من السجائر كنت أعتقد أنها حصرا على سكان السوارية والمدن، حتى في هذا هناك من يتميز عن غيره بمظهر من مظاهر الترف البسيط، جلست بنات الرجل الداعي للعونة يملئن كاسات الشاي الصغيرة ويوزعنها على الرجال، كانت هناك مجموعة من الصغار وأنا من ضمنهم نفول بنقل بقايا الصحون والأكل إلى داخل الدار أنتظارا لوجبتنا نحن وبقية النساء اللائي لا يتناولن الطعام حتى يفرغ الجميع ويعودوا إلى عملهم أو يستأذن البعض (يترخص) فقد شارك وهذا هو مبدأ المشاركة، يكفي أنك تتضامن ويكفي أنك لا ترد دعوى للعمل الجماعي.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,555,561,624
- رواية (السوارية) ح3 _2
- رواية (السوارية) ح3 _1
- أختلاجات في عرض الحقيقة
- رواية (السوارية) ح3
- رواية (السوارية) ح2 _2
- لعنة ال لو
- رواية (السوارية) ح2
- رواية (السوارية) ح1
- القانون بين وجوبية التطبيق ورغبة الخارجين عنه.
- العبودية وامتهان كرامة الإنسان
- هل لنا أن نجعل الدين ديمقراطيا في الواقع؟
- مشروع إعادة بناء الدولة العراقية _ خطط ومناهج ج1
- مشروع إعادة بناء الدولة العراقية _ خطط ومناهج ج2
- أساليب النهج الكهنوتي في رسم دائرة الوعي الديني
- العقل الجمعي بين الوعي المختار وهوس الجماعة
- الحاجة الفعلية للديمقراطية وحصاد الربيع العربي
- الأستحمار الفكري والمعرفي وعلاقته بمفهوم العقل الجمعي
- نداء...إلى متظاهر في شوارع البصرة
- قانون التداولية والمطلق المحال....
- الديمقراطية التوافقية الإشكالية والمشكلة


المزيد.....




- خنازير عملاقة في الصين.. كيف تنبأ فيلم -أوكجا- بالمستقبل؟
- تطبيقات مجانية للأفلام الرقمية والموسيقى والكتب الإلكترونية ...
- بالفيديو... فنانة خليجية تصدم جمهورها بمظهرها الجديد
- هذا ما ابلغه العثماني للنقابات والباطرونا
- الجزائر تشارك في الاجتماع المشترك لوزراء السياحة والثقافة ال ...
- وزير الصحة الجديد يلتقي النقابات.. ويتخد هذه القرارات لانقاذ ...
- من هي سولي نجمة موسيقى ال -كي بوب- التي سببت وفاتها ضجة عبر ...
- لدعم الروائيين في قطر.. كتارا تدشن مختبرا للرواية
- الأربعاء.. انطلاق فعاليات المؤتمر المشترك الثاني لوزراء السي ...
- لوحة -الصرخة- ليست كل ما رسم مونك


المزيد.....

- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس علي العلي - رواية (السوارية) ح4 _1