أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد طالبي - في الكتاب














المزيد.....

في الكتاب


محمد طالبي
(Mohamed Talbi )


الحوار المتمدن-العدد: 6320 - 2019 / 8 / 14 - 00:38
المحور: الادب والفن
    


في الكتاب
القصيبة صيف 1973 انا برفقة ملاكي الصغير فرحان في حديقة منزلينا ، نائمان تحت الكرمة الكبيرة، المباركة بصلوات الملائكة. مستلقيان على ظهرينا ونراقب العصافير وثمار التين الناضجة منها والتي في الطريق الى النضج . نراقب ازواج العصافير، نتعرف عليها واحدا ، واحدا، أصبحت جزء من مملكتنا .فراشنا قطعة كبيرة من الكرطون. تسع جسمينا الصغيرين.غطائنا أغصان الكرمة ،أوراقها و السماء الزرقاء. والود رابطنا وحبل سري -سيري يجمعنا روحينا . فتاتي تسألني
- متى ستذهب الى الكتاب ؟
استردت فجأة نحوها ،ثم استادرت هي الاخرى نحوي في حركتين لا اراديتين. أصبحنا وجها لوجه. وجهها ملائكي. عندما امعن النظر فيه يدخل البهجة لقلبي.طلبت منها أن تغمض عينيها وتضمني اليها. كدلك فعلت. يداها الصغيرتان و الناعمتان تمسكان بوجهي. احساس غريب يدب في كامل جسمي ،من راسي حتى اخمص قدمي .قشعريرة تسري في عروقي .سعادة لا توصف تغمرني. ابتسم دون ان افتح عيني، انا في الفردوس الاعلى مع الصديقين و الشهداء.
يدان صغيرتان ناعمتان تضمان وجهي الصغير ويد ثالثة تضغط علي ادني حتى الالم، من شدة الالم، عدت بسرعة البرق من فردوسي الاعلى نحو الحديقة ، كذت ابكي.. فتحت عيني ، اه.. يا للهول ..أمي ثانية و ثالثة و مرة اخرى.نهضت بسرعة.تلقيت صفعتين متتاليتين واحدة على الخد الايمن واخرى على القفا. نلت نصيبي اليومي من العقاب ،جزاء نومي على قطعة الكرطون. لا افهم لماذا تضربني امي كلما وجدتني مع فتاتي نفترش الكرطون.أمي ليلا تنام قرب ابي. فتاتي اخبرتني ان اباها وامها ينامان كدلك جنبا الى جنب كلما سنحت لهما الفرصة، ليلا او نهارا .. كذلك نفعل نحن . ما سر هذا العنف اليومي وحنق امي علي ؟ ولماذا تعاقبني كلما وجدتني نائما قرب صديقتي؟
طوال المسافة الفاصلة بين حديقتنا ، و الكتاب امي توبخني تارة وتجر اذني حتى تكاد تقتلعها من جدورها تارة اخرى
- كا نكول ليك يا بالحمار ما تبقاش تنعس حدا البنت..
انا ابن حمار اذن ؟
الان فهمت لماذا اساق كالحمار الى الكتاب. حتى ابنتعد عن الفتاة و لا انام بجانب ملاكي الصغير اذن.. وما العيب في ذلك ؟عقلي الصغير لا يستوعب تناقضات الكبار و البالغين، الراشدين. كل رجل ينام بالقرب من امراته . وكل نساء البلدة ينمن قرب ازواجهن.وانا ممنوع من ان انام قرب فتاتي .انها زوجتي أنا كدلك ...اي هراء هذا ؟ قلت لنفسي عندما اكبر سابني لنا منزلا، و ساغرس كرمة. ساشتري سريرا اضعه تحت الكرمة، لننام معا ونراقب الثمار واسراب الطيور و الفراشات. دون ان يزعجنا احد ،ودون ان اتلقى الصفعات.
دخلنا الكتاب. بعد السلام على الفقيه وتقديمي له اخبرته امي انني مشاغب ،وجني لا يطاق و اني كثير الغياب.
تفحصني بعنيه الجاحظتين. وجهه عبوس ومنتفخ كبطيخة صفراء
بعد ان انتزعتني امي من مملكتي - حديقتي. دخلت الكتاب تملكني شعور غريب. اهو الحبس ؟ هل هو سجن للصغار ؟ احسست بعدم الانتماء للمكان .كيف انتمي لهذا السجن الطافح بالخنوع و الانبطاح ، و القذارة ..مشاغبون مثلي يرتدون اسمالا او اشباه جلاليب و يجلسون حفاة على حصير تفوح منه روائح الرطوبة و البول، متفاوتة القوة،معطر بروائح الضراط القادم من شرق الحجرة..فقيه اصلع يتطاير الشر من عينيه..عصي متعددة ، متفاوتة الاحجام و الاطوال والمصادر.. مع مرور الايام ،لاحظت ان فقيهنا مهتم بالمؤخرات المكتنزة لبعض النسوة.. اكثر من انتباهه لوحاتنا و "صنصالها" و مدادها،وما يكتب عليها.
.كرهته من اول نظرة .انفه نافر كالحصان ،لون بشرته قمحي، أحد اضراسه منتفخ. او يعاني خللا ما..يا ربي اهو فقيه ام شيطان ؟ بعد ان ذهبت امي و استفرد بي. لكن قبل ان يبدأ في استنطاقي وتعكير صفو صباحي .دخلت امراتان جميلتان تجران طفلين جنيين مثلي اعرفها جيدا ،تعاركنا غير ما مرة..تغيرت ملامح الفقيه اصبح بشوشا وودودا..بعد ان انتهى الحوار استدارت السيداتان..عينا الفقيه الزائغتان لم تغادرا مؤخرتيهما وفمه مفتوح كالابله.حملق فيهما الى ان غابتا عن ناظريه. قلت هو ايضا يريد ان ينام بقربهما.
الصغار مثلي يلبسون ما يشبه الجلاليب عبار عن اسبال كلنا أبناء فقراء. نجلس على حصير متسخ ورائحة البول تحاصرني من كل جانب..القصف بالاسلحة الكيماوية بدأ للتو، صوت الضراط جاء قويا من جهة الشرق حيث يجلس طفل سمين. ثم بدأ يتكاثر تدريجيا ، القصف من كل حدب وصوب الان..بدا جوا و انتهى برا أيضا. شعرت بالدوار و الرغبة في القيئ. قبل قليل كنت في نعيم الحرية وتحت الاشجار وبين احضان الملائكة و العصافير،و سرب من الفراشات . امي ساقتني الى الجحيم بديها .. صغار الشياطين يحاصرونني و يقصفونني أرضا وجوا وكبيرهم جالس امامي..قبل ان انتبه الى لوحتي الثقيلة تلقيت ضربة بعصا الزيتون على راسي .ضربة الزيتون تكون حارقة . امسكت راسي في مكان الضربة بكيت بشدة..نهضت معويا ككلب تلقى ضربة على حين غرة. هرولت أطلقت ساقي للريح.تركت الكتاب و اللوحة و الصلصال و الحصير النتن و ضراط الصغار و الشيطان الكبير ..كانت اخر مرة ادخل فيها كتابا.ولازال الم الضربة المفاجئة و المؤلمة يوجع راسي و يدمي قلبي الى يومنا هذا .بعد ان تجاوزت الخمسين خريفا.
الداخلة
2019/08/12





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,473,595,140
- فضل -العضان - في محاربة المدافعين عن حقوق الانسان


المزيد.....




- مجلس الحكومة يصادق على مشروع قانون يتعلق بالتمويل التعاوني
- مجلس الحكومة يصادق على مقترح تعيينات في مناصب عليا
- مجلس الحكومة يصادق على مشروع مرسوم بإحداث دوائر وقيادات جديد ...
- ابراهيم غالي في -الحرة- : خبايا خرجة فاشلة !
- المصادقة على مشروع مرسوم بإحداث مديرية مؤقتة بوزارة التجهيز ...
- بالصور... من هو الممثل الأعلى أجرا في العالم لسنة 2019
- كشف تفاصيل هامة عن الجزء القادم من -جيمس بوند-
- تمثال للفنان حسن حسني يثير ضجة
- معرض فني عن مايكل جاكسون في فنلندا لا يسعى لتمجيد الفنان الم ...
- كاظم الساهر يحيي حفلا ضخما في السعودية


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد طالبي - في الكتاب