أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علاء الشرقاوي - الدين والعلمانية في المجتمع الرأسمالي















المزيد.....


الدين والعلمانية في المجتمع الرأسمالي


علاء الشرقاوي

الحوار المتمدن-العدد: 6306 - 2019 / 7 / 31 - 21:07
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


اولا تعريف العلمانية : اقصد هنا بالعلمانية أنها فصل الدين عن الدولة وعدم اتخاذ الدين كموجه أساسي لسياسات الدولة، أو رداء يجب أن تتخذه هذه السياسات فهي تحرير السياسة والدولة والحياة نفسها من قيود الدين والمؤسسات الدينية بعكس ما كان سائدا في العصور الوسطى (عصور الإيمان)

مما لا شك فيه أن ظهور العلمانية في الدول الرأسمالية هو نتيجة لتطور طويل حتى أصبحت بالشكل الذي نراه اليوم. وإن ظهور العلمانية يرتبط اساسا بظهور ونمو البرجوازية منذ مرحلتها الاولى التجارية في المدن في أوربا العصور الوسطى.
ولقد ظهرت الحاجة إليها مع ازدياد أهمية كسر سلطة البابوية وقيام الدول القومية لأهميتها كسوق فضلا عن حرية التجارة مع المسلمين في الشرق وأهميته الاقتصادية الأمر الذي كان يحتم فصل الدين عن العلم والدولة وكسر سيطرة البابوية والسيد الإقطاعي الأكبر في أوروبا آنذاك (البابا)، و تجسد هذا الإتجاه (بدايته تحديدا) مقولة تجار البندقية أثناء الحروب الصليبية "لنكن اولا بنادقة ، ولنكن بعد.ذلك مسيحيين“.
ولعل هذه المقولة توضح لنا أساس سياسة البرجوازية منذ البدايات الأولى تجاه الدين ، فهي سياسة براغماتية لا تتأثر بالاعتبارات الدينية والتي كانت الشكل المعلن لسياسة الدول آنذاك .
ومع الدخول والتغلغل في العصر الحديث أصبحت العلمانية أساس في الدول الأوروبية خصوصا في المناطق الغربية.
ومع عشرينيات القرن المنصرم أصبحت تركيا حاضنة اخر "خلافة إسلامية“ وهي الدولة العثمانية أو رجل أوروبا المريض دولة علمانية (بالطبع ظهرت الأفكار العلمانية ووجدت من يؤمن بها من قبل أن يقرها أتاتورك كنظام للدولة الجديدة ووجدت تعبير لها في فكر جماعات التحديث والتتريك في أيام الدولة العثمانية).
ولكن السؤال، هل علمانية المجتمع الرأسمالي هي علمانية حقيقية أم مجرد وجه وسلاح اخر في السعي الاستعماري ؟ (أتحدث هنا عن دول المركز أساسا خصوصا في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية)

في مقاله المنشور على موقع الحوار المتمدن في أغسطس العام الماضي بعنوان " الدين بين فكي التاريخ والحداثة“ يقول آرام محاميد فيما معناه بنموذجين للدول العلمانية ، الأول هو النموذج التركي الذي يحترم الدين بوصفه ارثا تاريخيا ، والنموذج الثاني هو النموذج الأوروبي الذي لا يجد أزمة في توجيه النقد الدين.

وفي رأيي ، الفارق هو طول مرحلة التراكم (من حيث مدى سيطرة السلطة الدينية وأهمية كسر هذه السيطرة بالإضافة لتطور البرجوازية صاحبة المشروع) في الحالة الأوروبية مقارنة بالحالة التركية التي وصل الفكر العلماني إليها في مرحلة متأخرة وظهرت الحاجة إليها لتحديث المجتمع مع ثبوت تخلف نظمه المتبعة ، وهي على كل الأحوال لم تكن نتيجة قرار فوقي أتخذه أتاتورك فقط ( حتى وإن كنت لفترة اتبع هذا الرأي فأنا اعترف بأنه كان خطأ تماما).
ذلك بالرغم من أن الرؤية القائلة بأن العلمانية في تركيا لم تظهر غير مع أتاتورك تجد تأييدا لها من قطاع كبير لكن هذا خطأ طالما نعتقد بأنه لا وجود لما يظهر فجأة من العدم من دون مقدمات (يمكن دحض هذا الرأي عند دراسة طبيعة دور الدين في المجتمع التركي إبان المرحلة العثمانية حتى من ناحية اختيارهم لأكثر المذاهب بساطة في مذاهب الاسلام السني ولكنه أمر يخرجنا عن إطار الموضوع حالياً) .
وبالرغم من ذلك فإننا نجد تعلق كبير في تركيا بالمرحلة العثمانية نلتمسها في نفوذ الأحزاب الدينية في الشارع خصوصا الأحزاب القومية المتمسكة بالإرث العثماني ومسألة الدين بالنسبة لها هي أساس قيام الدولة حتى وإن قالت بتمسكها بالعلمانية وإرث أتاتورك لكننا نجد دعمها المستمر للجماعات الإسلامية المتطرفة في المنطقة مثل الدول الغربية تماما في هذا الأمر وهو دعم لتحقيق المصالح اساسا ( هذا الإتجاه يستفيد بشدة من الدراسات العلمية التاريخية التي تتناول التاريخ العثماني بنظرة موضوعية في مواجهة النظرة الاستشراقية التي سادت لفترة طويلة ففي نظري هو توظيف كلمة حق تقال من باب الأمانة العلمية ، للسعي وراء الباطل).
من هنا أرى أن العلمانية التركية غير حقيقية وسياسة تركيا براغماتية ، تستخدم الدين أحيانا كثيرة في سبيل تحقيق مصالح محددة لها في الدول ذات الأغلبية الإسلامية بالإضافة لبقاء القوى الدينية صاحبة تأثير ونفوذ قوي في الشارع التركي.
فهل هذا بسبب قصر مرحلة التراكم التي أوصلت تركيا إلى العلمانية (من حيث ظهور الحاجة الاقتصادية لكسر السلطة الدينية) ؟ ام بسبب طبيعة تدين الأتراك منذ أيام الدولة العثمانية فلم يختلف الأمر كثيرا حتى بعد إجراءات أتاتورك العلمانية ؟ أم أن هناك سببا آخر؟
والواقع أن الإجابة على هذا السؤال تحتاج منا إلى مزيد من البحث خصوصا في نموذج أوربا الغربية وأمريكا.

كما ذكرت سابقا ، فإن الأساس الذي أنشأ فكرة العلمانية والدولة القومية كانت الحاجة الاقتصادية مع نمو الطبقة البرجوازية في المجتمع الأوروبي في أوروبا العصور الوسطى فتبدأ بذور الفكر العلماني من المدن التجارية الإيطالية وترتبط حركة الإصلاح الديني أيضاً بهذه الطبقة الصاعدة لكونها محاولة لكسر هيمنة الكنيسة وما ارتبط بها من أنظمة تقف عقبة في طريق هذه الطبقة.
من هنا، كان التراكم المتاح للعلمانية في الغرب الأوروبي بلا شك سببا في تجذيرها اكثر من النموذج التركي ، الأمر الذي قد يكون تفسيرا لما قاله آرام محاميد في مقاله .
غير أن تتبع تاريخ أوروبا في العصر الحديث نجد أن الأمر مختلفا وهو ما سأوضحه في السطور القادمة .

مما لا شك فيه أن الثورة الفرنسية كانت ذات توجهات علمانية وأن فرنسا نعمت بحكم علماني في المرحلة التالية للثورة حتى وقع الانقلاب عليها.
غير أنه من أهم الأحداث التي وقعت في عهد حكومة الإدارة (وهو عهد ايضا ينتمي للثورة ومبادئها) كان قدوم الحملة الفرنسية على مصر بقيادة بونابرت .
ونجد في سياسة بونابرت والكثير من قيادات الجيش الفرنسي في مصر ( عدا كليبر وأقلية معه) ما يوضح لنا مدى براغماتية العلمانية البرجوازية، فالمنشور الذي وجهه بونابرت للمصريين بهدف اظهار مدى ورعه لكسب تعاطف الشعب المصري معه ، بالإضافة إلى صبغ محاربة الثورة للقوى الدينية في أوروبا بأنها دلالة على الوحدة بينهم وبين المسلمين وهم غالبية أهل مصر. هذا من ناحية ، ومن ناحية ثانية كانت كانت ألاعيب الفرنسيين في مصر أثناء ذات دور في إشعال نار التناحر الطائفي ، فمن ناحية قاموا بمحاولة للحفاظ على الأوضاع القائمة في بداية الأمر لاعتقادهم بأن الأقباط سيستقوون بوجود عنصر آخر متغلب غير المسلمين فكان تأكيد الفرنسيين في أول رمضان لهم بمصر على عدم مخالفة الأوضاع السابقة ، غير أن الأمور اختلفت في عهد كليبر (الذي كان معارضا لسياسة بونابرت ومن معه نحو تملق المسلمين ) وخليفته مينو عندما استعانا بالمعلم يعقوب (رجل سليمان بك المملوكي من أتباع مراد بك سابقا وشريك في حملة ديزيه على الصعيد وجرائمها هناك بحسب وصف كريستوفر هيرولد) وتشكيل الفيلق القبطي في الجيش الفرنسي الموجود بمصر ، وبالرغم مما قيل عن أن يعقوب كان ساعيا لتشكيل جيشا وطنيا يقاتل لأجل استقلال البلاد عن الدولة العثمانية ، لكن هذا الجيش كان في الواقع جماعة مسلحة تم تشكيلها على أساس طائفي اولا وثانيا لأجل دعم قوة احتلال كانت غير قادرة على تحديد قواتها والحصول على إمدادات من بلادها .
ويمكن أن الاستعانة بيعقوب ( والذي كان مغضوبا عليه من الكنيسة القبطية بالمناسبة) في عهد كليبر تحديدا والذي كان دائم الاعتراض على سياسة سلفه الدينية المنافقة لأهل البلاد يدلنا أن كليبر كان يسعى لربط بقائه بفئة معينة من أهل البلاد.
ومما أورده الجبرتي عن أحاديث كليبر يعترف الأخير بأنهم من سلحوا الأقباط لمواجهة المسلمين حال التعرض لهم ، فكان الأمر أشبه بأن الشعب آنذاك واقعا بيت مخالب العثمانيين الذين حرضوا مسلمي مصر ضد الأقباط من ناحية (وهذا أمر طبيعي في حالة الدولة العثمانية التي لم تكن تدعي بأنها تقف على مسافة واحدة من أصحاب الديانات المختلفة ) والفرنسيين من ناحية ثانية (وهم من كانوا آنذاك يدعون أنهم على مسافة واحدة من أصحاب العقائد المختلفة) الذين استخدموا ايضا سلاح التحريض الطائفي للأقباط وحاولوا التأكيد على التقارب فيما بينهم . ( مسألة الإعتداء على الأقباط في ثورة القاهرة الثانية هنا هي بحسب الجبرتي ، وهو أمر يخالف ما قال به نقولا الترك وهو الذي يؤكد أن الهجوم لم يكن طائفيا أساسا بل كان ضد كل من تعاون مع الاحتلال أو ما ذكره بو الفرنسي الذي عاصر هذه الأحداث في مصر وكتب أن عمليات الهجوم على الأقباط وغير المسلمين عموما إبان ثورة القاهرة الثانية كان من أعمال الجنود العثمانيين الذين تمكنوا من دخول مصر مع الحملة التي أتت في البداية لتسلم مصر من الفرنسيين قبل فشل المعاهدة ) ، وعلى كل حال فإن رؤية الثورة بوصفها عمل طائفي بحت تجد ما يدحضها باشتراك ثراة الأقباط في تمويل الثورة كجرجس الجوهري وفيلتوس وملطي ، بالإضافة لان بعض المصادر الفرنسية تقول بأن من ضمن من تم القبض عليهم في أعقاب الثورة فرنسي كان يعيش في مصر منذ ما قبل الحملة وقبطي قبض عليهم في أثناء إضرامهم النار في ملهى التيفولي الذي كان محل اجتماع وسهر كثير من الضباط والجنود الفرنسيين.
فمشاركة جماعة من ثراة الأقباط بالإضافة لمشاركة الاقباط المنتمين للعامة في أحداث الثورة كانت دليل على إدراك الشعب لكونهم وحدة واحدة يواجهون قوة احتلال فالوعي بأنهم شعب واحد لا شعبين بحسب الديانة تشكل في الوسط المعادي للاحتلال لا الوسط المتعامل معه ممثلا في يعقوب ومن معه .
وبالعكس كان الفرنسيون يزيدون من حدة الانقسام على أساس ديني من ذلك محاولتهم الحفاظ على التقسيم المتبع سابقا من حيث اختصاص الأقباط (ثراتهم أو كبرائهم تحديدا) بأعمال الجباية كما فعل بونابرت عندما طلب منهم معاونته في جمع أموال المماليك ، كذلك في رسالته لكليبر عند فراره لفرنسا والتي أوصاه فيها بجذب الأقباط لصفه لأنهم "أصدقاء حقيقيين“ مع منعهم من القيام بأعمال انتقامية ضد المسلمين ، ونجد هذه العلمانية الجديدة ذهب نابليون لتطبيقها في أوروبا عندما أعاد العلاقات مع البابوية لاعتقاده أنه في حاجة إليهم لتحقيق طموحه في أوروبا وكفى بهذا دليلا على العلمانية البراغماتية لابناء الثورة الفرنسية .
والحملة ليست الدليل الوحيد على ما أقول به ، فالهجمة الاستعمارية على الشرق فيما بعد كان سلاح الدين فيها حاضرا بقوة ، فالإرساليات التبشيرية التي قامت أوروبا بإرسالها كانت بمثابة الممهدات لعملية الغزو.
ففي حالة مصر كانت الإرساليات التبشيرية (البروتستانتية من امريكا وانجلترا والكاثوليكية من فرنسا أساسا) تعمل بين الأقباط أساسا بهدف اجتذابهم لهذه الطوائف بعد فشل عملية فرض السلطة على كنيستهم مما أدى لإشعال صراع بين الكنيسة القبطية وكنائس الإرساليات الغربية، بالإضافة لعملها وسط المسلمين بالطبع وإن كانت عمليتها فشلت وسط المسلمين وكذلك وسط الأقباط في عملية تغيير الديانة أو الطائفة تماما ، فإنها نجحت بنسبة كبيرة في مهمتها السياسية بربط كثير ممن ارتبطوا بهم أو تخرجوا من مدارسهم اساسا بالمصالح الأوروبية وحصلوا على حماية الدول الأوروبية والامتيازات الأجنبية (اخنوخ فإن س مثلا مؤسس الحزب القبطي وهو حزب طائفي حصل على دعم من الاحتلال كان واحدا من أبناء مدارس الإرساليات).
وتقارير اللورد كرومر وما ذكره في كتابه مصر الحديثة عن حضارة أوروبا المسيحية في مواجهة بربرية الشرق المسلم ، أو ربطه كل دعوة لمقاومة الغزو الاستعماري بأنها دعوة تطرف ديني وان الحركة الوطنية ما هي إلا جماعة من المتعصبين دينيا وهو ما نجد دحضه في قراءة أحداث الثورة العرابية لنجد أن كل من الطرفين كان له أناس من مختلف الأديان مسلمين ومسيحيين ويهود أيضا، كذلك فمن كتابات الرافعي خصوصا عن مصطفى كامل ومحمد فريد فلا أساس لما قال به كرومر من أن الحركة الوطنية هي حركة تعصب ديني، بل إن من لعب اساسا على الوتر الديني كان الاحتلال في محاولة تقربه من الأقباط ومحاولة التأكيد على أن الروابط بين مسيحيي الشرق روابطهم بمسيحيي الغرب اكبر واقوى من روابطهم بمسلمي الشرق شركائهم في الوطن، أي أن يكون أساس الشعب هو الأساس الديني (وهي دعوة مشابهة لرؤية التنظيمات الإسلامية وكذلك الحركة الصهيونية التي قالت بأن اليهود في كل العالم هم عرقية وقومية مختلفة عن الشعوب التي هم منها ) .
وذلك بعد أن انتهى المبرر الأساسي الذي قالوا به في بداية الاحتلال وهو حماية الخديو والمصالح الأجنبية ، حتى أن الاستعمار البريطاني في تصريح ٢٨ فبراير ١٩٢٢ أكد على حماية الأقليات الدينية بجانب تأكيده على حماية الأجانب في مصر.
فالسياسة الاستعمارية استخدمت الدين كسلاح فعال في هجمتها على الشرق وربطت بين "تقدم وحضارة“ الدول الأوروبية الاستعمارية وبين الديانة السائدة فيها وليس بنمط الإنتاج المتبع ، فيصبح الدين هو أساس التقدم والتأخر طبقا لهذه الدعاية (بالإضافة إلى الرؤية العنصرية التي جعلته يرى أن مسيحيي مصر "متخلفين“ كمسلميها لظروف بلادهم المخالفة لاوروبا) .
هذا بالنسبة للسياسة البريطانية في مصر آنذاك ومن قبلها فرنسا في وقت الحملة الفرنسية ، وعموما كان الوضع مشابها في المستعمرات خصوصا في الصين (من ناحية العلاقة بين المبشرين والمستعمرين) في التأكيد في المعاهدات التي فرضت على الحكومة الصينية (الرجعية) على حق المبشرين في ممارسة نشاطهم وأصبحت القوات الاستعمارية تحمي نشاط المبشرين، وهو دليل على الترابط بين الطرفين لا لسبب الدين نفسه بل لأنه كان سلاحا في يد الدول الاستعمارية ، فهو مكون ثقافي لدولتهم وممهد أساسي لتسهيل مهمة الحكومات الاستعمارية ، لذلك كانت حركة "يي خه توان“ في إطار محاربتها للاستعماريين الأجانب تهاجم أيضا المبشرين .
ننتقل إلى الوقت المعاصر، لنجد استمرار نفس السياسة البراغماتية من قبل الدول الاستعمارية حيث الدين والعلمانية أسلحة في يد المستعمرين لتحقيق مصالحهم.
فعندما تدافع بريطانيا عن مصالحها في سلطنة عمان أمام ثورة ظفار ذات القيادة الماركسية تنشر دعاية ذات طابع ديني كان منها منشور "يد الله تحارب الشيوعية“ وكأن بريطانيا كانت تنهب المستعمرات في طول العالم وعرضه خدمة لله !
ويمكن تفهم استخدام الدعاية هنا لفكرة مدى تأثير الدين في المجتمع الشرقي، ولكن هذا الأمر لم يقتصر فقط على المنطقة العربية ولكنه امتد إلى أوروبا أيضا لمحاربة دول الكتلة الشرقية بالسلاح نفسه وهو ما كان ينفذه يوحنا بولس الثاني عندما تم إرساله إلى بولندا لحث الناس على مقاومة النظام الشيوعي (بالطبع هي لم تكن دول اشتراكية متكاملة بل نظام رأسمالية دولة لا أكثر) والتمسك بالدين .
فهنا كان الدين سلاحا فعالا في مواجهة نظام كانت تعتبره الدول الإمبريالية في عدائها وكان من الضروري لها محاربته فحاربته بسلاح الدين، ناهيك عن أنها في الوقت نفسه كان تغذي الجماعات الدينية الإسلامية سواء في دول أوروبا الشرقية أو أفغانستان بمشاركة السعودية الخ. لحشد الجمهور المتدين ليقف في وجه النظام الشيوعي الملحد على حد وصفهم.
كما تم استخدام الدعاية الدينية أيضا في الدعاية داخل الولايات المتحدة الأمريكية عندما بدأ بوش الابن حروبه منذ عام ٢٠٠١ ووصفها بأنها حملة صليبية جديدة.
ومن يتمكن من الإطلاع على ما يقوم به المبشرين الإنجيليين في المنطقة العربية بنشره بيت من يتبع هم من رؤى سياسية قريبة من وجهة نظر الدول الإمبريالية إن لم تكن متطابقة معها تمام التطابق خصوصا فيما يتعلق بقضايا كقضية الصراع العربي الصهيوني من حيث نشر فكرة أن فلسطين هي أرض ل"الشعب اليهودي“ وأن تستمر السيطرة عليها لكي يعود المسيح مجددا ويخلص العالم (قارن بين ذلك وبين ما قالت به نيكي هايلي مندوبة الولايات المتحدة الأمريكية السابقة في الأمم المتحدة وقت نقل السفارة الأمريكية للقدس والاعتراف بها كعاصمة للكيان) ولكنهم لا يتوقفون عند ذلك بل يقولون بأنه ايضا يمكن إنهاء هذا الصراع عندما يتحول طرفي الصراع أي العرب واليهود إلى المسيحية ليعم السلام في المنطقة وكأن اتباع طرفي أي نزاع للديانة واحدة يمنع وقوعه .
ولعل هذه أدلة تؤكد أن الدين في دول أوروبا الغربية وأمريكا لا يزال له دور كبير وهم وإن كانوا منفتحين بخصوص نقد الدين إلا أنه نقد يعرف حدوده ولا يزال استخدامه في السياسة مستمرا.
ولكي لا أخرج خارج الحدود التي رسمتها في بداية المقال بأن يكون مقتصرا على أمر الدين والعلمانية في الدول الغربية في مواجهة العلمانية التركية لتوسعت لكي أشمل سياسة الحكومة الهندية (وهي حكومة علمانية) في استخدام سلاح النزاع الطائفي والرؤى الدينية الهندوسية في مواجهة ثورة الناكساليين الماويين في شرق الهند.

خاتمة:-
كان من الطبيعي أن ترتبط العلمانية بالمشروع البرجوازي (يوم كان مشروعا تقدميا) طالما أن هذا المشروع كان في صراع مع قوى أوروبا العصور الوسطى التي كانت البابوية ضلع أساسي فيها ، فكان لابد من مقاومة البابوية وسلطة الدين والكنيسة بداية من حركات الإصلاح الديني وصولا لفصل الدين عن الدولة وذلك منذ مرحلتها التجارية والرغبة في التخلص من عوائق تحقيق الربح التي كانت تضعها الكنيسة، فكانت مقولة تجار البندقية " لنكن أولا بنادقة ولنكن بعد ذلك مسيحيين“ تمثل ثورة فعليا في العصور الوسطى وكانت كذلك مثال لبراغماتية البرجوازية التي اتضحت وزادت في العصر الحديث ، فهم علمانيين عندما يتوافق ذلك مع مصالحهم ومتدينين عندما يكون الدين هو المحقق لمصالحهم ويدركون كذلك نقطة التوقف عند استخدام كل من الدين والعلمانية ، فعندما يتعارض الدين مع عملية تحديد النسل أو مع عملية غزو العراق (لرفض البابا يوحنا بولس الثاني لغزو العراق ولكنه كان رفضا لحين موافقة الأمم المتحدة) هم علمانيون، وعند مواجهة خصم علماني حقيقي (الاتحاد السوفيتي أو ثورة ظفار ذات القيادة والفكر الماركسي ) فلابد من استخدام الدين السائد في المنطقة المراد تأليبها على الخصم ، كذلك عندما وضعوا الدول المصطنعة لتكون رقيبة على مناطق بعينها استخدموا سلاح الدين أو توافقوا مع استخدام الدين لهذا الغرض (الكيان الصهيوني وباكستان كمثال) في دعوة كانت تعتبر الدين هو قومية مستقلة بذاتها أو عرق في مواجهة أعراق أخرى .
فهي عملية توظيف لكافة الأسلحة المتاحة لضرب حركة التحرر من هذه المنظومة التي أصبحت منظومة رجعية بالفعل وفقدت تقدميتها تماما كما فقد الإقطاع من قبل تقدميته.
وإذا استخدمنا وصف د.سمير أمين لمصطلح الثالوث الإمبريالي (المقصود بها دول أوروبا الغربية وأمريكا واليابان) نجد أن الدولة الوحيدة التي تعتبر استثناء مما ذكرته سابقا هي اليابان ، وذلك لظروفها الخاصة التابعة من اختلاف العقيدة الدينية عندها من ناحية عن بقية العقائد المنتشرة (ديانة الشنتو 神道 مثلا هي ديانة يابانية تماما وحتى البوذية اليابانية تختلف عن البوذية المنتشرة في الهند و الصين فهي بمثابة مدرسة بوذية مستقلة) بالإضافة لظروف أخرى هي في النهاية ظروف خاصة بالتجربة اليابانية وليست أساسا في الرأسمالية.
وعليه فإن النموذج العلماني الحقيقي لا يمكن أن يقوم في ظل نمط الإنتاج الحالي طالما هو نمط إنتاج قائم على الاستغلال اساسا.
وبالتأكيد العلمانية ستكون حقيقة إذا ما ارتبطت بنمط إنتاج غير قائم على الاستغلال والا بقيت علمانية منقوصة كما هي في ظل نمط الإنتاج الرأسمالي.

المصادر والمراجع :
عبدالرحمن الجبرتي ، مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيين .
عبدالرحمن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار .
كريستوفر ج هيرولد ، بونابرت في مصر.
د. غالي شكري، الأقباط في وطن متغير.
د.اسماعيل زين الدين ، دراسات في تاريخ أوروبا الحديث والمعاصر .
حلمي النمنم ، الأقباط والاحتلال الفرنسي لمصر.
اللورد كرومر، مصر الحديثة
عبد الرحمن الرافعي ، مصطفى كامل باعث الحركة الوطنية .
عبد الرحمن الرافعي، محمد فريد رمز الإخلاص والتضحية .
فكري اندراوس، المسلمون والأقباط في التاريخ.
د. فؤاد مرسي ، الفتنة الطائفية والقوى الخارجية.
يوحنا بولس الثاني : دوره الرئيسي في انهيار الاتحاد السوفيتي ( منشور على موقع اليتيا)
روبير الفارس ، البابا يوحنا بولس الثاني رجل المهام الصعبة (منشور على موقع بوابة الحركات الإسلامية)
Adam Szymański, Secularism in Turkey – Historical and Contemporary Perspectives

Dr. Bülent DAVER, SECULARISM IN TURKEY
John Paul ii: a strong moral vision (منشور على موقع CNN )

ملحوظة: كان هذا المقال في البداية جزء من تعقيب على مقالة "الدين بين فكي التاريخ والحداثة“ لارام محاميد ولكن تم تطويره ليخرج بهذه الصورة النهائية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,685,328,945
- ليه انا يساري ومش ليبرالي ومش اسلامي؟؟


المزيد.....




- مسلسل المسيح: ماذا لو ظهر في عالمنا شخص يقول الناس إنه نبي؟ ...
- دمت.. بخار يخمد براكين النفس ويطهر جروح الروح
- -الطائفة المقدسية- تروج للعبودية داخل كيان الاحتلال
- شاهد.. شويغو يتفقد سير بناء الكنيسة الرئيسية للقوات المسلحة ...
- ذكرى الهولوكوست.. وفد من رابطة العالم الإسلامي يصلي في أحد م ...
- ألمانيا تسلم أحفاد محام يهودي فرنسي ثلاثة أعمال فنية سرقها ا ...
- وزير العدل السعودي السابق يزور أسوأ معسكر موت نازي مع مسؤولي ...
- -تجارة الهولوكوست-... 46 قائداً عالمياً يعتمرون «القلنسوة ال ...
- كل ما يجب معرفته عن المحرقة اليهودية -الهولوكوست-
- ماكرون يزور المسجد الأقصى وحائط البراق


المزيد.....

- للتحميل: التطور - قصة البشر- كتاب مليء بصور الجرافكس / مشرفة التحرير ألِسْ روبِرْتِز Alice Roberts - ترجمة لؤي عشري
- سيناريو سقوط واسقاط الارهاب - سلمياً - بيروسترويكا -2 / صلاح الدين محسن
- العلمانية في شعر أحمد شوقي / صلاح الدين محسن
- ارتعاشات تنويرية - ودعوة لعهد تنويري جديد / صلاح الدين محسن
- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علاء الشرقاوي - الدين والعلمانية في المجتمع الرأسمالي