أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامح عسكر - أضواء على الهندوسية















المزيد.....



أضواء على الهندوسية


سامح عسكر

الحوار المتمدن-العدد: 6316 - 2019 / 8 / 10 - 21:17
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


بعض الأديان وجدت بثقافة محلية لا تتخطى حدود الإقليم أو الدولة أو القارة، ولا تفارق الإنسان حتى بعد متغيراته الطارئة بالاستعمار أو الهجرات أو الانفتاح، من هذه الأديان التي نحن بصددها هي "الهندوسية" والتي يرفض الهنود تسميتها بهذا الإسم ويعتقدون أن تسمية دينهم بالهندوسية خطأ وأن هذه التسمية مصدرها الغزاه المسلمين الذين سموا الشعب الهندي بذلك على اسم نهر السند (إندوس)، وبالتالي فتسمية الهندوس كانت سياسية اجتماعية وليست دينية باعتبار أن الهنود جميعهم كانوا على ديانة واحدة هي البراهمية المؤسسة على نصوص كتاب الفيدا المقدس.

يمكن تفسير هذا الرفض الهندي لكلمة هندوسية بأول فقرة في ذلك المقال التي تؤكد محلية الديانة، بمعنى أن لفظ الهندوسية داخل الهند غير وارد بل يستعيضون عنه ب "الدين الهندي" أو القانون الأبدي "سانانا دارما" وقرينة ذلك هو اتجاه المؤرخين المسلمين إلى تسمية بلاد ما وراء النهرين لثلاثة أقاليم هي فارس وخراسان والسند، ثم اعتبروا كل ما وراء نهر السند هندوس Indus River ويمكن اكتشاف هذا الفارق في تسمية الهنود المسلمين في أقاليم السند والبنجاب أنفسهم بتسمية غير هندية فور تأسيس دولتهم الجديدة خلال حقبة الأربعينات والتي عرفت ب "باكستان"

هذه التسمية الباكستانية لبلدهم تعني "الأرض الطاهرة" أو التي تميزهم عن "نجاسة الهندوس" كما في المعتقد الإسلامي عن ديانة الفيدا، لاسيما أن الثقافة الإسلامية - كما قلنا - وصفت الفيدا بالهندوسية وبالتالي تبنى الباكستانيون شعورا يفصلهم عن التسمية الهندية لقُبحها، رغم أن أراضي الباكستان جميعها سميت قديما حتى منتصف القرن 19 بالهند أو شبه القارة الهندية، وينتمي شعبها للعرق الهندي الأعلى والقاطن في بنجلاديش وسريلانكا أيضا.

وليس أدل على انتماء الباكستان للعرق والتاريخ الهندي أن الديانة السيخية تأسست عندهم في إقليم البنجاب، فالسيخ عند لغة البنجابيين تعني "التلميذ" ومؤسسها "غورو ناناك" قبل 500 عام الذي قال بالمساواه التامة بين البشر، وأن نظام الطبقية الهندي – كما سنشرحه بعد قليل – هو غير صحيح، وأن العمل الصالح وحده كافيا لمعرفة الله وأن أفعال الرهبنة والحج غير صحيحة، ولشدة إيمان ناناك بالمساواه أبطل الصوم باتهامه بالطبقية كطقس شعبي ممارس يعطي الأفضلية للقوي ويمنعها عن الضعيف.

السيخ الآن يعيشون داخل الهند في معظمهم رغم أصولهم البنجابية في باكستان، ثم وبعد التقسيم الذي حدث في الأربعينات وإنشاء دولة باكستان على خلفية إسلامية هاجر السيخ داخليا من بنجاب باكستان لبنجاب الهند الأقل مساحة، ولطبيعتها التي جمعت بين أصول الإسلام والهندوسية في ظل إيمانهم بالحرية ورفض الطقوس صارت من أكثر الأديان تتبعا واعتناقا في العالم، إذ أصبحت أكبر خامس ديانة في العالم من حيث العدد قبل اليهودية والبهائية.

على جانبٍ آخر لم يصف مؤرخي المسلمين الأوائل الهنود بالهندوس، بل اكتفوا بكلمة الوثنيين أو كفار السند والهند كما عند ابن الجوزي في المنتظم خلال عرضه لغزوات "محمود بن سبكتكين الغزنوي" قال : " ورد إلى القادر باللَّه كتاب من يمين الدولة أبي القاسم محمود بن سبكتكين، يذكر فيه ما افتتحه من بلاد الهند ووصل إليه من أموالهم وغنائمهم، فقال فيه: إن كتاب العبد وصل من مستقره بغزنة للنصف من المحرم سنة عشر، والدين في أيام سيدنا ومولانا القادر باللَّه أمير المؤمنين مخصوص بمزيد الإظهار، والشرك مقهور بجميع الأطراف والأقطار، وانتدب العبد لتنفيذ أوامره العالية وتمهيد مراسمه السامية وتابع الوقائع على كفار السند والهند" (المنتظم 15/ 133)

وقال أيضا : " ورد كتاب من يمين الدولة أبي القاسم محمود بن سبكتكين إلى القادر باللَّه يذكر له غزوة في بلاد الهند، وأنه أوغل في بلادهم حتى جاء إلى قلعة عد فيها ستمائة صنم، وقال: أتيت قلعة ليس لها في الدنيا نظير، وما الظعن بقلعة تسع خمسمائة ألف إنسان، وخمسمائة فيل، وعشرين ألف دابة" (المصدر السابق 15/ 159)

وعند ابن الأثير قال نفس الكلام:" ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة أوقع يمين الدولة محمود بن سبكتكين بجيبال ملك الهند وقعة عظيمة.
وسبب ذلك أنه لما اشتغل بأمر خراسان وملكها، وفرغ منها ومن قتال خلف بن أحمد، وخلا وجهه من ذلك، أحب أن يغزو الهند غزوة تكون كفارة لما كان منه من قتال المسلمين، فثنى عنانه نحو تلك البلاد، فنزل على مدينة برشور، فأتاه عدو الله جيبال ملك الهند في عساكر كثيرة، فاختار يمين الدولة من عساكره والمطوعة خمسة عشر ألفا، وسار نحوه، فالتقوا في المحرم من هذه السنة، فاقتتلوا، وصبر الفريقان.
فلما انتصف النهار انهزم الهند، وقتل فيهم مقتلة عظيمة، وأسر جيبال ومعه جماعة كثيرة من أهله وعشيرته، وغنم المسلمون منهم أموالا جليلة، وجواهر نفيسة، وأخذ من عنق (عدو الله) جيبال قلادة من الجوهر العديم النظير قومت بمائتي ألف دينار، وأصيب أمثالها في أعناق مقدمي الأسرى، وغنموا خمسمائة ألف رأس من العبيد، وفتح من بلاد الهند بلادا كثيرة، فلما فرغ من غزواته أحب أن يطلق جيبال ليراه الهنود في شعار الذل" (الكامل في التاريخ 7/ 524)

لاحظ غياب لفظ الهندوس عند ابن الجوزي وابن الأثير وهم أكبر وأهم وأقدم مؤرخين ساقوا غزوات ابن سبكتكين في غزوه للهند، كذلك عند ابن العبري في "تاريخ مختصر الدول" وأبو الفداء ابن أيوب في "المختصر في أخبار البشر" وتعليقي على ذلك أنه وربما كان لفظ الهندوس شعبيا في بلاد ما وراء النهرين بتأثيرات يونانية قديمة أنتجت الوصف اللاتيني لنهر السند ب "إندوس" لذلك لم يعرفه العرب سوى متأخرا، وقرائن ذلك متعددة بتسمية اليونان للمصريين بالقبط "كيبتوس" والإيرانيين بالمجوس Magos ، ولعل ذلك الاتصال الآري اليوناني حدث في مرحلة متأخرة بحاجة لبحث مفرد عن دلالات وتاريخ الألفاظ وكيف استفاد الأوربيون – بلغتهم اللاتينية – في تأكيد وصفهم لشعوب المشرق إبان الغزوات الهللينية في حياة وبعد موت الإسكندر.

وقد سألني أحد الأصدقاء: لماذا لم يغزو العرب الهند ويحولوا جميع أهلها للإسلام مثلما فعل سبكتكين الغزنوي بتحويل بعضهم؟ قلت: أن الغزو حصل بداية من انتصارات القاسم الثقفي في السند خلال العصر الأموي، ولكن حصلت مقاومة هندية عنيفة بعد اقترابه من حدود الهند ،ولم يسلم سوى مجموعات لها خلافات عقدية مع الهندوس كالبوذيين، أي أن أكثر من أسلموا من الهنود كانوا بوذيين أو معارضين للبراهمة الهندوس، والتفاصيل حكاها المؤرخ والكاتب الهندي: سيتا رام جول في كتابه.." المقاومة الهندوسية البطولية للغزاة المسلمين"..Heroic Hindu Resistance to Muslim Invaders شرح فيها تاريخ الهنود في التصدي للاحتلال العربي، فكما هو واضح من عنوان الكتاب وطبيعة المؤرخ الدينية هي تعبير للرأي الآخر الهندي عن فترة الفتوحات.

أما عن طبيعة الدين الهندي فيمكن وصفه اجتماعيا بجانبين اثنين كان لهم أثر بالغ في تشكيل عقائد الهنود وانسجامها مع روح الشعوب الشرقية بالعموم.

الأول: الطبقية الاجتماعية في تقسيم الشعب وقد شبّهت ذلك قديما بلُعبة السُلّم والثعبان الشهيرة ذات الأصل الهندي، فحسب مفهوم (الموكشا) Moksha الذي سنشرحه بعد قليل يعني رحلة الترقي بين الطبقات وذلك يتطلب فعل الإنسان صالحا ليترقي في (سلم الموكشا) وبالتالي ينتقل للطبقة الأعلى، أو يعمل سيئا فيهبط..

ومبدئيا تلك الطبقات أربعة هي:

1- البراهميون: وهؤلاء رجال الدين الذين يتحدثون باسم براهما
2- الكشاتريون: وهم المحاربين
3- الفياشيا: وهم التجار والصناع
4- الشودرا : وهم الفلاحين والعمال والفقراء وعوام الناس

وآلية عمل تلك الطبقات أنه وبعد موتك وعملك الصالح تنتقل روحك آليا لجسد آخر في رحلة موكشية أعلى، فإذا كنت شودريا وعملت صالحا تترقى فورا وتصبح فايشيا أي برجوازي من أصحاب المال والأعمال والحرف، ولو كنت كشاتريا وعملت صالحا فبعد موتك تنتقل روحك لجسد آخر وتعيش حياة البراهمية..وتصبح متحدثا رسميا باسم الإله.

لعبة السلم والثعبان هي وصف لتلك الرحلة الموكشية، فالسُلّم يعني الترقي والصعود في الرحلة للأعلى، والثعبان يعني الهبوط للأسفل، السلم يعني عملك الصالح الذي جعلك جعلك تفوز لتترقى، والثعبان يعني عملك السئ جعلك تخسر لتهبط..(لاحظ دلالة الثعبان الشريرة هي نفسها في الإسلام) لكن ولكي نفهم بطريقة دقيقة فالموكشا ليست فقط بعد الموت في رحلة التناسخ، لأن نظام الترقي الطبقي قد يحدث في الدنيا أيضا بمفهوم (الكارما) ويعني كما لدينا في القرآن (من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) ، أي يره في الدنيا، فكلما عملت صالحا ترقت نفسك حتى تصل لحالة اتحاد كامل مع الله (طبقة البراهمية)، وقتها تكون قد حصلت على السعادة الكبرى والحكمة المتعالية وتكون مؤهلا للعظة وقيادة الناس في المعابد.

إذن لعبة السُلّم والثعبان هي رحلة الانتقال الطبقي الموكشي وقد تحدث دنيويا أو بعد الموت ، ويرمز لها الهنود بالتحرر والخلاص emancipation and Salvation أي تحرر النفوس من الألم والبؤس لتحقيق السعادة الأبدية والعيش مع الله، إنما عيب هذه اللعبة أنها تعتمد على الحظ للترقي خلافا للمعتقد الهندوسي، ربما حدث تطويرا للعبة على أيدي المحتلين الإنجليز الذين نقلوها للغرب.، أما النرد مختلف على أصله ما بين الهند وفارس وبيزنطة..إنما أعتقد أن النرد غربي ودخوله على السلم والثعبان متأخر..وربما أصل اللعبة مختلف عن ما هو عليه الآن.

هذا الجانب الطبقي أدى لخروج حركات إصلاحية هندية كحركة " سوامي داياناندا ساراسواتي" Swami Dayananda Saraswati في القرن 19 م مؤسس جماعة أريا ساماج أو "الجمعية الآرية" مطالبا ومناديا "للعودة إلى الفيدا" شبيه بجماعة القرآنيين عند المسلمين والحركة اللوثرية الإنجيلية في أوروبا، وعلى ما يبدو أن نصوص الفيدا الرئيسة خَلَت من نصوص التقسيم الطبقي هذا..وأنها ثقافة رهبانية بالعموم نتجت عن تعاون رجال الدين مع أثرياء وحكام المجتمع الهندي، وقد اكتسبت حركة "أريا ساماج" هذه بُعدا تبشيريا خلافا لطبيعة الهنود عامة، وبالتالي خلقت لها معارضين كُثر دفعت رجال الدين لاستغلال هذا التباين رجال الدين في الترهيب وتقبيح الحركة.

خصوصا وأن حركة "سوامي" لم تكتف بنقد الطبقية الهندية ولكن توسعت في نقد عبادة الصور والأشكال والحج لنهر الجانج مما خلق لها خصوم كُثر وبأس شديد للرهبان الهنود ضدهم مما أدى لاغتيال سوامي بوضع الزجاج المكسور له في اللبن سنة 1883 م.

الثاني: وحدة الوجود..وينطلقون في فهمها بأن العالم الحِسّي المنظور ما هو إلا قوانين متصلة الأسباب خلقها الرب الأوحد "براهمان" والذي تجلى عنه الثالوث الأكبر " براهما وشيفا وفيشنو" هذه القوانين هي جزء من براهمان وجدت معه كصفة أزلية يتم اكتشافها بالتأمل الروحاني والصلوات كاليوجا، وبما أن المخلوقات جميعها قرينة لتلك القوانين وظاهرة كونية لها فالمخلوقات هي جزء من براهمان في الحقيقة.

هذا الجانب يحل معضلات أخلاقية وفلسفية في الأديان عامة..لأن تصور الإله المفارق للعالم قد يأتي معه بانتقادات حول مسائل الخلق والإدارة والتصريف والعلم والإرادة..إلخ، كالذي ناقشه الفلاسفة المسلمون في علم الكلام والمسيحيون في اللاهوت الدفاعي، ولأنه يحل معضلات عقلية قالت به بعض فرق الصوفية من أتباع قطبهم الأعظم "محي الدين بن عربي ، فالقول بوحدة الوجود في مجملة يعني أن الإنسان هو جزء من القوانين التي هي جزء من الخالق..بالتالي على الإنسان أن يتقيد بتلك القوانين لكي يعبد خالقه بطريقة صحيحة، بخلاف الخصوم الذين وصفوا وحدة الوجود بالجبر والقول بالنقص في حق الله، لأن الله كمفهوم كلي لديهم ينبغي أن يحاسب الإنسان كمفهوم جزئي على أعماله، والربط هنا بين الكلي والجزئي يلزمه أن أفعال الشر في الحقيقة ستكون منسوبة لله باعتبار أنها صدرت من الإنسان المتحد كطبيعة مع الله..وهذا لا يجوز.

وفي رأيي أن المعتزلة جمعوا بين الحُسنيين في ذلك، قالوا بعدم جواز فعل وإرادة الشر لله ، وفي نفس الوقت قالوا بجوهر أخلاقيات وحدة الوجود دون الاعتقاد بها، أي قالوا بأن الإنسان هو جزء من قوانين الكون المخلوقة عليه أن يحترمها ويؤمن أن الكون هو أسباب متصلة تنتهي بالعلة الأولى لديهم وهو الله، ولو تأملنا في هذا المعتقد فهو جوهر ما يؤمن به الهنود في الحقيقة عدا أن القول بوحدة الوجود لها انعكاس نفسي واتصال روحاني وأخلاقي أكثر عند الهنود..بالتالي فلا يجوز لهم فعل الشر أبدا وبأي مسمىً معروف، ويؤكد ذلك أن طوال التاريخ لم يعرف الهنود غزو الشعوب الأخرى أو اعتبار ذلك من الدين، ويستنكرون على المسلمين بشدة قولهم بالحرب..حتى أن الإصلاحيين لديهم كحركة " سوامي داياناندا" تنتقد الإسلام والرسول محمد بضراوة ويتهمون المسلمين بالشر وهدم الإنسانية والكون.

أما عن تعدد الآلهة فالهنود يؤمنون بخالق أوحد أزلي هو "براهمان" يتشكل في صور عديدة منها تجليات كبرى في "براهما وشيفا وفشنو" ثم تجليات أصغر في لاكشمي وكريشنا وكالي وغانيشا وراما وساراسواتي ..وغيرهم..كلٍ منهم يحمل صفة أزلية لبراهمان، وبالتالي فكل ما تسمعه عن كل هذه الآلهة هي تجليات لبراهمان الخالق صوروها في تماثيل، فالله الجبار في الإسلام هو شيفا في الهندوسية، الحافظ في الإسلام هو فشنو في الهندوسية، البديع يقابله لاكشمي، والحكيم يقابله سارسواتي..وهكذا..أسماء لله صوروها في تماثيل، حتى كريشنا ليس إلها منفصلا بل هو تجلٍ للحافظ فشنو بإضافات عقلية روحية ليظهر في الأخير بصورة الحكيم.

الالتباس عند خصوم الهنود الدينيين في هذا التنوع للآلهة هو أنهم لا يتصورون معتقد الهنود في وحدة الوجود، فكما قلنا الهندي لا يعتقد أن الرب الخالق "براهمان" غير مفارق للعالم بل الكون جزء منه، وبالتالي فالآلهة أيضا جزء من الخالق تحمل بعض صفاته، وكما أن الحافظ والجبار والبديع أسماء لإله واحد هو الله..فشيفا وفشنو ولاكشمي وبراهما هم أيضا أسماء لإله واحد هو براهمان، الفارق الوحيد أن الهندي لا يرى مانعا في تصوير آلهته وتجليات خالقه بتماثيل ومعابد خاصة، على أن مفهوم الإله الهندي مختلف قليلا عن تصوره في الأديان الإبراهيمية التوحيدية خصوصا عند اليهودية والإسلام، فالآلهة الهندية أقرب لصفات وممارسات الملائكة في الحقيقة كما صوّر المسلمين جبريل وميكائيل وإسرافيل وغيرهم..

تعمدت هنا أن أشرح الهندوسية بعيدا عن الاستغراق في التفاصيل وشرح مهمة كل إله، فالفهم عندي يبدأ وينتهي بالثوابت العامة والجوانب المؤثرة في الفكرة، والدين الهندي فكرة في الأخير بحاجة لشرح مبسط يولي اهتمامه الأول بالخطوط العريضة، لاسيما أن الاستغراق في التفاصيل يدفعنا لمناقشة كافة الميثولوجيا الهندية وتطوراتها عبر السنين، وهذا لو حدث فلن تتسع هذه الأسطر لشرحها واستيعاب محتواها بل تحتاج لمساحة أقرب للكتب والموسوعات كشرحهم للإله شيفا مثلا، إنهم يستغرقون في تاريخ شيفا وطبيعته وتطوره كممثل لقوى التدمير الإلهية حتى يصبح شيفا دين بمفرده.

بينما أرى أن التعرض لشيفا يجب أن يكون في فهم لفظ التدمير نفسه بعيدا عن الشر، فالتدمير قد يكون خيرا كتدمير العقبات والأوهام والشرور والشهوات، تدمير الطغاة والأشرار والجهلة والمنتفعين والظالمين...إلخ، شيفا هنا حالة استثنائية يعشقه الهنود كمُخلّص ولا يرونه تهديدا لحياتهم أو ذو صفات قبيحة كالابتزاز والاحتقار والظلم

إنهم يُصلّون لشيفا في المعابد ليهبهم الروح والقدرة على مقاومة الغرائز المادية والأوهام العقلية أحيانا، فالهنود ديانتهم روحية في المقام الأول ويعتقدون أن العقل وحده ليس كافيا ولا يُقدم على جوانب أهم كالأخلاق والترفّع عن الظلم، حتى انعكس ذلك على رؤيتهم للمخلوقات الأخرى كالحيوانات والحشرات والنباتات، فبجانب مفهومهم عن التناسخ وإمكانية أن يتطور ويتحول الإنسان في رحلة الموكشا لأجسام حيوانات وحشرات هم أيضا يرون ذبح الحيوان نوع من الظلم، وهذا يفسر انتشار النباتية بين الهنود..بيد أن الرهبنة لديهم لا تتحقق سوى بالترفع عن كل أشكال الظلم بما فيها قتل الحيوان وذبحه..خصوصا البقرة التي لها مكانة عظيمة في الدين الهندي لن أستفيض في شرحها لتعلق ذلك برؤيتهم لصفاتها بالأساس (كالحنان والرحمة والهدوء والعطاء) فهم لا يقدسون البقرة لأنها بقرة..ولكن لأنها تحمل صفات هي ثوابت لديهم في الدين.

وبمناسبة شيفا وذكره الطيب.. ففي المثيولوجيا الهندية تزوج شيفا المدمر بالإلهة بارفاتي ربة الأمومة والرحمة، وكانت ثمرة هذا الزواج هو الإله (غانيشا) المشهور برأس الفيل في شوارع الهند...هنا الفيل جامعا بين قوة وتدمير أبيه وبين حُلم ووداعة وطيبة أمه، وحين يريد الهندي طلب الرحمة والزواج يذهب لشيفا وعائلته لطلب ذلك، وحين يريد الزهد يذهب أيضا لشيفا بصفته مدمرا للشهوات والأشرار، وقد تحدثت مع هنديا قال أنه يصوم لشيفا عن الأكل والشراب والجنس..حتى التلفزيون لا يشاهده..بينا يستمتع بممارسة اليوجا خلال فترة صيامه ليستجيب شيفا إلى دعواته ويزهد في الحياه، ومردود ذلك على صحته النفسية والعقلية والبدنية كبير..فلدى الهنود أن المعدة بيت الداء كما عند المسلمين، والمبالغة والإسراف في الطعام وتناول أفخر وألذّ أنواعه يوجب القسوة والشرور..لذا كان التعفف والزهد لديهم صفة أساسية في الرهبان الذين تجاوزوا رحلة الموكشا في التناسخ بنجاح ووصلوا للطبقة البراهمية ليسعدوا ويخلدوا مع براهمان.

الدين الهندي عموما هو دين روحاني صوفي، والصوفية لا تهتم بالكلام أكثر من العمل، وهذا يفسر غياب أي فلسفة عقلية هندية، كونهم يعبدون الله بسلوكهم ولا مساحة للخلاف حول تصورهم لله، لاسيما اعتقادهم أن العمل الصالح وحده هو الأساس في رحلة التناسخ ويطلقون عليه (الكارما) أي لكي تحقق رحلة روحية ناجحة لك في عدة أجساد يجب أن تكون سيرتك في الكارما العملية طيبة لتتحد مع براهما في الموكشا، وهذا المصطلح الأخير – الموكشا – يعني الاتحاد مع الإله براهما أحد تجليات الخالق براهمان – الله في الإسلام – ولا يصلون للموكشا سوى برحلات تناسخ ناجحة لتخلد الروح أبديا كما سنشرح التناسخ بالتفصيل بعد قليل.

ولمن لا يستوعب طرق الوصول إلى الله والحقيقة وتنوعها وتفردها أحيانا فلن يستوعب كيف يرى الهنود دينهم خلافا للإنجليز مثلا، فالأوروبيين في معظمهم يرون دينهم عقليا من خلال المنطق والتفكير الميتافيزيقي أو الفلسفي، لكن الهنود يرون دينهم بشكل مختلف روحاني لا مكان فيه للمنطق..وقد أثر ذلك على تصورهم الأدبي بظهور أعظم قصص الشرق حكايةً وشهرة ككليلة ودمنة وألف ليلة وليلة، وبرغم القول بأصالة إيرانية تلك القصص أو كونها وحيا من المجتمع الزرادشتي الفارسي لكن الآريون القدماء عموما لم يكونوا فقط في إيران بل في الهند أيضا، مما يعني أن جذور تلك القصص آرية لا منطق فيها وخيالها متسع جدا باختلاق كائنات ليس لها وجود كالتنين.

وفي تقديري أن الإنسان عرف التنين وتخيله عن شكل عظام الديناصورات ، وقتها لم يعلموا حقيقة ذلك المخلوق ولا شكله النهائي، وقديما تحدثت مع صديق في ذلك قال: أن عظام الديناصور في طبقة العصر الطباشيري على عمق كبير، قلت: ربما حفر أحدهم ووصل لهذا العمق ثم رأوا تلك العظام الغريبة، ولأن الإنسان وقتها كان يُقدّس ويعبد كل ما لا يفهمه عبدوا التنين وأقاموا له المعابد ووضعوه في الأساطير كحقيقة ثم أضافوا له قدرات خارقة كنفث النار والطيران..لكن لم يفارق خيالهم له شكل الزاحف لكثرة تعرضهم لهجمات التماسيح والثعابين الضخمة، لذا فبيئة خلق التنين ظهرت في الأدغال والغابات ولم تظهر في الصحاري..بالتالي نفهم لماذا خلا تراث المسلمين والعرب من ذكر التنين.

وفي جزيرة بالي الأندونيسية يوجد معبد "بيساكيه" أقدس المعابد الهندية في الجزيرة وبه تماثيل قديمة للتنين مما يعني ربطا روحيا بين مثيولوجيا هذا الكائن والأدب الهندي بالعموم، لكن ما يعطي لأدب الهنود قيمة أخلاقية هي المثيولوجيا القصصية غالبا، فبرغم عدم مسئولية تلك القصص في صنع ثوابت الدين الهندي لكن لها تأثير أخلاقي كما في ملحمة "رامايانا" التي تحكي إخلاصا زوجيا بين الإله راما وزوجته سيتا، فأصبحت تلك القصة عنوانا للوفاء الزوجي بين الهنود وانتصارا لقوى الخير على الشر، وفي اعتقادي أن تلك الميثولوجيا إضافات وتأثيرات لاحقة تطورت من إضافات أقدم لتفسير العالم بالأخلاق..وهو التفسير الغالب على دين الهنود بالمجمل.

كذلك فالهنود يمارسون عدة أنواع من الصلوات الروحية لتحقيق الموكشا ، كلها تنضوي تحت عنوان (اليوجا) كما تقدم وتعني الهدوء للفكر والتأمل في مخلوقات براهمان، وترجمتها باللغة المحلية السنسكريتية (الطريق) أي طريقهم إلى براهمان الخالق، وأنواعها مختلفة فمن يوجا المعرفة إلى يوجا السلوك إلى يوجا الإخلاص إلى يوجا الكارما والعمل الصالح..إلخ، فاليوجا في حقيقتها هي عنوان تأمل وتدبر وتهذيب الهنود لأرواحهم لضمان اتصالها بالخالق، وبرغم أن الباكستانيين مسلمين لكنهم ورثوا ثقافة اليوجا الروحية – كهنود - ويمارسوها بشهادة أصدقاء باكستانيين كُثُر يعيشون في منطقة الخليج، أحدهم قال أن باكستان تمارس اليوجا داخل صالات رياضية مخصصة لذلك منذ زمن، فضلا عن ممارستها في الحدائق العامة والخاصة وداخل المنازل، ويضيف أن الباكستانيين لا يرون اليوجا معتقد ديني هندي بل رياضة روحية تأملية يحبها الباكستانيون في الأخير.

هذا يعني أن اليوجا صلاة روحية في الأخير تُشعر الإنسان بوحدة الوجود مع الله وتهذيب السلوك وتدريب العقل على الفكر والتأمل..وهذا يُفسر قبول العالم بها من مؤمنين وملحدين..هندوس وغيرهم، أما عن مصدرها الهندي ففي تقديري أن العالم في الهندوسية ملئ بالأنانية وحب الذات والكراهية كتعبيرعن الشعور والاهتمام المادي في الكون، وللتخلص من هذا الشعور يجب الاتحاد مع الله كي يعود الإنسان لقيمته الروحية وينجح في مقاومة شهواته والتغلب عليها، وفي الواقع أن كثيرا من العرب يمارسوها ولا يفقهوا بُعدها الديني عند الهنود، الذي يعني الانسجام التام مع الله والاستمتاع بعلاقة حب أبدية معه..بتصرف شبيه بأفعال الباكستانيين وقبولهم لليوجا دون كراهية للجذر.

وأضيف أن الهنود - كشعب شرقي روحاني - يعتقدون أن أصل الإنسان هو.."الحب"..وأن الكراهية شئ عارض نتيجة لاختلاطه بالعالم المادي، فالبشر لديهم هم روحانيون بالضرورة، وهذه العقيدة مشابهة لحد التطابق مع بعض عقائد الصوفية المسلمين والرهبان المسيحيين، لذلك ففي مقارنات الأديان يعدون الهندوسية نسخة هندية من التصوف الإسلامي والرهبنة المسيحية، حتى عقيدة وحدة الوجود الهندية اقتبسها الصوفيون في سلوكياتهم لاسيما أن أذكار الأولياء مليئة برغبة الاتحاد مع الذات العلية...وفي أشعارهم .."وجد وهيام"..لتحقق تلك الرغبة..

ولطبيعة اليوجا فهي أكسبت الدين الهندي بُعدا أخلاقيا يتحقق لديهم في مفهوم "الكارما" يعني وصول الهندي لحالة عليا من (الأخلاق) يتناغم فيها مع الطبيعة والكون والأشياء، ثم إنجاز الخير وبناء الإنسان وتقويم سلوكه على المستوى الفردي، وقد اهتم بها الرهبان الهنود حتى وصلت لأن تكون أفضل وأهم معتقد ديني هندي ووسيلة الانتقال الطبقي الوحيدة في الترقي خلال رحلة التناسخ كما سنشرح بعد قليل وبالتالي الوصول للموكشا كهدف أسمى من التدين الهندي ، ولطبيعة الكارما السلوكية فهي لا تختص بشعب معين، كل من يحقق الكارما أصبح هنديا حتى لو لم يعبد براهما، فالهدف هناك هو (الخير والسلوك القويم) أي أن آلهة الهندوس هم في الحقيقة وسائل لتحقيق الكارما وليسوا غايات في ذاتها، وهذه نقطة اشتبهت على كثير من المسلمين والمسيحيين، تعاملت شخصيا مع هندوس كثيرين .. يرون أن بمجرد فعلك الخير أصبحت إنسانا بغض النظر عن دينك..

بالمناسبة: مفهوم الكارما عند الهنود له مقابل في الإسلام وهو (التقوى) وقد حرض عليه القرآن كهدف أساسي من الشعائر والعبادات ومن التدين بشكل عام:

"يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون".. [المجادلة : 9]
"يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون".. [البقرة : 183]
"إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون".. [الشعراء : 106]
"إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون".. [الشعراء : 124]
"إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون".. [الشعراء : 142]
"إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون".. [الشعراء : 161]
"إذ قال لهم شعيب ألا تتقون".. [الشعراء : 177]

لاحظ أن كل دعوات الأنبياء للتقوى كهدف أساسي للعبادة، وهي تعني اتقاء الله بطاعته واتقاء الناس بالخير معهم، وقد فصلت ذلك في مقالي عن الدين بين الطبيعة والتحدي، ومنها يظهر أن الطبيعة السلوكية الأخلاقية الأولى للهنود بقيت في الكارما، والطبيعة السلوكية الأخلاقية الأولى للمسلمين بقيت في التقوى، ولم ينتبه أكثر المسلمون أن مفهوم التقوى ليس مجرد مفهوما عابرا داخل نصوصهم القرآنية بل معتقد كامل ترجمه القرآن بألفاظ عديدة كالعمل الصالح والبر والإحسان..وغيرها.

هذا التفسير للقرآن انتهى بتدخل فقهاء ومحدثي البلاط العباسي بحرف القرآن عن مقاصده واعتبار أن الدين جاء ليقيم (دولة الإسلام) وليس ليقيم (التقوى في القلوب) وهو الفيصل الذي جعل المسلم الآن يعاني من وصفه بالإرهاب..رغم أن كل صفات الكارما الهندية محققة في التقوى الإسلامية، لكن بعدوانية الشيوخ وجهل العرب شوّهوا الإسلام وتسببوا في اتهامه بالدين الوحيد المنادي بالإرهاب..

أما عن تناسخ الأرواح عند الهنود فيعتقدون أن الإله.."براهمان"..خلق الكون على طبقات أو درجات أفضل من بعضها ،أعلى تلك الطبقات هم الكهنة أو من يسمونهم.."بالبراهمة"..وأدناها المنبوذون أو الحرافيش بالتعبير المصري والفقراء والعامة بالمعنى الإنساني، وهؤلاء يُعرفون لدى الهندوس بطبقة .."الشودري".. وكل طبقة مُسيّرة لخدمة طبقة أخرى، فطبقة الشودري مُسيّرة لخدمة طبقة المهنيين والحرفيين ، وهؤلاء جميعاً مُسيّرون لخدمة طبقة الملوك والأغنياء والمحاربين، وهؤلاء جميعاً مُسيّرون لخدمة طبقة البراهمة أو كهنة الإله.

من هذه الخلفية الطبقية نشأت عقيدة.."التناسخ " ،وتعني أن أي كائن حي بعد موته يعود للعيش في جسد مختلف سواء من جنسه وفصيلته أو من جنس وفصيلة أخرى حسب عمله ، مما يعني أن روح الإنسان بعد موته يمكنها الانتقال إلى جسد إنسان آخر أو حيوان أو حشرة، وتأتي عملية الانتقال ضمن ضوابط تحدد هذا الانتقال وتنظمه، مثال ما ذكره سليمان مظهر في كتابه الموسوعي.."قصة الديانات"..عن اعتقاد الهندوس بأن الأرواح لا تموت لأن مصدرها الإله براهما الذي لا يموت، وبالتالي عليهم معرفة مصائر تلك الأرواح بعد موت الإنسان، فقالوا أن الحياة تستمر فتنتقل روح الميت إلى جسد طفل وليد، فإذا عاش حياةً صالحة في حياته الأولى انتقل لطائفة أعلى في حياته الثانية.

فالرجل الصالح بعد موته –لو كان شودرياً فقيراً- ينتقل إلى العيش في جسد رجل من طائفة الحرفيين والصناع، ولو ظل رجلاً صالحاً في حياته الثانية ينتقل إلى جسد رجل من الملوك والأغنياء في حياته الثالثة، ولو ظل رجلاً صالحاً ينتقل إلى جسد براهمي أو كاهن في حياته الرابعة، حينها يكون لديه مصيران، لو صلح يصل للموكشا فيتحد مع الإله براهما وتصبح كل أقواله وأفعاله هي أوامر وأفعال إلهية ، أما لو فسد فينتقل إلى الطائفة الأدنى في حياتة التالية وتستمر الدورة الحياتية التي أطلق عليها الهنود مصطلح "سامسارا" أي دورة الحياه التناسخية المحكومة بالكارما/ التقوى.

وتنطبق عقيدة التناسخ هذه على كل المخلوقات لانبثاقهم جميعا من الإله الخالق والأوحد "براهمان" وبالتالي فإن الهندوس يعتقدون "بوحدة الوجود" فلا موجود حقيقي إلا براهمان، وجميع من في الكون هم صور متعددة منه.

بتلك العقيدة - التناسخ - يثبت أن الهندوس وسائر الشعوب التي تؤمن بها لا تؤمن بالبعث، وبالتالي فلا حياة أخرى ما ورائية تحاسَب فيها كل نفسٍ بما كسبت، وبالتالي فلا جنة ولا نار كما هي في الأديان الإبراهيمية .."الإسلام والمسيحية واليهودية"..وتلك حواجز مفصيلة وجدانية بين شعوب آسيا التي تؤمن بالتناسخ وبين غيرهم من الشعوب، خاصةً إذا علمنا أن الصينيين في عقائدهم البوذية يتفقون مع الهندوس في الاعتقاد بالتناسخ، والبوذيون والهندوس يشكلون أكثر من 90% من شعوب آسيا ، مما يعني أن القارة الآسيوية هي تناسخية في معظمها.

التناسخ في المنطقة العربية ضعيف جداً عدا بعض معتنقي الدرزية والعلوية، ومعتنقيه كثيراً ما يدلون على دينهم بقصص كمن أراد الزواج بحيوان اعتقاداً منه أنه كان زوجاً له في حياته السابقة، أو حنين بعض الأشخاص وقربهم لأمكنة وأناس لا يعرفونهم، والحقيقة أن تلك القصص لا تصلح لقيام ديانة أو معتقد ، بل تصلح لأن تكون مصدراً للشك والظن ، إذ في الإسلام –مثلاً- يوجد نص يقول بأن..."الأرواح جنودُ مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف"..ونص آخر.."كنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه تُرجعون"..والمعنى يرمي أن الأرواح تعارفت وتنافرت في عالم ما ورائي قبل الإحياءة الأولى، أو يكون قد حدث ذلك في الحياة الدنيا، أو يكون الأمر برمته مبهم وغامض شأنه كشأن كثير من الظواهر الروحية كالأحلام والرؤى والتنبؤات وغيرها.

كذلك فالقصص لا تحل إشكالية عدم انطباقها على العامة، أي يجب أن يشعر الجميع بهذا الحنين والرؤى الغيبية لأسس الحياة الأخرى، فالرجل الذي تزوج حيواناً لشعوره بأنه كان زوجاً له في حياته السابقة لابد أن يشعر الجميع بشعوره، لماذا هو بالذات؟..ولماذا تلك القصص تخرج بشكل مطابق لقصص الصوفية وكرامات أوليائهم؟..أي لا يمكن التأكد من صحتها حتى لو صدق المدعي، كذلك فافتراض دورية الحياة وبقاء التناسخ يعني أن الحياة السابقة تسبقها حياة فالأسبق فالأسبق، والقصص لم تُذكر فيها أسس وتفاصيل تلك الحيوات.

بالعموم في تصوّري أن التناسخ جاء بديلاً عند الكهنة ومفكري الهندوسية عن البعث، لأن البعث لم يُذكر لديهم كحياة أخرى فيها الثواب والعقاب الخالد، وبالتالي لزم لتلك الإشكالية حلاً بالتناسخ لتفسير أكبر معضلة لديهم وهي.."العدل"..والأسئلة المتعلقة به ما هو وما جزاء الظالمين إذا ما كان براهما قد خلق الناس على طبقات ورضي بهذا الخلق كمصير أبدي لا يمكنهم استبداله، وأظن أن الهندوس تساءلوا عن الانتقال الدنيوي بين الطبقات، فالشودري يمكنه أن يكون حِرَفياً، ويمكنه أن يصبح غنياً من الملوك، فعلى أي وضع ستكون حياته التالية ؟!..نرى من ذلك إن فكرة التناسخ هي فكرة مثيرة في ذاتها، لذلك تجد أكثر المتحمسين لها من ذوي الطبائع الثورية، فهو ولو كان فقيراً يمكنه أن يصبح غنياً بعد موته، أو يملك العالم فيما لو أدى شرط البلوغ وهو أن يظل على صلاحه حتى ينتهي بالاتحاد والنيرفانا مع الإله.

كذلك فالفكرة المثيرة هي دائماً محط اهتمام المفكرين واهتمام كل من يبحث عن الجديد، أو هي حل لمعضلة.."العدل"..عند بعض الملحدين ، و الفئة الأخيرة لديها شبهات عن العالَم الماورائي، أو فيما نعرفه.."بالبعث والجنة والنار"..والتناسخ يحل هذه المعضلة بشكل كبير، ويربط بين جوانبها بطريقة تُقنعهم، وأستغرب في الحقيقة لماذا هذا الغياب البارز للبعث في عقائد الهندوس، وفي تقديري أن السبب هو في قصة الخلق البرهمية الطبقية ، بيد أن طريقة تصور كل أصحاب دين لمعتقدهم تبدأ من تصورهم لقصة الخلق، فبها وعليها تقوم رؤيتهم للأشياء، وأنتهاءً بطريقة تصورهم للعدل فبها وعليها تقوم رؤيتهم للحياة برمتها بما فيها العلاقة مع الآخر وأفعال الإنسان...إلخ.

باختصار: التناسخ عند الهنود يعني أن الروح خالدة تبعا لكونها طاقة خالدة تتشكل من صورة لأخرى، وهذه الرؤية كانت إعجازا علميا للتناسخ بعد إثبات إينشتاين قانون حفظ الطاقة في النسبية ، وفي ذلك يدعي بعض مفكري الهنود هذا الإعجاز لتأكيد دينهم فكريا مثلما يعتقدون بثبوت إعجازهم في جوانب أخرى كالمسافة بين الأرض والشمس، ففي في القرن 15 عاش راهبا هنديا يدعي.."تولسيداس"..صلى صلاه اسمها.."هانومان تشاليسا"..وهو قرد كان يظنه خادما للآلهة، ذلك الراهب أحصى المسافة بين الأرض والشمس فقال: هي حاصل ضرب (جوج ساهاترا يوجان) وهي وحدات قياس في اللغة السنسكريتية وترجمتها كالتالي:

جوج = 12 ألف سنة
ساهاترا = 1000
يوجان = 8 أميال
وبالتالي أصبح12000× 1000 × 8 = 96 مليون ميل وهي المسافة الفعلية بين الأرض والشمس الآن

أعود إلى الروح وأقول أن تطورها يعني تطور العقل والسلوك معا لدى الهنود، فإذا كان الإنسان في حياته الأولى صالحا تتطور حياته وعقليته في حياته الثانية ثم الثالثة وهكذا..وإذا كانت أعماله سيئة تخلفت روحه وتقمصت في جسد حيوان أو حشرة، أما إذا تطورت روحه لأعلى درجة فيكون حينها وصل لمرتبة الاتحاد مع الله بحيث أصبح كلامه وحيا أو تجسدا بالمعنى الهندي، مع حفظ وجود بعض الاختلافات عند الدرزية في هذه المرتبة لأن الدروز يؤمنون بيوم القيامة والحساب الأخروي.

باختصار: رحلة التناسخ كرحلة التعليم بالضبط، فمن ينجح في السنة الدراسية الأولى يدخل الثانية ثم الثالثة ..وهكذا إلى أن يحصل على الدكتوراة..وهذا يعني أن من وصل للصف الخامس لا يمكنه العودة للصف الأول..ومعناه أن من وصل للدرجة الرابعة مثلا هو أعلى دينيا واجتماعيا ممن لا يزال في درجته الأولى، لذلك فهذا المعتقد طبقيا بامتياز..ولديه شبهات عقلية خاصة بالعدالة الاجتماعية والمساواة في الفرص ، ناهيك عن أنه لا قيمة له لقيامه على مجرد ترجيحات وظنون كهنوتية يعتمدون فيها على أوهام ناس عاشوا أكثر من حياة..لكن قوته في تفسير معنى وجود الشر..فالأديان الإبراهيمية مثلا لا يمتلك شيوخها إجابة واضحة عن سبب ولادة طفل مشوه أو ظلم برئ غير مكلف..لكن في التناسخ يقولون هذا من أثر حياته الأولى..

معلومة هامة: بعض مناطق الهند تبيح (تعدد الأزواج) وليس الزوجات، تصديقا لأسطورة هندية قديمة تقول أن العذراء.."دروبادي"..تزوجت من خمسة أخوة في الملحمة الهندوسية الشهيرة.."ماهابهاراتا"..وملخصها أن والد دروبادي أقام مسابقة لتزويج إبنته فنجح فيها خمسة أخوة بالتساوي فتزوجتهم جميعا، والحقيقة رغم غياب الحكمة أو الفائدة من هذه الزيجة الغريبة لكن مجرد ذكرها في الملاحم السنسكريتية كافٍ جدا لتبني بعض الأصوليين الهندوس لها واتخاذها شعيرة مقدسة، بالضبط كما أن السلفي يتعصب لتعدد الزوجات لنفس السبب كونه منصوص عليه دينيا لكن لم يفهم الحكمة من وراء النص فأوقعه ذلك في شراك التقليد والفساد.

أسطورة دروبادي هي تأكيد على دور الميثولوجيا والقصص في الدين الهندي، وهي إحدى قصتين ملحميتين مع أسطورة "رامايانا" الشهيرة التي تحكي صراعا خاصا بين الإله راما والإله القرد "هانومان" وهي مثيولوجيا أنصح بعدم الاهتمام بها كفهم لثوابت الدين الهندي لذلك لم أتوسع في شرحها اليوم كونها تأتي في نفوس الهنادكة كرغبة في التسلية والانشغال بأخبار القدماء ليس إلا، كما أن المسلمين اليوم يتسلون بسماع قصص آخر الزمان وبطولات الصحابة وآل البيت في المعارك..لكن لا تشكل هذه الميثولوجيا إلا جزء بسيط من حياتهم الدينية، فالمسلم كما أنه يسمع قصص الفتوحات والغزو ويشعر فيها بالفخر الديني..لكنه في ذات الوقت لا يتصور نفسه غازيا للأمم الأخرى كما كان يفعل هؤلاء..هذا بالضبط شعور الهنادكة عند سماعهم لتلك القصص..فورا يتفاعلون معها تفاعلا أدبيا لا غير.

والدليل على عدم تصدر هذه القصص دين الهنود هو عدم تقليدهم لزواج "دروبادي" لاسيما أن زواج المرأة من خمسة رجال لا يُمارَس سوى في إطار ضيق جدا مصحوبا بكراهة شعبية له، بالضبط كما أن الجهاد والغزو لا يمارسه عند المسلمين سوى مجموعة صغيرة أصبحت نموذجا للعنف والجريمة في مخيلة المسلمين..وبرغم ذلك كله ما زال الهنود يصدقون أساطير " الماهابهاراتا" و "الرامايانا" كما أن المسلمين يصدقون أساطير وملاحم الصحابة وبطولات وكرامات الأولياء.

وكعادة أي دين يتمحور معتقد الهند سلوكيا في المعابد، فيسمون معبدهم "ماندير" مقابل المسجد عند المسلمين والكنيسة عند المسيحين، في الماندير يمارسون كل أنواع الطقوس العبادية الموروثة عن أسلافهم منذ آلاف السنين، فالهندوسية في الحقيقة هي أقدم ديانة بقيت من عصور ما قبل التاريخ، وشهدت معاصرة مع أديان السومريين والفينيقيين والمصريين القدماء، ومصدر بقائها يعود لمجتمع الهند نفسه الذي تعرض لغزوات وعمليات تبشير غير ناجحة خصوصا من ذوي الأديان الإبراهيمية الذي يرون الهنود وثنيين كفار يجب طمس معابدهم كما فعل سبكتكين الغزنوي توفى 1030 م.

وبمناسبة الغزنوي فهو أحد شخصيتين مسلمتين لا ينساهما شعب الهند مع.."محمد الغوري"..توفى عام 1206 م، والسبب أن كلاهما قتل الملايين من شعب الهند باسم نشر الإسلام والقضاء على الوثنية، ويتذكرهم الهندوس دائما بالشر والوحشية ، ثم في زمان الفتن يستعيد رهبانهم تاريخ تلك المجازر لحشد الدهماء ضد المسلمين..

كلاهما من أفغانستان وأسسا دولتين على التوالي هما (الغزنوية والغورية) حكما باسم الخليفة العباسي في بغداد ، وباعتراف ابن الجوزي في المقدمة تبين أن غزو سبكتكين الغزنوي للهنود كان تكفيرا له عن صراعه مع إخوته وقتله للمسلمين..فأراد التطهّر من الرجس بنقض وتدمير وثنية الهنود، فقام بهدم آلاف المعابد وسرقة جواهرها تحت اسم (الغنائم) أشهر تلك المعابد هو .."سومناث"..يتداول الهنود حكايا عنه أنه كان مليئا بأطنان من الحلي والجواهر سرقها الغزنوي بعد قتل عشرات الآلاف من أهالي القرية والقرى المجاورة، وفي نص ابن الأثير السابق تأكيدا لهذا الخبر.

ولجذور الخلاف الديني بين المسلمين والهندوس انعكس ذلك على تصور الباكستانيين للهند ومعايرتهم بملوكهم السابقين، فصنعت باكستان صاروخا بالستيا إسمه "غوري" على إسم محمد الغوري في إشارة لكراهيتهم للهنود وتهديدهم باستعادة مجازره السابقة، يبلغ مدى ذلك الصاروخ 1500 كيلومتر ويصل لكل مدن الهند، كذلك سمت صاروخ ثاني باسم.."غزنوي"..تيمنا بمحمود بن سبكتكين الغزنوي..وبالطبع لا ينسى الهنود هذا الترصد (الديني) عند باكستان فيقومون بتسليح جيشهم باستمرار عن طريق ملكية القنابل النووية وأحدث أنظمة الدفاع الجوي كما فعلوا منذ سنوات باستيراد منظومة s400 الروسية لوقف التهديد الباكستاني المتأصل بالأسباب الدينية.

الهنود عموما يضعون الغوري والغزنوي بجوار .."جنكيز خان"..ويمثل الثلاثة أقصى قيم الشر في عقائد الهندوس، جنكيز خان أيضا فعل بالهنود الأفاعيل وقتل منهم عشرات الآلاف، لكن مجازره تاريخيا كانت أقل بشاعة من مجازر المسلمين، ومن أراد الإحاطة بتلك الجرائم فليقرأ كتابيّ "المنتظم لابن الجوزي" و "الكامل لابن الأثير" ففيها تفصيل وافتخار بقتل الكفار الهنود، وتأكيدا من كتاب "سيتا رام جول" على حدوث ذلك من وجهة النظر الهندية.

ولأن كل فعل لابد أن يكون له رد فعل..فالتطرف الإسلامي ضد الهندوس أنتج تطرفا هنديا ضد المسلمين، ونموذج لذلك رجل الدين الهندي "يوجي أديتيا ناث" Yogi Adityanath حاكم ولاية (أوتار براديش) الهندية، التي هي أكبر وأهم ولاية هندية على الإطلاق، إذ يبلغ عدد سكانها 470 مليون نسمة، مما يوازي عدد سكان العرب مجتمعين، وبها مدينة (الله أباد) أعظم مدينة مقدسة التي يحج لها 25 مليون هندوسي..وهذا يعني أن مشاعر العداء لمسلمي الهند تنامت مؤخرا وظهرت بانتخاب هذا الرجل ليُصبح حاكما للولاية وتوقعات بترشحه للرئاسة..

أديتيا ناث هو رجل دين هندوسي متطرف يُعادي المسلمين ، تم انتخابه قبل أعوام عن حزب (بهاراتيا جاناتا) ثاني أكبر الأحزاب الهندية ، وقد سبق اعتقاله عام 2008 في أعمال شغب طائفية ضد المسلمين، ثم في 2014 قال: إذا قتل المسلمين هندوسي واحد سنقتل 100 مسلم، وفي سنة 2015 طالب بحفر قبور نساء المسلمين واغتصاب الجثث، وباستعراض تاريخ هذا الرجل نجدا تصويرا حيا لمشاعر العداء المتنامية للإسلام في العالم بفضل داعش والإخوان والقاعدة، لاسيما أن العُرف الديمقراطي دالاً على ذلك بانتخاب طائفي متشدد حاكما لأهم ولاية هندية، إنما الذي يبعث على الاطمئنان أن الهند محكومة بقانون علماني متشدد للفصل بين الطوائف، وفرصة صعود " أديتيا ناث" كرئيسا للهند وتطبيقه لأفكاره حتى لو كانت متوفرة فالرجل سيظل محكوما بدستور وقوانين أكبر منه في الغالب لقناعات هندية باتت راسخة على ضرورة فض الاشتباك بين الطوائف وكراهية تاريخهم المؤلم.

أما عن الكتاب المقدس للهنود فهو الفيدا المقسوم لأربعة أٌنواع هي ( الياجور والسما والريجفيدا والأثارفا) وبدون الاستغراق في تفاصيلهم فهم مجموعات من الكتب الشعرية والملحمية والتأملية تم فصلهم لجزئين كل منهم يناقش طبيعة مختصة، السامهيدا في شئون العبادات والطقوس والغناء..أما الثاني فهو الأوبينشاد المختص في الفلسفة الروحية والتأمل للوصل بين روح المخلوقات وبين براهمان، وقد تعمدت الإشارة لهذه الكتب في ختام هذا المقال لعدم الاستغراق في تفاصيلها والقفز على ثوابت الدين الهندي وطبيعة تدينه كما يؤمن به ويفعله الهنادكة، لكون المقصود من تحري وشرح الأديان ليس الإحاطة بكل طبائعها وتواريخها وخلافاتها اللانهائية، بل شرح التدين المعاصر له أو أقصى ما وصل إليه المؤمنون به، على أن يكون لشرح ذلك التطور مساحة أخرى نظرية لا شأن لها بالتدين العملي.

أختم بأن هدف الدين الهندي بالعموم هو خلق "إنسان مثالي" بوصفه الوحيد القادر على فهم الحقيقة الروحانية والنجاح في أن يتصل بالخالق براهمان، ولأن حكمة الخالق لديهم وتمثله في صور شتى تعني في جوهرها فضل وعطاء إلهي لكل هذه التماثيل، فأي متعبد في الحقيقة ينجح في الوصول للموكشا هو أفضل من تلك التماثيل..وأساس ذلك أن كمال الآلهة عطاء من براهمان..لكن كمال الإنسان هو عطاء من نفسه ، ومن هنا تتجلى عظمة الفعل الصالح عند الهنود، بمعنى أن الصوفي عندما يريد تقليد الأولياء فلا يبحث عن نبي في الحقيقة لاعتقاده أن ذلك الوليّ عطاءه إلهيا ..لكن يقدسون الوليّ الصالح الفاقد لذلك العطاء منذ ولادته ثم حصل عليه بعمله الصالح واجتهاده البشري دون وحي، فهم تلك الجزئية عند الصوفيين يسهل فهمها عند الهنود لأن الدين الهندي صوفي بالأساس.

فكما أن الصوفي فقير في مظهره فالراهب الهندوسي يجب أن يكون فقيرا، وحكمة ذلك أن الشعور بالحاجة يدفع الإنسان للبحث والتأمل والإبداع..فلا كارما/ تقوى لأي مكتفٍ من الدنيا أو يحرص عليها، والشعور بالحرمان في جوهره يجلب التواضع والهدوء والسكينة ..بخلاف الذين استسلموا لشهواتهم ولم يعرفوا الإله شيفا المدمر كي يدمر شهواتهم ويُبطل شرورهم الداخلية.

كذلك فالصوفية كما أنها تُلزم مريديها باتباع طريقة سالك من السالكين - وفقا للعطاء الإلهي وعمله الصالح السابق ذكره – فالهندوسية تُلزِم مريديها أيضا باتباع الرهبان والعبادة على أيديهم في الماندير، أو الحرص على الصلوات في المنازل وتخصيص غرفة للآلهة تكون فيها صورهم أو تماثيلهم يجري فيها التعبد وذبح القرابين، الهدف النهائي هو التخلص من شرور الأنا وتكوين إنسان مثالي يبدأ رحلته في التناسخ ليتحد مع الخالق ..وهذه هي الجنة بمفهوم الهنود إذ لا وجود لبعث وقيامة في عالم مفارق لديهم، وأساس ذلك هو أن القول بوحدة وجود الكون مع براهمان الخالق يجعل من فكرة قيامة وبعث في عالم مفارق فكرة خاطئة وغير منطقية، إذ أنهم يعيشون بجزء من براهمان في الحقيقة ويتصلون به ماديا وروحيا كل يوم وبالتالي فلا معنى لجنة ونار ويتم الاستعاضة عنهم برحلة السامسارا في التناسخ.

أخيرا: فقصة الديانات وخلافاتها في النهاية ليست فقط عقلية أو روحية، بل سياسية.. تخيل لو نجح سبكتكين الغزنوي وأبنائه في اجتياح الهند كلها وتحويل شعبها للإسلام..هل سيظل مفهوم التناسخ والطبقية عند الهنود؟..وهل سيستبدلون الكارما بالجهاد العالمي؟..وهل سيفقد الباكستاينون تعلقهم بثقافة اليوجا ؟ وهل كان سيظهر دينا جديدا اسمه السيخ جامعا لثوابت وفضائل الإسلام والهندوسية معا؟..أعتقد أن الإجابة عن تلك الأسئلة تفرض إعادة النظر في قصة الأديان ونشأتها والنظر لمشتركاتها..لاسيما أنني سقت هذا المقال بعنوان لا يشرح فيه الهندوسية ولكن (أضواء) لفهم معالم وثوابت الدين الهندي في خطوطه العريضة والرحلة في أرواح وأنفس الهنود دون التعصب لكلام خصومهم.

ففي رأيي أن أفضل أنواع وصنوف الشرح ومقارنات الأديان هي التي تحلل المعتقدات والأيدلوجيات وفقا لكلام أصحابها ..وبالأخص ما يتعصبون له ويقدموه كفكرة أولية عن الدين تصلح كمادة تبشيرية، فبرغم خلوّ الدين الهندي من التبشير إلا أنه وبسياق هذا العرض تبين أن به جوانب أخلاقية كثيرة وروحانية تضعه في مصاف الديانات الأولى المرغوبة في عصر التكنولوجيا والذرة، فالإنسان مهما تعلق بالمادة والحروب والمصالح والصراعات لكن توقه للأخلاق والروحانيات هو اعتقاده بأن تلك الأخلاقيات هي الوسيلة الأولى للسعادة، وأن معرفته الكلية والجزئية لن تتحقق سوى بانسجامه النفسي مع الكون والأشياء ليُصبح في الأخير إنسانا مثاليا يُرضي نفسه قبل أن يُرضي غيره.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,471,450,008
- جدلية ولاية الفقيه..رؤية نقدية
- حتمية البروباجاندا السوداء
- رحلة نقدية في سيكولوجيا المرأة
- نظرية المصيدة
- معضلة التحيز الديني..القرآنيون نموذجا
- العلمانية وأزمة مفهومها التآمري
- لماذا فشل العرب والأمريكيين في التواصل مع إيران؟
- بساط الريح..وخرافات القرطبي
- حديث خير القرون ونظرية التطور
- هل الإسلام بعث للعالم أجمع أم للعرب فقط؟
- ليبيا الموحدة ليست مصلحة مصرية
- التصعيد الإعلامي والديني لن يحل مشكلة اليمن
- الشروط العشرة للتأثير والحوار
- حكم ضرب الزوجة في الإسلام
- معضلة الأخلاق والسلوك في العقائد
- هل يعتذر المسلمون عن تاريخهم ؟
- ديكارت في مواجهة الإخوان
- ضغط عالي..والسينما الهادفة
- معنى الإلحاد في القرآن
- مصر وإيران..اللقاء الصعب


المزيد.....




- صمت إسرائيلي على تصريح ترامب عن خيانة اليهود الذين يصوتون لل ...
- مقابر يهودية جديدة في نفق ضخم تحت الأرض بالقدس
- ترامب: على اليهود ألا يصوّتوا للديمقراطيين
- التحرير الفلسطينية: القدس في خطر شديد.. ونحتاج إلى صحوة عربي ...
- ترامب يتهم اليهود الذين يصوتون للديمقراطيين بـ-عدم الولاء-
- ترامب يتهم اليهود الذين يصوتون لخصومه الديمقراطيين بالجهل وا ...
- ترامب يتعرض لانتقادات بسبب تصريحات حول اليهود
- إزالة أجزاء في ساحات المسجد الحرام للاستفادة من مواقعها كمصل ...
- “شباب الإخوان” في رسالة الهزيمة واليأس والندم إلى قياداتهم : ...
- باحث في شؤون الإسلام السياسي لـ RT: مبادرة شباب الإخوان للخر ...


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامح عسكر - أضواء على الهندوسية