أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نافع شابو - انتشار المسيحية في عهد الأمبراطورية الساسانية قبل ظهور الأسلام ج2















المزيد.....



انتشار المسيحية في عهد الأمبراطورية الساسانية قبل ظهور الأسلام ج2


نافع شابو

الحوار المتمدن-العدد: 6309 - 2019 / 8 / 3 - 14:12
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


انتشار المسيحية في عهد الأمبراطورية الساسانية قبل ظهور الأسلام ج2
نافع شابو
مقدمة
هدفنا في هذه السلسلة من المقالات هو لتعريف الباحثين المسلمين خاصة والناس المسلمين البسطاء عامة على حقائق تاريخية غائبة عن غالبية المسلمين في العالم العربي والأسلامي ، وهي أنّ العقيدة الأسلامية لها جذور عميقة متأثرة بالديانات السابقة لها وخاصة اليهو – نصرانية والنسطورية والزرادشتية والمزدكية والبوذية وحتى الديانات الوثنية العربية قبل الأسلام . وسبق أن كتبنا سلسلسة مقالات عن " الأسلام الأول كان طائفة نصرانية " يمكن الرجوع اليها . ومن خلال دراستنا لتاريخ الكنيسة الشرقية وما كتبه الباحثون وسجلّه رجال الدين المسيحيين والمستشرقين عن حالة المسيحيين في العهد الساساني منذ انتشار المسيحية في هذه الأمبراطورية في بداية القرون الأولى للمسيحية الى سقوطها في عام 652م ، عندما استطاع العرب اسقاط هذه الأمبراطورية في زمن اخر ملوكها يزدجرد الثالث ، بالتعاون مع قبائل عربية كانت غالبيتها قبائل نصرانية . لم نسمع عن وجود علماء مسلمون متخصصون في تاريخ الأديان لبحث علاقة الأسلام بالديانات ألأخرى ، ولازال المسلمون يحاولون طمس هذه الحقائق التاريخية ومحاربة كُل من يحاول التنقيب او البحث عن الحقيقة الغائبة عن معظم المسلمين اليوم . اليوم تنقيبات آثار للكنائس والأديرة في دول الخليج العربي وخاصة في قطر والبحرين (والسعودية تحاول اخفائها ) والأهواز، والعراق وخاصة في الحيرة ( الكوفة والنجف حاليا) خير شاهد على انتشار المسيحية (النسطورية والمونوفيزية ) في المشرق العربي.
يقول لويس شيخو في كتابه (اشهر الديانات في الجزيرة العربية قبل ألأسلام )
تأصلت المسيحية في الرها ونصيبين واربيل ( كلمة اربيل تعني "اربا ايلو" اي الآلهة الأربعة باللغة السريانية) وجنديسابور وسلوقية التي أصبحت مركزا لبطاركة "النساطرة" . ومن هناك انتشرت في بلاد البحرين وعمان ، وتحوّل الكثير من عرب الحيرة الى المسيحية وعُرفوا ب"العباد". وقد دان بالنصرانية بعض قبائل العرب النازلة بجوار الحيرة وبلاد الشام ، منهم غسان وتغلب وتنوخ ولخم وجذام وسليح وعاملة .
كما كان للهاربين من المملكة البيزنطية ، بسبب الأضطهاد "الهرطقي" فضل كبير في نشر المسيحية في البلاد العربية . وفي القرنين الرابع والخامس للميلاد امتدت جذور المسيحية الى أقصى جنوبي غربي الجزيرة العربية ، الى اليمن . فقد أشار تاريخ الكنيسة الى أنّ الأمبراطور "قسطنطين " قد أرسل في عام 320 م تيوفل الهندي ، الى اليمن الى "الحميريين" . وقد نجح هذا الرسول واستطاع ان ينصر رئيس القبيلة على الطريقة لآريوسية . أما النساك ساكنوا القفار ، والرهبان ، فقد استطاعوا تنصير الكثير من القبائل العربية البدوية .
السؤال الذي يطرحه الباحثون والمؤرخون المعاصرون اليوم هو متى ظهر ألأسلام كعقيدة ؟وهل ألأسلام أوجد ألأمبراطورية العربية أم ان ألأمبراطورية العربية اوجدت ألأسلام ؟ . والأجابة على هذا السؤال هو موضوع معظم ألأبحاث المعاصرة .
لقد إطلعنا على مئات العملات ألأموية حكاما وولاة فلم نجد ولا أي دليل واحد فيها على أنهم كانوا مسلمين على الطراز العباسي المعروف لنا اليوم !!!
راجع تاريخ ألأسطورة وألأديان الحلقة 128
https://www.facebook.com/263584180658649/posts/884977661852628/
وهذا يعني أنّ بدايات الأسلام لم يكن غايتها تأسيس دين جديد بل كانت حروب شارك فيها مختلف القبائل العربية اليهو- نصرانية والنسطورية وحتى الوثنية للتحرر من ظلم ألأمبراطوريتين الساسانية والبيزنطينية . وما الأسلام الذي نعرفه اليوم سوى ألأسلام العباسي الذي اُسَّسه العباسيين وأغلبهم كانوا من آسيا الوسطى (لم يكونوا عربا) بعد 150- 200 سنة ، كما جاء في الأبحاث والأكتشافت المعاصرة .
إنتشار المذهبين النسطوري* والمنوفيزي** في المشرق.
في عهد ألأمبراطور البيزنطي تيودور عُيّن نسطورس رئيس اساقفة القسطنطينية سنة 428م . وكان هناك انقسام في الكنيسة المشرقية الى جهتين :ألأولى تؤمن ان مريم العذراء هي ام الله . امّا الجهة الثانية كانت تؤمن أنّ مريم العذراء هي ام يسوع الأنسان
ولكن نسطورس وبسبب حرصه على توحيد الكنيسة أراد ان يكون وسط بين المعتقدين إذ قال أنَّ مريم العذراء هي أمّ المسيح . والجدال بعد ذلك صار في طبيعة المسيح ، من هو المسيح ؟ كيف يكون هو انسان واله ؟ هكذا دخلت الكنيسة في دوامة من المصطلحات والتعابير البشرية ..
وبسبب الصراعات السياسية في كل من الأمبراطورية البيزنطينية وعدوتها الفارسية ، صراع نفوذ ديني سياسي بسبب انتهاج كل منهما نهجا مخالف حول" طبيعة المسيح ". وهذا ما سنكتشفه في دراستنا لتاريخ الكنيسة المشرقية في عهود ملوك الساسانيين.
هناك معلومات نستقيها من مؤرخين ، أمثال كتبة "المجدل " وغيرهم ، ومن المؤرخين المنوفيزيين أمثال سمعان الأرشمي الذي كتب عن دخول المذهب النسطوري وإنتشاره في المنطقة الفارسية . وكان سمعان الشاهد العيان لهذا الأنتشار ، لأنه كان أسقفا على بلدة ارشم غير البعيدة عن العاصمة الساسانية .وهناك احداث سياسية دينية جرت في المنطقة الشرقية وكان لها دور هام في توجيه ألأمور فيها . ونخص بالذكر منها :
اضطهاد يزدجرت الثاني للمسيحيين (438-457)
هو ابن بهرام الخامس . وكان رجلا متقلِّبا . ومع كونه توصل في مقارنته للديانات الى الأستنتاج أنَّ المسيحية هي أسمى الديانات ، فقد شن عليها ألأضطهاد بين الفين والفينة .
[هذا ماحدث في تاريخ الخلفاء المسلمين ، وحتى في هذا العصر، حيث كانت حالة المسيحيين تعتمد على حكم الخليفة في طريقة تعامله مع المسيحيين ، فاحيانا كثيرة كان المسيحيّون يمرون بفترة هدوء وسلام بسبب تعامل الخليفة معهم بسلام ، ولكن كان في معظم ألأحيان هناك تحريض من شيوخ وائمة المسلمين للضغط على الخلفاء لأضطهاد المسيحيين في الشرق في زمن الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين وصولا الى العثمانيين . وتاريخ شهداء المسيحيين مدوّن عند المستشرقين والكنيسة وحوليات بعض ألأشخاص المسيحيين ] .
يزدجرت الثاني جاء الى الحكم بعد موت أبيه بهرام . ويقول عنه تاريخ شهداء كرخ سلوخ(كركوك حاليا) أنّه كان في البدء يعطف على المسيحيين ، ولكن بعد سبعة سنين انقلب عليهم مضطهدا ، وأبتدأ في البدء بقتل إبنته التي اعتنقت المسيحية والتي كانت زوجته ايضا.
[ قد يبدو هذا غريبا على الكثيرين ولكن الزرادشتيين كانوا يتزوجون القريبات وكان زواج المحارم مستشري في الأمبراطورية الساسانية وخاصة بين المزدكيين . وسيتأثر الأسلام لاحقا بهذه العقيدة ، وهذا ما اشار اليه عبدالمسيح الكندي في رسالته الجوابية الى عبدالله الهاشمي ابن عم الخليفة مأمون العباسي].
ثم بدأ هذا الملك باستقصاء المسيحيين من وظائف الدولة المرموقين والرتب العسكرية الرفيعة . ونظّم حملة ضدهم وجهها الى كرخ سلوخ بقيادة "طهمزجرد" وأوصاه بأن يدعو المسيحيين الى جحود دينهم والسجود للشمس والنار والماء وإلاّ فينزل بهم أشد العذابات.
[ السؤال ما الأختلاف بين ما قام به ملوك الزرادشتيين مع ما قام به محمد نبي المسلمين والخلفاء من بعده ؟ الم يخيّر محمد رسول المسلمين المسيحيين بين ثلاثة اختيارات احلاها مرة وهي:اما ألأسلام أو دفع الجزية أو القتل كما في سورة التوبة 29 ؟
الم يقضي محمد على النصارى واليهود في شبه الجزيرة العربية ؟ الم يطبق عمر بن الخطاب حديث محمد "لايجتمع دينان في الجزيرة العربية " ؟. وفعلا لم يبقى المسيحيين في هذه البقاع الى يومنا هذا . هكذا قام عبدالملك بن مروان بطرد المسيحيين من مناصبهم وفرض الجزية عليهم ، كما يقول يوحنا الدمشقي في كتابه "الهرطقة المائة ". والقائمة طويلة لا مجال لذكرها في هذه المقالة ].
نشر ألأب بيجان أعمال الشهداء في عهد يزدجرد الثاني في كتابه "سيرة الشهداء" . وقد ورد في هذا الكتاب أنّ جنود "طهمزجرد" قبضوا على المطرافوليط يوحنا وعلى عدد من ألأساقفة والأشراف ، وأعدموهم في 24 آب سنة 446م ثم تبعتهم جموع غفيرة من المسيحيين الى ألأستشهاد . وقد أثّر هذا ألأندفاع في نفس "طهمزجرد" فإذا به ينضمّ الى دين المسيحين ويعلن تنصره بشجاعة . ولم يثنه عن عزمه وعيد يزدجرد ولا وعوده . وأخيرا مات معلقا على الصليب .
[وهذا ما حدث ايضا في الأمبراطورية الرومانية الوثنية في القرون الثلاثة الأولى للمسيحية عندما كان الأباطرة الرومان يرمون المسيحيين الى الوحوش في الملاعب الرومانية وكان المسيحيون يتسابقون في الشهادة فرحين . وبسبب ذلك دخل الملايين في الديانة المسيحيية ومن الأسر العريقة والفلاسفة والناس البسطاء ، عندما شاهدوا هؤلاء المسيحيين المسالمين الذين لم يفعلوا شرا سوى كونهم يدعون الى المحبة والسلام والصلاة حتى لأعدائهم كما علّمهم يسوع المسيح . هكذا كان ايضا حالة مسيحيي الشرق في عهد الخلفاء الساسانيين ، وسار على نهجهم الخلفاء المسلمين بتحريض من رجال الدين ] .
بعد موت الجاثليق داد يشوع سنة 457 م ، أُنتخب بابوي سنة 457 جاثليقا وهو من اصل فارسي ، وذلك في عهد الأمبراطور الروماني مرقيان (450-457) والملك الفارسي هرمزد الثالث الذي لم يدم حكمه سوى سنتين (457-459) ، ثمّ خلفه الملك فيروز .
الملك فيروز(459-484)
ما ان اتى الملك فيروز ابى الحكم حتى اضطهد كل الذين كانوا موالين للملك السابق هرمزد الثالث أو من الذين اعتلوا بعض المناصب في عهده . وكان بابوي من جملة الذين غتقلوا بأمر الملك ، وظلّ رهن الأعتقال سنتين بحسب ماري وسبع سنين بحسب صليبا . مهما يكن من امر فقد ظل في السجن حتى 464م حيث عقدت معاهدة صلح بين الروم والفرس فأُخلي سبيله ...ولكن حياة بابوي لم تخلُ من الصعوبات . فقد اصبح له السجن مدعاة للأفتخار وأعتبر نفسه شهيد الأيمان . فاستولى عليه الجشع وأهمل القوانين الكنسية . وفي مقدمة الساخطين عليه كان برصوما الذي عرف أن يكتسب تأييد كثير من ألأساقفة أقرانه ، فالتفتوا حوله وعقدوا في نيسان سنة 484م مجمعا في بيت لافاط عاصمة هوزستان . ومن بين الذين تضامنوا معه كان يوحنا من بيث سلوخ ومعنا من روارداشير مع رؤساء أبرشيات ليدان وفارس وبيث كرماي وميشان وعيلام ، يؤازرهم في حركتهم هذه العلماء المتخرجون من مدرسة الرها الذين معظمهم كانوا زملاء لبرصوما النصيبيني . وتراس المجمع برصوما نفسه . وقرر المجتمعون اسقاط الجاثليق بابوي". ومن جملة قرارات المجمع أنّه حرّم "هرطقة" المنوفيزيين و"كل من لايقبل كتب تيودوروس المفسر الممتلئة حكمة وصابا "(اي النسطورية ). وسمح المجمع أيضا للكهنة والرهبان وألأساقفة أن يتزوجوا ان لم يقدروا أن يضبطوا انفسهم ..
ولم يقف الجاثليق بابوي مكتوف اليدين أمام هذه ألأجراءات . بل عقد هو ايضا مجمعا في المداين ضم ألأساقفة الموالين للكرسي الجاثليقي ، وكلهم من ألأبرشية البطريركية . وهم ميهر نرسا أسقف الزوابي ، وشمعون أسقف الحيرة وموسى اسقف فيروز شابور (ألأنبار) ويزدجرد أسقف بيث داراي ودانيال أسقف كرمي (القريبة من تكريت) . وحرموا هم ايضا برصوما والموالين له في مجمع بيث لافاط.
وقد زعم البعض أن هذا المجمع البيلافاطي هو الذي قرّر مصير الكنيسة الشرقية وبتَّ أمر تبنّي المذهب النسطوري فيها . ولكني (قول كاتب تاريخ الكنيسة البير ابونا) أرى في هذا القول كثيرا من المبالغة .نظرا الى كون هذا المجمع ضيق النطاق ، إذ أنّه لم يضم إلا بعض ألأسقفة الموالين لبرصوما ضد إرادة الجاثليق الذي كان يُعتبر بحق رئيس الكنيسة الشرقية وإليه يعود أمر تقرير مصيرها .ثم ان برصوما نفسه نقض وأبطل هذا المجمع بعد أشهر قلائل ، حينما وجّه رسائله ابى الجاثليق الجديد آقاق ،واستنكر ما جاء فيه من ألأقوال النابية بحق الجاثليق بابوي المتوفي . هذا بالأضافة الى ان هذا المجمع لم يحتو على اي تجديد عقائدي ولم يسنّ قانونا بقي نافذ المفعول . ما خلا ذلك الذي ايده المجمع العام الذي عقده الجاثليق باباي سنة 497م من السماح بتزويج الكهنة والأساقفة وحتى الجاثليق نفسه .
لكن برصوما النصيبيني لم يقف عند هذا الحال .بل أخذ يتحين الفرص للأيقاع بالجاثليق الذي ثقل عليه ظله .فأراد التخلص منه بأية وسيلة كانت .ووجد الفرصة مؤاتية حينما قبض على رسالة أنفذها الجاثليق الى ألأمبراطور الروماني زينون فيها يستنجده ليتدخل في تلطيف الجوعلى المسيحيين في المملكة الفارسية ...فلمّا قُرأ الكتاب بحضرة فيروز وفسر الى الفارسية أغتاض وقال فيروز للجاثليق ، أنت مستحق القتل لأنّك سميت مملكتي الجبارة أثيمة ..خطأك أعظم من ان يُغفر ، إن كان ما ذكرته من محبتك (للملك والمملكة ) صحيحا فاسجد للشمس لأعلم حقيقة ذلك . فامتنع الجاثليق . فامر الملك فيروز بأن يعلّق الجاثليق على خشبة باصبعه التي فيها الخاتم المختوم به الكتاب .فعُلّق بخنصره خارج المداين الى أن مات.وأخذ جسده قوم من الحيرة ودفنوه بها وكُتب اسمه مع الشهداء . وتُضيف قصة حياته قائلة :"لأنّه صُلب بدافع بغض المجوس وبني شعبه ". والأشارة ههنا واضحة الى برصوما والذين آزروه في حملته ضد الجاثليق بابوي .وقد حدث هذا بعد مجمع لافاط بمدة وجيزة ، اي قبل موت الملك فيروز الذي جرى في صيف سنة 484م وكانت مدة بابوي في الجثلقة 27 سنة .
كان الملك فيروز صديقا لبرصوما مطران نصيبين .ألأ أنّه في سنته ألأخيرة حذَّر من ألأعتراف بغير الديانة المجوسية وأمر بأن يُسمّى النصارى الشمس إلها والماء والنهر والكواكب أولاد الآلهة [وقد اخذ العرب قبل الأسلام هذه العبادات من الزرادشيتية ايضا لابل ظلّ اله القمر والذي يرمز له الهلال فوق مآذن الجوامع هو شعار المسلمين في اعلامهم الى يومنا هذا ، كما تدل عليه الأبحاث المعاصرة ]
المضايقات للمسيحيين لم تدم في عهد هذا الملك الا وقتا قصيرا .
الملك بالش(484-488)
هو ابن الملك فيروز ويسمّيه التاريخ السعردي ميلاس . أبدى رفقا بالمسيحيين وسمح لهم باعادة بناء كنائسهم . وفي عهده نال الجاثليق آقاق حظوة عند هذا الملك الذي أرسله بسفارة الى ألأمبراطور الروماني زينون .
حدثت اضطرابات وخصومات في الكنيسة المشرقية ولكن لم تحل دون انتشار الديانة المسيحية في هضبات ايران وبين ألأكراد حيث إندفع المسيحيون الى بذل دمائهم في سبيل المسيح .. وفي هذه الفترة اكتسب المنوفيزيون(اصحاب الطبيعة الواحدة للمسيح) في المنطقة الروماناية ، وبدأوا يتسربون في المنطقة الفارسية أيضا ..وافلحوا في تنظيم صفوفهم بين القبائل العربية المتاخمة للأمبراطورية الساسانية (مثل الغساسنة وغيرهم من القبائل). وكان بعض ألأباطرة الرومان يساعدونهم أيضا ، أمثال الملك زينون في مرسوم ألأتحاد أو المصالحة "هينوتيكون " الذي أراد فرضه على النساطرة . وحتى في المجمع الذي عقده باباي الجاثليق للكنيسة المشرقية سنة 497 م
الملك قباذ (488- 531 )
بدأت الخصومات بين الجاثليق آقاق وبرصوما مطران نصيبين واتباعهما منذ السنة الرابعة لقباذ(اي 491) م حتى السنة الثانية لملك زاماسف (أي سنة 497) . ولكنه في الواقع قد وافت المنية برصوما قبل سنة 497. إذ اننا نرى سنة 496 شخصا آخر يشغل كرسي نصيبين وهو "هوشع" . ولحقه آقاق الى اللحد بعد مدة قصيرة ، بعد ان شغل كرسي ساليق نحو اثنتي عشرة سنة (484- 496).
إنّ العلاقات الحسنة التي كانت سائدة بين المملكة الفارسية والكنيسة الشرقية في عهد الجاثليق آقاق(الفارسي الأصل) استمرت في عهد خلفه أيضا ، رغم الظروف السياسية الحرجة التي اجتازتها البلاد . فإنَّ قباذ ألأول ، الذي خلف بالش سنة 488
على عرش ألأمبراطورية الساسانية ، أراد أن يطبق فيها بعض النظريات المزدكية [نسبة الى شخص يدعى مزدك في هذا العهد وناضل في سبيل فرض النظرية الداعية الى الأشتراكية في ألأموال والنساء وستكون لهذه العقيدة تاثير كبير على العقيدة الأسلامية لاحقا حيث مارس رسول المسلمين ومن بعده الخلفاء الراشدين الطريقة المزدكية في تقسيم الغنائم والنساء اثناء الغزوات المذكورة اصلا في التراث الأسلامي وهذا موضوع مهم في العقيدة الأسلامية التي انبثقت من الفرس الساسانيين كما قلنا وتأثير المزدكية واضح ايضا على العقيدة الأسلامية ، كما جاء في ألأبحاث المعاصرة ].
.راجع تاريخ الأسطورة والأديان الحلقة 49 بعنوان "أنبياء فارس الذين أثروا في الأسلام، النبي مزك .
https://www.facebook.com/263584180658649/posts/458318377851894/
المجوس حاربوا قباذ الملك ولم يرضوا بما قام به ، فعملوا على عزله وإقامة أخيه"زاماسف" بن فيروز مكانه في الحكم ، وكان زاماسف عطوفا على المسيحيين .. ولمّا كانت الديانة المجوسية مهدّدة بالأنهيار أو التفسُّخ تحت تأثير المُحدثين ألذين إندسّوا فيها ودعوا الى عوائد جديدة (المزدكية ) ، فقد أراد الملك ان يسانده المسيحيّون في مقاومة دعاة الشر في الديانة المجوسية ، فوجّه الجاثليق آقاق مرسوما يقضي باستدعائه الأساقفة الخاضعين له الى مجمع لكي يجروا اصلاحا بشأن الزواج الشرعي وإنجاب الأولاد ويفرضوه على ألأكليروس(رجال الدين المسيحيين) في البلاد كُلّها . لذا اجتمع ألأساقفة في ساليق في تشرين الثاني سنة 497م . ومن ضمن قرارات هذا المجمع :
1 – أيّد ما جاء في مجمع برصوما النصيبيني في بيث لافاط سنة 484 م بشأن زواج الأكليروس ، وأجازه للباطريرك نفسه وحتى آخر شخص في الدرجات المقدسة .
2 – الغى المجمع ما تراشق به أصحاب الجاثليق آقاق وأنصار برصوما من التهم والحروم منذ سنة 491حتى سنة 496 م . وفرض المجمع إحراق كل الوثائق الخاصة بهذه الفترة .
3- أقرّ المجمع كل القوانين التي سُنّت في مجامع ألآباء ألأقدمين والتي تهدف الى كرامة الكرسي الرسولي لكنيسة كوخي الكبرى وعن اولويته (وهذا يعني عدم اللجوء الى أنطاكية والغرب، أي انفصال الكنيسة المشرقية عن كنيسة انطاكية والغرب . [ الكنيسة المشرقية ، امتدت من شرق الفرات الى الهند والصين ].
[بعض الدراسات الحديثة الغير المؤكدة تقول: ان الفرس قد تحوّلوا الى العقيدة النصرانية التوحيدية ألأبيونية (اليهو- مسيحي) النسطورية منذ القرن الخامس الميلادي ، والذي أسّس العقيدة المسيحية النسطورية الفارسية وأعطاها الرموز والصبغة الفارسية هو "برصوم النصيبيني" الذي جاء ذكره في تاريخ الكنيسة كما ذكرنا اعلاه ، وهو الذي -بحسب ألأستاذ محمد الرّوحي- كان هو من أحل زواج ألأساقفة وفكرة الجهاد وجعل المسيحية الفارسية (النصرانية التوحيدية ذات الصليب المربع) مختلفة تماما عن المسيحية الرومانية البيزنطية (التثليثية ذات الصليب المستطيل ) وأعطاها الطابع الفارسي .]
كان النصف الأول من القرن السادس فترة ركود للكنيسة الشرقية عمت فيها الخصومات والمنافسات على السلطة ، وقلّ ألأهتمام بالشؤون الدينية ، وأُهملت القوانين والمشترعات ..وظلّت الكنيسة تئن وترزح تحت وطأة الفوضى نحو أربعين سنة . ففي سنة 498 م أزاح قباذ زاماسف عن الحكم وتولى زمام ألأمور بنفسه . غير أن الخبرة علمته أن يستند الى رؤساء الدين المجوسي وإلى ألأشراف وأن يكتسب مساعدتهم . ولكي يلهي الشعب ، زجه في حرب ضد الرومان سنة 501 م ..وعمت الفوضى وضاعت المقاييس وفُقدت القيم ألأصيلة [بسبب انتشار الفساد ألأخلاقي في زمن قباذ المزدكي كما قلنا سابقا راجع ما كتب عن المزدكية ]....وكانت الكنيسة الشرقية بأمس الحاجة الى من ينهض بها ويصلحها ويزيل عنها آثار هذه الرئاسة المزدوجة التي جرّت عليها المصائب والويلات (حيث انقسمت الكنيسة الى قسمين في الشرق يتصارع فيها جاثاليقين وهما نرساي الذي يقال كان اسقف الحيرة ، وبين أليشاع المرشح من قبل طبيب الملك قباذ ).
رغم الجهود التي بذلها برصوما النصيبيني في إرغام الناس على اعتناق المذهب النسطوري ، واستخدام القوّة في سبيل البلوغ الى تحقيق مأربه ، فقد ظلَّ قوم منهم متعلقين بالأفكار المنوفيزية ونجد نفرا منهم في نصيبين ذاتها وحتى بين مصاف ألأساقفة .ألآ أنّ الموجات المنوفيزية الهامة تدفقت على البلاد الفارسية إبّان ألأضطهاد الذي شُنَّ عليهم في بلاد الروم في نحو سنة 520-521م . وهناك شخص لعب دورا هاما في نشر المنوفيزية في المناطق الفارسية منذ مطلع القرن السادس ، وهو سمعان ألأرشمي ...ويظهر أنّ مدينة الحيرة كانت المسرح الرئيسي لهذا النشاط ، لما كانت تنعم به مع أمرائها المناذرة من الحكم الذاتي ولقربها من الحدود الرومانية ، مما يسهل الفرار منها الى بلاد الروم وقت الأضطهاد (وخاصة اذا علمنا ان الغساسنة العرب في سوريا كانوا غالبيتهم مونوفيزيين ) ..وقداكتسب سمعان عطف بعض ألأشراف في الحيرة فبنوا له كنيسة ، رغم وجود أسقف نسطوري فيها .إلاّ أن ألأضطهادات كانت متوقعة دوما . فتارة يتجنبها سمعان بتنكره وتغيير زيّه ، وطورا بفضل رسالة من ألأمبراطور البيزنطي انسطاس الى العاهل الفارسي .. ولكن وقع احيانا في قبضة أعدائه فحجر عليه في سجن نصيبين طيلة سبع سنين ، حتى تدخل ملك الحبشة وتشفع فيه فأنقذه .
واشتهر سمعان خصوصا بجدالاته مع النساطرة ، حتى لُقِّب " بالمجادل الفارسي"....هكذا مهّد سمعان الأرشمي لما سيقوم به يعقوب البرادعي واحدامه وغيرهما من الذين نشروا المذهب المنوفيزي في البلاد الفارسية في القرن السادس .
يقول الأب البير ابونا كاتب تاريخ الكنيسة في عهد الساسانيين :
"إن العنف وألأضطهاد عاجزان عن القضاء على ألأفكار والمعتقدات ، بل من شأنهما أن يخلقا غالبا ردة فعل عنيفة تؤدي الى التصلب في الموقف . وقد يكون هذا التصلب على حساب الحقيقة والمحبة ، وياللأسف ".
كسرى ألأول أنوشروان (531-579)م
هناك أمور عديدة ومصائب كبيرة حدثت في القرن السادس ، كما وردت في تاريخ السعردي . ومن جملة هذه ألأحداث ، يذكر احتلال كسرى أنوشروان لمدينة أنطاكيا في عهد الملك يوستنيانس ويقول:" وفي هذه المدة المذمومة قصد كسرى أنوشروان أنطاكيا والملك على الروم في ذلك الوقت يوسطانس ، فسباها وأهلها وحملهم الى المداين وبنى لهم مدينة على شكل أنطاكيا وسماها "أنطياخسرو"وأسكنهم فيها وهي المسماة الرومية".
مهما يكن من أمر ، فان عهد كسرى ألأول يعتبر من أمجد العهود الساسانية . فقد بلغت المملكة الفارسية في أيامه مجدا لم تبلغه قط في كل عهودها ، كما ان الثقافة الأدبية والفلسفية أضفت على عهده جمالا خاصا . وقد منح النصارى حرية العقيدة منذ الصلح الذي تم بين الفرس والروم سن 562م .
سنة 540م بدء عهد مشرق ومطلع فجر جديد لكنيسة المشرق. ففي هذه السنة تم انتخاب مار آبا الكبير جاثليقا عليها .وتجمع المصادر على إطراء مناقب هذا الرجل العظيم والتحدث عن سيرته الفاضلة وأعماله ألأصلاحية المجيدة . ..أكَّد مار آبا سلطته المباشرة على الأبرشيتين نصيبين وبيث لافاط ، وأختص نفسه بحق إقرار وتثبيت مطارنتها . ولكن هذا النشاط الرسولي أقضى مضاجع المجوس .لاسيما وإنَّ ما ر آبا هدى منهم خلقا كثيرا الى النصرانية في أرزن وفي مناطق أخرى من ألأمبراطورية الفارسية .وكان المجوس يعتبرونه دوما جاحدا مرتدا عن ديانة آبائه وعن دين الدولة الرسمي . وتوصلوا الى دفع الملك كسرى ألأول أنوشران الى نفيه الى بلدة " كنزك" الواقعة في منطقة نائية من أذربيجان . ومكث هناك سبع سنين إلاّ أنَّ هذا ألأبعاد لم يثن البطريرك العظيم عن نشاطه . فقد ظلَّ يدير شؤون الكنيسة من هناك برسائله الراعوية وبألأجتماعات التي كان يعقدها مع المتقاطرين الى زيارته في منفاه . وحينما أحسَّ مار آبا إنَّ مؤامرة تُحاك لأغتياله ، فرَّ قاصدا المداين وظهر أمام الملك على حين غرة . وطلب منه أن يبث هو في أمره وألا يدعه عرضة لظلم أناس مغرضين يضمرون العداء للمسيحية .ولكن الملك أظهر نحوه تسامحا كبيرا وحماه من كيد المجوس وأعوانهم وأكرم مثواه ، لاسيما بعد أن عاين إخلاصه وعمله السلمي في مشكلة تمرد أثارها أحد أبنائه عليه في منطقة بيث لافاط . وقضى مار آبا ايامه ألأخيرة بحرية نسبية ، الى ان وافته المنية في ساليق سنة 552م .
أمّا بعض ألأعمال الجليلة التي قام بها هذا الجاثليق الهمام فهي كثيرة تدور حول تنطيم شؤون الكنيسة وترتيب طقوسها ... ولكن عظمة مار آبا تظهر خصوصا بالقوانين التي سنها للكنيسة وبالحلول للمشاكل الكثيرة التي خلفها أسلافه الجثالقة .فقد عقد مجمعا سنة 544م فيه سنّ ستة وثائق هامة تخص:
1 - ألأصلاحات التي اجراها في شتى الأبرشيات التي كان قد تسرب فيها كثير من ألأضطرابات والمنافسات على السلطة
2- تتطرّق الوثيقة الثانية الى ألأيمان ألأرثودوكسي مستعرضة صورة هذا ألأيمان التي تظهر لنا صحيحة التعابير في خطوطها الكبرى فيما يخص ألأعتراف بالثالوث وبوحدة الشخص في يسوع المسيح الذي هو إله وأتخذ الطبيعة البشرية التي بها إحتمل ألآلام والموت فداء عن البشر
3 - وفي الوثيقة الثالثة يحاول مار آبا إصلاح ما فسد في أخلاق الرؤساء الكنسيين وفي تصرفات المؤمنين ، فيقدم للجميع التقوى وخوف الرب كأساس للحياة الروحية والمعيشة الصالحة ، ويحذر ألأكليروس من التدخل فيما لايعنيهم ومن إثارة الفتن بين العلمانيين وبين بعضهم ، ويمنعهم من تسلم إدارة الشؤون المادية والتفرغ لها . .
ثمَّ تتطرق الوثيقة الى الزواجات غير الشرعية التي أقدم عليها المسيحون أسوة بالمجوس وباليهود ، فمنع تعدّد الزوجات والأقتران بمن يأباه الشرع الطبيعي من جراء القرابة الدموية .[كان زواج الأمهات والبنات عند المزدكيين منتشرة في الأمبراطورية الفارسية كما كان هناك تبادل للزوجات وهذا التأثير المزدكي سينتشر في ألأسلام لاحقا ولكن بأسلوب آخر]
4 – تلغي هذه الوثيقة ماجرى إبان فترة الرئاسة المزدوجة في كنيسة المشرق ، فتبطل الجاثلقين نرساي واليشاع كليهما من الرتبة البطريركية وتسقطها من لائحة الجثالقة ، وتبطل ايضا كل ما جرى بينهما من الحرومات المتبادلة .
5 – ترتب هذه الوثيقة الشؤون الخاصة بأبرشيتي نصيبين وبيث لافاط وتخضعهما مباشرة لسلطة الجاثليق الذي بدونه لايجوز إقامة مطرافوليطين لهاتين ألأبرشيتين .
6 – وتسمى هذه الوثيقة "العملية" (براقطيقي) وهي تتطرق الى القوانين العملية الخاصة بالخلافة على الكرسي الجاثليقي بعد موت آبا . فهي تبعد عن هذا المنصب كل شخص محروم أو مذنب أو طماع أو أناني أو جشع أو كل من يفضّل اللذة على محبة الله .ثمّ تحدد الوثيقة كيفية انتخاب البطريرك: يتفق أساقفة ألأبرشية البطريركية ويستقدمون مطارنة ألأبرشيات ألأربعة الكبرى ، بيث لافاط ، فرات ميشان ، أربيل وبيث سلوخ .
رغم الأصلاحات التي أجراها آبا الكبير في كنيسة المشرق والقوانين الكثيرة التي سنها لمنع اضطراب وفوضى الرئاسة ، فان خلفه لم يكن على مستوى المسؤولية (الجاثليق يوسف 552-570) فقد تم انتخابه نزولا عند رغبة العاهل الفارسي كسرى الأول انوشران ..وقد عقد الجاثليق يوسف مجمع سنة 554م فيها سن 23 قانونا تدور حول ألأيمان وتنظيم الشؤون الكنيسة وتحديد سلطات البطريرك والأساقفة وترتيب الكراسي الكبرى على هذا المنوال:
1 – بيث هوزاي ،2 – نصيبين 3- فرات ميشان 4-حدياب 5- بيث كرماي 6- رواردشير 7- مرو
ظنّ الجميع أن ألأمور ستسير سيرا حسنا بعد هذا المجمع .إلا ان الأيام فضحت نوايا الجاثليق وأظهرت أساليبه التعسفية ، مستندا في ذلك الى قوة ملك الملوك وأصدقائه العلمانيين النافذين في البلاط الفارسي . وإذا به ينقلب مضطهدا للأساقفة والكهنة .
جاء في تاريخ السعردي :
"فطرد ألأساقفة والمطارنة عن كراسيهم ووثب على القسان وشدّهم بالأرسان وأبتنى لهم المعالف وملأها من ألأتبان وقال لهم اعتلفوا ذلك فإنكم حيوان بغير تمييز ولا بيان .ثم صار يحلق رؤوسهم ويصفعهم –لعنة الله- ويضحك هو السخيف العقل الجاهل المثر ويقهقه".
لم يحدث اضطهاد سافر على المسيحيين منذ موت مار آبا . ولكن هذا لايعني ان المسيحيين كانوا ينعمون بالسلام والحرية الكاملة في جميع مناطق الأمبراطورية الفارسية . فإعمال الشهداء تشير الى الحظر الساري على المزديين من إعتناق الديانة المسيحية . فلايحق للمسيحيين أن يقوموا باية دعاية أو اي تبشير بين صفوف الوثنيين . لاسيما في ألأسر ألأيرانية العريقة .وكُلِّ مخالفة تلقى عذابا صارما . ولنا خير دليل على ذلك في قصة الشهيدة شيرين التي ابصرت النور في كرخ سلوخ(كركوك) في حضن اسرة مزدية ، ثم إعتنقت الدين المسيحي . وحينما بلغ ألأمر الى "راد" المدينة ، القى القبض عليها واستاقها الى الملك في حلوان وقُتلت في ساليق سنة 559م ...وهناك شهداء اخرون كثيرون قتلوا في فترات قريبة من استشهاد شيرين . وكانت القوانين الفارسية تمنع المسيحيين من إقامة كنائس جديدة وتقبل بوجود القديمة منها فقط .
[ نتوقف هنا لنقارن بين ما قام به الوثنيين الفرس مع ما فعله المسلمون ايضا ، عبر التاريخ ، بحق المسيحيين ، وسنكتشف إنّها نفس نهج الفرس الوثنيين ونفس السياسة الذي سار عليه المسلمون ايضا ، في هدمهم لألاف الكنائس او تحويلها الى جوامع بعد رفع الصليب عن قببها وتبديله بالهلال . لابل قاموا الخلفاء المسلمين وبتحريض رجال الدين باضطهاد المسيحيين ومنعهم بناء كنائس جديدة ، او دخول اي مسلم الى الديانة المسيحية ، حيث يعتبر مرتدا ويقتل . وكذلك ايضا المسلمون منعوا مظاهر الرموز المسيحيية كالصلبان والأحتفالات خارج الكنائس، بل اعتبروا المسيحيين درجة ثانية او عاشرة كما جاء في الشريعة العمرية .
يقول شيخ ألأسلام إبن تيمية في احدى فتاويه:
"إنَّ علماء المسلمين مِن أهل المذاهب الأربعة؛ مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم مِن الأئمَّة؛ كسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وغيرهم، ومَن قبلهم من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - أجمعين متَّفقون على أنَّ الإمام لو هدَم كلَّ كنيسة بأرض العنوة كأرض مصر والسَّواد بالعراق وبر الشام ونحو ذلك مجتهدًا في ذلك ومتبعًا في ذلك لمَن يرى ذلك؛ لم يكن ذلك ظلمًا منه، بل تجب طاعتُه في ذلك ومساعدته في ذلك ممَّن يرى ذلك، وإن امتَنعوا عن حُكم المسلمين لهم كانوا ناقِضين العهدَ وحلَّت بذلك دماؤُهم وأموالُهم ]
راجع مقالة للكاتب
الكنائس المسيحية التي حوَّلها المسلمون الى مساجد عبر التاريخ
https://www.light-dark.net/t1286021

الملك هرمزد الرابع (579-590)
خلف هرمزد أباه كسرى ألأول على العرش الفارسي سنة 579 م . وقيل أن عدالته فاقت عدالة أبيه أنوشروان . وأتفق جميع المؤرخين الشرقيين على أنّه كان كثير العطف على الفقراء والمظلومين ، شديدا على ألأشرار والظالمين . ولكن تسامحه الظاهر نحو المسيحيين عرّضه لحقد رجال الدين الزرادشتيين ،بالأضافة الى حقد الأشراف والرؤساء . وينسب بعض المصادر الى الملك هرمزد هذا القول الموجه الى الهرابذة والمجوس
"كما أنَّه لاقوام لسرير ملكنا بقائمتيه المقدمتين دون قائمتيه المؤخرتين ، فكذلك لاقوام لملكنا ولا ثبات له مع استفسادنا من في بلادنا من النصارى وأهل سائر الملل المخالفة لنا ، فأقصروا عن البغي على النصارى وواظبوا على أعمال البر ، ليرى ذلك النصارى وغيرهم من أهل الملل ، فيحمدونكم عليه وتتوق أنفسهم الى ملتكم ".
ولدى تولي الملك هرمزد العرش الفارسي كانت مفاوضات السلم دائرة بين ألأمبراطوريتين الرومانية والفارسية . إلاّ أنها لم تسفر عن نتائج ثابتة فتجددت الحرب ودارت معارك ضارية بينهما .وكان النصر حليف الروم رغم كفاءة القائد الفارسي بهرام جوبين الذي كان قد أحرز إنتصارات ساحقة على الترك وعلى ألأقوام التي كانت تهدد الحدود الشمالية والشرقية من البلاد الفارسية . وحينما أقاله هرمزد من منصبه ، رفع بهرام عليه راية التمرد والعصيان . وكان له مناصرون عديدون
بعد القضاء على تمرد بهرام شوبين قامت مؤامرة أخرى على الملك هرمزد دبرها صهر الملك "بسطام" بالأتفاق مع أخيه "بندوية"فخلعا الملك وسجناه وسملا عينيه وناديا بإبنه كسرى الثاني برويز ملكا على البلاد الفارسية . فلما سمع كسرى الثاني تلك ألأخبار- وكان في منطقة أذربيجان مع جيشه – أسرع في العودة الى المداين لتسلم زمام ألأمور سنة 590 م . أمّا هرمزد السجين فقد قُتل بعد ذلك بمدة وجيزة .إلا أن بهرام زحف بجيشه على الملك الجديد وألجأه الى الفرار نحو الحدود البيزنطينية وألأحتماء بموريقي ملك الروم .
القائد بهرام ،الذي اصبح فيما بعد ملكا للفرس لفترة زمنية قصيرة حوالي سنة 590-591 م وكيف ان القرآن استمد سورة الفيل عن بهرام شوبين عندما هدد (المعني بسورة الفيل الحقيقي وليس ابرهة ) الأرمن بجيش عرمرم فيه فيلة للقضاء على الأرمن التابعين للأمبراطورية البيزنطية ، ورد ملك الأرمن لرسالة بهرام شوبين . وقد جرت هذه الحادثة حوالي سنة 591م كما جاء في تاريخ سيبيوس الأرمني وسميت تلك المعركة (بلاراثون ). بينما المفسرون المسلمون توهّموا بأن ابرهة الحبشي هو الذي قاد حملة عسكرية بجيش مصحوبا بالفيل لمهاجمة الكعبة في مكة وكيف ان الله ارسل عليهم طيرا أبابيل .يقول المسلمون ان محمد ولد في عام الفيل وهذا خطا كبير لأن عام الفيل بالنسبة للمسلمون هو حوالي سنة 570م بينما القصة الحقيقية وقعت في مكان اخر وزمن مختلف بحوالي 21 سنة راجع تفسير سورة الفيل ].
راجع دراسة محمد مسيح عن قصة أو خرافة أصحاب الفيل الواردة في القرآن قناة الحياة صندوق الأسلام 32 .
https://www.youtube.com/watch?v=9QZIF9vlKvU

تولى بهرام إدارة الشؤون الفارسية ونصّب نفسه ملكا وتقلد التاج . ولكنه لم ينعم طويلا بهذا النصر . فقد ساعد موريقي ، امبراطور الروم البيزنطيين ، كسرى ابرويز وأمدّه بالعون العسكري ، على أن يتنازل له عن مدينتي دارا وميافرقين اللتين أخذهما الروم حديثا في الحرب .وانضم كثير من الفرس الى القوات المؤازرة لكسرى الثاني أبرويز من ألأيرانيين والروم وأصطدمت بجيش بهرام شوبين قرب "كنزك" في أذربيجان ومزقتها شرَّ تمزيق ، وأضطر بهرام الى الهرب واللجوء الى البلاد التركية حيث لقي حتفه بعد زمان وجيز . وعاد كسرى الثاني منتصرا الى عاصمته وقضى على جميع مناوئيه .
تابعونا في الجزء الثالث
المصدر الرئيسي
تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية من انتشار المسيحية حتى مجيء الأسلام
للأب البير أبونا - الجزء الأول

*النسطورية تؤمن :"أنَّ المسيح له أقنومان (طبيعتان) أي اقنوم الهي وأقنوم بشري . والكلمة ألأزلي (اي نطق الله ) حلَّ على ألأقنوم البشري (أي ألأنسان) وقبل أن يتألم يسوع غادر الكلمة ألأزلي الجسد . لذلك شُبِّه لهم أنّهم قتلوه ولكنهم لم يقتلوه كما جاء في القرآن المنقول اصلا من النسطورية .
وعند الرجوع الى الكتاب المقدس عن طبيعة المسيح فليس فيها تلك التعقيدات اللاهوتية فالعهد الجديد واضح في ان المسيح له طبيعة الهية وطبيعة انسانية كما جاء في انجيل يوحنا
"في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله والله كان الكلمة ، والكلمة صار بشرا ".
فمنذ البداية الكلمة حلّـت على مريم العذراء وخُلق الكلمة المتجسّد (نُطق الله )
وهذا ما ورد في المجمع النسطوري المنعقد في البحرين سنة 679م الموافق سنة 57 هجرية كما جاء في كتاب " ملوك كندا "للأب جوزيف ضو .
لم يكن هناك الكثيرون ليفهموا تعليم نسطورس الذي كان معقدا .
الكنيسة الرافدينية (الرسمية ) لم تكن كُلّها نسطورية ، كما يدعي البعض من الباحثين ، بل كانت تتبع التعليم الصحيح ، والشاهد هو مار افرام السرياني الذي كان يؤمن بان المسيح هو الله قبل نسطورس بحوالي مائة سنة .
وخير دليل لنا ايضا هو المجمع الذي عقده مار آبا جاثليق الكنيسة المشرقية ، خصوصا بالقوانين التي سنها للكنيسة المشرقية وبالحلول للمشاكل الكثيرة التي خلفها أسلافه الجثالقة .فقد عقد مجمعا سنة 544م فيه سنّ ستة وثائق هامة وجاء في الوثيقة الثانية مايلي:
" تتطرّق الوثيقة الثانية الى ألأيمان ألأرثودوكسي مستعرضة صورة هذا ألأيمان التي تظهر لنا صحيحة التعابير في خطوطها الكبرى فيما يخص ألأعتراف بالثالوث وبوحدة الشخص في يسوع المسيح الذي هو إله وأتخذ الطبيعة البشرية التي بها إحتمل ألآلام والموت فداء عن البشر".

** المونوفيزية
في أرض الرافدين (تحت حكم الساسانيين) ألأيمان كان ارثودوكسي ، حيث كان آباء الكنيسة في بلاد الرافدين ردوا على بدعة جديدة ليعقوب البرادعي (المونوفيزية) والتي تؤمن بان المسيح له طبيعة واحدة فقط الله وان الطبيعة البشرية انصهرت في الطبيعة ألآلهية
اي الطبيعة الواحدة : هي عقيدة تؤمن بأن ليسوع طبيعة واحدة إلهية، وأن طبيعته البشرية امتزجت بهذه الطبيعة وذابت فيه. ويمكن أختصار هذه الطبيعة في: "يسوع المسيح، الابن، هو شخص وأقنوم واحد بطبيعة واحدة: الإنسان الإله . تعتبر المونوفيزية فكرة معارضة لعقيدة مجمع خلقيدونية، والتي ترى أن للمسيح طبيعيتين إلهية وبشرية. وبالرغم من وصف الكنائس الأرثوذكسية المشرقية بكونها مونوفيزية، إلا أنها ترفض هذا الوصف وتفضل الرؤية الميافيزية في وصف عقيدتها
في الحقيقة هناك سوء فهم للمصطلحات اللاهوتية التي كانت سبب انشقاق الكنيسة الأولى وظهور بعض الأختلافات في فهم طبيعة المسيح .فالأختلاف لم يكن سوى في الألفاظ والتعابير، (كما يقول كاتب تاريخ الكنيسة البير ابونا) ،دون أن يمس جوهر العقيدة المسيحية في التجسد . ففي حين أنَّ لفظة "كيانا"تشير عند المشارقة الى "الطبيعة"بشكل خاص، تشير عند اليونان الى الشخص "هيبوستاز".أمّا المشارقة فيشيرون الى "الشخص" بكلمة "برصوبا" ...هكذا فإن "كيانا"عند الشرقيين لايوجد الاّ في ألأقنوم، وإنّ الكيانين (الطبيعتين ) البشري وألألهي في المسيح موجودان في أقنومين حقيقيين –أي في ذاتين أو طبيعتين خاصتين –يوحّدهما شخص المسيح .وألأتحاد في المسيح هو إتّحاد في "الشخص"، وفيه تحتفظ كل طبيعة حقيقية (اي اقنوم) بصفاتها وخواصها .
واليوم يمكن الرجوع الى الكتاب المقدس الذي هو الفيصل في هذه الأختلافات في المصطلحات بسبب كون اللغات والمصطلحات لطبيعة المسيح في السابق كانت غير واضحة ومبهمة بسبب اختلاف التعابير والألفاظ بين اللغات الشرقية والغربية بخصوص مفهوم الطبيعة والأقنوم والذات والجوهر والشخص ، بالأضافة الى الصراعات السياسية والأطماع السلطوية لبعض رجال الدين في الكنيسة وتدخل الدين بالسياسة والسياسة بالدين ، مما ادى الى انشقاق الكنائس الشرقية والغربية وهذا موضوع متشعب ممكن الرجوع اليه في كتب تاريخ الكنيسة الشرقية والغربية الذي يشرح تلك الأحداث التاريخية بكل امانة .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,556,615,228
- انتشار المسيحية في عهد الأمبراطورية الساسانية قبل ظهور الأسل ...
- القرآن من خلال ألأبحاث والدراسات النقدية ج3 ماقاله الباحثون ...
- جذور ألأسلام النصرانية وأكذوبة -العصر الجاهلي- في التراث الأ ...
- الأسلام عقيدة ايدولوجية اخطر من النازية والفاشية وعلى الحضار ...
- القرآن من خلال ألأبحاث والدراسات النقدية ج2
- ألأسلام ألأول كان طائفة -نصرانية- ج7
- ألآريوسية وتأثيرها على العقيدة الأسلامية !!
- جذور ألأسلام النصرانية وأكذوبة -العصر الجاهلي- في التراث الأ ...
- الأسلام عقيدة ايدولوجية اخطر من النازية والفاشية وعلى الحضار ...
- المانويَّة وتاثيرها على ألعقيدة ألأسلامية !!!
- خدعوك أخي المسلم عندما قالوا لك انّ - محمد - هو -الصادق ألأم ...
- القرآن من خلال ابحاث ودراسات نقدية -الجزء الأول *
- الأسلام عقيدة ايدولوجية اخطر من النازية والفاشية وعلى الحضار ...
- ألأسلام عقيدة *أيدولوجية أخطر من **النازية و***الفاشية وعلى ...
- خلاصة الحروب والغزواة في التاريخ ألأسلامي
- ألأسلام ألأول كان طائفة -نصرانية - ج6 5 – عقائد وشرائع ومضمو ...
- ألأسلام ألأول كان طائفة -نصرانية - الجزء الخامس
- ألأسلام ألأول كان طائفة -نصرانية - الجزء الرابع القرآن يشهد ...
- خدعوك أيُّها المسلم عندما قالوا لك: -أنَّ الكتاب المقدَّس قد ...
- ألأسلام ألأول كان طائفة -نصرانية ج2 القرآن هو كتاب النصارى


المزيد.....




- إنقاذ مئات الطلاب بعد تعرضهم للتعذيب والاعتداء الجنسي بمدرسة ...
- إنقاذ مئات الطلاب بعد تعرضهم للتعذيب والاعتداء الجنسي بمدرسة ...
- نيجيريا: إنقاذ 300 شاب تعرضوا للتعذيب في مدرسة إسلامية
- نيجيريا.. إنقاذ مئات الطلاب من مدرسة إسلامية تحولت لسجن تعذي ...
- كيف حول وسم على تويتر البابا فرانسيس لمشجع فريق كرة قدم؟
- كيف حول وسم على تويتر البابا فرانسيس لمشجع فريق كرة قدم؟
- النيابة المصرية تجدد حبس ابنة يوسف القرضاوي ونافعة وإسراء عب ...
- المسماري: لم نستهدف المدنيين في القصف الجوي ويتهم -الإخوان ا ...
- أردوغان يكشف عن خطة تركيا في منبج.. ويهاجم الناتو: ربما لأنن ...
- بالفيديو.. وفد من المنتخب السعودي يزور المسجد الأقصى


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نافع شابو - انتشار المسيحية في عهد الأمبراطورية الساسانية قبل ظهور الأسلام ج2