أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامح عسكر - جدلية ولاية الفقيه..رؤية نقدية








المزيد.....


جدلية ولاية الفقيه..رؤية نقدية


سامح عسكر

الحوار المتمدن-العدد: 6310 - 2019 / 8 / 4 - 23:31
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


من أكثر المفاهيم الملتبسة على المسلمين الآن هو مفهوم "ولاية الفقيه" واختصاره أنه ولابد من إمامٍ حاكمٍ يجمع بين كل شرائط العلم والتقوى والصلاح والذكاء والإدارة، ويكون مفوّضا من قِبَل الله بإدارة شئون الناس، على أن وجه الالتباس الذي حصل في ثلاثة جوانب: الأول هو في تفريق القائلين بتلك النظرية بين نموذجين لولاية الفقيه هما ديني والآخر ديني سياسي، لكنه وبعد نجاح الثورة الإيرانية سنة 1979 طبّق الإيرانيون النموذج الثاني بجمع سلطات الدين والسياسة في شخص واحد يمثل نائبا للإمام المهدي الغائب.

وجه الالتباس الثاني في بشرية وليّ الفقيه واحتمالية ممارسته للظلم باسم الله، وقد حاول الخوميني علاج هذا الوجه بإقرار ديمقراطية دولته وضمان مسائلة شخص المرشد أو حتى عزله من أعضاء مجلس الخبراء الذين يجمعون سلطات عزل وانتخاب المرشد، لكن هذا ليس كافيا لمحاسبة وردع الوليّ الفقيه عن الطغيان فيما لو أراد ذلك، بدليل أن الخوميني نفسه عزل آية الله "علي منتظري" الذي أراد تطبيق النموذج الأول لوليّ الفقيه القائل باختصاصه الديني فقط وترك شئون السياسة والدنيوية للشعب أن يختار من يريد دون تورط الفقهاء والمرجعية ، وما حدث مع آية الله "شريعتمداري" مشهور بعد رفضه لولاية الفقيه الثانية حسب رؤية الخوميني، فكان جزاءه الحبس في منزله وضربه وإحراق مكتبته إلى أن توفى سنة 86

هذا يعني أنه لا سلطات فعلية لمجلس الخبراء رغم انتخابه من الشعب، وأن القوة الأولى والأخيرة في إيران للمرشد، ولعل وجه الالتباس الثاني هذا هو المحفز الأكبر لصنع أعداء وخصوم لثورة إيران في الداخل والخارج.

أما وجه الالتباس الثالث هو أن ولاية الفقيه بهذا الشكل الخوميني حطّمت التصور الشيعي عن الدولة المأخوذ منذ عصر النبي، فالشيعة الإمامية لا يؤمنون بدولة إسلامية تطبق الشريعة سوى مع الإمام المهدي الغائب منذ 1100 عام، ووجهة نظرهم تقول أنه يستحيل إقامة دولة إسلامية عادلة سوى بالأئمة المعصومين، وبالتالي فالدولة الإسلامية الشيعية تحققت على مذهب الإماميين في عصر النبي ثم في عصر الإمام عليّ بن أبي طالب، ولن تتحقق سوى بعد نهاية الغيبة الكبرى وظهور الإمام المهدي، هنا الخوميني طبّق نموذجا سياسيا قضى فيه على ذلك التصور وانتصر لوجهة نظر القائلين بولاية الفقيه الثانية الذين سبقوه بعشرات السنين، ولم يتلفت للاعتراضات عليهم ككتاب آية الله "حسين النائيني" المعروف ب "تنبيه الأمة وتنزيه الملة" الذي صاغ فيه نظرية محكمة حول ضرورة فصل الدين عن الدولة وعدم جواز حُكم البشر غير المعصومين باسم المهدي.

وهذا الوجه محصور فقط داخل وجهة النظر الشيعية والخلافات بينهم كبيرة وبقيت آثارها بافتراق تام بين مرجعة النجف المعارِضة ومرجعية قم المؤيدة، لكن وبعد نجاحات الثورة الإسلامية في صد الغزو العراقي ثم صناعة دولة قوية تتحدى أمريكا بادر السؤال مباشرة عن وجاهة تلك النظرية في تأسيس دولة قوية، وتركوا النقاش الشخصي تماما في جدلية نهضة إيران العلمية والسياسية والعسكرية هذه وارتباطها بشخص الخوميني التي توافرت فيه صفات الزعماء الأقوياء من جهة وصفات الفقهاء الزاهدين الحكماء من جهة أخرى ..فضلا عن أخطاء وقصور أعدائه الذين احتلوا الكويت وسارعوا بتدمير أنفسهم ، ثم أصبحت تجربة إيران ملهِمة للجماعات الدينية كافة شيعية وسنية..برغم أن ما قاله الخوميني مسطور في كتب سيد قطب لكن برؤية أخرى سنية هي "الحاكمية"

لكن النموذج الخوميني الذي جمع فيه بين طبيعة الحكم الثيوقراطي وآليات الديمقراطية كان جديدا وفريدا في نفس الوقت، بغض النظر عن اعتراضي على الحكمة من هذا الجمع الذي سقته في البداية على شكل سؤال عن صلاحيات مجلس الخبراء في محاسبة المرشد أو عزله، بيد أن القوانين في جوهرها مختلفة عن روحها، فقد تخرج أرواح القوانين معارِضة لأهداف القانون أصلا مثلما صاغت مصر في الثمانينات قانون منع ازدراء الأديان لوقف الهجوم على المسيحيين وتقليم أظافر الجماعات الإرهابية، لكنه وبعد تطبيق روح القانون صار سيفا مسلطا على أي ناقد ومعارض للشيوخ في الأزهر والجماعات، وتضخمت ثروات ونفوذ رجال الدين المصريين أكثر بفضل هذا القانون الذي جعل للشيخ سلطة علوية مستقاه من التاريخ وكتب التراث الممنوع نقدهم بحجة الثوابت..

نفس الشئ حدث في الفكر السياسي السني، فهو عمليا يخلو من تنظيرات "وليّ الفقيه" سوى بضع شذرات غير مترابطة ولا تشكل قاعدة، لكن الذي حدث سنيا هو تحوّل منصب الخليفة لسلطة على النمط الشيعي في ولاية الفقيه..بل حسب الرؤية الخومينية نفسها التي جعلت الإمام فوق الزمان والمكان، وأقواله مقدسة معصومة من أي زلل، ومن يتابع ردود أفعال شيوخ المملكة السعودية الآن على قرارات بن سلمان الانفتاحية الخاصة بالمرأة يجد طاعة منهم عمياء للحاكم برغم تعارض تلك القرارات مع ثوابتهم الدينية وأوّلها صحيح البخاري الذي تضمّنت نصوصه منعا صريحا لسفر المرأة دون أقاربها الذكور ، فبرغم عدم أهلية بن سلمان لأمور الفقه والعلم لكنهم أطاعوه..ما بالك في حين لو جمع الحاكم بين صفات الفقيه والزعيم التي توفرت في الخوميني ما الذي سيحدث؟

أتصور أن السعودية لو حكمها شخصا من عجينة وصفات الخوميني سيصنع فورا دولة مختلفة وانقلابا جذريا في الفكر السني واجتهادات لضرب أسس وثوابت مذهب السنة بالعموم والسلفية بالخصوص، إنما الذي يحدث أن دولة الخوميني لكي تبقى فهي تقارن نفسها بدولة آل سعود ..ثم تبرز الفوارق الأخلاقية والمادية بينهما كارتهان آل سعود للقرار الأمريكي وفشل المملكة في إقامة نهضة صناعية وعلمية وأخيرا حرب اليمن..عزز ذلك شعبية الثورة الإسلامية في الشارع الإيراني وخلق تأييدا جارفاً لها يزداد مع كثرة التحديات التي تواجهها إيران على المستوى الخارجي بالخصوص، لاسيما أن خصوم إيران الآن ليسوا بالحنكة الدبلوماسية والمعرفية التي تُمكّنهم من كسب الشعب الإيراني لصفوفهم ويمارسون تعميما على المذهب والقومية الفارسية ليستفزوا قطاعات شعبية بسيطة رأت أن خصوم الثورة هم أنفسهم خصوم إيران والشعب.

أما عن مستقبل ولاية الفقيه ففي تقديري أنها ستمر بأزمة بعد رحيل "علي خامنئي لاعتبارين اثنين:

الأول: غياب شخصية قوية ومحورية يجمع عليها الإيرانيون الآن بعد خامنئي، وهذه أزمة تسبب فيها خامنئي نفسه بعدم التوصية للإرشاد من بعده لأي شخصية حتى الآن، وهذا يعني أنه لو مات خامنئي فجأة سيشتعل الصراع على الحُكم ربما يظهر بشكل بسيط أو عنيف حسب المتغيرات.

الثاني: غياب كافة الرموز الدينية والجيل الأول المصاحب للخوميني كمؤسس ، ويظهر خلاف بين الجيل الثاني كالذي حدث بين المسيحيين أعقاب موت الرسل والتلاميذ الإثنى عشر، وهي مرحلة لابد منها في مستقبل إيران طبقا لنظريتي السابقة التي فسرت بها مرور الدول والأفكار والأديان والفلسفات لثلاثة مراحل هي (النشأة – الصراع – التقليد) ويبدو أن الإيرانيين الآن في أواخر زمن النشأة.

أما عن شكل هذه الأزمة فالأحداث الدولية والحضارة المعاصرة ستفرض نفسها في النهاية على مجتمع إيران، بمعنى أن غياب نفوذ المرشد سيلحقه انتقالا تدريجيا لسلطاته إلى رئيس الجمهورية أو البرلمان، وبالتالي يختفي الجانب الثيوقراطي في دولة إيران شيئا فشيئا..وأما إذا جاء زعيما بنفس عجينة وطبيعة الخوميني وأراد العودة للنظرية كما فهمها وطبّقها الخوميني سيحدث صراع شديد جدا يتحدد بناءً عليه مستقبل إيران، إما إلى دولة دينية صرفة تقضي على كل جوانب وآليات الديمقراطية الموجودة وإما إلى دولة مدنية علمانية تقضي على كل جوانب الحكم الديني، ومن ثم يصبح الطريق مفتوحا لتغيير الدستور أو تعديله بما يتماشى مع مبادئ العلمانية.

فالمفهوم السياسي الحديث للحكم وإدارة الدول يستبعد تماما دور الدين ورجاله فيه، ولا يُسمح لأي فقيه أو عالم بتمثيل الناس شعبيا إلا إذا آمن بدستور الدولة العلماني ومارس السياسة وفقا لمبدأ فصل الدين عن الدولة، وفي النهاية سيفرض ذلك المفهوم العالمي نفسه على الجميع..ومهما حاولت الدول إنكاره لكنها ستمتثل له في النهاية، والناظر الآن في مجريات حركة التغيير السعودية يرى توق السعوديين أنفسهم للانفتاح وعدم إيمانهم بمبادئ وأفكار رجال الدين، وأن سكوتهم السابق لم يكن إيمانا منهم بجواز ونزاهة ما يحدث ولكنه السكوت المصاحب دائما لمبدأ التقية، نفس الشئ في إيران الذي انتخب شعبها حركة الإصلاحيين بقيادة روحاني..وعملا بمبدأ الميل الشعوري في الانتخابات يتبين أن الشعب الإيراني ليس متشددا دينيا ولا يرغب في أي دور لرجال الدين، لكنه مضطر لدعم ثورته الإسلامية لعوامل منها الأمن القومي وتحديات النووي وغيرها..

ويوجد مدخل حالي داخل ولاية الفقيه نفسها يمهد لنهايتها وهو "إيمان الوليّ بالمصلحة" ففي إيران يوجد مجلس "تشخيص مصلحة النظام" المسئول عن ترجيح المصلحة العامة للنظام الإيراني فيما لو تعارضت تلك المصلحة مع الشريعة الإسلامية، ومجمل عمل عناصر هذا المجلس في الاجتهاد الفقهي لبيان واستخراج ما يؤيد ميل النظام لترجيح المصلحة بالأدوات والنصوص الفقهية، وفي ظني أن هذا المجلس أهم المجالس الإيرانية بشكل مطلق من حيثية وقوفه على قاعدة الدين والحياه في نظر المتدينين وحل الإشكالات والمعارضات بينهم، وقد أضاف كثيرا لإيران ودبلوماسيتها كالمرونة السياسية وتشكيل التحالفات وكسب الأصدقاء فضلا عن استشعار الرأي العام والحكم فقهيا من خلاله، وهذا لو أنجز بشكل صحيح يربط فورا بين رغبة الشارع وأداء الحكومة.

هذا الإيمان بالمصلحة له جذور في الفقه السياسي الشيعي القريب من فكر المعتزلة بخلق الإنسان لأفعاله وابتعاده بشكل كبير عن نظريات الجبر، ولأن الشيعة بعمومهم مجتهدون أحياء لا يقولون بتقليد الأموات كي لا يصنعوا أزمة فقه بين حاضرهم وماضيهم مثلما يعاني الآن مذهب السنة القائل بالعكس، أي يقدس فتاوى الأموات عن الأحياء مما أثار نقمة كبيرة على شيوخهم في أعقاب ظهور الخلل والتعارضات بين الحضارة المعاصرة والفقه القديم.

تقليد الأحياء أضاف لولاية الفقيه بعد فلسفي مهم سلبي وإيجابي معا، الجانب السلبي هو أن التحسين والتقبيح وقتها سيكون حسب ذوق الوليّ الفقيه ومصلحته أيضا، بينما المصلحة حسب تعبير جون ستيوارت ميل أشمل من ذلك وتعني "تساوي مصلحة جميع أفراد الشعب من حيث القيمة والشكل" وأن الذي يحدد ذلك هو الدستور المفترض صياغته من مجموعات منتخبة من الشعب في العُرف الديمقراطي، وأظن أن قصور الخوميني هنا عن تعريف المصلحة هو نظرته للآخر، فهو يرى الآخر متآمر شرير أو جاهل ناقص أو ذكي خبيث ..عند الوجوديين أن الآخر هو جزء من الأنا له ذات واعية وإدراك متساوي مع إدراك الذات بل ويفوقه أحيانا، فيبقى أن التفاضل بين كل هذه التعاريف سيظل هو محل الخلاف الأبدي في حال الاستغناء عن الديمقراطية أو تفصيل مفهوم العدالة من جديد.

أما الجانب الإيجابي في تقليد الأحياء هو معاصرة الوليّ للمشكلات وحُكمه عليها وبناء تقديره للمصلحة بناء على مشاهدات حسية، بخلاف رؤية الأشاعرة مثلا الذين يرون تقليد الأموات كالحنابلة..تقديرهم للمصلحة حينها سيكون معزول عن المشاهدات الحسية فتصطدم مصالحهم مع الواقع ، وجذور ذلك في عدم تحرير الأشاعرة جدوى الفكر القديم وتقديسهم للرواه والمحدثين، وقد استفاد الأشاعرة المعاصرون من رؤية ديكارت في رؤية الحقائق بالأنا دون الحاجة للغير – خلافا لسارتر – وظنوا أن مجرد القول بالعقل هو عقلانية..برغم قولهم في ذات السياق أن الحقائق لا تُعرف فقط بالعقل بل بالشريعة معه على اعتبار أن العقل بمفرده ناقص، ولأن الأشعرية مذهب متناقض – سبق عرض تناقضه في نظرية الكسب ضمن محاضرتي عن المعتزلة في يوتيوب – جمعوا في النهاية بين رأيين هما تقديس القديم والجديد..ثم حل الإشكالات بينهما بالجمع والتوفيق..وهذا ما عليه الأزهر المعاصر..

ضف لهذا الجانب الإيجابي لتقليد الأحياء ما وصلت إليه إيران من قوة حالية أعتقد أنها لا تنفك عن مساعدة الآخرين لها، بمعنى أن إيران وولاية الفقيه ما كان لها أن تصل لهذه النتيجة المبشرة سوى بأخطاء وقصور ومساعدات الغير تعامل معها الوليّ الفقيه بمشاهداته هو لا باستدعاء نصوص القدماء للحكم عليها مما قلل من حجم الأخطاء الاستنتاجية..

فمثلا عندما غزا صدام حسين أراضي إيران بعد قيام الثورة بشهور، كان أصحاب نظرية ولاية الفقيه ضعفاء، لكن بعد اشتعال الحرب وبردة عكسية استفاد الفقهاء من مشاعر القومية والوطنية الإيرانية التي أضيفت لها مُكسِبات طعم بإحياء المظلومية الكربلائية ومخاطبة الوجدان الشيعي، كذلك خطأ أمريكا بحصار إيران الذي تم تسويقه في الداخل على أنه تكرارا لحصار وظلم الأنبياء من قبل، وبالنسبة لمساعدات الغير فالثابت أن روسيا والصين وبعض دول أمريكا اللاتينية ساهموا في تقوية نفوذ وليّ الفقيه بالتحالفات والمعاملات التجارية وتحسين صورهم في المحافل الدولية، فالأخلاق الإيرانية عموما استفادت من الدين والبراجماتية معا..وتلك معضلة فلسفية بحاجة لاهتمام أكبر لكشف العلاقة بين الدين والمصلحة أو الربط الأصلح بين المقدس والدنيوي.

أعود لوليّ الفقيه وأقول أن المعارضين لها يقولون أن مجلس تشخيص مصلحة النظام يعني أن الحكم في حقيقته ليس للدين بل للمرشد بحجة الدين، فلو كان يطبق تعاليم الله بشكل صحيح ما بحث عن المصلحة خارج النصوص الدينية، خصوصا وأن مصالح الناس الآن في معظمها لم يذكرها ولم تهتم بها المذاهب والفقهاء بشكل عام، نظرا لأن تلك المذاهب قديمة أصلا ولا علاقة لها بالواقع المعاصر، وبالتالي بحث الخوميني عن المصلحة سيكون في جوهره بحثا عن مصلحته هو لا عن الدين، والرد على ذلك من أنصار الفقيه أن الدين غايته المصلحة العامة في الأخير بتقرير فلسفي ظهر منذ زمان المعتزلة وتم إقراره وشرحه في الفقه السني عند الجويني والشاطبي، إذن فمحل الخلاف لم يعد المصلحة ولكن مصلحة من؟..والجواب في تقديري لا شأن له بعدالة القضية بل بقوة من يحكم..

بينما أظن أن هذا الإشكال الفلسفي يعود في أصله لعدم تحرير المتدينين – سواء مؤيدي ومعارضي ولاية الفقيه – العلاقة بين الأخلاق والقوانين مثلما أنجز ذلك فلاسفة أوروبا قبل 250 عام بتقرير العقد الاجتماعي، فما زال الفقيه السني والشيعي يؤمنان بأن الحرام الديني هو قبيح عقلا وأخلاقا والعكس صحيح في إيمانهم بحُسن وعقلانية الواجب، بينما اختلفوا فقط في الحلال أولويته وكراهيته، لاسيما أن كلا المذهبين الكبيرين يؤمنان بضلال المعتزلة عن الحق..والفقهاء الاعتزاليون هم الذين أصاغوا حُسن وتقبيح الأشياء عقلا دون الحاجة لنصوص، إذ بالعودة لتلك الصياغة نرى أنه لا قبول للشئ بمجرد حِلَه شرعا ولا رفض له لمجرد تحريمه، فالقاعدة التي يتحرك منها المعتزلة – وهي حدوث القرآن – يجعل من الحرام الديني عرضة للاجتهاد وتقييده في الزمان والمكان، بالتالي ليس مجرد تحريم لحم الخنزير أنه ضار بالصحة والأخلاق..

إن تشريع ولاية الفقيه هنا حسب الرؤية السنية والشيعية سيعطي الإمام قبولا عقلانيا وأخلاقيا معا بوصفه المُشرَع والحاكم الأول، نظرا لخلط المسلمين والعرب بين القانون والأخلاق وعدم تحرير الإشكالية بينهم سوى في إطار ضيق بين أروقة المحاكم وعن طريق فلاسفة قضائيون ماتوا وانتهوا منذ عشرات السنين، وبالتالي هذه العقلية القضائية التي استوحت تحرير العلاقة بين القانون والأخلاق لم تعد موجودة بعد التأثير الديني عليها بدءا من حقبة الستينات والسبعينات التي شهدت نموا كبيرا في الثقافة الدينية المتشددة، بدليل أن كل أو معظم الدساتير صيغت قبل هذه الفترة وما يظهر الآن من قوانين تمثل في جوهرها معضلة أخلاقية وفكرية يعاني منها المسلم بشكل عام جزاءً له على كفره بالعقل والحريات..

يحتج مؤيدي ولاية الفقيه أن بحث النظام الإيراني عن مصلحته بمجلس تشخيص مستقل ونافذ هو أمر بديهي تفعله كل الشعوب، الفارق أن إيران جعلت له مجلسا خاصا أما الولايات المتحدة فقد أنشأت له مجلس الأمن القومي الذي يفسر أي خطر على أيدلوجيا الرأسمالية والليبرالية الأمريكية على أنه ضد مصالح أمريكا، وكذلك المساس بنفوذ الطبقة الأوليغارشية الحاكمة هناك هو ضد مصالح الدولة..وأحيانا المساس بالنظام الرئاسي نفسه أو هوية وشخص الرئيس يصبح فورا تهديدا خطيرا على أمن الولايات المتحدة، فلا عيب إذن من بحث الإيرانيين عن مصالحهم وتفسير أي خطر على النظام الإسلامي على أنه خطرا على إيران..

هنا يضع المؤيدون فكرة النظام الإسلامي مقابل النظام الليبرالي الرأسمالي، وأيدلوجيا المقاومة المستوحاه من الزرادشتية مقابل الإمبريالية المستوحاه من غزوات البيض ورعاة البقر وطرد السكان الأصليين، صراع ثقافي شرحت بعض معالمه من ناحية إيران من قبل وقلت أن الشعب الإيراني معتز بثقافته القديمة ذات الأصول الزرادشتية، فبرغم تحوله للإسلام في القرنين السابع والثامن لكن جمع بين الهوية الزرادشتية والإسلام، فحصل على ميزة الصراع بين الظلمة والنور في الزرادشتية وميزة الصراع بين الحق والباطل في الإسلام..والجمع بينهما سمح بتفسير الباطل بالظُلمة..فكل ما لا ينفع العالم أصبح ظلاما باطلا..بخلاف شعوب أخرى ترى الباطل حسب توجه حكامها وحركة أعدائها.

هنا الإيرانيون يفكرون بشكل مختلف عن طريق رؤية عابرة للحدود بوصفهم مكلفين بكفاح الظُلمة، أي أن رؤيتهم للصراع تتجاوز مصالح ورؤية حكامهم..لذلك يخطئ كثير من العرب في الظن بأن الشعب هناك تابع للقيادة..الصحيح أن القيادة تستجيب لرغبة شعبها بالكفاح..وهذا سر من أسرار شعبية ثورة إيران برغم مرور 40 عاما من الحروب والحصار والمؤامرات.

شئ آخر أنهم يعتمدون في صراعهم للظُلمة على مبدأ (التوقع والحرب الخفيفة) الشعب الإيراني طوال تاريخه لم يقدم نفسه على أنه الأقوى..بل المكافح للأقوى..وهذا أعطاه ميزة الاستعداد والتوقع لما هو أسوأ، وكان سبب من أسباب قوة الإمبراطورية الفارسية القديمة، وفي منتصف القرون الوسطى قدموا أنفسهم كمكافحين للغزو العثماني، لاحظ أن قوتهم بدأت في الظهور بعد اكتساح العثمانيين للشرق الأوسط وشرق أوروبا..كانت بلاد فارس على وشك السقوط في الاحتلال العثماني، لكن مبدأ الكفاح هذا ساعدهم على مقاومة الأتراك ونجحوا في بناء قوة موازية إقليمية نافست العثمانيين عدة قرون.

قديما قلت أن لدى الشعب الإيراني تفسير حصري ومميز للمصلحة منذ العهد الإخميني..سمح لهم ببناء إمبراطوريات تاريخية وإلى الآن ينافسون على زعامة الإقليم، فهم يرون النور (مفهوم ديني) وليس مجرد ظاهرة فيزيائية، فالنور مثلما يبدأ خفيفا في الصباح ليقاوم الظلام عليهم أن يظلوا بنفس الخفة لمقاومة الظلام، وهذا تفسير لتبنيهم مبدأ الحرب الخفيفة التي تؤثر أكثر مما تقتل..لاحظ أنهم قتلوا من العراق تقريبا نصف أو أكثر قليلا مما وقع منهم في الثمانينات..ثم انتهت الحرب بتكافؤ وانسحاب عراقي كامل من أرضيهم، ومن يتذكر حرب حزب الله مع إسرائيل عام 2006 تبنى نفس المنهج وكان مؤثرا جدا، ليس لمعرفة حزب الله بالزرادشتية بل لأنها ثقافة فارسية تعلمها دون البحث في جذورها فلسفيا.

ولاختصار هذه النقطة فالنور يراه الفرس عارضا للظلام وليس العكس، أي أن الأصل في العالم هو الشر، وعلى الإنسان أن يكافح تلك الشرور ما دام حيا، وبالتالي فكرة شيوع الخير العالم ليست واردة عند الفرس سوى في نهاية العالم وهو ما ينطبق على رؤيتهم لولاية الفقيه والمهدي..لذلك تعايشوا مع فكرة المهدوية الإسلامية ومن قبلها المخلص "أشيزريكا" الذي بشر به زرادشت آخر الزمان، لذا عندما أسمع بعض العرب يشتمون أو يكفرون الإيرانيين ليجبروهم على التراجع أشعر بالسخرية والشفق عليهم..فهم يثبتون للفرس صدق رؤيتهم وأن هؤلاء أيادي للظلام الدولي الممثل في أمريكا وحلفائها.

وبالمناسبة فكرة المهدوية هذه تعطي إيحاء نفسي بأن التاريخ خطي..أي حتمي، فكل ظلم له نهاية..وكل شر نهايته خير، وهذا يُكسِب الروح طمأنينة وسكينة داخلية وعدم استشعار بالخطر، فالفرس حقيقة لا يشعرون بالخطر من الظلام..لأن نهايته محتومة، ويؤكد ذلك تبشيرهم بنهاية إسرائيل فهذه الدولة لديهم تمثل عنصر الظلام الدولي في المنطقة، وأن عليهم كما يكافحوها سياسيا وعسكريا عليهم أن يكافحوها نفسيا عبر تذكيرهم بنهايتهم المحتومة، ولعل البعض لا يدرك مدى تأثير هذه البُشرى نفسيا عند الإسرائيليين..فهم أشد كراهية لإيران من أي عربي يعتقد أن الصراع محصور بين مسلم ويهودي.

لا شك أن تطور الثقافة الإيرانية حدث بالتراكم وليس بالإلغاء..فلم يحدث أن ألغى الإيرانيون معتقداتهم التي كانوا عليهم منذ آلاف السنين، بل يدخل الدين الجديد فيمتزج مع القديم بإضافة بعض عناصره..وهذا يفسر غياب معتقد "عذاب القبر" عند الإيرانيين كون العذاب الأخروي يحدث في عالم مفارق حسب التعاليم الزرادشتية والموافقة لتعاليم القرآن، بينما نجد ذلك المعتقد عند المصريين الذين ورثوه من أجدادهم القدماء في محكمة الموتى، مع استبدال أوزوريس بالله وأنوبيس بمنكر ونكير، فضلا عن التأثير اليهودي إبان فترة سكنهم بمصر وعدم تصورهم للآخرة والقيامة وأن الحساب مستحق في عالم محسوس غير مفارق قبل تجديد الفيلسوف موسى بن ميمون لذلك المعتقد.

لكن هذه الثقافة لا زالت متأزمة نتيجة شيوع الحديث والأخبار ونبذ الاجتهاد الذي تحقق بإنجاز ولاية الفقيه وغير مسموح بالنظر فقهيا فيها، وتلك علامة من أزمات العقل الإسلامي بالمجمل لاسيما أن فكرة الاعتذار عن الماضي لم ترد بعد في مخيلة المسلمين، خصوصا السنة الذين حكموا طيلة 1400 سنة وعندما ظهرت دولة شيعية قوية في إيران عادوها وذكّروا الناس بأجدادهم ومشروع الدولتين الفاطمية والقرمطية اللتان تبنتا المذهب الباطني، وهنا كالوا التهم للإيرانيين بالباطنية ووصفهم بالملاحدة كالعادة، رغم أن كثير من فقهاء السنة كانوا باطنيين كالإمام الغزالي في إحياء علوم الدين والشهرستاني في "مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار" فضلا عن عدم إدراك فقهاء وزعماء السنة للعقلية الشرقية التي لا تؤمن بمادية العالم وترى الأديان من منظور روحاني باطني غنوصي في الأعم الأغلب.

أختم برأي مالبرانش عن تعريفه للأنا والغير بأنه يستحيل على الأنا معرفة أحاسيس وانفعالات وأفكار الغير لعجزها عن رؤية ذلك في النفس البشرية حسيا، وأن كل أحكام البشر عن الآخرين هي مجرد تخمينات لا يقينيات، وهذا العرض لجدلية وليّ الفقيه هي محاولة لفهمها ونتائجها بعرض رؤى المؤيدين والمعارضين وتحليلها فكريا، وقد فضّلت مناقشة تلك الجدلية فلسفيا دون التعرض لجدلية من نوع آخر بين الدين والدولة، وفي رأيي أن تلك الجدلية الأخرى أهم وحاسمة في تقرير العدالة ورؤية المصلحة، فطالما أن ولاية الفقيه مبدأ سياسي إذن هو يتعلق بحكم الناس واتخاذ مواقف تشاركية وعاطفية وعدائية مع كل مكونات المجتمع لبداهة الاختلاف، وأن ما كان يجب عليه وليّ الفقيه في حده الأدنى أن لا يتورط في السياسة لكفره بالتكامل وازدراء النقص والعيوب عند الآخرين بينما يؤمن بالتفاضل وتقديم نفسه كممثل حصري ووحيد عن الدين.

لكن سيظل وليّ الفقيه في ذاته إشكالية فلسفية وأخلاقية لتعلق سياساته الإيرانية بمبدأ المقاومة والتضحية، فعند أوجست كونت مثلا يرى أن نكران الذات والتضحية هو مقدمة لنتيجة حتمية وهي شيوع قيم التسامح والمحبة، لذا من الطبيعي أن يرى خصوم إسرائيل وأمريكا إيران كدولة متسامحة محبة أيا كانوا علمانيين أو أصوليين..مؤمنين أم ملحدين، فالموقف العاطفي أسبق في تقرير حقائق العقل هنا، وهذا أساس تلك الإشكالية لوليّ الفقيه..أن نجاحه في تجاوز الأنا هو في حد ذاته فضيلة إنسانية عابرة للحدود تجذب إليه الحلفاء بغض النظر عن طبيعته أو تحسينه وتقبيحه عقليا بأسلوب المعتزلة، وأكتفي أن هذا التجاوز للأنا سيكون مؤقت تبعا للنظام الحالي للوليّ الذي سينتهي مع خامنئي كما تقدم، أما لو طال هذا التجاوز ونجح الإيرانيون في خلافة خامنئي دون إنكار ثوابتهم فأظن أن لإيران شأن آخر في عالم المستقبل سيجبر الجميع على إعادة النظر على الأقل في رؤيتهم للمجتمع الإيراني وإمكانية الفصل بين وليّه الفقيه وبين تجارب الآخرين..خصوصا العرب.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,512,687,618
- حتمية البروباجاندا السوداء
- رحلة نقدية في سيكولوجيا المرأة
- نظرية المصيدة
- معضلة التحيز الديني..القرآنيون نموذجا
- العلمانية وأزمة مفهومها التآمري
- لماذا فشل العرب والأمريكيين في التواصل مع إيران؟
- بساط الريح..وخرافات القرطبي
- حديث خير القرون ونظرية التطور
- هل الإسلام بعث للعالم أجمع أم للعرب فقط؟
- ليبيا الموحدة ليست مصلحة مصرية
- التصعيد الإعلامي والديني لن يحل مشكلة اليمن
- الشروط العشرة للتأثير والحوار
- حكم ضرب الزوجة في الإسلام
- معضلة الأخلاق والسلوك في العقائد
- هل يعتذر المسلمون عن تاريخهم ؟
- ديكارت في مواجهة الإخوان
- ضغط عالي..والسينما الهادفة
- معنى الإلحاد في القرآن
- مصر وإيران..اللقاء الصعب
- فضيلة الشك


المزيد.....




- -ليست أكذوبة-... الحكومة السودانية تتحدث عن -دولة الإخوان ال ...
- تحالف المعارضة الماليزية يتعهد بحماية الملايو ومكانة الإسلام ...
- ترامب يؤكد مقتل حمزة بن لادن في عملية عسكرية
- بعد تسريبات صحفية.. ترامب يؤكد مقتل حمزة بن لادن نجل زعيم ال ...
- بعد تسريبات صحفية.. ترامب يؤكد مقتل حمزة بن لادن نجل زعيم ال ...
- الرئيس الأمريكي يؤكد مقتل ابن زعيم القاعدة السابق بن لادن
- ترمب يؤكد مقتل حمزة بن لادن على الحدود الأفغانية- الباكستاني ...
- ترامب يؤكد مقتل قيادي القاعدة حمزة بن لادن في عملية للجيش ال ...
- ترامب يؤكد مقتل حمزة بن لادن في عملية نفذتها الولايات المتحد ...
- ترامب: مقتل حمزة بن لادن في عملية أمريكية لمكافحة الإرهاب


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامح عسكر - جدلية ولاية الفقيه..رؤية نقدية