أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اسماعيل شاكر الرفاعي - الحفرية الثانية















المزيد.....

الحفرية الثانية


اسماعيل شاكر الرفاعي

الحوار المتمدن-العدد: 6307 - 2019 / 8 / 1 - 08:59
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


( 1 )

في هجرته من مكة ، كان محمد وحيداً ، معزولاً عن اتباعه القلائل ، وملاحقاً بامر القتل الذي اصدره ضده الملأ القريشي ، ومع ذلك كان يقول لأبي بكر صاحبه الذي رافقه في رحلة التهجير والهرب : لا تحزن ( اذ هما في الغار اذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا . التوبة : 40 ) . طيلة 13 عاماً لم يقدم الله دليلاً على انه قادر على ان يتدخل في أحداث الأرض ، فقد ظل عاجزاً عن تقديم أي مساعدة لنبيه الساعي الى نشر الديانة التي تدعو الى عبادته ، الا ان محمداً كان يستحضر وجوده كما لو كان مرافقاً دائماً له . النبوة : وفق تقاليد التوحيد المشرقية الموروثة ، ناطقة باسم اله غائب ، غير مرئي من قبل عابديه . ولكن النبوة ، كمنظومة فكرية : تصور الله على انه دائم الحضور في احداث العالم الأرضي ، لمنع الشيطان من تدخله المستمر في أحداث هذا العالم ، وكف يده عن صناعة ( هرطقات ) العالم الأرضي . لقد سبق لهذا الاله ( او الله بلغة محمد في القرآن ) الموافقة على طلب الشيطان في البقاء حيّاً الى نهاية الحياة ، مع هدف معلن يتمثل بغواية البشر أجمعين : ( قال ربي فانظرني الى يوم يبعثون . قال فانك من المنظرين . الى وقت اليوم المعلوم . قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين . الا عبادك منهم المخلصين . سورة ص : 78 ـ 82 ) لقد سمح الله بوجود قوة أخرى مناوئة لمخططه الكوني بالوجود ، ثم دعا الى الحذر من غوايتها ، حتى ليمكن لقاريء القرآن القول ، بأن الدين الأسلامي وجميع الديانات السابقة على الأسلام ، انما وجدت ليس من أجل غاية العبادة ( ما خلقت الجن والأنس الا ليعبدون ) وانما وجدت ايضاً لصد غواية الشيطان وانقاذ البشر من وسوساته . المنطق الذي ينتظم منظومة الغيب النبوية هنا : يشبه ان يكون مزحة ثقيلة ، كيف تصنع عالماً بقوانين ثابتة وبفطرة بشرية مبرمجة على سلوك محدد ، ثم تخلق الى جانبها قوة أخرى مناوئة تعمل على حرف الطبيعة البشرية من العمل وفق الفطرة التي فطرها " الخالق " عليها . وهذا ما لم يقدم على صناعته الأنسان بعد الثورة الصناعية 1750 ، اذ كانت جميع الموجودات التي ابتكرها وصنّعها : من المحرك البخاري الى محرك البحث ( كوكل ) تسير على برمجية واحدة ، بحيث يمكن لك ان تتنبأ بما تقوم به من أفعال وكذلك بما تستغرقه هذه الأفعال من زمن . فنحن نعرف الآن زمن رحلة القطار او الطائرة أو السيارة أو حتى المكوك الفضائي من مكان الى آخر . تشير قراءة التوراة والأناجيل والقرآن : الى ان العقل البشري كان يطالب منذ البدء بالبرهان على ما يدعيه السحرة والكهنة والأنبياء . ويتوق الى ان تنسب اليه أفعاله وخاصة فعله الكبير في التاريخ المتمثل بالثورة الزراعية . ذلك لأن مختلف الأساطير وملاحم الخلق نسبت الثورة الزراعية وكل ما يعرفه الأنسان من فنون وحرف الى ايحاء اله من الآلهة . كان عقل الأنسان يرفض هذا الأدعاء الذي يتناقض مع أفعاله التي أنجزها على الأرض ، والتي اهتدى الى ممارستها نتيجة لخبراته التي راكمتها ملاحظاته وتجاربه المتواصلة وما نقل اليه بالوراثة ، لقد رفض العقل الأنساني قول الكتب الدينية من ان الآلهة هي التي علمته كل شيء ، وانه لم يكن قد اكتشف النار والزراعة ، وانما تم له ذلك من خلال الرسائل التي ترسلها الآلهة الى بني البشر عبر النوم او عبر ظواهر ذات طبيعة رمزية كأشارات تتضمن الدعوة الى تعلم حرفة أو فن جديد . وحتى حين اتخذ مجمع الآلهة قرار الطوفان ( لأن البشر على الأرض كانوا يزعجون الآلهة بضوضائهم ) نسبت هذه الأساطير معرفة الأنسان بتوقيت الطوفان الى ( وشاية ) بلغ من خلالها أحد الآلهة : اوتونبشتم أو نوح كما ترجمته الكتب الدينية ( 1 ) ، وليس لأن الأنسان الذي كان يسكن بلاد ما بين النهرين كان قد توصل الى حل لتحدي الفيضان عن طريق ابتكاره للسدود وشبكات الري وللزوارق وتطويرها من حيث الحجم والطاقة الدافعة . هذا التناقض بين اجتهاد الأنسان المتواصل لدرء أذى الطبيعة عنه وما اجترحه من أفعال عانى من ادائها الكثير ، وبين نسبة هذه الافعال الى ايحاءات خارجية هو واحد من الأسباب التي كانت تصد الناس عن تقبل المنطق الغيبي ، وهذا الرفض الذي قام به العقل الأنساني للمنطق الغيبي نابع من المنطق الداخلي للعقل الأنساني وليس الى وسوسات الشياطين . فليس من السهل على العقل الأنساني ان يتصرف بمقدراته منطق لا عقلاني ، أي لا واقعي ، لا يربط بين السبب والنتيجة ذلك الربط الذي يدل على ان العقل الأنساني قد بلغ رشده .

( 2 )

حين طالب أهل مكة محمداً بالدليل القاطع على اتصال الله به ، عجز محمد عن تقديم ذلك الدليل . لكن القرآن لم يعترف بهذا العجز بل أمعن في هجاء أهل مكة كبشر بلا عقول ، وأكثر من الأستهزاء بطريقة تفكيرهم التي حرفها ( الشيطان ) عن التفكير الصحيح ، وظل الله في القرآن يخلق الأشياء ويوقع العذاب بطريقة : كن فيكون السحرية ( 2 ) . لم يكن محمد عارفاً بتاريخ الأرض وتاريخ الأنسان عليها ، ولم يكن يعي المعنى الحقيقي للعقل الذي تكرر استخدامه بطريقة بدوية : طريقة مخاطبة رؤساء القوم لا العموم منهم : ( أفلا تعقلون ، يا أولي الألباب ، فاعتبروا يا أولي الأبصار ، لعلكم تتفكرون . ) بل لم يكن يعي تاريخ تطور العقل الأنساني ، وصراع الأنسان الطويل مع قوى الطبيعة وظواهرها العنيفة التي كان لها الفضل الكبير في هذا التطور . لقد دفعت هذه الظواهر الأنسان الى ملاحظتها ، فمكنته هذه الملاحظات من السيطرة عليها بتفادي أذاها في العام القادم . لم يتطور العقل البشري عبر تأمل عالم الغيب بل تطور عبر تأمل عالم الشهادة والحضور : العياني ، الملموس ، ذا التأثير المباشر على وجوده . لم ينتظر العقل البشري المساعدة من قوى علوية أو خارجية وهو يكتشف النار ، أو وهو يستخدم الحجر وينحته ، لصناعة ادواته البدائية الأولى في معالجة التربة وابتكار أواني الطبخ ، وقتل الحيوانات والطيور عن بعد ، وخلال ذلك كان الأنسان قد ترك خلفه مرحلة جمع الحبوب والغذاء جاهزاً من الطبيعة ، الى مرحلة انتاجه . لم يعرف محمد شيئاً عن تطور الدماغ وتطور التفكير البشري ( العقل ) بتطوره ، وما ترتب على ذلك من بداية تفكير الأنسان بتطوير اسلوب عيشه . لو عرف شيئاً من ذلك لما فاجأته حالة صدود المكيين عن الديانة التي يدعو اليها بمفرداتها الغيبية ، ولما فسر هذا الصدود بمفردة غيبية ايضاً على انه فعل من أفعال الشيطان ، ولما تحدثت آيات القرآن الأولى عن الاه غاضب يكاد يتخذ قرار ايقاع العقوبة بالمكيين الذين يطيعون الشيطان ولا يطيعون الله ، ويعبدون غرائزهم واهوائهم ولا يعبدون الله الذي خلقهم والذي سيميتهم ثم يبعثهم مرة أخرى للحساب . كان تخويف الناس من سلطة كلية الجبروت هو ما حاول محمد غرسه في وعي ، وفي لاوعي أهل مكة ، لكي يجعل الخوف من الله هو الشاغل الأوحد لهم . فلكي يكونوا أتقياء وينالوا رضا الله يجب ان يظلوا مشغولين بذكر الله ، مسبحين باسمه طوال نهارهم وفي ساعات صحوهم الليلي ، وان يكفوا عن الأنشغال بوسوسات الشيطان التي تدعوهم لتلبية احتياجاتهم الغريزية ، وتطوير مستوى نمط عيشهم كي يمارسوا فيها حياتهم كبشر واعين وليس كحيوانات لا تعي ما أعد لها القدر من مصير . وهكذا فأن كلمة تطور وتطوير تشير الى حياة طارئة في عرف منظومة الغيب النبوية ، ولا تستحق عناء التفكير فيها ، ومن يفكر بأولويتها على عالم الغيب وعالم ما بعد الموت : مصاب لا محالة بمرض الوساوس الشيطانية المعدي . وهنا يتساوى التفكير بتطوير الحياة والأرتفاع بمستوى العيش فيها مع الوساوس الشيطانية ، أو قل ان التفكير بالعالم الأرضي ، عالم الحياة : هو انحراف عن التفكير السليم ، أملته وساوس الشيطان . لأن الحياة المؤقتة لا يمكن ان تكون بديلاً ، في تفكير الأنسان ، عن الحياة الدائمة : حياة ما بعد الموت . ثم ان التفكير بتطوير الحياة لا جدوى منه لأن الله كان خلق كل شيء بسمات ثابتة وجواهر عصية على التغير بتغير الظروف الواقعية . وهكذا فأن زراعة الخوف من المجهول : الوسيلة المثلى بيد الكهان والسحرة والأنبياء لقيادة الناس كالقطيع ( مبدأ الراعي والرعية الأسلامي كمنهج في القيادة والحكم .) ان طريقة زراعة الخوف هي الخطوة الأولى ، التي تليها حتماً الخطوة الثانية التي يتلبس خلالها الأنبياء واشباههم بقوة الغيب التي يدعون لعبادتها . لقد أصبح محمد هو الله وخاصة في الفترة اللاحقة للهجرة ، يحمل الصفات نفسها التي أغدقها القرآن على الله . كان اله محمد كما وصفه القرآن ذا قدرات خارقة : يميت ويحيي ، ينزل المطر ويحيي الأرض البوار . وسيطفئ السماوات ذات يوم ويكشط الكواكب والجبال ويجعل مياه البحار تفور مسجورة بالنار ، وينفذ غضبه السريع بالأقوام الضالة فيصعقهم أو يغرقهم أو يزلزلهم ويخسف بهم الأرض . مع ذلك فهو اله رحيم ورؤوف بعباده ، فهو لا يسارع الى انزال العقاب بالأقوام الضالة قبل ان يرسل اليهم رسولاً من عند انفسهم . وعلى موقف هذه الأقوام من أنبيائها ورسلها ، وعلى ما يرسله الأنبياء من تقارير الى آلهتهم على شكل همهمات ، يتوقف نوع العذاب الذي سيوقعه الله بقوم لوط أو بقوم نوح أو بقوم صالح أو باليهود . فالهمهمات هنا هي الدعاء الذي يرسله الأنبياء ضد أقوامهم والتي يتبعها فعل الله العنيف بهذه الأقوام . اذاً في المنظومة الفكرية الغيبية يصبح للدعاء قيمة عليا ، اذ بوساطته يمكن استمطار غضب الله أو رحمته . وهنا تتراجع كل القيم التي تنادي بها الأديان أو تصبح غير ذات قيمة . كما ويصبح سعي بعض المجاميع البشرية الى الأرتفاع بنمط معيشتها عن طريق ابتكار طرق جديدة لمعيشتهم لا أهمية لها ، اذ يمكن عن طريق الدعاء تحقيق كل ما تصبوا او تتطلع اليه المجاميع البشرية . لقد ارتبطت نبوة محمد بالنطق باسم قوة علوية اختار لها اسم الله . ماذا يملك محمد في بدء الدعوة من قوة غير قوة هذا الأله القاددر على كل شيء ؟ لقد توحد محمد بهذه القوة وصار يستحضر حضورها الفاعل في الأحداث وفي تقرير مصائر الكون والمخلوقات ، رغم غيابها المستمر عن الحضور في احلك الأوقات التي مر بها . وقد عبر محمد عن مشاعر توحده بهذه القوة في آيات وسور قرآنية غاية في جمال التصوير : كآية الكرسي وآية النور وسورة الرحمن . حالة التوحد هذه التي استبطنها محمد قد جعلته يمنح صفات القوة والجبروت التي وصف بها ربه في القرآن : لذاته ، فطاعة الله لا تتكامل الا بطاعة محمد ، وان المؤمنين لا يتكامل ايمانهم الا بان يحكّموا محمد بكل ما شجر بينهم ( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما . سورة النساء : 65 ) وانه ( صلى الله عليه وسلم ) . قوة محمد أمام اتباعه واعدائه في آن واحد مستلة من قوة هذا الأله القوي القدير الذي يدعو الى عبادته . فكان استحضار وجوده وتدخلة ضروري لأن قوة محمد في وسطه مرتبطة بكونه نبي ورسول هذا الأله .

( 3 )

انتشر الأسلام بعد هجرة محمد من مكة الى المدينة . في السنوات الأولى من الهجرة ظل اعضاء هذه النحلة الدينية الجديدة محدوداً ، اذ لم يزد عدد المقاتلين المسلمين في معركة بدر الكبرى على 340 مقاتلاً واجهوا جيشاً من قريش تعداده 1000 مقاتل . لكن المسلمين انتصروا في هذه المعركة ، وكان لهذا الأنتصار وقعه وتأثيره على سكنة يثرب ـ المدينة ، من المشركين واليهود وعلى القبائل البدوية . وعزز محمد هذا الأنتصار بغزوه لمستوطنة ( بنو قينقاع ) اليهودية ، فجذب هذا الغزو بعض الأعراب من القبائل البدوية القريبة السكن من المدينة ، ولكنهم لم يتحولوا الى مقاتلين دائميين ، فظل الأسلام في قوته الضاربة مقتصراً على المهاجرين من قريش وعلى الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج . وليس من دون سبب غزا محمد بنو قينقاع واجلاهم عن المدينة ، لكن هذا الأجلاء تسبب في خروج ظاهرة المنافقين الى العلن ، خاصة من قبيلة الأوس الذين سيلعبون دوراً مثبطاً في معركة أحد اللاحقة التي سينهزم فيها المسلمون أمام جيش قريش الذي جاء هذه المرة ليثأر لقتلاه في معركة بدر الكبرى . لكن ما نلاحظه ان أية معركة فاصلة يقوم بها المسلمون ضد قريش تتبعها مباشرة الحرب على احدى الجاليات اليهودية واجلائها من المدينة . وبعد معركة أُحد سنة 3 هجرية ، اتخذ محمد قرار غزو مستوطنة (بنو النضير ) اليهودية . من هذه الجدلية : جدلية الحروب وغزو القبائل واجلاء المستوطنات اليهودية ، ولدت المؤسسة الأولى في الأسلام : مؤسسة الجيش المجاهد المتفرغ للحرب مع قريش ولغزو القبائل البدوية واجلاء اليهود . فجيش محمد المتوسع باستمرار بحاجة الى ما يديم وجوده الفيزيقي واستمرار نشاطه العسكري : ولا سبيل امام قائده في اقتصاد رعوي ، الا اجتياح المستوطنات الزراعية والواحات والقبائل المالكة لقطعان ضخمة من المواشي والأبل . الفكرة الدينية الجديدة تطالب بوجود جيش لحماية نفسها وارهاب أعدائها ، والجيش يطالب بتغذيته مالياً ، وهذه التغذية تتطلب من محمد : اصدار أوامر الحرب والغزو والأجلاء للحصول على الغنيمة التي توفر مصدر اغاثة هذا الجيش . واوامر محمد النبي مقدسة تضفي شرعية دينية على أوامر الحرب والغزو والأجلاء . وبهذه الشرعية الدينية يتم سلب ملكية الآخرين الزراعية والحيوانية . وهنا تكمن غواية ثلاثية الحرب والغزو والأجلاء في جذب بعض القبائل البدوية للحصول على نصيب من الغنيمة كماقتلين في جيش ديني مهمته ، لكي يستكمل انتشاره ، الحرب والأجلاء والغزو . ففي السنة الخامسة من الهجرة وقعت معركة الخندق أو الأحزاب ، فتلاها مباشرة اجلاء الجالية اليهودية الثالثة : ( بنو قريضة ) ولا يستهينن أحد بما درته هذه المستوطنات الغنية على المسلمين من أراضي زراعية واموال ، أي من غنائم كبيرة جعلت من جيش محمد أكبر وأقوى جيش في العربيا ومجهز بارقى انواع الأسلحة ، فبعد ان كان عدد الفرسان في معركة بدر الكبرى ، قبل اربع سنوات فارسان فقط ، أصبح فرسان الجيش الأسلامي بالمئات ، وهم يتوجهون في العام السابع من الهجرة الى مكة للعمرة . ومع ان حرباً لم تقع مع قريش ، الاّ ان القوة الجديدة فرضت على قريش من خلال ( صلح الحديبية ) الأعتراف بوجودها . أي ان القوة : قوة الأرض وليس قوة السماء هي التي أجبرت قريش على الأعتراف بوجود ديانة محمد الجديدة التي تحميها سواعد وسيوف أعضائها وليس قوة خارجية تفترض وجودها آيات القرآن المحمدي . لقد انتصرت ارادة محمد القائد المنظم الأستراتيجي ، محمد صاحب القوة ، ولم تنتصر ابداً استراتيجية : ( ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ان ربك هو اعلم بمن بمن ضل عن سبيله وهو اعلم بالمهتدين . النحل : 125 ) التي لم تكسب سوى ايمان العشرات من الأفراد بدعوة محمد . هكذا توّج محمد بارادته القوية ذروة الحدث : صعوده الجبار الى قمة التل وبداية انحدار عدوه . ومن الان فصاعداً لا يمكن ان نتحدث الا عن قوة عسكرية منظمة ضاربة ، ستستقل بآليات عمل خاصة بها ، ( وقد ترتكب الموبقات كقصف الكعبة بالمنجنيقات باسم الفكرة الدينية نفسها ،) وسيصبح مالكها مالك الدين والدنيا . فخلافة محمد أو الخلافة كمفهوم ديني سيرتبط وجودها بامتلاك هذه القوة ، وسيبرر له الفقهاء ذلك تحت عنوان عريض اسمه : التغلب ، وسيصبح الأجماع كمفهوم ديني : اجماعاً على شرعية الخليفة الجديد ، اذ ان مفهوم الأجماع كركن من اركان التشريع الأسلامي الى جانب القياس والحديث والقرآن ، ولد على يد الشافعي في كتابيه : الأم والرسالة ، بعد ان سقطت الدولة الأموية التي فرضت الأجماع على شرعيتها بالتغلب أي بالسيف ، ونجحت الثورة العباسية بالتغلب أي بالسيف أيضاً . وستحتج الفكرة الدينية على دفعها الى الظل وتحويلها الى تابع يشرعن أفعال السيف ، وتطالب بأولويتها على السيف في تقرير شؤون الخلافة وتعيين الخليفة عن طريق " الشورى " وستدفع بأوائل الناقدين لهذا المسار للخروج الى العلن : القرّاء ، ثم الى الخروج العلني على السلطة الرسمية : الخوارج ثم الشيعة ، وبالأحرى : الخروج العلني لحوار " المرجئة " و" المعتزلة " . وبعد ان وقع محمد معاهدة ( صلح الحديبية ) وبايعه الكثير من فرسان ومقاتلي جيشه على الموت ، عاد الى المدينة التي لم يمكث فيها سوى اسبوعين أو أكثر قليلاً ليعلن نفير الحرب ، آمراً بأن لا يخرج معه الى القتال الا من بايعه على الموت تحت الشجرة ، متوجهاً الى " خيبر " المستوطنة الرابعة من مستوطنات اليهود ، وهي الأكثر غنى من جميع المستوطنات الزراعية التي تم اجلائها ، وربما كانت أكثر انتاجية من منطقة اليمامة . وبغزوها وامتلاك خيراتها وبجعل سكنتها عبيداً ينتجون لصالح الجيش الأسلامي : اصبح لجيش المسلمين مورداً مالياً ثابتا ، اذا ما أضيف الى ما حصل عليه محمد من المستوصنات اليهودية الثلاث التي استولى عليها ، لعرفنا بأن جيش المسلمين الذي أصبح تعداده بالآلاف يتغذى الآن ويديم وجوده مما تنتجه المستعمرات اليهودية سنوياٌ ، اضافة الى واردات الجزية التي فرضها على القبائل العربية في مناطق العربيا الأخرى : في اليمن واليمامة والبحرين ونجد والتي ستتحول الى ضريبة سنوية ثابتة بعد المعركة مع قبيلة هوازن الغنية في حنين . ومن هذه اللحظة بدأ الدخول الى الأسلام يتم على شكل جماعات وقبائل وليس أفراداً كما كان الحال منذ العام الأول للهجرة . لقد لعب السيف وما يدره من غنائم دوراً في نشر الفكرة الدينية أكبر بما لا يقاس مما حققه في مكة خلال 13 عاماً .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,686,734,010
- حفريات الفصل الثاني
- 5 أفعال محمد
- القسم الثالث والرابع من الفصل الثاني
- الفصل الثاني : انتشار الأسلام
- الرسالة والنبوة
- 2 في السيرة
- حفريات ضرورية : 1 خصوصية البيئة الثقافية المكية
- 3 الأستعداد السياسي
- 2 الأستعداد البياني أو الموهبة الأدبية
- حيرة المسلم بين الرؤيتين الدينية والبرلمانية
- هوامش سياسية
- فنجان ثالث من قهوة الصباح
- قهوة صباحية
- اشرف الخمايسي في رواية : جو العظيم
- محنة رءيس الوزراء العراقي الجديد
- ظاهرة يوسف زيدان
- تنبوء ولي العهد السعودي
- ثقافة تزداد تحجراً
- جمال خاشقجي
- قتل النساء


المزيد.....




- الرئيس الصيني يعقد اجتماعا مع مسؤولين رفيعي المستوى بشان -كو ...
- جينيفر أنيستون تفاجئ معجبي فريندز بالظهور خلفهم
- فرنسا: أحزاب اليمين تندد باستخدام ماكرون -للهولوكست- في تصري ...
- الجيش اللبناني يتدخل لمنع المحتجين من اقتحام مقر الحكومة في ...
- عالم التانغو الساحر
- اليابان.. ساعي بريد لم يسلم آلاف الرسائل والطرود لأصحابها وخ ...
- كل ما تود معرفته عن فيروس كورونا حتى الآن.. وفيات وحالات إصا ...
- شاهد: محمد صلاح يستعد لدخول مجموعة مشاهير متحف مدام توسو لدم ...
- كيف بدا المشهد السياسي في الجزائر بعد نحو عام على الحراك وما ...
- #البصرة_تقمع: تساؤلات في العراق بعد انسحاب الصدر من ساحات ال ...


المزيد.....

- الإسلام جاء من بلاد الفرس ط2 / د. ياسين المصري
- خطاب حول الاستعمار - إيمي سيزير - ترجمة جمال الجلاصي / جمال الجلاصي
- حوار الحضارات في العلاقات العربية الصينية الخلفيات والأبعاد / مدهون ميمون
- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله
- البرنامج السياسي للحزب / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- الشيخ الشعراوي و عدويّة / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- مستقبلك مع الجيناتك - ج 1 / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- صعود الدولة وأفولها التاريخي / عبد السلام أديب
- الثقافة في مواجهة الموت / شاهر أحمد نصر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اسماعيل شاكر الرفاعي - الحفرية الثانية