أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - محمد يعقوب الهنداوي - حروب الفُرَقاء القدامى وحروب الحُلفاء الجدد















المزيد.....



حروب الفُرَقاء القدامى وحروب الحُلفاء الجدد


محمد يعقوب الهنداوي

الحوار المتمدن-العدد: 6315 - 2019 / 8 / 9 - 17:52
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


الحرب: السوق التي لا تمتلئ ولا ترتوي من الدماء أبدا

في جحيم الهيمنة الامبريالية، كل دعاوى "الوطنية" و"القومية" و"الصحوات الدينية" فقاعات كاذبة غايتها ابتزاز الانسانية وذبحها، وتسويق تجارة السلاح

(1)

حروب الفُرَقاء القدامى وحروب الحُلفاء الجدد

‌أ- مثلما شكّل الصناعيون اتحاداتهم الدولية لتنظيم عمليات الافتراس والغدر الاقتصادي المتبادل فيها بينهم وللاتفاق على آداب النهب العالمية ومنع قيام منافسين أقوياء جدد ووأدهم ما داموا صغاراً، قامت منظمة الامم المتحدة، ومن قبلها عصبة الامم، كاتحاد دولي لحكام العالم لتنظيم عمليات الافتراس والغدر السياسي المتبادل فيما بينهم وللاتفاق على آداب القتل والنهب والتدمير العالمية ومنع قيام منافسين أقوياء جدد خارج سيطرة هذا الاتحاد ووأدهم ما داموا صغاراً كذلك.

وكما أدت نشاطات اتحادات الصناعيين الدولية الى المزيد من التمركز الاقتصادي واختزال النواة المركزية المسيطرة على الاقتصاد العالمي لتتبلور، بالتالي، في صيغة عدد ضئيل من التروستات والكارتلات المتحالفة فيما بينها والمتحدة في احتكارات عملاقة فائقة القدرة على ايجاد منافذ وصمامات لتسريب مخاطر صراعاتها واحتكاكاتها الداخلية، وتحويلها الى مبررات جديدة لاختزال العدد الصغير من الرأسماليين المسيطرين على الاقتصاد العالمي، وتحويل زملائهم السابقين الى خدم وسماسرة ووكلاء، من جهة، وممارسة المزيد من الضغط على الضحايا الرئيسيين والأعداء الأساسيين، في ذات الوقت، وهم شعوب العالم المنهوبة، وخصوصا الطبقة العاملة في العالم أجمع، وفي البلدان التابعة بالدرجة الأولى، والتي هي المصدر الوحيد للقيمة الزائدة (أي الربح)، فقد أدت نشاطات اتحادات السياسيين الدولية الى المزيد من التمركز والسيطرة وتحويل عدد كبير من الحكام المحليين في البلدان المتخلفة الى وكلاء وخدم وسماسرة لتلك الأقطاب الرئيسية الضئيلة العدد التي فرضت هيمنتها على السياسة الدولية ومنظماتها من خلال استثمارها لقواها الاقتصادية.

إذ ان هذه الاتحادات السياسية وأذرعها العسكرية الضاربة ليست سوى الوجه الآخر للقوى الاقتصادية الاحتكارية العالمية، ولكافة قنوات العلم والخبرة للوقوف أيضا بوجه المنبع الوحيد للإيديولوجيا المعادية وللثورة القادمة المحتومة المدمرة لكل البنى الاقتصادية والسياسية الاستغلالية عالميا، وهو عمال العالم ذاتهم.

هذا، باختصار شديد، هو مجرى عملية التمركز والوحدة على الصعيد العالمي اقتصاديا وسياسيا. وبما ان السياسة ليست إلا اقتصاد اٌ مكثفا، وكلاهما ليس سوى طرفٍ لظاهرة واحدة تخضع لقوانين الدايلكتيك كأية ظاهرة اخرى في الكون، لذا يكمن هنا جوهر نضوج الامبريالية وتفسخها بعد أن بلغت أعلى مراحل تطورها الاقتصادي والسياسي والتكنولوجي والايديولوجي.

والسؤال هنا:

إذا كان لينين قد استنتج، قبل سبعين عاما، ان الامبريالية، التي هي أعلى مراحل الرأسمالية هي، أيضا، عشية الثورة البروليتارية، فلماذا تأخرت الثورة البروليتارية كل هذا الوقت، وما الذي يمنعها حتى الآن من التفجر؟

واذا كانت الرأسمالية تعيش أزمتها العامة منذ أكثر من نصف قرن، ويؤدي التقدم التكنولوجي الى المزيد من الإنتاج، والمزيد من البطالة معا، في ظل الكفاءة الانتاجية المتضاعفة باستمرار في الآلة واكتشاف واستنباط مصادر جديدة للمواد الخام والوقود تفوق مئات وآلاف المرات قدرة الرأسمال على افتعال حاجات جديدة للإنسان تتطلب الإشباع وتفتح أبواب جديدة للربح والاستغلال كالكماليات والسلع الاستهلاكية العديمة الفائدة، بل والضارة أيضا، كالتبوغ والمخدرات والمشروبات ونوادي القمار واللهو والتصاميم الفنطازية للمدن والمساكن والملابس والديكورات وغيرها ووسائل الدعاية والاعلام التي حولت الانسان وأقدس ما لديه الى بضاعة تجارية مربحة.

وإذا كانت هذه الحاجات المفتعلة لا توازي القدرة المتضاعفة أبداً على زيادة الإنتاج، ومع محدودية الأسواق على كرتنا الأرضية، وتكدس البضاعة الكاسدة التي تكفي لاستهلاك عدة أجيال من البشر، فكيف لا يزال الرأسماليون يعيشون ويربحون، بل ويتسابقون على زيادة انتاجيتهم وتوسيعها، ناهيك عن كونهم لا يخسرون ولا يعجزون عن امتصاص سلبيات البطالة؟

هل ثمة بضاعة لا تكسد أبداُ وسوق لا تمتلئ مطلقاً؟

وهل يدمّر الرأسماليون بضاعتهم الكاسدة ليتخلصوا منها متفرغين لإنتاج بضاعة جديدة تكسد بدورها وتُدمّر وهكذا كيلا يتوقفوا عن الانتاج؟

ومن الذي يدفع لهم أرباحهم ورأسمالهم في هذه الحالة؟

واذا كان علم الاقتصاد السياسي يشير الى ان التركّز الاقتصادي وزيادة تمركز الرأسماليين في عصر الامبريالية لابدّ وأن يقود الى المزيد من التمركز الذي لا يمكن أن يحدث إلا عن طريق تفجّر الصراعات التنافسية بين القوى الكبرى ومحاورها لإعادة تنظيم عمليات اللصوصية والنهب والدولية، فما الذي يجعل الامور تجري بالعكس، باتجاه التعايش السلمي والانفراج الدولي والوفاق والتعاون الاقتصادي والسياسي والتنسيق بين محورين يفترض ان كليهما هو النقيض المباشر والحاسم للآخر وعدوه اللدود مما لا يترك إلا احتمالا واحدا هو ابتلاع أحدهما للآخر؟

وإذا كانت الصراعات الاقتصادية والسياسية تجد مفتاحها وحسمها في الحروب، فلماذا يحل التعاون محل الحرب؟

وما معنى الوفاق الدولي والمباراة الاقتصادية في ظل الأزمة العامة للنظام الرأسمالي العالمي؟

وإذا كان عقلانيا أن يتسابق الامبرياليون على صنع السلاح وتكديسه وإخفاء أسراره، فكيف يصحّ انهم يتفقون على تحديده وكشف أنواعه ومزاياه لبعضهم بعضا، ويعملون على منع استفحال خلافاتهم الى درجة الحرب؟

ب‌- شهد التاريخ السياسي دائما قيام الدول الكبرى القوية اقتصاديا وسياسيا وعسكريا بشن الحروب ضد بعضها لانتزاع مصادر الخيرات المادية أو الأسواق التجارية، أو كليهما معا، من أيدي منافسيها.

ومع ان معظم تلك الحروب لم تقتصر على أراضي الدولتين المتحاربتين ولا على قواهما البشرية الخاصة، بل غالبا ما كانت تقوم على أراضي الشعوب الضعيفة التي تضعها الحياة بين قطبي القوى المتحاربة، وكانت هذه الشعوب تضطر الى تقديم الضرائب وأعداد هائلة من ابنائها الذين يساقون الى طاحونة الحرب القائمة أصلاٌ لتقرير من سيستعبد هذه الشعوب الضعيفة ذاتها، لكن تلك الدول الكبرى المتحاربة ذاتها، وشعوبها خاصة، كانت هي التي توفّر القسط الأعظم والحاسم من مستلزمات الحرب ووقودها وتضحياتها، مثلما كانت تتحمل القسط الأكبر من ويلاتها وخرابها على أية حال.

لكن عصرنا الراهن يشهد ظاهرة معكوسة هي كون القوى الكبرى لا تحارب بقواها المباشرة بالدرجة الاولى، كما لا تحارب على أراضيها هي، ولذا دارت أعنف معارك الحرب العالمية الثانية وانعكست آثارها المباشرة على بلدان وشعوب لم يكن لها في الحرب رأي ولا قرار ولا مصلحة. وعبّر تشرتشل، رئيس وزراء بريطانيا آنذاك، عن طبيعة هذا الوضع بمقولته البليغة الدلالة "سنحارب حتى آخر جندي هندي!!"

ثم شهد النصف الثاني من هذا القرن ظاهرة اخرى أكثر غرابة هي كون الدول الكبرى لا تتحارب مباشرة بصورة شبة تامة، بل أوجدت منافذ لتسريب التوتر وقنوات للتفاهم وتجنّب الصدام فيما بينها بأسماء وصيغ شتى بعضها ثابت دائم وبعضها عارض مؤقت. ولعل أبرز هذه القنوات والمنافذ هي الأحلاف العسكرية والاقتصادية الثابتة مثل السوق الأوروبية المشتركة ومنظمة "الكوميكون" الاقتصادية لدول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي، ومثل حلف الناتو وحلف وارشو، اللذين يفترض انهما عدوان لدودان لكن كلا منهما يدعو الآخر للإشراف على مناوراته العسكرية بصفة "مراقب عسكري"، ويطلعه على آخر إنجازاته وقدراته في صنع السلاح وتطويره فيما يفترض انهما يعدّانه للاستخدام ضد بعضهما...،

ومثلهما أيضا البرلمان الأوروبي ومنظمة الامم المتحدة التي تشكل منبراً للتشويش والصراعات الخطابية الطنانة التي سرعان ما تتلاشى مخلفة وراءها زوابع من الغموض والترقب التي لا تسفر إلا عن صواعق خطابية جديدة ولقاءات سرية على هامشها واندلاع حروب أهلية أو اقليمية في احدى زوايا قارة بعيدة.

وهكذا تستمر الاجتماعات المتواصلة، السرية دائما، بين قوتين عظميين للاتفاق على نوع السلاح الذي تسمح كل منها للأخرى بامتلاكه وتطويره استعداداُ لحربهما المقبلة المزعومة، حتى أصبح مؤكداُ ان ما يُبْحث وما يُتّفق بشأنه في هذه الاجتماعات لا علاقة له بما يُعْلَن عنه، وهو ليس السلاح قطعاً. بل أصبح واضحا ان حرباً بين هاتين القوتين يُهيـّأ لها بهذا الشكل الكاريكاتيري لن تقوم ولا يمكن ان تقوم ما دام بالإمكان عقد اجتماعات واتفاقات سرية كهذه محاطة بالتهويل الذي تدرك الأجهزة المخابراتية لكلا الطرفين انه لا يخدع أحدا ولا يهم سوى مؤسسات التجارة الصحفية، لأن الشعوب التي يُفْترض أن تخاف وترتعب، تجلس مستكينةً لا مبالية بما يُعدّ لها جاهلةً اصول اللعبة وتفاصيلها لكن محتقرة إيّاها وأطرافها جميعا.

إن شعبا يموت من الجوع أو التشرد أو في زنزانات التعذيب الرهيبة أو يعيش كالبهائم باحثا في المزابل عن كسرة خبز أو ينحره حكامه خدمة لمصالح أجنبية ولا يأكل لقمته إلا منقوعة بدم أبنائه الذين يقتات دكتاتور تافه من لحومهم ويرتوي بالدم المتدفق من عروق سجين مكبل، شعب كهذا أية حرب نجوم تهمّه أو تُقلقه حين تصبح الحرب النووية أملا بالخلاص والنوم الأبدي المريح! فلتلعب الدول الكبرى لعبة الحرب النووية إن جَرُؤتْ فليس لدينا ما نخسره سوى قيودنا وأغلالنا وموتنا البطيء، أو نربح عالما بأسره لا ظلم فيه ولا جلادين.

يكفي أن نستمع الى أية نشرة اخبارية لنعلم ان كوكبنا يتخبط في مستنقع من النار والدم والدمار والمجاعات والأوبئة والحقد ولا يخلو من الحرب الأهلية الا بلدا القوتين العظميين وحدهما. فلماذا تتحارب الشعوب الصغيرة وعلى أية أطماع وبأية دوافع؟ ولماذا لا تتفاهم مثل العقلاء الكبار؟

ولماذا تكتفي الدول الكبرى بتصحيح دفاتر تلاميذها الصغار وتزويدهم بالنصائح وبمستلزمات ومعدات صراعاتها القذرة مناديةً، في ذات الوقت، بالعمل من أجل السلام وحماية السلام وتشكيل قوات حفظ السلام؟

هل يعجز الكبار فعلاٌ عن منع الصغار من اللعب بالنار ان كانوا حريصين فعلا على السلام العالمي والوفاق الدولي والعدالة والقضاء على العنف والارهاب؟ وكيف تستطيع الامم المتحدة أن تكون قناة تفاهم بين الدول الكبرى وتعجز عن التنسيق بين الدول الصغيرة؟

ج‌- يعلّمنا علم الاقتصاد السياسي ان القوى الكبرى تحاول دائما، اضافة الى محاربة منافسيها الكبار، اضعاف المنافسين الصغار عن طريق تشتيتهم واضعافهم وربطهم بها بقنوات تمنعهم من أن يصبحوا مستقبلا منافسين أقوياء جدد تصعب عليها مواجهتهم. وكانت ثمرة تلك السياسات الحكمة الانكليزية الامبريالية: "فرّقْ تَسُدْ". كما ان التمركز الرأسمالي على الصعيد العالمي لابد وأن يسير بخطى أكثر تسارعا وتبلورا نحو الوحدة لا نحو التجزئة والتشتت.

لكننا نرى في عالمنا بروز عدد متزايد من القوى المحلية الصغيرة التي تسعى الى استقطاب أشباهها وتشكيل محاور دولية جديدة تحت شعارات التحرر الوطني أو القومي أو الديني أو العرقي أو الاقليمي، وكلها تتبنى دعائيا شعارات "معاداة الامبريالية" ومحاربتها، حتى صارت بعض هذى المحاور تمتلك وسائل مهمة ومصالح حيوية في مختلف بقاع الارض.

وعلى رغم هذا، لا نرى القوى الكبرى تعمل فعليا على تشتيتها واضعافها رغم دخولها معها أحيانا في صراعات موضعية عنيفة سياسية واقتصادية بل وعسكرية في بعض الأحيان.

والأدهى من ذلك ان معظم تلك الصراعات تنتهي بانتصارات مسرحية للقوة الصغيرة على القوة الكبيرة مما يدعم موقف تلك القوة الصغيرة ويعزز كيانها ويمنح شعاراتها مصداقية معينة لبعض الوقت، على الأقل. لكن تلك المراكز الامبريالية ذاتها، والتي يفترض انها معادية، لا تتوقف في جميع الأحوال عن دعم منافستها الصغيرة وتسليحها ومدها بالخبرة والتنشيط الاقتصادي والمعدات العسكرية بل وبالقروض الطويلة الاجل والتسهيلات والمساعدات الاقتصادية والغذائية والعسكرية المجانية.

فما تفسير ذلك في ضوء قوانين تطور ونضوج الامبريالية وتمركزها؟ وهل سنشهد في المستقبل قيام "امبرياليات ثورية" أو دول عظمى جديدة بأسماء مثل اتحاد جمهوريات أمريكا اللاتينية أو الامبراطورية الاسلامية أو ما شابهها؟ وما هو افق ذلك التطور؟

وللإجابة على هذه الأسئلة جميعا يجب التأكيد على العناصر الثلاثة الآتية:

1) يجب في جميع الحالات، أن ندرك ماهي الحلقة المركزية للامبرياليين. أي ما هو الجوهر الأساس الذي تهمّهم المحافظة عليه، ولا تجوز، بنظرهم، المجازفة به أو المقامرة عليه أو التضحية بوجوده، بل يضحّون بكل شيء سواه في سبيله. إن ذلك الجوهر هو الربح، فما دامت الاحتكارات العالمية تستطيع عبر هذه الصورة المعقدة أو تلك أن تموّه نفسها ومصالحها وتبعدها عن مرمى الرصاص، وتضمن امكانية التسلل بصفة التاجر البريء الذي لا علاقة له بالحرب والسياسة، بل هو مجرد مؤسسة تكنولوجية علمية أو خدمية محايدة، فإنها لا تهتم بشيء آخر.

أي ان الاحتكارات العالمية أضفت على نفسها الخرافة القديمة التي سبق وأضفتها الدولة على نفسها بوصفها وسيطا بين الطبقات يعمل على التوفيق بين مصالحها ورغباتها ويحول دون تصادمها. فإدّعت الاحتكارات انها تختص بنشاطات السوق ولا علاقة للسوق بالسياسة، بينما هي تسخّر قوى بلدها (الدستوري) الاقتصادية والسياسية والعسكرية للدفاع عن أهدافها وضمان مصالحها وتنمية مكاسبها في حين تُلقى أية سلبيات محتومة أو عارضة على عاتق الجماهير الكادحة التي تدفع الضرائب النقدية والدماء لحماية مصالح تجارها العاملين خارج الحدود، وعلى حكومة بلدها أن تقدم المعونات "المجّانية" للأنظمة التابعة والتكتلات الدولية منتزعة إيّاها من أفواه الجماهير الكادحة وعلى حساب الميزانية الرسمية للبلاد التي تصاب بالعجز والتضخم ومختلف الأمراض الاقتصادية الوهمية الأخرى، التي هي ليست سوى انفراد الذئاب الاحتكارية بالغنائم والأسلاب وإلقاء تبعيتها على الجماهير التي تدفع الفدية بشكل ضرائب وارتفاع أسعار، على أن تقدم سلطات الدول التابعة، تحت غطاء المعونات المجانية وعلاقات الصداقة، المزيد من الامتيازات والضمانات لمصالح الاحتكارات التي تجنى الفوائد صافية سهلة مضاعفة.

أما الرساميل والثروات التي تمتلكها البلدان التابعة فالمسألة الاساسية هنا لا تتمثّل في حجم تلك الثروات واسم مالكها الظاهري، وانما في مصدر هذه الثروة وأماكن ايداعها واستثمارها والقدرة على التصرف بها وفي احتمالات انفاقها أو ادامتها وتنميتها. ومادامت هذه كلها لا تخرج من أيدي تلك الاحتكارات العالمية، فــَــَلـِمَ القلق إذن على تسجيلها بإسم الأمير فلان أو الدولة الفلانية فيما تدرك تلك الدولة ذاتها وذلك الأمير انهما نفسيهما ليسا سوى جزء تافه من ثروة تلك الاحتكارات والعوبتين عاقرتين بيدها.

2) المسألة الأساسية الثانية هي منع العدو من التسلّح ايدولوجياً وتنظيمياَ وعسكرياً، وهذا يعني منع البروليتاريا في كل بقعة من العالم من امتلاك ناصية الوعي بالتحرر من أغلال الايديولوجية البرجوازية والأهداف البرجوازية سواءً تمّ ذلك بالضغوط الخارجية المباشرة أو التفتيت الداخلي بواسطة الأعوان البرجوازيين المنضوين تحت لواء الحركة البروليتارية ذاتها والذين يجرّونها لخدمة الأهداف البرجوازية تحت راية الانتهازية الاصلاحية.

وهذا هو ما فعلته قيادات الأحزاب الشيوعية التقليدية في العالم كله حيث حوّلت أحزابها الى أحزاب برجوازية في كل شيء عدا الاسم من خلال التجهيل المتعمّد للقواعد الحزبية بالعلم الماركسي الثوري من جهة، وبيروقراطية القيادة البطرياركية الفاسدة ودكتاتوريتها من جهة اخرى.

3) ويكمن الجزء الأعظم من الاجابة في مفهوم الحرب ذاته وطبيعة الحروب التي يشهدها عصرنا من حيث دوافعها وأطرافها وعناصرها وأسلحتها وبرامجها وأهدافها المعلنة وغير المعلنة ورموزها القيادية المعروضة في الواجهة وضحاياها المباشرين وغير المباشرين، على المديَيْن القريب والبعيد.

لتوضيح ذلك نقول إنْ كانت الحروب تقوم قديما بين خصمين يتبادلان العداء ويتناقضان تناقضا هو الذي يسوقهما للحرب، فإنّ ذلك الحال لم يعد هو ذاته الذي يؤجج حروب أيامنا التي قد يصمّمها ويشعلها طرفان منسجمان مع بعضهما لغاياتٍ مشتركة. ولمزيد من الايضاح، فإن الحروب المعاصرة على ثلاثة أنواع:

النوع الأول، الحروب المحلية:

وهذا يعني ان دوافعها تنبع من الظروف المحلية للطرفين المتحاربين، حيث تأخذ هذه الحروب شكل صراعات حدودية أو طائفية أو عنصرية أو قومية أو حتى عشائرية.

ولكون دوافع هذه الحروب تنبع من الواقع المتخلف لشعوب وأنظمة الدول التابعة والقوى المحلية، لذا فان أسلحتها وأهدافها ونتائجها لابد وأن تكون متخلـّفة أيضا، بل وقد تكون ضارّة ومدمّرة لخطط رأس المال العالمي الذي لا يمكن أن يسمح بتفجير أمثال هذه الحروب من دون أن يحسب حساب جوانبها المختلفة ونتائجها المحتومة والمحتملة. فيلجأ الرأسمال العالمي عادة الى كبت هذه النزاعات وجعلها جزءاً من احتياطاته التكتيكية. فإذا انسجمت مع مخطّط ما من مخطّطاته المقبلة سمح لجذوتها بالاتّقاد والتوسع الى حرب حقيقية، أما اذا ظلت احتمالاتها لا تنفع بالمدى المطلوب أبقاها خافتة الى حين.

النوع الثاني، حروب النيابة:

تشمل هذه الحروب معظم الحالات التي توجب مجابهة عسكرية بين الدول الكبرى. ولآن الحرب بين هذه الدول لن تكون إلا وبالا على طرفيها، لذا ينوب الأتباع الصغار عن أسيادهم في خوض الحروب وزجّ شعوبهم البائسة في أتونها الملتهب حلّا لتنافس الامبرياليين الكبار لكن بشعارات وادعاءات محلية مستقاة من نزاعات مكبوتة مما ذكرناه في النوع الأول أعلاه. وفي هذه الحروب يطاح عادة بأحد طرفي القتال ويتاح للبديل، الذي يشارك المنتصر الصغير في جهة تبعيته وارتباطاته، الصعود الى السلطة.

هذه الحروب، علاوة على كونها تجنّب الكبار مغبّة الدخول في محرقةٍ بأنفسهم، فهي توفّر لهم امكانية تجريب واختبار طاقاتهم العسكرية والاقتصادية والسياسية وكذلك أحقر الأسلحة وأكثرها همجية وبشاعة، والتي يُدّعى دائما بأنها محرّمة دوليا، من خلال دعم كل منهما لنائبه في القتال والضغط على البديل المحتمل.

أما إذا تبيّن ان استمرار القتال سيؤدي الى ظهور قوة ثورية غير مرغوب بها في المنطقة الملتهبة، فسرعان ما تتصاعد دعوات السلام وتتحرك واجهات دولية مختصة كالأمم المتحدة والمؤتمر الاسلامي وعدم الانحياز ومنظمة الدول الافريقية وغيرها لتصالح الخصمين وتدفعهما لقتال "العدو المشترك".

النوع الثالث حروب التسويق:

هذه الحروب التي تنبع، أيضا، من تلك النزاعات المحليّة التي يجيد الرأسمال العالمي تجييرها لمصلحته ويجيد توقيت تفجيرها والسيطرة على قواها، هي في الحقيقة أخطر من حروب النيابة وأكثر غموضا وضخامة وانتشارا وتدميرا. وينبع اسمها من ان الرأسمال العالمي، الذي كانت محاوره تتحارب من أجل الأسواق، وجد ان أسواق الأرض كلها لم تعد تكفي للاقتسام، بل وهي لا تكفي جميعها لمحور امبريالي واحد فيما لو استطاع فرض سيطرته عليها جميعا بمفرده.

لذا أبدع الرأسمال العالمي المتّحد في الاحتكارات العملاقة ظاهرة جديدة هائلة جعل فيها حلّا لجميع معضلاته تتمثل في خلق أسواق جديدة في صيغة حروب بتصاميم وأحجام ومدد مختلفة تنسجم مع طبيعة الأزمات المراد حلها بواسطتها. ولكن دائما، أيضا، بمساعدة ومشاركة أساسية من الأحزاب الشيوعية التقليدية التي حوّلتها السياسات الانتهازية الاصلاحية الى أحزاب برجوازية من الطراز الأول بمواصفات تنسجم تماما مع الظروف والأهداف الجديدة والمتطورة أبدا للرأسمال العالمي.

وهكذا تتجه الدول الكبرى الى تفجير الحروب كلما استفحلت أزماتها وكسدتْ بضاعتُها فتهاجر معظم رؤوس الأموال من الفروع الراكدة الى صناعة السلاح. وبما ان سوق الحرب لا تمتلئ أبدا، يستطيع الرأسمال العالمي عبرها تصفية مصاعبه وأزماته بتدمير بضاعته الكاسدة وانتاج بضاعة جديدة تُدَمّر بدورها لتُنتَج بضاعةٌ اخرى وهكذا كيلا يتوقف عن الانتاج والنمو.

وفي هذه الحالة اللاعقلانية تدفع طبقتنا العاملة وشعوبنا المذبوحة كلفة البضاعة والأرباح مضاعفة. وبذلك تتمّ مصادرة تلك الرساميل الهائلة المتراكمة في البنوك الدولية لحساب البلدان المتخلفة (شكلياً) والتي هي قيمة ثروات بلادنا التي نهبتها الاحتكارات الدولية بأسعار تافهة، والتي سبق ودفعتها الاحتكارات، تحت ستار التطوير والتصنيع، الى مجالات التشغيل الواطئ في شراء المؤسسات الصناعية والتجارية الخاسرة أو القليلة الربحية.

وتوضّح هذه الحروب أيضا جوهر التكتلات والمحاور المحلية بين مجاميع من الأنظمة المتخلفة التي تدّعي محاربة الامبريالية، لكنها تتلقى الدعم من تلك الامبريالية ذاتها. كما توضح جوهر الحروب التي تنشب بين دولتين تابعتين تنتميان للمركز الامبريالي نفسه وتتلقيان الدعم والسلاح منه عبر قناة واحدة.

ان هذه الأنواع الثلاثة، التي يمكن أن تتداخل مع بعضها، من الحروب تقوم بين الدول المتخلفة التابعة ولا تدخل المراكز الامبريالية طرفا مباشرا فيها، بل ان بعض هذه الحروب قد يقع داخل حدود دولة واحدة متخلفة. أي ان الحروب الأهلية قد يشملها ما ذكر هنا أيضا.

_________________________________________
* في الثمانينيات، وفي أتون الحرب العراقية الايرانية التي فجّرها بطل العروبة الأحمق صدام ابن العوجة التكريتي نيابة عن "الأمة العربية"، تنفيذا لقرارات الامبرياليين الكبار ووفق مبدأ "القتال بالنيابة" الذي بشّرنا بأن بلدنا وشعبنا كانا مشمولين به.

وإذ وقف معه في حربه الرهيبة تلك كل القرود من حكام الخليج وخنازيره وسلطة الضباع الهاشمية في الاردن، واستخدم فيها ترسانة مدمرة من الأسلحة الجرثومية والكيمياوية والتقليدية راح ضحيتها على مدى ثماني سنين أكثر من مليوني عراقي بين قتيل ومشوّه ومصاب، وساق شعبا كاملا الى أتون الخراب الأبدي بتحطيم كل البنى التحتية والتنموية، وسحق كل ما تبقى من كبرياء كل عراقي بحذائه، فأذلّ شعبنا وجرّده من أبسط القيم الأخلاقية النبيلة التي عرفت عنه، وخلّف لنا حطاما سيرثه الاسلاميون ومافيات القتل والفساد التي تلعب بمصائرنا اليوم وتزيده بؤساً وخراباً.

ولم تكن خسائر الشعب الايراني المحكوم بسلطة رأس المال المتلفع بأردية الدين المعادية للإنسان، أقل فداحة وقسوة.

كنت آنذاك أعيش في إيران رافضا الحرب محاصرا من كل صوب، وكنت مطالبا في حدود البيئة الصغيرة من رفاقي ومعارفي بأن أضع تنظيرا وتحليلا لما كان يجري، فكتبت مقالتين لم أستطع طباعتهما وقتها لعدد من الأسباب، ليس أقلها المخاطر الأمنية والحاجة الى المال، فكتبتها بخط يدي ونسختها ونشرتها قدر ما استطعت آنذاك.

كنت أعيش تحت طائلة التهديد بالإعتقال والقتل في أية لحظة، وفي ضائقة مادية وحياتية خانقة حكمت كل تفاصيل حياتي لثماني سنين عجاف في ايران حيث كانت السلطات لا تقدّم أية معونة أو تسهيلات لنا كلاجئين معارضين للحرب ولا ننضوي تحت عباءة أي من شيوخ النفاق ومافيات الإسلاميين التابعة للمخابرات الإيرانية، والتي كانت تلاحقنا وتعدّ علينا أنفاسنا، بينما كان أزلامها هؤلاء يمارسون أقذر صنوف الابتزاز الجنسي والمالي والمعيشي بحق العراقيين المهجّرين على أيدي البعثيين، والعراقيات الأرامل أو اللواتي بلا معيل يساعدهن على شظف العيش ورعاية أيتامهن. ويسرقون حتى المساعدات الدولية وتبرعات العراقيين من خارج ايران، التي تستهدف تخفيف ضائقتهم، ومنهم صاحب صفقة "رفحا" سيئة الصيت محمد نوروز الذي يلقب نفسه "محمد الهنداوي" كذبا.

وبقدراتي المحدودة جدا آنذاك، استطعت طباعة عشرات النسخ من كتاباتي تلك وأرسلتها الى شقيقي الخائن عبد الحسين الهنداوي الذي كان يعيش باذخا متنعما في فرنسا راجيا منه توزيعها على أصدقائنا الذين يعرف عناوينهم في أوروبا وفي غيرها، والذين لا سبيل لي لمراسلتهم مباشرة بسبب ظروفي.

فقام هذا الأخ الخائن بإتلاف جميع تلك النسخ التي وصلته ورفض ايصالها لأي أحد. بل وقام بإتلاف كل أوراقي وكتبي ومخطوطات قصائدي ورسائلي وصوري، التي أودعتها لديه من قبل، ورفض الحديث عن تلك الكتابات حتى بعدما وصلت بشقّ الأنفس الى بريطانيا في أعقاب ذلك العذاب الرهيب.

وبعدما كرّت ثلاثون عاما ونيف، اكتشفت صديقتي بيمان (Payman) هذه الأوراق وساعدتني على إعادة نشرها. كل امتناني ومحبتي لها.

* * *






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,512,531,626
- عرسُ السمّ - هه ورامان
- الشيوعية أشرعة المستقبل والأديان فحيح الجهل وتخاريف أهل القب ...
- أتشهّى لغةً لا تهرس أضراس قواعدها حلمي
- الشيوعية والدين والإنقلاب التاريخي الذي أطاح بإلوهية المرأة
- مَيْس
- بَيْن يَدَيْك
- رَواد
- مُنى
- نوافذِ روحي
- معاً يا حبيبي
- موجبات زوال الرأسمالية (7) لماذا لابدّ للرأسمالية أن تزول
- لماذا لابدّ للرأسمالية أن تزول؟ (6)
- شهرزاد
- نقاط ضعف أمريكا (5)
- صمتاً...
- لماذا لا يظهر المرجع السيستاني علناً (4) في الذكرى السنوية ل ...
- أجمل وأكفأ وأرقى فنانة رآها العراقيون... واختفت كالحلم
- ماهي الرأسمالية وما هي مآلاتها؟ (4)
- لا تَنْكأِي يا زهرةَ الرُمّان جرح القمر
- مرحى لشباب العراق في ثورته ضد المرجعيات المذهبية (3) في الذك ...


المزيد.....




- بعد حديث السيسي عن بناء القصور الرئاسية -من أجل مصر-.. إعلام ...
- بن سلمان لترامب: لنا القدرة والإرادة للرد على هجوم أرامكو وع ...
- شاهد: الصينيون يحتفلون بمهرجان منتصف الخريف
- هنديان يعثران على ابنهما المخطوف الذي يقيم في الولايات المتح ...
- تونس تشهد ثاني انتخابات رئاسة حرة في تاريخها
- بن سلمان لترامب: لنا القدرة والإرادة للرد على هجوم أرامكو وع ...
- قلقٌ وترقّب واستحقاقٌ مفتوح على كل الاحتمالات.. فمن يختار ا ...
- مقتل شخص على الأقل وإصابة 5 في إطلاق نار بمقاطعة أونتاريو ال ...
- قتيل و5 جرحى بإطلاق نار جنوب شرقي كندا
- المغامسي يلفت لتوقيت هجوم أرامكو بعد تعيين الأمير عبدالعزيز ...


المزيد.....

- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- الأمر بالمعروف و النهي عن المنكرأوالمقولة التي تأدلجت لتصير ... / محمد الحنفي
- عالم داعش خفايا واسرار / ياسر جاسم قاسم
- افغانستان الحقيقة و المستقبل / عبدالستار طويلة
- تقديرات أولية لخسائر بحزاني وبعشيقة على يد الدواعش / صباح كنجي
- الأستاذ / مُضر آل أحميّد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - محمد يعقوب الهنداوي - حروب الفُرَقاء القدامى وحروب الحُلفاء الجدد